الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فعند ما وصل الزنوري «1» إلى المدينة المنورة، قال:
ببابكم حطّ الفقير رحاله
…
وما خاب عبد أمّكم متوسّلا
لقد جاء يبغي من نداكم قراءه
…
وللعفو والإحسان أمّ مؤمّلا «2»
وإذا تمنى شاعر زيارة الروضة النبوية الشريفة، وضع تمنيه في بيتين من الشعر، كما فعل ابن الجمال «3» البصري في قوله:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة
…
بروضة خير المرسلين محمّد
نبيّ له الله اصطفى من عباده
…
وأرشدنا منه إلى كلّ مقصد «4»
ضروب النظم:
ولم تكن القصيدة التقليدية بتلوناتها المختلفة والأرجوزة والمقطوعة الشعرية، هي الأشكال التي وضعت فيها المدائح النبوية في العصر المملوكي، فإلى جانبها أشكال عدة، عرفت في ذاك العصر وقبيله، جاءت عن طريق الاشتغال بالقصائد المعروفة والإضافة إليها، كأن يأخذ الشاعر قصيدة قديمة، فيأتي إلى كل بيت من أبياتها، يطرح منه أحد شطريه، ويبقي الآخر، ويتمه، فيصرف معناه من المعنى الأصلي الذي وضع له إلى معنى جديد، هو المديح النبوي، أو ما يماثله، كقول الشهاب محمود في إحدى مدائحه:
(1) الزنوري: محمد بن محمد الأنصاري، نزيل مكة، استوطن المدينة، كان عالما بالفقه والعربية، توفي بعد (840 هـ) . السخاوي: الضوء اللامع 10/ 41.
(2)
السخاوي: الضوء اللامع 10/ 42.
(3)
ابن الجمال البصري: إبراهيم بن أبي بكر بن يوسف، تاجر، توفي بمكة (859 هـ) . السخاوي: الضوء اللامع 1/ 36.
(4)
السخاوي: الضوء اللامع 1/ 36.
دع الصّبّ يدمي الدّمع منه الماقيا
…
قد ظن كلّ الظّنّ ألاتلاقيا «1»
وقد حظي امرؤ القيس بعناية شعراء المدائح النبوية، فكانوا يعارضون قصائده، ليكتسبوا المران على نظم الشعر الأصيل، واتكأ بعضهم علي قصائده، فشطروها، صارفين معناها إلى المديح النبوي، ومن ذلك قصيدة حازم القرطاجني التي شطّر فيها معلقة امرئ القيس- كما مرّ معنا- باذلا جهدا كبيرا في صرف معناها إلى المديح النبوي، على بعد ما بين موضوعها وبين المديح النبوي، وكأنه يريد الإفادة من شهرة القصيدة ومن وزنها وقافيتها، أو أنه يريد أن يبرهن على مقدرته الشعرية، وعلى اتقانه لصنعة كانت مدار التفاضل والتفاخر بين الشعراء، ولذلك شطّر قصيدة أخرى لامرئ القيس، بدأها بقوله:
أقول لعزمي أو لصالح أعمالي
…
ألا عم صباحا أيّها الطّلل البالي
ألا ليت شعري هل تقول عزائمي
…
لخيلي كرّي كرّة بعد إجفال
فأنزل دارا للرّسول نزيلها
…
قليل هموم ما يبيت بأوجال
جوار رسول الله مجد موثّل
…
وقد يدرك المجد المؤثّل أمثالي «2»
وإلى جانب تشطير القصائد القديمة، وصرف معناها إلى المديح النبوي، نجد ما يقارب هذا في مدائح رسول الله صلى الله عليه وسلم المشهورة، ونجد كذلك التخميس والتسديس والتسبيع والتعشير، وغير ذلك مما فعله بعض مدّاح النبي الكريم في قصائد المدح النبوي، وأكثر القصائد التي نالت من هذه التغييرات الشعرية، هي بردة البوصيري، إذ
(1) الشهاب محمود: أهنى المنائح ص 53، وكثير من عبارات القصيدة مأخوذ من قصيدة لمجنون ليلى، مطلعها:
وقد يجمع الله الشتيتين بعد ما
…
يظنّان كل الظن ألا تلاقيا
ديوان المجنون ص 315.
(2)
المقري: أزهار الرياض 3/ 182.
جذبت شهرتها جهود هواة هذا النوع من التشكيل الشعري في مختلف الأقطار العربية الإسلامية، فأشبعوها تغييرا وإضافات، إلى أن أضحت القاسم المشترك لمثل هذا النشاط الشعري.
