الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يفترق عن المديح النبوي، لأن قصائده لم تنشأ في الأصل لمدح النبي الأمين، وإن ورد ذكره في بعضها.
ويلتقي فن التشوق للمقدسات مع المديح النبوي أحيانا، عند ذكره للرسول الكريم، وحين يقدم لقصائد المديح النبوي به، فهذا الفن له علاقة بالمديح النبوي، لكنه لا يعد مدحا نبويا خالصا، ذلك الفن الذي تقاطع مع فنون أخرى، وافترق عنها، وهو موضوع دراستنا هذه.
القسم الخامس- المولد النبوي:
إذا كان الناس يحتفلون بذكرى عظائمهم، وكان أصحاب الديانات المختلفة يحتفلون بميلاد أنبيائهم وأصحاب شرائعهم، فإنه يحق للمسلمين أن يحتفلوا بميلاد سيد الرسل، وأفضل البشر، لأن الاحتفال بمولده يذكّر الناس بعظمته وكماله وأثره في البشرية، وإن كان من المفروض أن ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغرب عن بال مسلم. وأن تمثّل حياته باق نصب عينيه، ولكن لا بأس من أن يتضافر الذكر الفردي مع الذكر الجماعي، ليظل القدوة والمثل في الأنفس والقلوب، بعد أن أخذت الحياة ومشاغلها الناس شيئا ما عن مجالس الذكر والتدبّر.
ويبدو أن من فكر بإحياء ليلة المولد والاحتفال بها، رأى ما عند غير المسلمين من المناسبات المماثلة، ولمس الحاجة إلى إقامة مثل هذه الاحتفالات لغايات كثيرة، منها ما هو ديني ومنها ما هو سياسي لأن الأخبار المتعلقة بالمولد النبوي لا ترقى إلى أقدم من الدولة الفاطمية، وعصر الحروب الصليبية، ولم يكن الاحتفال بهذه الذكرى في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا في أيام الصحابة والتابعين، ولذلك عدت بدعة، رآها بعض المسلمين بدعة حسنة، فحبّبوها، ورآها بعضهم الآخر بدعة يساء الاحتفال بها، فانتقدوها.
ورأى بعض الباحثين في المولد النبوي ضربا من التأليف في السيرة النبوية، وعدوه نوعا من التلخيص لها، يقتصر على مدة محددة من حياة الرسول، هي طور الولادة والطفولة والنشأة وما سبقها من إرهاصات، وقد تتسع لتشمل الشباب حتى البعثة، «وهو من قبيل ما يعده العلماء الدينيون ليلقوه في الموسم الرسمي، العام بعد العام، في المساجد أو غيرها، وقد زخرت بهذا النوع خزانة التأليف، حتى أصبحت الرسائل التي وضعت فيها لا تدخل تحت حصر» «1» .
وقد اختلف الباحثون حول الزمن الذي ظهر فيه المولد النبوي، والمكان الذي احتفل به، فأرجعه الدكتور عمر فروخ إلى القرن الرابع الهجري، وإلى الدولة الفاطمية، لأن الفاطميين أرادوا «أن يجعلوا لحكمهم السياسي وجاهة، فاتخذوا عددا من المناسبات المشهورة، وتألفوا بها عوام الناس بإقامة المادب العامة وبإقامة معالم الزينة بالأنوار وبقراءة السيرة، وأحب العامة ذلك» «2» .
وإذا كان الفاطميون قد فكروا في المولد النبوي، فإن الظن يذهب إلى اطلاعهم على الأديان الآخرى، التي أخذوا عنها بعضا من عقائدهم، فأخذوا معها فكرة الاحتفال بالموالد. للغايات التي ذكرها الدكتور فروخ.
ويؤيد هذا الرأي وأن الدولة الفاطمية هي التي سنّت الاحتفال بالمولد النبوي وموالد آل البيت، ذكر المقريزي لمولد نبوي عند الفاطميين سنة (516 هـ) ، ووصفه للاحتفال بهذا المولد، وما يتمّ فيه من قراءة القرآن وإلقاء الخطب، وإنشاد المدائح، وتوزيع الصدقات، وقد عدد المقريزي الموالد الفاطمية، فوصل بها إلى ستة موالد، هي مولد النبي الكريم ومولد علي ومولد فاطمة ومولد الحسن ومولد الحسين- رضي الله عنهم ومولد الخليفة الحاضر «3» .
(1) سيرة ابن هشام: 1/ 8.
(2)
فروخ، عمر: تاريخ الأدب العربي 6/ 111.
(3)
الخطط المقريزية: 1/ 292.
وعزا بعض الباحثين ظهور المولد النبوي إلى زمن متأخر، وذهبوا إلى أن أمير إربل مظفر الدين كوكبوري المتوفى سنة (630 هـ) ، صهر صلاح الدين الأيوبي، هو أول من احتفل بالمولد النبوي، ووضع قواعد هذا الاحتفال، وأن أهل الأندلس اصطنعوا هذا الاحتفال في بلادهم، فكان ابن دحية المتوفى سنة (633 هـ) هو أول من وضع دراسة عن هذه الاحتفالات في كتابه (التنوير في مولد السراج المنير)«1» .
فعادة تعظيم المولد النبوي بدأت في المشرق، «وانتقلت إلى المغرب والأندلس على يد أبي العباس العزفي بسبتة، فكان يعقوب المريني أول من احتفل به في المغرب، ثم انتقل هذا الرسم إلى الأندلس» «2» .
وكان لأبي سعيد كوكبوري بن علي بن بكتكين، صاحب إربل غاية من وراء احتفاله بالمولد النبوي، فقد جهد في إصلاح إربل وزيادة عمرانها، و «أراد بعد هذه الاصلاحات العمرانية أن يجعل إربل قبلة الأنظار، يقصدها الناس من جميع الطبقات، فجعل مولد الرسول صلى الله عليه وسلم موسما تمتد فيه الحفلات اثني عشر يوما» «3» .
