المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌القسم الثالث- في العصر الراشدي والأموي: - المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

[محمود سالم محمد]

فهرس الكتاب

- ‌المحتوى

- ‌المقدمة

- ‌الباب الأول بواعث ازدهار المديح النبوي وانتشاره

- ‌الفصل الأول الأسباب السياسية

- ‌الصراع الخارجي:

- ‌الصراع الداخلي:

- ‌الفصل الثاني الأسباب الاجتماعية

- ‌المظالم والكوارث:

- ‌المفاسد الاجتماعية:

- ‌الفصل الثالث الأسباب الدينية

- ‌مجادلة أهل الكتاب:

- ‌مخالفة الشريعة:

- ‌المظاهر الدينية:

- ‌الجدل المذهبي:

- ‌انتشار التصوف:

- ‌الرؤيا:

- ‌الفصل الأول نشأة المدح النبوي

- ‌القسم الأول: المديح والرثاء والمديح النبوي:

- ‌القسم الثاني- المدح النبوي في حياة الرسول:

- ‌القسم الثالث- في العصر الراشدي والأموي:

- ‌القسم الرابع- في العصر العباسي:

- ‌القسم الخامس- في العصر الفاطمي والأيوبي:

- ‌الفصل الثاني حدود المديح النبوي

- ‌القسم الأول- الشعر التقليدي:

- ‌القسم الثاني- مدح آل البيت:

- ‌القسم الثالث- الشعر الصوفي:

- ‌القسم الرابع- التشوق إلى المقدسات:

- ‌القسم الخامس- المولد النبوي:

- ‌الفصل الأول المضمون

- ‌القسم الأول- المدح بالقيم التقليدية:

- ‌القسم الثاني- المدح الديني:

- ‌محبته:

- ‌فضائله:

- ‌هديه:

- ‌السيرة:

- ‌المعجزات:

- ‌تفضيله:

- ‌الحقيقة المحمدية:

- ‌الرسول والبشرية:

- ‌التوسل به والصلاة عليه:

- ‌آثار النبي الكريم:

- ‌ذكر الآل والصحابة:

- ‌القسم الثالث- مواضيع أخرى:

- ‌الحديث عن المديح النبوي في قصائد المديح:

- ‌القسم الرابع- المعاني:

- ‌الفصل الثاني الأسلوب

- ‌القسم الأول- الشكل الشعري:

- ‌ذكر الأماكن:

- ‌الغزل:

- ‌الرحلة:

- ‌وصف الطبيعة:

- ‌الوعظ:

- ‌الدعاء:

- ‌المباشرة بالمدح:

- ‌الانتقال:

- ‌الرجز:

- ‌المقطوعات:

- ‌ضروب النظم:

- ‌الأشكال المتميزة:

- ‌القيود الشكلية:

- ‌ النظم

- ‌المعارضة:

- ‌الوزن والقافية:

- ‌القسم الثاني- الصياغة والأسلوب:

- ‌النظم:

- ‌التصنع:

- ‌الألفاظ:

- ‌القسم الثالث- الصنعة الفنية:

- ‌الصنعة الخيالية:

- ‌الصنعة اللفظية:

- ‌الفصل الأول أثر المدائح النبوية في المجتمع

- ‌القسم الأول- الأثر الاجتماعي:

- ‌النصح والإرشاد:

- ‌الاعتقاد بالمدائح النبوية:

- ‌الجدل العقائدي:

- ‌إظهار النزعة العربية:

- ‌القسم الثاني- الأثر التعليمي للمدائح النبوية:

- ‌القدوة والمثل:

- ‌المعرفة:

- ‌الفصل الثاني أثر المدائح النبوية في الثقافة

- ‌القسم الأول- أثر المدائح النبوية في الشعر:

- ‌أثره في الإبداع الشعري:

- ‌أثره في قصائد الشعر الآخرى:

- ‌الملاحم:

- ‌القسم الثاني- البديع:

- ‌القسم الثالث- التأليف:

