الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إظهار النزعة العربية:
لقد وضعت المدائح النبوية أمام الناس أمثلة عظيمة من العدل الاجتماعي، وحرّكت في نفوسهم التوق إلى العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية، وتطبيق مبادئ الدين الحنيف جميعها، فتضافرت مع أسباب أخرى، ليظهر التململ الاجتماعي الذي تحدثنا عنه سابقا، وكانت مناسبة عظيمة ينفّس العرب فيها عن كربهم وكبتهم، فهم يمدحون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو عربي الأرومة واللسان، ولا يستطيع أحد أن يعترض على ذلك، ويمدحون العرب بذكر الصحابة، ولا يجرؤا أحد على الاعتراض والمساءلة، وبذلك يشاد بالعرب في دولة لم يكونوا السادة فيها، وهذا يظهر أنهم لم يخلدوا لسبات عميق، وظلوا في حركة وتململ، وظلوا معتزين بأنفسهم، فهم حملة الرسالة السماوية ومنهم سيد الخلق الرسول العربي الكريم.
وعلى الرغم مما وصل إليه الأتراك من نفوذ، فهم لم يستطيعوا أن يصبغوا البلاد العربية بصبغتهم، ولم يستطيعوا الابتعاد كثيرا عن الثقافة العربية، لأن اللغة العربية ظلت لغة الدولة والعلم والتأليف، وظلوا يحتفظون في أنفسهم بشيء من الاحترام للخلافة العربية الإسلامية، ويحرصون على استمداد شرعية ملكهم منها.
ولم يكن الاعتزاز بالعروبة قاصرا على الذين يحتفظون بسلسلة نسبهم العربي الخالص، وإنما اعتز بالعروبة كل من انتمى إليها حضاريا، فاختلاط العرب بغيرهم من الشعوب، جعل من العسير على معظم الناس الاحتفاظ بأنسابهم، وإثبات أصالتها العربية، لكن ذلك لم يقلل من انتمائهم للعروبة، وخاصة أن الإسلام ربط بين عناصر الدولة، وخفّف من حدة التنافر بينها، فجميعها تلتقي على الإسلام ورسوله الكريم، وتتوحد حوله، ولذلك وجدنا من يرى في علاقة العرب بالترك علاقة تكامل، لا علاقة تطاحن، مثل قول ابن سناء الملك مشيدا بانتصارات الأتراك في الحروب الصليبية قبيل دولة المماليك:
بدولة التّرك عزّت ملّة العرب
…
وبابن أيّوب ذلّت شيعة الصّلب
وفي زمان ابن أيّوب غدت حلب
…
من أرض مصر وعادت مصر من حلب «1»
بيد أن المماليك الأتراك لم يفسحوا لغيرهم مكانا واسعا في سلطة دولتهم، وانفردوا باتخاذ القرارات المصيرية، وهذا ما حزّ في نفوس العرب الذين ثاروا عدة مرات على المماليك، لكن ثوراتهم لم تنجح، فانكفؤوا على أنفسهم، يظهرون شخصيتهم وآمالهم في الثقافة والأدب، ويعزّون أنفسهم في العبادة والزهد.
وقد لمس بعض العرب انتقاص غيرهم لهم، فقال مؤلف كتاب (مبلغ الأدب في فضائل العرب) :«إن كثيرين من الفرق الأعجمية والطوائف العنادية، جبلوا على بغض العرب» «2» .
وصرّح في كتابه أنه اختصر كتابا في هذا الباب لابن الحسين العراقي «3» المتوفى سنة (805 هـ) ، وجعل من كتابه إثباتا لفضل العرب، فعرض الأحاديث والروايات التي تؤيد ذلك «4» .
من مثل (حب العرب إيمان وبغضهم كفر.. وحب العرب من محبة النبي.. وغير ذلك)«5» .
وافتتح خطبة الكتاب بقوله: «الحمد لله الذي اختص العرب بين سائر الأمم بمزايا لا
(1) ديوان ابن سناء الملك ص 1.
(2)
ابن حجر الهيتمي: مبلغ الأرب ص 3.
(3)
عبد الرحيم بن الحسين العراقي، تحول والده من العراق إلى مصر فولد فيها وتلقى العلم عن شيوخها، ثم طلبه في الحواضر العربية حتى أصبح محدّث عصره، تولّى عدة وظائف منها قضاء المدينة المنورة وخطابتها وإمامتها، توفي سنة (806 هـ) . السخاوي: الضوء اللامع 4/ 171.
(4)
المصدر نفسه ص 4.