وربما لم يكن البحث عن مظاهر العظمة هي وحدها وراء احتفاء كوكبوري بالمولد النبوي، أو المشاعر الدينية عنده، بل قد يكون طلب المغفرة، والتوسل بالرسول الكريم، الدافع المباشر لإقامته هذه الاحتفالات الباذخة في ذكرى المولد، فإنه «كان عسوفا في استخراج المال، ويحتفل بمولد النبي صلى الله عليه وسلم وينفق عليه الأموال الجليلة» «4» .
وانتشر الاحتفال بالمولد النبوي في الأقطار العربية الإسلامية بسرعة كبيرة، وأضحى من الأعياد الدينية التي يشارك فيها الناس جميعا، وصار له تقاليده الثابتة
(1) جمال الدين، محسن: احتفالات الموالد النبوية ص 5.
(2)
ابن الأحمر: نثير الجمان ص 236.
(3)
ابن خلكان: وفيات الأعيان 7/ 12.
(4)
ابن الوردي: تتمة المختصر 2/ 235.
الراسخة، وقد نقل المؤرخون كثيرا من أوصاف الاحتفال بالمولد النبوي في أقطار مختلفة متباعدة، وكلها متشابهة تقريبا، فصاحب إربل الذي عزيت إليه بداية الاحتفال بالمولد النبوي، أو وضع شعائر هذا الاحتفال، كان احتفاله به يقصر الوصف عن الإحاطة به، «كان الفقهاء والصوفية والوعاظ والقرّاء والشعراء يتوافدون إليه من المحرم إلى أوائل شهر ربيع الأول، فيعمل القباب ويزيّنها ويقعد في كل قبة جوق من المغاني، وجوق من أرباب الخيال وأصحاب الملاهي، يتفرج عليها الناس، ويفعل هو كذلك، ثم يخرج الإبل والبقر قبل المولد بيومين، ويزفّها بالطبول والمغاني والملاهي، حتى يأتي بها إلى الميدان وينحرها ويطبخها، فإذا كانت ليلة المولد عمل السماعات بعد أن يصلي المغرب في القلعة، ثم ينزل وبين يديه الشموع المشتعلة
…
فإذا كان صبيحة يوم المولد، أنزل الخلع من القلعة إلى الخانقاه على أيدي الصوفية، ثم ينزل إلى الخانقاه حيث تجتمع الأعيان والرؤساء وطائفة كبيرة من بياض الناس، وينصب (كرسي) للوعاظ، ويعرض الجند في ذلك النهار، ثم يقدم الطعام لعامة الناس، وللمجتمعين عند الكرسي، ويخلع على المتوافدين عليه، ويبيت تلك الليلة هناك، ويعمل السماعات إلى بكرة» «1» .
ويظهر أن ابن دحية «2» قد وصل إلى إربل، فرأى اهتمام صاحبها بالمولد النبوي، فعمل له كتاب «التنوير في مولد السراج المنير» «3» .
فإذا كان هذا حال صاحب إربل مع الاحتفال بالمولد النبوي، فكيف يكون حال المماليك الذين حرصوا على مظاهر البذخ والعظمة في كل عمل من أعمالهم؟
(1) ابن خلكان: وفيات الأعيان 4/ 117.
(2)
ابن دحية الكلبي: عمر بن الحسن بن علي، أديب مؤرخ حافظ للحديث، رحل من الأندلس واستقر بمصر من كتبه (نهاية السول في خصائص الرسول) و (التنوير في مولد السراج المنير) توفي سنة (633 هـ) . ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب 5/ 260.
(3)
ابن خلكان: وفيات الأعيان 4/ 312.
لقد حرص المؤرخون على ذكر الاحتفال بالمولد النبوي في كل سنة من سنوات حكم المماليك الذين اهتموا به اهتماما كبيرا، وحرصوا على المشاركة به، وإظهار تقواهم وتعظيمهم لصاحب المناسبة، وكرمهم مع رجال الدين والعامة، فكان السلطان يقيم خيمة المولد، و «تقام أحواض العصير، يبدأ الاحتفال عند الظهر وينتهي عند ثلث الليل، فيتعاقب القارئون والمنشدون والوعاظ، وتمد الأسمطة بأنواع الحلوى والمأكولات، وعند ثلث الليل يبدأ السماع الذي يستمر حتى الفجر، فتأتي طوائف الصوفية، طائفة بعد طائفة، ويستمرون في الذكر، والسلطان جالس في صدر الخيمة، كذلك يترقب عامة الناس المولد، ليقيموا الولائم، ويتصدقوا على الفقراء، ويظهروا السرور» «1» .
وهكذا انتشرت الاحتفالات بالموالد النبوية بين المسلمين، فكانوا يستمعون فيها إلى قراءة القرآن الكريم والمواعظ وأناشيد المتصوفة والمدائح النبوية، ويقيمون الولائم، ويوسعون على أنفسهم وعلى فقرائهم في الطعام والحلوى والأشربة، ويتصدقون، ويظهرون السرور، وكان يشارك في هذا الاحتفال جميع الناس من السلطان إلى من لا شأن له في المجتمع، فهي مناسبة للتضامن الاجتماعي، ومناسبة لتقرب الحاكمين من المحكومين، ومناسبة مفرحة للفقراء الذين لا يجدون ما يمسك رمقهم.
لكن هذا الانتشار السريع للاحتفال بالمولد النبوي لم يمرّ بسلام، فقد وقف بعض علماء الدين ضد الاحتفال به، وعدوه بدعة غير مستحبة، لأن الاحتفال به اختلط ببعض التصرفات التي لا تتفق مع روح الدين، مثل الإفراط بالزينة، وإقامة الملاهي، واستغلال المناسبة لأغراض سياسية أو للتظاهر والتباهي، ويظهر أن الظواهر السلبية كانت ترافق الاحتفالات بالموالد النبوية منذ وقت مبكر، إذ كان أولي الأمر يعتسفون في تحصيل المال، ويظلمون الناس من أجل البذخ في الاحتفالات الدينية، وكان بعض العلماء على حذر من كل بدعة.