- ‌المصادر والمراجع

- ‌المصادر المخطوطة:

- ‌المصادر المطبوعة:

- ‌المراجع:

- ‌الفهرس التفصيلي (عام)

- ‌ حرف الألف

- ‌ حرف الباء

- ‌ حرف التاء

- ‌ حرف الثاء

- ‌ حرف الجيم

- ‌ حرف الحاء

- ‌ حرف الخاء

- ‌ حرف الدال

- ‌ حرف الذال

- ‌ حرف الراء

- ‌ حرف الزاء

- ‌ حرف السين

- ‌ حرف الشين

- ‌ حرف الصاد

- ‌ حرف الضاد

- ‌ حرف الطاء

- ‌ حرف الظاء

- ‌ حرف العين

- ‌ حرف الغين

- ‌ حرف الفاء

- ‌ حرف القاف

- ‌ حرف الكاف

- ‌ حرف اللام

- ‌ حرف الميم

- ‌ حرف النون

- ‌ حرف الهاء

- ‌ حرف الواو

- ‌ حرف الياء

الفصل: ‌القسم الثالث- في العصر الراشدي والأموي:

وقد وصل إلينا من مديح النبي الكريم على عهده، ما يثبت أن الشعراء قد تأثروا بشخصية الرسول العظيمة، كل واحد من موقعه، فظهر صلى الله عليه وسلم في شعرهم إنسانا كاملا، ونبيا كريما، ولم يكن يخطر ببالهم أنهم يرسون فنا جديدا من فنون الشعر العربي، سيكون له فيما بعد شأن أي شأن، ينشغل به النّاس، ويتبارون في إجادته.

ومع ذلك فإنهم قدموا لمن جاء بعدهم طريقة مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإمكانية ذلك وكثيرا من المعاني والتعابير التي استخدمها الشعراء إلى يومنا هذا، وأصبحت بعض القصائد مثالا يحتذى في نظم المدح النبوي، كلامية كعب بن زهير وهمزية حسان بن ثابت.

‌القسم الثالث- في العصر الراشدي والأموي:

عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقع المسلمون في حيرة حول خلافته، ولم يكونوا يفكرون في ذلك، ولم يتهيؤوا له، فتباينت آراؤهم فيمن يستحق خلافه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لم يوص لأحد، ولم يترك إشارات قاطعة حول خلافته، وترك الأمر شورى بين المسلمين، ولكن الصحابة الكرام سرعان ما حسموا هذه المسألة، وأنهوا هذه المشكلة التي أثيرت ثانية في القسم الأخير من خلافة عثمان- رضي الله عنه، الذي استشهد في خضم المعترك السياسي آنذاك، هذا المعترك تحول في خلافة علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه- إلى صراع دموي، انتهى بتسلم الأمويين للسلطة، وتحويل نظام الحكم من الشورى إلى الوراثة-، لكن الأمر لم يستتب لهم على الرغم من قوتهم، إذ تحولت الاتجاهات المتابينة في النظر إلى الخلافة، إلى أحزاب قوية، ظلت تقارع الأمويين حتى قوّضت دولتهم.

ولمّا كان الصراع في جوهره صراعا حول الخلافة، والخلافة الإسلامية مركز ديني وسياسي في الآن ذاته فإن كل فرقة من الفرق المتصارعة، حاولت أن تجد لمطالبها

ص: 75

السياسية سندا دينيا يؤيد حقها في الخلافة وهكذا ظهر اسم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأقواله في أحاديث هذه الأحزاب، وفي شعر شعرائها.

وقد منع هذا الصراع المحتدم بين العرب من جهة، وبينهم وبين أعدائهم الخارجين من جهة ثانية الشعراء من أن يطيلوا التفكير في فنهم، ويلتقطوا أنفاسهم للنظر في هذا الفن، وتجديد مضمونه وأسلوبه، لكن دواعي الشعر القديمة عادت إلى الظهور بعد أن توارت في حياة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وفي معظم مدة الخلافة الراشدية، فعاد الشعر قريبا مما كان عليه أيام الجاهلية.