(5)
المصدر نفسه ص 6 والحديث الثاني ضعّفه السيوطي في الجامع الصغير 1/ 498.
تحصى، وأشهد ألاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الذي شرّف الله به العرب على سائر من سواهم، بفضائل لا تستقصى» «1» .
فالعرب في الدولة المملوكية تحسسوا وجودهم وكيانهم، وعبروا عن ذلك في الثقافة والأدب، متابعين تبرم العرب بالتسلط الأعجمي قبل قيام الدولة المملوكية، فالشريف الرضي كان يجسد في شعره طموح العربي إلى الحرية، ونزعته إلى أن يكون حرّا سيّدا كريما في أرضه، ولذلك جعل الحجاز رمزا لتوقه وخلاصه، وتعبيرا عن نزعته العربية، فقال في إحدى قصائده:
ومن شيم الفتى العربيّ فينا
…
وصال البيض والخيل العراب
سقى الله المدينة من محلّ
…
لباب الماء والنطف العذاب «2»
ويظهر أن التشيّع لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإشادة بهم، كانت متنفسا للإشادة بالعرب والعروبة، وكذلك الأمر في الحنين إلى الحجاز وبقاع الجزيرة العربية، فهو حنين إلى بقاع عربية، وإلى زمن عربي بوجه من الوجوه، أو هو تعبير مستتر عن النزعة العربية التي هيّجها شعر الحنين إلى الحجاز ومدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالتلعفري قال في تشوقه وغزله:
عربيّ لفظ نون حاجبه لها
…
من خال وجنة خدّه إعجام «3»
لقد ذكر دون أن يعي ذلك عناصر عربية في شعره، من الأماكن المقدسة إلى اللفظ العربي إلى الإعجام، وإن كانت الصنعة قد ألزمته بذلك، فإن اللاوعي قد أحضر هذه العناصر إلى ذهنه وأجراها على لسانه، وسواء أكان قاصدا إلى هذا أو لم يكن، فإن
(1) المصدر نفسه ص 3.
(2)
ديوان الشريف الرضي 1/ 91.
(3)
ديوان التلعفري ص 39.
ورود ما يذكّر بالعرب والعروبة في الشعر له أثره في الناس الذين يحنون إلى عصور الإسلام الزاهية التي سادها العرب.
وقد صرح ملك النحاة بالنزعة العربية في قصيدة افتخر فيها بالعرب على الأعاجم، ومنها قوله:
للعرب الفخر القديم في الورى
…
فأعرضي عن نبأ الأعاجم
هم الذين سبقوا إلى النّدى
…
فهو لديهم قائم المواسم
أعطاهم الله العلا لأنّهم
…
قوم النّبيّ المصطفى من هاشم
فخرهم باق على الدّهر به
…
إن كان فخر دارس المعالم «1»
وحين تخلص ابن عبية «2» من الغزل إلى المدح النبوي، قال:
ما مخلصي في الحبّ من شرك الهوى
…
إلا بمدح المصطفى المأمون
زين الأعارب في القراع وفي القرى
…
ليث الكتائب لم يخف لمنون «3»
فأول ما بدأ به في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو أنه زين الأعارب، فرسول الله عربي وفي الإشادة به إشادة بالعرب، ولذلك يظهر الشمس الدمشقي «4» خطيب السابتية حبه للعرب وتعلقه بهم في غزله الذي يقدم به لمدح النبي صلى الله عليه وسلم فيقول:
(1) صدقي، أحمد: تهذيب تاريخ دمشق 4/ 169.
(2)
ابن عبية: أحمد بن محمد بن محمد، عالم واعظ قاضي القدس، رحل إلى دمشق ووعظ بالجامع الأموي، له شعر لطيف وخط حسن، توفي سنة (905 هـ) الغزي: الكواكب السائرة 1/ 124.
(3)
الغزي: الكواكب السائرة ص 125.
(4)
الشمس الدمشقي: محمد بن محمد بن محمد، خطيب السابتية بدمشق، فقيه محدث، تكسب بالشهادة وجاور بمكة. السخاوي: الضوء اللامع 9/ 245.