(1) عاشور: العصر المماليكي في مصر والشام ص 321 والمقريزي: السلوك ص 1162 وابن إياس: بدائع الزهور 2/ 494.
وقد يكون مأخذ العلماء على المحتفلين بالمولد النبوي، يتعدى المظاهر، وما يفعل به من أعمال لا تتلائم مع الشريعة، وينصبّ على ما يقال في هذا المولد، والذي يختلط بعقائد فاطمية تسرّبت إليه، لأن الفاطميين هم من أوائل الذين احتفلوا بالمولد النبوي، ولا شك أنهم جعلوه مناسبة لترويج عقائدهم، وكذلك المتصوفة، الذي أدخلوا بعض آرائهم إلى المولد النبوي، فهم الذين كانوا يحيون احتفال المولد، ويقيمون حلقات الذكر فيه، ويتغنون بأناشيدهم، والمعروف عنهم ميلهم إلى الغيبيات، ووضع قصص المعجزات، مثلهم مثل الوعاظ الذين يؤلّفون قصص الوعظ الحافلة بمبالغات الترغيب والترهيب، فدخلت القصص الخيالية إلى الموالد النبوية التي جعلها المتصوفة «أحبولة يتصيّدون بها أهواء الناس
…
فهم لا يكتفون بقراءتها في الذكرى، ولكنهم يقرأونها حين تخلق المناسبات كحفلات الأعراس» «1» .
ولذلك كانت مقاومة بعض علماء المسلمين لهذه الأفكار نابعة من حرصهم على ألا يصبح المولد النبوي مدخلا للأفكار الغريبة التي تشوه صفاء الشريعة، أو مدخلا لإضفاء نوع من الشرعية على بعض ألوان الملاهي، لهذا أطنب أحد العلماء «في الإنكار على ما أحدثه الناس من البدع والأهواء والتغني بالآلات المحرمة عند عمل المولد الشريف» «2» .
بيد أن كتاب المولد النبوي كانوا متحمسين للمولد، لا يعبؤون بما يقال عنهم، ويدعمون توجههم باراء علماء الدين الذين استحبوا هذه البدعة، فجاء في مولد الهدى:«وقد أقر الإمام أبو شامة «3» شيخ الإمام النووي، «4» ، وابن الجوزي «5» ،
(1) مبارك، زكي: المدائح النبوية في الأدب العربي ص 245.
(2)
الديار بكري، حسين: تاريخ الخميس ص 223.
(3)
أبو شامة: عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسي الدمشقي، مؤرخ محدث، ولي بدمشق دار الحديث الأشرفية، له كتاب (الروضتين في أخبار الدولتين) توفي سنة (665 هـ) . ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب 5/ 318.
(4)
النووي: يحيى بن شرف الحزامي، علامة بالفقه والحديث مولده ووفاته في نوى من قرى حوران، تعلّم في دمشق وأقام بها طويلا، من كتبه (المنهاج في شرح صحيح مسلم) وحلية الأبرار، توفي سنة (676 هـ) . ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب 5/ 354.
(5)
ابن الجوزي: عبد الرحمن بن علي القرشي، علامة عصره في التاريخ والحديث، كثير التصانيف، منها (تلبيس إبليس) توفي سنة (597 هـ) . ابن خلكان: وفيات الأعيان 3/ 140.
والحافظ ابن حجر، هذه السنّة الحسنة التي تكثر فيها الصدقات والمبرّات، والمعروف والخير، والبر والإحسان، والتي تشعر، وتدعو الناس إلى محبة النبي وتعظيمه، واتباع هديه صلى الله عليه وسلم وكثرة الصلاة والسلام عليه» «1» .
وعلى الرغم من جدال المعارضين والمحبذين، انتشرت الموالد النبوية، وتسابق المؤلفون إلى وضعها، يميلون إلى التأريخ وسرد السيرة حينا آخر، ويوردون الأحاديث الشريفة والروايات بسندها مرة، ويتركون لأنفسهم العنان مرة أخرى، وبعض هذه الموالد تقتصر على النثر فقط، وبعضها الآخر يمتزج فيها الشعر بالنثر، وكلما تقدمنا في الزمن يرجح نصيب الشعر فيها، ويميل النثر إلى التوقيع الموسيقي، والتقطيع الإيقاعي، ليسهل إنشاده والتغني به، وهذا يظهر أن وضع هذه الموالد، كان هدفه الإنشاد في مناسبة المولد، وفي غيرها من المناسبات الدينية.
وقد حفلت بعض الموالد بالخرافات، والقصص المختلقة التي لا تثبت عند أدنى نظر فيها، مثل الروايات التي ذكرت على لسان الصحابة والتابعين، والتي تحثّ على الاحتفال بالمولد النبوي وتزكّيه، فقد جاء في المولد المنسوب إلى ابن حجر مثلا: «قال أبو بكر الصديق- رضي الله عنه: من أنفق درهما على قراءة مولد النبي صلى الله عليه وسلم كان رفيقي في الجنة
…
وقال عمر: من عظّم مولد النبي صلى الله عليه وسلم فقد أحيا الإسلام
…
عثمان: من أنفق درهما على قراءة مولد النبي صلى الله عليه وسلم فكأنما شهد غزوة بدر وحنين
…
علي: من عظّم مولد النبي صلى الله عليه وسلم وكان سببا لقراءته، لا يخرج من الدنيا إلا بالإيمان، ويدخل الجنة بغير حساب» «2» .
(1) الصباغ، عبد الهادي: مولد الهدى والنور ص 3.
(2)
مولد ابن حجر: ص 8.