لكن هذا الأمر لم يمنع أن يسجل بعض الشعراء عواطفهم الدينية، ومحبتهم الخالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحب الفضل في تكوين هذه الأمة المنقسمة حول خلافته، فهؤلاء الشعراء لم ينحازوا إلى فئة معينة، لذلك لم يكن مديحهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم منطلقا من وجهة نظر حزب معين، ولا انتصارا لمذهب سياسي.

ومن ذلك قول النابغة الجعدي «1» الذي وفد على النبي الكريم، يذكر فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته، وعليه خاصة:

حتى أتى أحمد الفرقان يقرؤه

فينا وكنّا بغيب الأمر جهّالا

فالحمد لله إذ لم يأتني أجلي

حتّى لبست من الإسلام سربالا

يا ابن الحيا إنّني لولا إلاله وما

قال الرّسول لقد أنسيتك الخالا «2»

ولم يكن النابغة الجعدي في معزل عن الحركة التي تحيط به، فعبّر عن استيائه مما يراه بقوله:

(1) النابغة الجعدي: قيس بن عبد الله بن عدس الجعدي، شاعر مخضرم صحابي من المعمرين، شهد صفين مع علي، توفي نحو (50 هـ) . ابن سلام: طبقات فحول الشعراء 1/ 123.

(2)

شعر النابغة الجعدي ص 101.

ص: 76

فيا قبر النّبيّ وصاحبيه

ألا يا غوثنا لو تسمعونا

ألا صلّى إلهكم عليكم

ولا صلّى على الأمراء فينا «1»

والغريب أن نجد ما وصلنا من شعر قليل، يذكر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعود إلى التقاليد القديمة في مدحه، وهذا المدح يصح في غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولولا القرينة مثل ورود اسم النبي الكريم أو تصريح صاحب الكتاب الذي ذكر الشعر، أن هذه الأبيات أو تلك في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عرفنا فيمن تقال، وكان من المفروض أن يتابع الشعراء ما بدأه متقدموهم في حياة النبي الأمين، ويسيروا به إلى الأمام، حين ظهرت الآثار الدينية في مدحهم للرسول الكريم، وحين أخذوا في معرفة الطريقة التي يخاطبون بها رسول الله صلى الله عليه وسلم والتي يمدحون بها نبيا يختلف عن باقي الناس ويفضلهم.

فلولا تصريح صاحب الحماسة أو شارحها أن أبا دهبل الجمحي «2» يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأبيات التالية، لما عرفنا فيمن تقال:

إنّ البيوت معادن فنجاره

ذهب وكلّ بيوته ضخم

عقم النّساء فما يلدن شبيهه

إنّ النّساء بمثله عقم

متهلّل بنعم بلا متباعد

سيّان منه الوفر والعدم

نزر الكلام من الحياء تخاله

ضمنا وليس بجسمه سقم «3»

وبعد ذلك لم يرد مدح النبي الكريم إلا في معرض المساجلة والمفاخرة بالانتساب إليه، وفي الحجاج المشتد بين الأحزاب السياسية، الذي تنازع فيه المتخاصمون حول

(1) شعر النابغة الجعدي ص 210.

(2)

أبو دهبل الجمحي: وهب بن زمعة بن أسد القرشي، أحد الشعراء العشاق، له مدائح في معاوية وعبد الله بن الزبير، توفي نحو (63 هـ) . ابن قتيبة: الشعر والشعراء ص 389.

(3)

شرح ديوان الحماسة: 4/ 75.

ص: 77

الأحقية في الخلافة وقد شهد العصر الأموي عودة الصراع القبلي، والنعرات القبلية، لأن الأمويين كانوا يستندون في حكمهم على مجموعة قبائل معينة، وكانت بعض القبائل تتعصّب للهاشميين وكانت قبائل أخرى تهوى هوى الخوارج، لذلك اشتدت المفاخرات بين القبائل وشعرائها، وأكبر هذه المفاخرات ما كان يجري بين العدنايين والقحطانيين، الفرعين الرئيسيين للقبائل العربية، فكان العدنانيون يفخرون بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، وكان القحطانيون يفاخرون بنصرته.