فالتخميس هو نوع من المعارضة والتضمين في الوقت نفسه، هو معارضة لأن التخميس يأخذ الوزن والقافية، وتضمين لأن المخمس يضمّن القصيدة المعارضة كلها في قصيدته، فخمسا قصيدته من القصيدة المعارضة، وهكذا تكون الأشكال الآخرى مثل التسديس والتسبيع والتعشير.
وممّن خمّسوا بردة البوصيري شاعر اسمه (عبد الله الطويلي) ، أتمّ ثلاثة تخاميس لها في سنة (855 هـ) ووضع التخاميس الثلاثة متساوقة في مخطوط واحد، إذ يضع بيت البوصيري، ويضع إلى جانبه تخاميسه، وقد بدأ التخميس الأول قائلا:
الله يعلم ما في القلب من ألم
ومن غرام بأحشاء ومن سقم
على فراق فريق حلّ في الحرم
أمن تذكّر جيران بذي سلم
…
مزجت دمعا جرى من مقلة بدم «1»
وتحدث في هذا التخميس عن تخاميسه، فقال:
الله يسّره أولى وثانية
معا وثالثة وزنا وقافية
والله أسأله عفوا وعافية
(1) الطويلي: تخاميس الكواكب الدرية، ورقة 2.
فالحمد لله حمدا صاب سارية
…
ولم يزل حمده مستوكف الدّيم
ذيّلتها بقواف زدتهنّ لها
وبالزّيادة قلب المستهام لها
أكرم بها بردة ما جاء أجملها
بها تغنّى الأبوصيري وفصّلها
…
في مدح خير الورى المبعوث للأمم
مخمّسوها كثير ما لهم عدد
كلّ بفرد من التّخميس منفرد
إلّا أنا لي ثلاث حفّني مدد
من ذي العلا فهو ربّ دايم صمد
…
سبحانه من قديم مالك القدم «1»
فالشاعر هنا تحدث عن تخاميسه التي تفرّد بها عن غيره، وزاد فيها قوافي البردة، وأشار إلى أن مخمّسي البردة ليس لهم عدد، وهذه من الحقائق الثابتة، فلا يعلم على وجه اليقين عدد من زاد البردة تخميسا أو غيره إلا الله تعالى.
ودعا الله تعالى في التخميس الثالث أن يغفر له ولمنشديها وكاتبيها ومغنيها، وهذه إشارات واضحة إلى ما كانت تلقاه المدائح النبوية من إقبال الناس وانشغالهم بها، فهناك منشدون لها، وهناك مغنون وكاتبون، وبالتأكيد سامعون كثر، وأشار هذا التخميس إلى أنه أنشأ تخاميسه بناء على طلب من رجل يدعى البياضي، فكان ذوو الشأن يطلبون من الشعراء نظم المدائح النبوية أو تخميسها، قال في دعائه:
يا ربّ واغفر لمنشيها ومنشدها
(1) الطويلي: تخاميس الكواكب الدرية، ورقة 27.
مجموعة مع أخرى أو بمفردها
وكاتبها ومغنّيها ومسعدها
وقد أرى مطلب الإحسان في يدها
…
والمسلمين فمن عرب ومن عجم «1»
والغريب أن نجد شاعرا ينظم معشرات نبوية، ثم يعود فيخمسها جميعها، والمعشرات قصائد مرتبة على حروف الهجاء حسب القافية، وكل قصيدة مؤلفة من عشرة أبيات، فابن الجيّاب الأندلسي «2» له معشرات في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد أن أتم نظمها، عاد وخمسها، ومن تخاميسه التخميس الذي وضعه على قصيدة حرف الذال، وقال في مطلعه:
أقول عسى سهم النّصيحة ينفذ
…
وليس لنصح في فؤادك مأخذ
فؤاد بأمراس الهوى عنك يجبذ
…
ذروا عاجلا يفنى وفي آجل خذوا
فقد غصّ من بالمنقضى يتلذّذ «3»
وفعل الشاعر هذا الفعل في جميع معشراته، وكأنه شعر بجمود معشراته وتقصيرها عن الإحاطة بمعاني المديح النبوي التي يريدها، فلجأ إلى التخميس ليضيف ما يريد من معان، وليحرك الشكل الشعري ويخلّصه من القيود التي فرضها عليه.
ولم تكن التخاميس كلها موضوعة على قصائد سابقة، بل إن شعراء المديح النبوي نظموا مدائحهم على شكل التخميس بدا دون أن تكون تخاميسهم صدى لقصائد أخرى، فهي تخاميس أصيلة، أعجبت الشعراء لذيوعها، وللإمكانات الإيقاعية التي
(1) الطويلي: تخاميس الكواكب الدرية، ورقة 29.