فهل كان المولد مكتوبا على عهد هؤلاء الصحابة؟ وهل عرف الصحابة الاحتفال بهذه المناسبة؟ فالظاهر من هذه الروايات التي تعظم قراءة المولد النبوي وتحث عليه، أن واضعيها أرادوا أن يجعلوا للمولد مهابة في النفوس وقداسة، وأرادوا دفع الناس إلى الاعتقاد ببركته، وإلى البذل على الاحتفال به، ووعدوهم أعلى المراتب عند الله تعالى فرفعوا قراءة المولد على العبادات، ولم يتركوا عالما أو فقيها له شهرة إلا نقلوا عنه كلاما في فضائل قراءة المولد، فنقلوا عن الحسن البصري «1» قوله:«وددت لو كان لي مثل جبل أحد ذهبا، فأنفقه على قراءة مولد النبي صلى الله عليه وسلم» .
وقال معروف الكرخي «2» : (من هيّأ طعاما لأجل قراءة مولد النبي صلى الله عليه وسلم وجمع إخوانا، وأوقد سراجا، ولبس جديدا وتبخّر وتعطر، تعظيما لمولد النبي صلى الله عليه وسلم حشره الله يوم القيامة مع الفرقة الأولى من النبيين، وكأنه في أعلى عليين» «3» .
أيمكن أن يقال في هذا الكلام غير أنه مختلق، وضع لإرساء تقاليد معينة لقراءة المولد النبوي؟
ومثل هذا يقال عمّا نقل على لسان الإمام الرازي «4» : «ما من شخص قرأ مولد النبي صلى الله عليه وسلم على ملح أو برّ أو شيء آخر من المأكولات، إلا طرحت فيه البركة.. وغفر
(1) الحسن البصري: الحسن بن يسار، تابعي إمام أهل البصرة وحبر الأمة في زمنه، عالم فقيه فصيح ناسك، ولد في المدينة وشب في كنف علي بن أبي طالب، عظمت هيبته في القلوب فكان يدخل على الولاة فيأمرهم وينهاهم. ابن خلكان: وفيات الأعيان 2/ 69.
(2)
معروف الكرخي: معروف بن فيروز، أحد أعلام الزهاد المتصوفين، من موالي الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم، اشتهر بالصلاح وقصده الناس للتبرك به نشأ وتوفي ببغداد سنة (200 هـ) . ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب 1/ 360.
(3)
مولد ابن حجر: ص 9.
(4)
أبو حاتم الرازي: محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، حافظ للحديث من أقران البخاري ومسلم، ولد في الري وتنقل في البلاد الإسلامية، له كتاب طبقات التابعين وكتاب الزينة وتفسير القرآن العظيم، توفي سنة (277 هـ) .
الله لآكله.. وإن قرأ على ماء.. فمن شرب من ذلك الماء، دخل قلبه ألف نور ورحمة» «1» .
إن استعراض ما جاء في الموالد النبوية من روايات وقصص، يثير العجب والاستغراب، فقد جعلوا لقراء المولد النبوي والذين يقيمون الاحتفال به من الكرامات والثواب، ما يلبي لهم حوائج الدنيا، ويؤمن له حسن العقبى في الآخرة، والأمر جميعه مختلق لا يثبت عند النظر فيه. بل وصل الأمر بمختلقي هذه الروايات إلى تكفير تارك قراءة المولد النبوي، فقال أحدهم:«نص الفقهاء على كفر تاركه، لإشعاره بعدم حبّه له عليه الصلاة والسلام، وحيث أن عمل المولد انعقد عليه الإجماع من الأئمة الذين فضلهم في الأمة شاع، فلتاركه مع القدرة عليه العذاب المهين لإبدائه باتباع غير سبيل المؤمنين» «2» .
وعلاوة على ذلك فقد جعلوا من طقوس قراءة المولد، القيام عند الوصول إلى خبر المولد، ونقلوا عن الفقهاء وغيرهم، أنهم «أجمعوا على القيام عند وصول القارئ إلى خبر ولادته، لما فيه من سرور أمته وإيقانهم بقرب مشاهدته، حيث أن القيام من علامات التوقير والاحترام» «2» .
ولذلك نفر بعض كتّاب المولد النبوي من مثل هذه الروايات المختلقة، وحذروا منها، واشترطوا أن يكون المولد من «تحرير عالم متقن بخلاف الخرافات الشائعة بين الجهّال، فذلك ممّا يجب إنكاره» «3» .
ولم يقتصر ما يستنكر من الموالد النبوية على القصص والروايات المختلقة التي تهدف إلى جلب اهتمام العامة إلى الموالد، وإثارة خيالهم، بل ظهر في وقت متأخر في
(1) مولد ابن حجر ص 10.
(2)
ملص، محمد جمال الدين: التحفة المرضية ص 30.
(3)
الحلواني الخليجي: العلم الأحمدي ص 27.
الموالد شعر غزلي، مسرف في غزله، «مما يأباه كل ذي طبع سليم، ولا يستحليه إلا كل ذي ذوق سقيم، وقد أدخلوا بعض تلك الأشعار في قصة المولد الشريف المنسوبة إلى بعض العلماء، وصارت تقرأ في مجالس العوام فلا تنكر، وذلك من أقبح المنكر» «1» .
وأكثر ما حفلت به الموالد النبوية هو المعجزات التي رافقت مولده صلى الله عليه وسلم، وإرهاصات مولده ومبعثه، والروايات المثيرة التي نقلت عن الرهبان والكهان والجن، وقد انتقلت هذه الروايات والأخبار إلى قصائد المديح النبوي، والمثير أن معظم هذه الروايات دون سند، يأتي بها كاتب المولد النبوي دون أن يهتم بصحتها، ومن يقرأ مولد ابن حجر، سيرى من الغيبيات وقصص المعجزات ما يثير الغرابة والاستهجان، وهذا ما دفع الدكتور زكي مبارك إلى القول:«ولم يعرف لشيء من ذلك سند صحيح من التاريخ، ولا نعرف متى نشأت هذه الأخبار عند المسلمين، وأغلب الظن أنها من وضع القصاص الذين أرادوا أن يصوروا مولد الرسول بالصور التي أثرت عن أنبياء الهنود» «2» .