وهكذا كان الشعراء في عهد بني أمية يتفاخرون بانتسابهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مهما ابتعد هذا النسب، مثلما فعل عثمان بن عتبة بن أبي سفيان، أمه بنت الزبير بن العوّام، في قوله:

أبونا أبو سفيان أكرم به أبا

وجدّي الزّبير ما أعفّ وأكرما

حواري رسول الله يضرب دونه

رؤوس الأعادي حاسرا وملأمّا «1»

وكذلك فعل عثمان بن واقد الذي ينتسب إلى الخليفة الفاروق- رضي الله عنه عند ما قال مفتخرا:

جدّي وصاحبه فازا بفضلهما

على البريّة لا جارا ولا ظلما

هما ضجيعا رسول الله نافلة

دون البريّة مجد عانق الكرما «2»

فكل رجل وكل قبيلة عادوا إلى البحث عما يفخرون به، في زمن زاد فيه التفاخر بالأمجاد والأنساب، ولو كانت هذه الأمجاد جاهلية، فتباهوا بأيام قبائلهم وبغزواتها وسلبها ونهبها، فكيف لا يتباهى من ينتسب إلى صحابي، أو إلى قبيلة ناصرت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان لها معه أثر؟

(1) المرزباني: معجم الشعراء ص 90.

(2)

المصدر نفسه: ص 93.

ص: 78

فقد قدم على عمر بن عبد العزيز رجل من ولد قتادة بن النعمان «1» ، وعند ما سأله الخليفة، ممن الرجل؟ قال:

أنا ابن الذي سالت على الخدّ عينه

فردّت بكفّ المصطفى أحسن الرّدّ

فعادت كما كانت لأوّل أمرها

فيا حسن ما عين ويا حسن ما خدّ «2»

فقتادة بن النعمان صحابي أصيب في عينه في إحدى الغزوات، وخرجت عينه من محجرها، فأعادها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردّها، فكانت أحسن عينيه، وهذه إحدى معجزات الرسول العظيمة التي ردّدها شعراء المديح النبوي فيما بعد.

ومثل هذا ما روي عن الصحابي معاوية بن ثور البكائي «3» ، الذي قدم إلى النبيّ الكريم ومعه ابن له يقال له بشرا، فقال: يا رسول الله، امسح وجه ابني هذا ففعل، وقد فخر ابن بشر محمد بذلك فيما بعد، فقال:

وأبي الذي مسح النّبيّ برأسه

ودعا له بالخير والبركات

أعطاه أحمد إذ أتاه أعنزا

عفرا ثواجل لسن باللّجبات

بوركن من منح وبورك مانح

وعليه منّي ما بقيت صلاتي «4»

فإذا كان هذا حال من ينتسب إلى صحابي كريم، فكيف بمن ينتسب إلى الهاشميين، وهم آل الرسول وبنو عمه؟

(1) قتادة بن النعمان بن زيد الأنصاري: صحابي شجاع من الرماة المشهورين، شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي ردّ له الرسول صلى الله عليه وسلم إحدى عينيه حين سقطت، توفي (23 هـ) . ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب 1/ 34.

(2)

شرح الزرقاني: 2/، 23.

(3)

معاوية بن ثور بن عبادة البكائي: كتب له النبي كتابا ووهب له من صدقة عامة معونة، أعطى ماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليضعه حيث يشاء. ابن حجر: الاصابة 6/ 110.

(4)

ابن حجر: الإصابة 3/ 430.