(2)
ابن الجياب الأندلسي: علي بن محمد بن سليمان الأنصاري، شاعر ناثر، وزر وكتب لملوك بني الأحمر، توفي سنة (749 هـ) . ابن الأحمر: نثير مزائد الجمان ص 125.
(3)
ديوان ابن الجياب: ورقة 4.
تمنحها للشعر، وتجعلها ملائمة للإنشاد، ومن هذه التخاميس تخميس للبرعي، كأنه رباعيات فصلت عن بعضها بلازمة ثابتة، افتتحه بقوله:
بمحمّد خطر المحامد يعظم
…
وعقود تيجان القبول تنظّم
وله الشّفاعة والمقام الأعظ
…
يوم القلوب لدى الحناجر كظمّ
فبحقّه صلّوا عليه وسلّموا «1»
ومن التخاميس الحافلة بالإيقاع الملائم للإنشاد، وذات الأسلوب الخفيف الجميل، تخميس لبعض الوّعاظ المشارقة كما وصفه صاحب نفح الطيب، يقول فيه:
جلّ الذي بعث الرّسول رحيما
ليردّ عنّا في المعاد جحيما
وبه نرجّي جنّة ونعيما
أضحى على الباري الكريم كريما
…
صلّوا عليه وسلّموا تسليما «2»
ويظهر أن هذه اللازمة (صلوا عليه وسلموا تسليما) ، التي يكثر تردادها في الموالد النبوية قد انتقلت إلى التخاميس، والتي توضع على هذا الشكل لتنشد في مثل هذه المناسبات، ولذلك نجد عددا من التخاميس تنتهي بهذه اللازمة، وكأن الشاعر في التخميس يخاطب جمعا أمامه، أو أنه يستحضر جمع السامعين في ذهنه عند نظمه لتخميسه.
فالتخميس انتشر في الأقطار العربية الإسلامية، لطاقاته الإيقاعية العالية وتنوع القوافي فيها، ولملاءمته للإنشاد في مجالس الذكر والاحتفالات الدينية.
(1) ديوان البرعي: ص 43.
(2)
المقري: نفح الطيب 7/ 448.
لكن المشارقة لم يهتموا بالتخميس اهتمام المغاربة به، الذين برعوا في إنشائه براعتهم في إنشاء الموشحات يبدعون في إيقاعه وفي صياغته، وينظمون به الأحاديث والروايات ويخضعونها لإيقاع التخميس.
أما التسديس، فهو لون من ألوان التصرف بالقصيدة، يعمد فيه الناظم إلى وضع بيتين، كل شطر منهما ينتهي بالقافية نفسها، ثم يتبعهما ببيت، كل شطر فيه ينتهي بقافية مغايرة، وتظل هذه القافية ثابتة في التسديس كله، في حين تتغير القافية الأولى، فقوام التسديس وحدات، تتألف كل منها من ثلاثة أبيات أو ستة أشطر، أربعة منها على قافية، واثنان على قافية أخرى، مثل تسديس ابن العطار الذي يقول فيه:
نور النّبيّ المصطفى المختار
…
أربت محاسنه على الأنوار
مرآه يخجل بهجة الأقمار
…
نور ينجّي من عذاب النّار
قد زان ذاك النّور اسماعيلا
…
صلّوا عليه بكرة وأصيلا «1»
ولا يغادر الشاعر اللازمة، وهي الشطر الثاني من البيت الثالث في أجزاء التسديس، وكأن هذه الأشكال الشعرية وضعت للإنشاد فقط، أو كما قال الطويلي في تخميسه للإنشاد والغناء في مجالس الذكر والاحتفالات الدينية.
ويلاحظ أيضا في شكل التخميس والتسديس أنها قريبة من الرباعيات أو الدوبيت، فإذا نزعنا الشطر الخامس ذا القافية المختلفة في التخميس، والبيت الثالث ذا القافية المختلفة في التسديس، لكانت هذه الأشكال رباعيات أو غير ذلك من التسميات.
إلا أننا نجد مثالا على ذلك دون أن يكون مخمسا أو تسديسا، بل وضع بدا على
(1) المقري: نفح الطيب 7/ 485.