فمولد ابن حجر مثلا يبدأ بالحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: (ألبسه الله تاج النبوة، وجعله نبي الأنبياء، وآدم منجدل مندمج في الطين «3» .
فهو يعتمد على الأحاديث الغيبية، وعلى ما يهتم به الصوفية من الجانب الروحي المحض من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك يعود إلى وصفه بقوله:«كان سر سجود آدم، ودعوة إبراهيم» «4» .
ثم يورد معجزاته صلى الله عليه وسلم، ويقف بين المقطع والمقطع، لينظم أبياتا من الشعر، تتناول جانبا من جوانب حياته، فيقول مثلا:
(1) المجموعة النبهانية: 1/ 14.
(2)
مبارك، زكي: المدائح النبوية في الأدب العربي ص 189.
(3)
مولد ابن حجر: ص 2.
(4)
مولد ابن حجر: ص 3.
صلّوا عليه وسلّموا تسليما
…
حتى تنالو جنّة ونعيما
يا أمّة بنبيّها متفضّله
…
صلوا عليه وسلّموا في الأوّله
أمة محمّد بالقطوف الدّانيه
…
صلّوا عليه وسلّموا في الثانيه
يا من تورّق له الغصون اليابسه
…
صلّوا عليه وسلّموا في الخامسه
جاء ابن عبد الله يبشّر آمنه
…
صلّوا عليه وسلّموا في الثامنه «1»
ويلاحظ على هذا النظم الذي يقرب من العامية أو الزجل العامي، أنه نظم لتأكيد الأفكار التي وردت في النثر وليردده الحاضرون، مثل تكرار الصلاة عليه بطرق مختلفة، منها ما ورد في مقدمة الأبيات السابقة، ومنها ما يشبه الموشح في قوله:
الصلاة عليك السلام عليك
…
من باب السلام
الصلاة عليك السلام عليك
…
في جنح الظلام «2»
ومع أن هذا النظم الذي تحفل به الموالد في النبي الكريم، وهو يتحدث عن معجزاته وحياته وبعض صفاته، إلا أنه يخرج عن المديح النبوي، لأنه نظم لشرح قطعة نثرية، وللتعقيب على فكرة، ولكسر جمود القراءة النثرية، وليتمكن السامعون من المشاركة في المولد، فيرددون هذا النظم، الذي يكون في الغالب ضعيفا، يعتوره اللحن والخطأ، وإلا فماذا نقول في مثل هذا الشعر:
صلوا عليه وسلموا تسليما
…
حتى تنالوا جنة ونعيما
لي نبيّ اسمه محمّد يا مولاي
…
لم يزل فضله عليّا
(1) مولد ابن حجر: ص 7.
(2)
المصدر نفسه: ص 73.
هو نبييّ هو شفيعي يا مولاي
…
غدا من النّار القويّا
أنطق النّخل بفضله يا مولاي
…
وله وجه مضيّا
أنفه أقنى كسيف يا مولاي
…
والحواجب أنوريّا «1»
ولا أظن أن هذا شعر يقال في سيد الخلق. وهكذا يسير المولد من نثر إلى شعر، حتى يختم بدعاء معهود.
ويضاف إلى ذلك أن الشعر الذي يرد في الموالد النبوية، والذي فرضه سياق المولد وظروف قراءته، لم يشكل بمجموعه شعرا خاصا متميزا، ولم يطل مؤلف المولد النظر فيه، وهو غالبا لا يجيد الشعر ولا يعرف منه غير الشكل الخارجي، وهو لم ينظمه ليكون شعرا في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما استكمالا لشكل المولد، وإشباعا لحاجته الإيقاعية، ولمّا كان موضوع المولد هو قسم من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أي شعر يدرج في هذا المولد يجب أن يكون قريبا من هذا الموضوع، وبالتالي فهو يتحدث عن النبي الكريم، فهو شعر نبوي جاء من وحي الموضوع وليلائم المكان الذي يوضع فيه.
صحيح أن المولد النبوي شيء يتردد بين التأريخ لشطر من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين تمجيده والثناء عليه ومدحه إلا أنه لم يكن خالصا للمديح النبوي، وظل على شيء من الاختلاف عن المديح النبوي كما عرفناه في العصر المملوكي وفي العصور التي سبقته.
والمولد الذي يقرب ما جاء فيه من المديح النبوي هو مولد عائشة الباعونية «2» ، التي
(1) مولد ابن حجر: ص 14.
(2)
عائشة الباعونية: عائشة بنت يوسف بن أحمد الباعوني، شاعرة أديبة فقيهة، ومولدها ووفاتها بدمشق، رحلت إلى مصر وزارت حلب، من مؤلفاتها (المورد الأهنى في المولد الأسنى) وديوان شعر، توفيت سنة (922 هـ) . ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب 8/ 111.
اتجهت به اتجاها صوفيا واضحا، وفسّرت كل ما حدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم تفسيرا صوفيا، وعبّرت عن المعاني في المولد النبوي تعبيرا صوفيا محضا، وقد سارت في مولدها على نهج محدد، فهي تتحدث عن ناحية من نواحي حياة الرسول الكريم وعن فضيلة من فضائله، ثم تنظم ما قالته شعرا، فجاء الشعر أقرب إلى المنظومات التعليمية منه إلى الشعر الحقيقي. فبعد أن تحدثت عن خلق النبي الكريم من منطلق الحقيقة المحمدية، نظمت ما تحدثت عنه، فقالت:
عبير الثّنا في الخافقين يفوح
…
وبشر الهنا في الكائنات يلوح
بإيجاد من لولاه ما كان كائن
…
ولا علمت نفس ولا نعمت روح
وجيه بعرش الله في رقم اسمه
…
دليل على التّخصيص فيه وضوح
وآدم مذ أضحى به متوسّلا
…
أجيب وداود ومن قبله نوح
ونجّى من النّار الخليل لأجله
…
وأسعف منّا بالفداء ذبيح
وكم بشر بالمصطفى قد تتابعت
…
وأفصحهم نطقا بتلك مسيح
وكم أضحت الأحبار تهتف باسمه
…
وتعرب عن مجد العلا وتبوح
وكم أنشأ الكهّان سجعا ببعثه
…
وأبدع شقّ في الحلى وسطيح «1»
وحين تحدثت عن معجزات مولده، وأفاضت فيها نثرا، عادت ونظمت هذه المعجزات شعرا، فقالت:
الله أكبر كم وافت بشارات
…
وكم تبدّت لتعظيم إشارات
وكم تجلّت براهين ومعجزة
…
وكم توالت كرامات وآيات
(1) مولد الباعونية: ص 15.