ص: 79

إن فخرهم ليشتد ويعلو على كل فخر، مثل قول الفضل بن العباس «1» بن عتبة بن أبي لهب يساجل الفرزدق:

من يساجلني يساجل ماجدا

يملأ الدّلو على عقد الكرب

برسول الله وابني عمّه

وبعبّاس بن عبد المطّلب «2»

وقد نال علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه- وأبناؤه، النصيب الأوفر من محبة الناس، وتشيعوا لهم ولحقهم في الخلافة، فأشادوا بفضائلهم، وفي مقدمتها قرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك قول كثيّر عزّة في محمد «3» بن علي بن أبي طالب، ابن الحنفية:

ومن ير هذا الشّيخ بالخيف من منى

من النّاس يعلم أنّه غير ظالم

سميّ النّبيّ المصطفى وابن عمّه

وفكّاك أغلال ونفّاع غارم «4»

ولم تقتصر المفاخرة على الانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشكل أو باخر، كما فعل الشعراء السابقون، بل كثيرا ما قارن الشعراء بين عمل يقوم به أحد الأمراء أو القادة، وعمل قام به الرسول الأمين، يطلبون من وراء هذه المقارنة تعظيم العمل والقائم به، وإضفاء الشرعية عليه، مثلما فعل سراقة بن مرداس «5» في وصف انتصار المختار الثقفي على الأمويين في قوله:

(1) الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، شاعر معاصر للفرزدق، وله معه أخبار، مدح عبد الملك بن مروان، توفي سنة (95 هـ) . الأصفهاني: الأغاني 16/ 175.

(2)

ابن نباته: مطلع الفوائد ص 40.

(3)

ابن الحنفية: محمد بن علي أبي طالب، أحد الأبطال الأشداء في صدر الإسلام كان واسع العلم ورعا، دعا المختار الثقفي إلى إمامته، توفي سنة (81 هـ) . ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب 1/ 88.

(4)

الأصفهاني: الأغاني 9/ 15.

(5)

سراقة بن مرداس بن أسماء البارقي، شاعر عراقي ممن قاتلوا المختار في الكوفة، وله شعر في هجائه وهجا الحجاج، وفرّ إلى الشام، كان ظريفا يقرّ به الأمراء وكان بينه وبين جرير مهاجاة، توفي نحو (79 هـ) . ابن منظور: تهذيب تاريخ دمشق 9/ 213.

ص: 80

نصرت على عدوّك كلّ يوم

بكلّ كتيبة تنعي حسينا

كنصر محمّد في يوم، بدر

ويوم الشّعب إذ لاقى حنينا «1»

وربما أراد الشاعر من المقارنة مهاجمة فئة معينة، مثل قول الكميت:

وعطّلت الأحكام حتّى كأنّنا

على ملّة غير التي نتنحّل

كلام النّبيّين الهداة كلامنا

وأفعال أهل الجاهليّة نفعل «2»

وقد أخذ الحنين إلى الحجاز يطل علينا في شعر هذا العصر بعد أن انساح العرب في الأقطار المفتوحة لسبب أو لآخر، ولمّا طال بهم الأمد اشتد بهم الشوق إلى مرابع الصبا في الجزيرة العربية، وقد ذكر بعضهم في شعر الحنين هذا، مدينة الرسول المنورة وقبره الشريف، ومن ذلك قول أبي قطيفة «3» بن أبي معيط يتشوق إلى المدينة المنورة:

ألا ليت شعري هل تغيّر بعدنا

قباء وهل زال العقيق وحاجره

وهل برحت بطحاء قبر محمّد

أراهط غرّ من قريش تباكره

لهم منتهى حبّي وصفو مودّتي

ومحض الهوى منّي وللنّاس سائرة «4»

وسنرى فيما بعد أن ذكر الأماكن المقدسة والتشوق إليها أضحى فنا شعريا خاصا، وصار من مستلزمات قصيدة المدح النبوي.

وأهم ما يطالعنا في المديح النبوي في أثناء العصر الأموي، هو هاشميات الكميت ابن زيد الأسدي التي انتصر فيها لحقّ الهاشميين في الخلافة، ومدحهم فيها، واتسع في

(1) تاريخ الطبري: 6/ 54.