شكل قريب من التربيع أو الدوبيت، فللبرعي مدحة نبوية جاءت على النحو التالي:
قف بذات السّفح من إضم
…
وانشد السّارين في الظّلم
هل رووا علما عن العلم
…
أم رأوا سلمى بذي سلم
ليت شعري بعد ما رحلوا
…
أي أكناف الحمى نزلوا
أبذات البان أم عدلوا
…
ينشدون القلب في الخيم «1»
وعلى هذا النمط تأتي الأشكال الشعرية الآخرى من تسبيع وتعشير وغير ذلك من النظم الذي تتغير فيه القافية في كل مقطع من مقاطع القصيدة، فتريح الناظم من ناحية، وتشيع في القصيدة إيقاعا خاصا حسب عدد الأشطر المتفقة في القافية الواحدة من ناحية ثانية، وهذا ما يجعل القصيدة ملائمة للإنشاد، وربما الغناء بمصاحبة الآلات الموسيقية أو الإيقاعية.
فمن التسبيع على البردة، قول البيضاوي «2» :
الله يعلم ما بالقلب من ضرم
…
ومن غرام بأحشاء ومن سقم
على فراق فريق حلّ في حرم
…
فقلت لمّا همى دمعي بمنسجم
على العقيق عقيقا غير منسجم
…
أمن تذكّر جيران بذي سلم
مزجت دمعا جرى من مقلة بدم «3»
ومن التعشير ما أجراه ناظم يدعى محمد بن عبد العزيز على البردة، وقال فيه:
(1) المقري: نفح الطيب 7/ 480.
(2)
البيضاوي: عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي، قاض مفسر علامة، ولي قضاء شيراز، توفي سنة (685 هـ) . السيوطي: بغية الوعاة ص 286.
(3)
البيضاوي: تسبيع الكواكب الدرية، ورقة 1.
أمن تذكّر جيران بذي سلم
…
أم من تباريح ما أخفيت من ألم
أم من هوى من سمت أوصاف حسنهم
…
أم من تفانيك في إفراط حبّهم
هجرت طيف الكرى ليلا فلم تنم
…
أم حين أطربك الحادي بوصفهم
أم بالمغاني ونجد ثم سلعهم
…
أم همت شوقا ووجدا نحو أرضهم
أو من وقوفك في أطلال ربعهم
…
مزجت دمعا جرى من نحو مقلة بدم «1»
ولا ننسى في حديثنا عن هذه الأشكال الشعرية والتغييرات التي أجراها الشعراء على قصائد المديح المشهورة، الإشارة إلى التشطير، الذي يأخذ فيه الشاعر شطر كل بيت من القصيدة، ويتمه من نظمه، مثل تشطير شاعر اسمه (محمد بن عبد القادر المقاطعي) لبردة البوصيري، ومنه قوله:
أمن تذكّر جيران بذي سلم
…
لبست بردا من الأحزان والسّقم
أم من فراق ربوع كنت تعهدها
…
مزجت دمعا من مقلة بدم «2»
ولم يتوقف الشكل الشعري للمدحة النبوية عند المظاهر السابقة، والتي تعني الرصانة والجزالة، وهو ما يليق بالمدح النبوي، إلا أن انتشار المدح النبوي انتشارا عظيما، جعله يملأ مجالس الشعراء والأدباء الرصينة، ويفيض إلى مجالس الذكر والمجالس الشعبية، ليضحي فنا شعبيا يلائم كل ذوق، ويتفق مع كل درجات الثقافة، فالنبي الكريم هو نبي المسلمين جميعا، وحبيب المؤمنين كلهم، ولهم جميعا أن يشاركوا في مديحه، كل على طريقته ووفق مقدرته وثقافته، ومن هنا نشأت المذاهب المختلفة في مدح النبي، ومن هنا جاءت الأشكال الشعرية المتباينة في مدحه.
(1) عبد العزيز، محمد: تعشير الكواكب الدرية، ورقة 36.
(2)
اليمني الشرواني: حديقة الأفراح ص 23.
وقد شهد العصر المملوكي اتساع دائرة النظم، فلم تعد مقتصرة على الشكل الشعري الذي عرف إلى ذلك الحين، وإنما شملت فنونا جديدة، معظمها ملحون.
ويلاحظ أن فنون النظم الملحونة قد تساوت عندهم مع فنون النظم المعربة، وهذا يدل على شيوع النظم بلهجتهم الدارجة، وعلى انفعال الناس به، واقترابه من أذواقهم وأفهامهم، وإن كان ذلك مما أفسد أذواق الناس، وقعد بهم عن التطلع إلى الفصحى والتمتع بجمالها، ولا بد أنهم نظموا في هذه الألوان الملحونة المواضيع الدينية، ومنها المديح النبوي، ولكننا سنضرب صفحا عنها وعن أمثلتها، لأن العامية لم تكن لغة لها آدابها التي تزاحم الفصحى وآدابها، ولن تكون مزاحمة لها، ولن نسمح أن تكون كذلك بإذن الله تعالى.