أعظم بها ليلة جلّت بدائعها
…
وأفصحت بالهنا فيها الجمادات
وزيّنت حضرات الغيب وانتصبت
…
من أجل ياسين أعلام ورايات
وجلّل العرش بالأنوار واتّشح ال
…
كرسيّ وزخرف فردوس وجنّات «1»
وهكذا مضت في مولدها، تنتقل من الحديث عن المولد إلى الحديث عن المعجزات إلى سرد شيء من السيرة، لتصل إلى صفاته الجسمية، وفضائله الخلقية، وتعقب على كل فقرة بقصيدة تنظم فيها ما تقدمت به، ولتختتم المولد بقصيدة في الصلاة على النبي، بدأتها بقولها:
صلّوا على من عليه الله خالقه
…
صلّى وسلّم في الآزال والقدم
صلوا على بهجة الكونين أحمد من
…
سما وسمّي قبل اللّوح والقلم
صلّوا عليه يصلّي الله تكرمة
…
عشرا ويشملكم بالفضل والكرم «2»
وما ذكرته عائشة الباعونية شعرا ونثرا، يدخل في بناء المدحة النبوية، لكنها لم تخرج عن نطاق الغيبيات والنظرة الصوفية إلى النبي الكريم، وشعرها هنا يعد مدحا نبويا روحيا خالصا، مضمّنا في مولد نبوي، إلا أن النظم غلب عليه.
ومن هنا جاء التداخل بين الشعر الذي قيل في المولد النبوي وبين المديح النبوي، لكن القصائد والمقطوعات الشعرية التي توجد في الموالد النبوية، تقتصر كل منها على معنى محدد من معاني المديح النبوي، ونادرا ما جمعت قصيدة أو قطعة شعرية معاني مختلفة من معاني المديح النبوي، وهذا ما نلاحظه بوضوح في مولد عائشة، فكل قصيدة تدور حول معنى محدد هو المعنى الذي قدمت له، ولم تأخذ القصائد شكل المدحة
(1) مولد الباعونية: ص 25.
(2)
المصدر نفسه: ص 47.
النبوية المتكاملة المعروف من مقدمة غزلية أو ذكر للمقدسات، إلى مدح النبي الكريم بقيم مختلفة، ومن نواح متباينة مع ذكر بعض المواضيع الآخرى، واختتامها بالدعاء والصلاة عليه، ولذلك افترق شعر الموالد النبوية عن شعر المدائح النبوية، فهو يلتقي معه في الموضوع، إذ إنه يتعلق برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالهدف، فهو يرمي إلى تمجيد رسول الله ومدحه لكنه يبتعد أحيانا عند ما يكون هدفه التأريخ ونظم معنى من المعاني أو قضية من القضايا، وعند ما لا يقصد به إلا الترنم والإنشاد، وهو يفترق عنه أيضا في الشكل الفني.
فالمولد النبوي بشعره ونثره، فيه لون من ألوان المديح النبوي، وفيه صنعة فنية من نوع ما، ربما امتزجت فيه القصة والملحمة والشعر، وربما كان لونا فنيا خاصا، أو بداية للون فني خاص، فهو يلتقي مع المدح النبوي كما عرف في العصر المملوكي بأشياء، ويفترق عنه بأشياء أيضا.
وإلى جانب ذلك يوجد شعر قيل في المولد النبوي فقط، وأشاد به، وورد ذكر المولد أيضا في قصائد المديح النبوي، فهو أحد معاني مديحه صلى الله عليه وسلم، بالإضافة إلى ظهور قصائد خاصة، تنظم بمناسبة يوم المولد، يذكر فيها المولد، ويمدح النبي الكريم، ثم يمدح السلطان في ذلك الوقت، فإذا كان حاضرا الاحتفال بالمولد- وهو الغالب- تنشد القصيدة بين يديه.
وانتشر هذا اللون من القصائد في المغرب خاصة، وسميت القصيدة منه بالمولدية، لمناسبة نظمها، ولتعرضها لمولد الرسول الأمين.
فمن المدائح النبوية التي ذكر فيها المولد، قصيدة لسليمان السمهودي «1» ، بدأها بقوله:
(1) السمهودي: تقي الدين سليمان بن موسى بن بهرام، اشتغل بالعلوم ونظم وناظر، وكان عارفا بالأصول، متعففا كثير العبادة، توفي سنة (736 هـ) . ابن حجز: الدرر الكامنة 2/ 164.
أضاء النّور وانقشع الظّلام
…
بمولد من له الشّرف التّمام
ربيع في الشّهور له فخار
…
عظيم لا يحدّ ولا يرام
به كانت ولادة من تسامت
…
به الدّنيا وطاب بها المقام «1»
والملاحظ في ذكر الشاعر للمولد النبوي أنه تناول أثر هذا المولد على الكون، وفضل شهره على غيره من الشهور، وهذا الأمر يتكرر دائما في القصائد المولدية، التي لا تفترق عن المدائح النبوية إلا بأمرين: الأول هو نظمها بمناسبة المولد، والتأكيد على ذكر أهمية المولد في تاريخ البشرية، والثاني هو مدح سلطان الوقت الذي نظمت فيه القصيدة، فهي بذلك لون من ألوان قصائد المديح النبوي.