(2)

الكميت: القصائد الهاشميات ص 61.

(3)

أبو قطيفة: عمرو بن عقبة بن أبي معيط الأموي، شاعر رقيق نفاه عبد الله بن الزبير إلى الشام فأقام زمنا يحن إلى المدينة. توفي (70 هـ) . الأصفهاني: الأغاني 1/ 12.

(4)

الأصفهاني: الأغاني 1/ 28.

ص: 81

الإشادة بهم، فذكر فضائلهم، وأحقيتهم في الخلافة، وكان رائدا في هذا الباب، جعل من قصائده التي مدح بها بني هاشم مناظرات مثيرة في حقوق الهاشميين، لا تعتمد كما هو الحال في الشعر- على العاطفة والإقناع العاطفي، لكنها اعتمدت أولا على الإقناع العقلي.

إن أول ما مدح به الهاشميين هو انتسابهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا ما جعله يمدح الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فإن ذكر النبي الأمين يدفع المرء دفعا إلى مدحه، فتذكّر هذه الشخصية العظيمة يجعل من يتمثّلها لا يملك إلا أن يشيد بها، وخاصة إذا كان مؤمنا مسلما، ومنتميا إلى هذه الأمة التي يرجع فضل تكوينها إليه صلى الله عليه وسلم، فالكميت مدح الهاشميين في إحدى قصائده، فلما وصل إلى انتسابهم إلى نبي الإنسانية قال:

أسرة الصّادق الحديث أبي القا

سم فرع القدامس القدّام

خير حيّ وميّت من بني آ

دم طرّا مامومهم والإمام

أنقذ الله شلونا من شفيّ النّ

نار به نعمة من المنعام

طيّب الأصل طيّب العود في ال

بنية والفرع يثربيّ تهامي

صحيح أن الكميت لم ينشئ قصيدته هذه، ولا قصائده الآخرى من أجل مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، وإنما كان مديحه للرسول الأمين مما استدعاه مدحه لآله، لكنه لا يمدح آل البيت لذواتهم فقط، وإنما يعلّل مدحه لهم بقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذلك فصّل في هذا المدح كما نرى، فأشاد بذات النبي الكريم، وفضّله على كل البشر، وأشار إلى أثره في أمته، وفضله على الإنسانية، فجمع في مديحه بين المعاني الدينية والمعاني الاجتماعية التقليدية.

ولم يخرج الكميت عن سنته هذه، فهو يمدح الهاشميين حتى إذا وصل إلى ذكر قرابتهم من الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أخذ يمدحه، ففي قصيدة ثانية جادل في حق الهاشميين في الخلافة وحقهم في إرث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال بعد ذلك:

ص: 82

بك اجتمعت أنسابنا بعد فرقة

فنحن بنو الإسلام ندعى وننسب

حياتك كانت مجدنا وسناءنا

وموتك جذع للعرانين موعب

فبوركت موّلودا وبوركت ناشئا

وبوركت عند الشّيب إذ أنت أشيب

وقد أعاد الكميت في هذه القصيدة ما كان ذكره في قصيدته السابقة، فجمع في مدحه لرسول الله صلى الله عليه وسلم بين ما كان يمدح به السادة والعظماء وبين ما اختص به رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه نبي مرسل من الله تعالى، وأظهر أثر الرسول الأمين في العرب وتوحيدهم تحت راية الإسلام، وأضاف إلى ذلك كله شيئا من الرثاء عند ما ذكر موت الرسول الكريم، وكأنه في رثائه بعد هذه المدة الطويلة يأسى لما حصل للمسلمين بعد وفاته، ولما حصل لآل النبي الكرام من تقتيل وتنكيل.