ومن الفنون المعربة التي شاعت آنذاك، وكانت معروفة من قبل الموشح، ذلك التلوين الجميل للشعر العربي بإيقاعاته التي تلائم الموسيقا والغناء، والذي لامس العامية في خرجته، والذي عرف بأنه فن الغزل والخمر والزهر، إلا أنه استخدم للتعبير عن الموضوعات الشعرية المعروفة في الأدب العربي، أو كما قال ابن سناء الملك:
والموشح ملائم للإنشاد والغناء في مجالس الذكر، وفي الاحتفالات، فلماذا لا يفيد منه شعراء المديح النبوي، ويضعون بعض مدائحهم في قالبه؟
هذا ما فعله مدّاح النبي صلى الله عليه وسلم، وخاصة في الأندلس والمغرب العربي، فوضعوا
(1) ابن سناء الملك: دار الطراز ص 51.
موشحات كثيرة في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن هؤلاء الششتري «1» ، الذي جاء من الأندلس، وطاف أقطار المشرق، داعيا إلى طريقته الصوفية عن طريق نظم الموشحات والأزجال العامية التي انتشرت بين الناس، مما دعا الفقهاء إلى محاربة شعره الذي يميل في معظمه إلى الترخص في اللغة، ويقترب من العامية، وقلّما يسلم له موشح من اللحن، لأن العامية غلبت عليه، ومن موشحاته قوله:
لا تعشق يا قلبي
…
سوى المصطفى
نور الله الممجّد
…
وبحر الوفا
من حاز الحسن طرا
…
وحاز الوفا
أنت البدر المكمّل
…
وسرّك عجيب
آه جدّد عليّ
…
وصال الحبيب
آه يا سيد الرسل
…
مالي سواك
آه يا نور عيني
…
قتلني هواك
آه اعطف عليّ
…
وجد برضاك
أنت البدر المكمل
…
وسرك عجيب
آه جدد علي
…
وصال الحبيب «2»
وهذا أقرب موشحاته إلى الصورة التي نعرفها للموشح، وهو يخلط دائما بين
(1) الششتري: علي بن عبد الله النميري، متصوف أندلسي من أهل ششتر، تنقل في البلاد مع أتباعه، وله عدة مصنفات منها المقاليد الوجودية في أسرار الصوفية، وديوان شعر كله موشحات وأزجال قريبة من العامية، توفي بمصر سنة (668 هـ) . الغبريني: عنوان الدراية ص 239.
(2)
ديوان الششتري: ص 417.
الموشح والزجل الملحون الذي يشكّل معظم ديوانه، وقد نظم به عددا من المدائح النبوية، ونجد أيضا زجلا في المدح النبوي عند ابن زقاعة في ديوانه، لا يختلف في مضمونه عمّا يرد في المدائح النبوية التي نعرفها «1» .
وبذلك يكون المدح النبوي قد أضحى أحد موضوعات الفنون الشعرية الشعبية المستحدثة في ذلك العصر.
ومن الموشحات التي مدح فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقرب من المكفّرات، موشح لابن الملحمي الواعظ «2» ، بدأه بوصف الطبيعة، وإظهار مشاعره، ثم انتقل إلى الوعظ والدعوة لترك الغواية وحياة اللهو والتكفير عنها، واختتمه بالمديح النبوي، فقال:
أرتجي ربّي ويكفيني الرّجا
…
فهو الغفّار
والنّبيّ المصطفى بدر الدّجا
…
أحمد المختار
من على سنّته سار نجا
…
من لهيب النّار
مرشد الخلق إلى سبل النّجاح
…
طاهر الأعراق
ذا النّدى بحر العطايا والسماح
…
طيّب الأخلاق «3»
والملاحظ في الموشحات أن ناظميها أطالوا في الوعظ والتذكير، وهذا مناسب للإنشاد والغناء في المجالس والاحتفالات.
ولم يتطرق شعراء المديح النبوي في الموشحات إلى نظم السيرة والمعجزات
(1) ديوان ابن زقاعة، ورقة 26.
(2)
ابن الملحمي الواعظ: محمود بن القاسم الواسطي، عالم فاضل، اشتغل بالفقه، ونظم العلوم شعرا، أنشأ خطبا ومدائح، كان خطيب بغداد في وقته، توفي سنة (744 هـ) .
(3)
ابن شاكر: فوات الوفيات 4/ 113.