ومن ذلك قصيدة لعبد الله بن سيف النجاري الخزرجي «2» ، يمدح فيها النبي الكريم، ويذكر مولده، ويمدح ملك المغرب عبد العزيز المريني، يقول فيها:
لله مولدك الكريم وفادة
…
وإفادة يروي الظّماء جمامها
هو أكبر الأعياد بشرى آذنت
…
ألايودّع شهرها أو عامها
وافى ربيع الخير منه بليلة
…
عن وجه ذاك البدر حطّ لثامها
طفئت بها نيران فارس بعد ما
…
لم تطف ألفا عدّدت أعوامها
هي ليلة فاق اللّيالي فضلها
…
وتشّرفت بزمانها أيّامها
أبدى الكريم إمامنا تعظيمها
…
وله يحقّ بواجب إعظامها
(1) الأدفوي: الطالع السعيد ص 252.
(2)
عبد الله بن يوسف بن رضوان النجاري الخزرجي: فقيه قاص كاتب من أهل مالقة، كتب للموحدين، وكان شاهدا عدلا، بارع الإنشاء رقيق النظم. ابن الأحمر: نثير الجمان ص 233.
فهو المليك الصّالح العلم الرّضا
…
محيّي الشّريعة، عزّها ونظامها «1»
والطريف أن نجد أرجوزة لابن البرهان الفاقوسي «2» ، يتحدث فيها عن المولد، وكأنه نظم المولد رجزا، أو أنه صنعها على غرار المنظومات التعليمية، فأودعها المعلومات المختلفة حول المولد النبوي، وقد افتتحها بقوله:
الحمد لله الحميد الصّمد
…
منوّر الأكوان بالممجّد
محمّد خير الورى المكمّل
…
أهدى إلينا في ربيع الأوّل
أعلام سعد المصطفى قد نشرت
…
في الخافقين تلألأت وتضوّأت
فاح الوجود بنشر عرف المصطفى
…
لمّا مشى ما بين زمزم والصّفا
من قبل نشأة آدم أنواره
…
قد سطّرت في العرش لمّا اختاره «3»
ونجد كذلك من يجعل إحياء ليلة المولد والاحتفال بها، معنى من معاني مدح الأمراء والسلاطين، يضاف إلى المعاني الدينية التي انتشرت في مدح ذوي الأمر آنذاك، فالفرفوري «4» مدح السلطان قانصوه الغوري قبيل انقضاء الدولة المملوكية، فقال:
محبّ لأهل العلم والفضل والتّقى
…
بحيث إليهم دائما يتودّد
ومولد خير الخلق أجراه عادة
…
بها كلّ خير دائما يتولّد «5»
(1) ابن الأحمر: نثير الجمان ص 241.
(2)
ابن البرهان الفاقوسي: إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم، كان معلّما للأطفال، خيّرا معتقدا، حصّل علوما كثيرة، استقر في مشيخة الصوفية، واشتغل بالقضاء، توفي سنة (862 هـ) . السخاوي: الضوء اللامع 1/ 180.
(3)
السخاوي: الضوء اللامع: 1/ 181.
(4)
الفرفوري: أحمد بن محمود بن عبد الله، قاضي القضاة برع وتميز على أقرانه، كان جامعا بين العلم والرئاسة والكرم وحسن العشرة، ولي قضاء الشافعية بدمشق، ثم جمع بينه وبين قضاء مصر، وكان له شعر متوسط، توفي سنة (911 هـ) . الغزي: الكواكب السائرة 1/ 141.
(5)
الغزي: الكواكب السائرة 9/ 143.
أما المشارقة، فإنهم نظموا القصائد المولدية، لكنهم لم يقحموا فيها مدح السلطان، وظلت مثل المدحة النبوية العادية، إلا أن الشاعر يتسع فيها بذكر المولد النبوي ومعجزات هذا المولد.
ومن ذلك قصيدة لصفي الدين الحلي، بدأها بقوله:
خمدت لفضل ولادك النّيران
…
وانشقّ من فرح بك (الإيوان)
وتزلزل النّادي، وأوجس خيفة
…
من هول رؤياه (أنو شروان)
فتأوّل الرّؤيا (سطيح) وبشّرت
…
بظهورك الرّهبان والكهّان
وعليك (إرميا) و (شعيا) أثنيا
…
وهما و (حزقيل) لفضلك دانوا
بفضائل شهدت بهنّ السّحب والت
…
توارة والإنجيل والفرقان
فوضعت لله المهيمن ساجدا
…
واستبشرت بظهورك الأكوان
متكمّلا لم تنقطع لك سرّة
…
شرفا، ولم يطلق عليك ختان
فرأت قصور الشّام (آمنة) وقد
…
وضعتك لا تخفى لها أركان
وأتت (حليمة) وهي تنظر في ابنها
…
سرّا تحار لوصفه الأذهان
وغدا ابن ذي يزن ببعثك مؤمنا
…
سرّا ليشهد جدّك الدّيّان
شرح الإله الصّدر منك لأربع
…
فرأى الملائك حولك الإخوان «1»
وهكذا تمضي القصيدة في سرد معجزات مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونشأته، لتنظم معظم ما جاءت به الموالد النبوية، وليتابع الشاعر بعد ذلك مدح النبي الكريم بالمعجزات التي ظهرت علي يديه بعد البعثة.
(1) ديوان الحلي: ص 79.
لكن القصائد المولدية لم تكن كلها متشابهة، فربما نظم بعض الشعراء قصائد في مناسبة المولد النبوي، لكنهم لا يذكرون فيها المولد من قريب أو بعيد، ولا يمدحون فيها صاحب الأمر في وقتهم، ويقتصرون في قصائدهم تلك على المديح النبوي فقط، فتكون القصيدة مدحة نبوية خالصة، لكن اسم مولدية أتاها من نظمها بمناسبة المولد، أو لأن صاحبها أنشدها في احتفال المولد، وكان من مراحل احتفال المولد الأساسية إنشاد المدائح النبوية، دون أن يعني ذلك أن تكون خالصة للمولد النبوي، فيكفي أن يمدح الرسول صلى الله عليه وسلم صاحب المناسبة المحتفى بها.