وإذا كان الكميت في قصيدتيه السابقتين قد أفاض في مدح بني هاشم، ومن خلال ذلك، مدح الرسول الكريم فإن له قصيدة ثالثة أفاض فيها في مدح النبي الأمين، وكانت في معظمها مديحا له، فاقتربت بذلك من صورة المدحة النبوية التي تشكلت بعد ذلك عند مداح النبي صلى الله عليه وسلم، فقال فيها:

إلى السّراج المنير أحمد لا

يعدلني رغبة ولا رهب

عنه إلى غيره ولو رفع الن

ناس إليّ العيون وارتقبوا

إليك يا خير من تضمّنت ال

أرض وإن عاب قولي العيب

لجّ بتفضيلك اللّسان ولو

أكثر فيك الضّجاج واللّجب

أنت المصطفى المهذّب المحض في الن

نسبة إن نصّت قومك النّسب

والسّابق الصّادق الموفّق وال

خاتم للأنبياء إذ ذهبوا

ص: 83

والحاشر الآخر المصدّق لل

أوّل فيما تناسخ الكتب

يا صاحب الحوض يوم لا شرب لل

وارد إلّا ما كان يضطرب

نفسي فدت أعظاما تضمّنها

قبرك فيه العفاف والحسب «1»

لقد أعطى الكميت مديح النبي الأمين الكثير من حقه في قصيدته هذه، فأشاد بنسبه الطاهر منذ آدم، وحديثه عن هذا النسب أضحى أصلا لحديث شعراء المديح النبوي بعده، وكذلك الأمر في إدراج صفاته وأسمائه صلى الله عليه وسلم. ولم يقف في قصيدته هذه عند سرد صفات النبي الفريدة وأخلاقه، بل تطرق إلى شيء من السيرة، وناقش النصارى في نظرتهم إلى نبيهم، وتحدث عن يوم القيامة، وشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه، وكل هذه المعاني التقليدية والدينية أضحت من لوازم المدحة النبوية ومفرداتها عند جميع شعراء المديح النبوي في العصور اللاحقة.

إن مدح الكميت لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعد إضافة متميزة للمدح النبوي على طريق تطوره منذ بدايته في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحتى العصر المملوكي.

لكن مدح الكميت للنبي الكريم الذي بلغ مبلغا رائعا، لم يتخلص من أسر التوجه الرئيسي للكميت، وهو مدح آل البيت، ولم يصبح لديه مدحا خالصا للنبي في قصائد خاصة.

وقد أثارت بعض معانيه في مدح الرسول الأمين جدلا نقديا، تناول طريقة أداء هذه المعاني، وخاصة حين يتحدث عن اعتراض قوم على مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإضمار الكراهية للكميت نتيجة لذلك.

بدأ الجاحظ هذا الجدل، فقال: «ومن غرائب الحمق، المذهب الذي ذهب إليه الكميت بن زيد في مديح النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول:

(1) الكميت: القصائد الهاشميات ص 51.

ص: 84

وقيل أفرطت، بل قصدت ولو

عنّفني القائلون أو ثلبوا

إليك يا خير من تضمّنت الأر

ض ولو عاب قولي العيب

لجّ بتفضيلك اللّسان ولو

أكثر فيك اللّجاج واللّجب

فمن رأى شاعرا مدح النبي صلى الله عليه وسلم فاعترض عليه واحد من جميع أصناف الناس، حتى يزعم هو أن ناسا يعيبونه ويعنفونه» «1» .

وأعاد الجاحظ كلامه في كتاب آخر، فقال: «ومن المديح الخطأ الذي لم أر قط أعجب منه، قول الكميت بن زيد، وهو يمدح النبي صلى الله عليه وسلم

فلو كان مديحه لبني أمية لجاز أن يعيبه بذلك بعض بني هاشم، ولو مدح به بعض بني هاشم لجاز أن يعترض عليه بعض بني أمية، أو لو مدح أبا بلال «2» الخارجي لجاز أن تعيبه العامة، أو لو مدح عمرو بن عبيد «3» لجاز أن يعيبه المخالف، أو لو مدح المهلب «4» لجاز أن يعيبه أصحاب الأحنف «5» ، أما مديح النبي صلى الله عليه وسلم فمن هذا الذي يسوؤه ذلك» «6» .