فالمولد النبوي هو نوع من السيرة، يتناول مرحلة المولد والنشأة، وهو نوع من المدح والتمجيد، يعتني بمعجزات المرحلة الأولى من حياة الرسول الكريم، يختلط فيه الشعر بالنثر، ويقتصر على معنى واحد من معاني المديح النبوي، ولذلك يتشابه مع المديح النبوي ويفترق عنه.
أما القصائد التي نظمت في هذه المناسبة وسميت بالمولدية، فإنها قصائد مديح نبوي، تلتقي مع سواها من المدائح النبوية في كل شيء، وتفترق عنها بالتوسع في ذكر المولد، وفي مدح صاحب الأمر آنذاك، وبذلك يتقاطع المدح النبوي مع المولد النبوي ويفترق عنه، فما جاء في المولد النبوي هو قسم من المديح النبوي، ولا يسعنا أن نتجاهل بعض القصائد التي وردت فيها، لأنها تلتقي مع قصائد المديح النبوي في جوانب كثيرة، أهمها أنها جميعا تقال في تمجيد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومدحه.
من كل ذلك يتبين لنا أن المدح التقليدي للنبي الكريم يتشابه مع غيره، وأنه جاء بسبب رسوخ التقاليد الفنية في نفوس الشعراء، وهو لون من ألوان المديح النبوي، بدأه شعراء البعثة، الذين لم يكونوا يرمون من وراء مدحهم للنبي الكريم أن يكون هذا المدح متميزا، وفنا قائما بذاته.
أما مدح آل البيت، فإنه موجه لآل رسول الله، يشيد بهم ويدافع عن حقهم في الخلافة، ويذكر قرابتهم من رسول الله، فيأتي فيه شيء من مدحه صلى الله عليه وسلم، لكن الشعراء الذين ذكروا رسول الله في مدحهم لآل البيت، لم يكونوا يقصدون في شعرهم مدح النبي الكريم، بل استدعى موضوع شعرهم هذا المدح.
في حين أن الشعر الصوفي، وهو فن شعري مستقل، استدعى موضوعه ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن مدحه في الشعر الصوفي لم يكن هدفا رئيسا لقصائد المتصوفة، بيد أن الشعر الصوفي أثّر في المديح النبوي مثلما أثّر شعر الشيعة، وتأثرا به.
وشعر التشوق إلى الأماكن المقدسة يفترق عن المديح النبوي، وإن ذكر الرسول الكريم فيه، فهو فن شعري مستقل، أضحى في أيام المماليك من لوازم المديح النبوي.
والمولد النبوي، وما ورد فيه من شعر هو لون من ألوان المديح النبوي، يقتصر على معنى من معانيه، ويتحدث عن واقعة واحدة من وقائع سيد البشر.
وبذلك تكون هذه الفنون الشعرية قريبة من فن المديح النبوي، ومتميزة عنه ومتقاطعة معه، فهي تقترب وتبتعد، وتتداخل وتتمايز مع المديح النبوي، لكننا لا نستطيع أن نجعلها بكل صورها من فن المديح النبوي، الذي عرف في العصر المملوكي على صورة معينة، يصعب دمج هذه الألوان معه.
لكن هذه الفنون أثّرت في المديح النبوي وتأثرت به، وأعطته الصورة التي نعرفها.
الباب الثالث المدحة النبوية
المدحة النبوية إن المديح النبوي في العصر المملوكي قد أضحى فنا شعريا مستقلا، له أصوله وقواعده، وله شعراؤه الذين وقفوا شعرهم عليه، وله مريدوه وسامعوه الذين انفعلوا به، فكان سميرهم في مجالس العلم والشعر، وحلقات الدرس والذكر، وكان وسيلة للتعبير عن مشاعرهم وآلامهم وآمالهم، ولطلب الراحة والطمأنينة لنفوسهم المضطربة القلقة، بسبب الهزات العنيفة التي تعرض لها المجتمع العربي الإسلامي على أكثر من صعيد.
وكانت المدائح النبوية تعكس رغبة الناس في الخلاص والصفاء؛ لأن العرب المسلمين كانوا وما زالوا ينظرون إلى العصور الإسلامية الأولى على أنها المثل الأعلى للحياة الحقة، التي تعطي للإنسان قيمته الإنسانية، وتجعله يعيش حرا كريما عزيزا، يشعر بمعنى الحياة، ويحس أنه يعيش من أجل هدف سام يريد الوصول إليه.
وتعكس كذلك شوقهم إلى المثل الأعلى والبطولة الفذة والفضائل السامية التي تجسدت في شخصية الرسول الكريم. فكانت المدائح النبوية على هذا الانتشار وعلى هذه الفاعلية، وعلى هذا التقدير، لذلك احتفل لها شعراؤها أيّما احتفال.
والمدحة النبوية تعني أنها قصيدة مدح، لذلك فهي ترتبط بفن المدح الذي عرفه العرب منذ وقت مبكر من تاريخهم، ووصل إلينا مع وصول الشعر العربي في بداياته، لذا فهي لا تخرج في نهجها العام عن قصائد المديح في الشعر العربي، وعن الطريقة التي مدح بها الشعراء.
والمديح سابق للمدحة النبوية، لذلك أخذت عنه، وجارى شعراء المديح النبوي سابقيهم في المضمون والأسلوب.
وتعني أيضا أنها تنظم مدحا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقط، فلا يعد مديح غيره من المديح النبوي، مهما كانت علاقته بالنبي الكريم وثيقة.
وبذلك تكون المدحة النبوية مرتبطة بفن المديح العربي عامة، ومدح النبي الأمين خاصة.