وهذا ما جعل الشريف المرتضى يرد على انتقاد الجاحظ، ويحاول إيجاد مخرج

(1) الجاحظ: البيان والتبيين 2/ 239.

(2)

أبو بلال الخارجي: مرداس بن حدير بن عامر التميمي من عظاماء الشراة، شهد صفين مع علي وأنكر التحكيم وثار على بني أمية فقتلوه سنة (61 هـ) . ابن الأثير: الكامل في التاريخ 4/ 94.

(3)

عمرو بن عبيد بن باب التيمي بالولاء، شيخ المعتزلة في عصره ومفتيها، وأحد الزهاد والمشهورين، له رسائل وخطب في التفسير والرد على القدرية، توفي سنة (144 هـ) . ابن خلكان: وفيات الأعيان 3/ 460.

(4)

المهلب بن أبي صفرة: ظالم بن سراق الأزدي، أمير بطاش جواد، ولي إمارة البصرة لمصعب بن الزبير وقاتل الأزارقة حتى ظفر بهم، وولاه عبد الملك خراسان فمات فيها سنة (830 هـ) . ابن حجر: الإصابة 6/ 216.

(5)

الأحنف بن قيس بن معاوية التميمي سيد تميم، وأحد العظماء الدهاة الفصحاء الفاتحين، وفد على عمر بن الخطاب وشهد فتوح خراسان، شهد صفين مع معاوية، يضرب به المثل في الحلم، توفي سنة (72 هـ) ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب 1/ 78.

(6)

الجاحظ: الحيوان 5/ 169.

ص: 85

لمعاني الكميت، فقال:«ظاهر الخطاب للنبي عليه السلام، والمقصود أهل بيته عليهم السلام، لأن أحدا من المسلمين لا يمتنع من تفضيله عليه السلام والإطناب في وصف فضائله ومناقبه ولا يعنفّ في ذلك أحد، وإنما أراد الكميت، وإن أكثر في أهل بيته وذويه عليهم السلام الضجاج واللجب والتعنيف، فوّجه القول إليه والمراد منه» «1» .

فالشريف المرتضى أوّل كلام الكميت على عادة المتأوّلة من الشيعة، وصرف مديحه للنبي الكريم إلى مديح آل بيته، وفي هذا تخريج لكلام الكميت، وإيضاح لمقاصده، وإخراجه من الخطأ، وفيه انتصار لآل البيت الذين ينتمي المرتضى إليهم.

وتابعه في هذا التأويل صاحب كتاب تأويل مشكل القرآن، فقال:«فورّى عن ذكرهم به، وأراد بالعائبين بني أمية، وليس يجوز أن يكون هذا للنبي صلى الله عليه وسلم.. ومن ذا يساوى به ويفضل عليه «2» .

«وإن الشعراء ليمدحون الرجل من أواسط الناس، فيفرطون ويفرّطون، فيغلون، وما يرفع الناس إليهم العيون، ولا يرتقبون، فكيف يلام هذا على الاقتصاد في مدح من الإفراط في مدحه غير تفريط، ولكنه أراد أهل بيته» «3» .

وتابع المصنفون هذا الجدل، فمنهم من رأى رأي الجاحظ، ومنهم من أخذ بقول الشريف المرتضى، دون أن يضيفوا إلى هذا الجدل شيئا، فللجاحظ فضل السبق والتنبيه، وهو الحريص على سلامة أداء المعاني وبلاغتها، وربما كان الشريف المرتضى على صواب، وسواء قصد الكميت ما ذهب إليه الشريف المرتضى، أو أنه قصّر في التعبير فإن إثارة هذا الجدل لفت الأنظار إلى فن المديح، وإلى ضرورة الحرص في أداء معانيه.

وأخذ الجاحظ على الكميت أيضا تقصيره، في قوله:

(1) أمالي المرتضى: 2/ 80.

(2)

ابن قتيبة: تأويل مشكل القرآن 271.

(3)

المصدر نفسه: ص 272.

ص: 86