عرب لي أرب في حبّهم
…
إنّني أقضي وأقضي الأربا
سادة سيّدهم لا غرو أن
…
جمع السّؤدد فهو المجتبى «1»
فرسول الله صلى الله عليه وسلم سيد العرب وفخرهم ومشرّفهم، رفع الله شأنهم ببعثه منهم، فهم يستحقون أن يكونوا سادة في بلادهم، بعد أن حملوا رسالة الإسلام إلى العالم، وهذا مدح للعرب لا يستطيع أحد ردّه، فتميّز العرب عن غيرهم كان برسول الله صلى الله عليه وسلم، أو كما قال ابن شهاب الحضرمي معقّبا على بيت ابن حجة:
ومذهبي في كلامي أن بعثته
…
لو لم تكن ما تميّزنا على الأمم
إن مدخل الإشادة بالعرب في المدائح النبوية، هو الافتخار بكون رسول الله صلى الله عليه وسلم من العرب، والافتخار به ما بعده افتخار.
وفي ثنايا مدح سيد الوجود، نثر الشعراء إشارات مختلفة تشيد بالعرب في عصر سيادة الأعاجم، ومن ذلك قول البرعي من مدائح مختلفة:
يا سيّد العرب العرباء معذرة
…
لنادم القلب لا يغني تندّمه «3»
فرسول الله هو سيد العرب، وهذا تنويه بقدرهم، وإلى جانب ذلك فخر الشاعر بمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم باللغة العربية الفصيحة، وهذا رفع لقدر اللغة العربية وقدر أصحابها، وقد أكدّ هذا المعنى في قصيدة أخرى فقال:
(1) السخاوي: الضوء اللامع 9/ 245.
(2)
ابن شهاب الحضرمي: إقامة الحجة ص 30.
(3)
ديوان البرعي ص 72.
يليق الخطاب اليعربيّ بأهله
…
فيهدي الوفا للنّقص والحسن للقبح
ومن شرف الأعراب أنّ محمّدا
…
أتى عربيّ الأصل من عرب فصح «1»
فالمعنى واضح في ذهن الشاعر، وواضح في شعره، أنه يشيد بالعرب، ويرفع قدرهم، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، والقرآن أنزل بلسانهم، ولذلك لهم ميزة على من سواهم، أو لأمته ميزة على غيرها من الأمم، كما يقول:
فها هو خير الخلق من خير أمّة
…
يدلّ على نهج لإرشاد قاصد
ونحن به نعلو على الأمم التي
…
مضت وكتاب الله أعدل شاهد «2»
ولا يخفى على المطلع أن مثل هذه الإشارات لم تأت عفو الخاطر، وأن المدح النبوي بذاته يحمل إشادة بالعرب أثناء الإشادة برسول الله صلى الله عليه وسلم، دون أن يقصد الشاعر إلى ذلك قصدا، وقد تنبه ابن خالدون في مقدمته على علاقة السيادة العربية برسول الله صلى الله عليه وسلم وارتباط ملكهم ببعثته حين قال:«العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة أو ولاية، والسبب في ذلك أنهم لخلق التوحش الذي فيهم أصعب الأمم انقيادا بعضهم لبعض، للغلظة والأنفة، وبعد الهمّة والمنافسة في الرئاسة، قلّما تجتمع أهواؤهم، فإذا كان الدين بالنبوة أو الولاية، كان الوازع لهم من أنفسهم، وذهب خلق الكبر والمنافسة منهم، فسهل انقيادهم واجتماعهم.. وحصل لهم التغلّب والملك» «3» .
فابن خالدون يذهب إلى أنه لولا النبوة لما قام للعرب ملك، وظلوا على تفرقهم في بواديهم المترامية، ولذلك قال عن حالهم بعد سيطرة الأعاجم عليهم: «ثم إنهم بعد ذلك، انقطعت منهم عن الدولة أجيال، نبذوا الدين فنسوا السياسة، ورجعوا إلى
(1) ديوان البرعي: ص 136.
(2)
المصدر نفسه: ص 115.
(3)
مقدمة ابن خالدون ص 151.
قفرهم، وجهلوا شأن عصبيتهم مع أهل الدولة، ببعدهم عن الانقياد.. ولم يبق لهم من اسم الملك إلا أنهم من جنس الخلفاء.. ولما ذهب أمر الخلافة، انقطع الأمر جملة من أيديهم، وغلب عليهم العجم» «1» .
من هنا كان للعرب الحق بالافتخار لارتباطهم برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم حملة رسالة السماء السامية، وهم الذين أقاموا دولة الإسلام، ومن الواجب أن يكون لهم شأن في بلادهم، ولذلك حفلت المدائح النبوية بالإشادة بالعرب، والتنويه بقدرهم في دولة المماليك. ووجود الإشادة بالعرب في المدائح النبوية يمنع الاعتراض عليهم، ويعصم الشعراء من البطش، فالمماليك الذين حكموا الناس باسم الدين، وحرصوا على إظهار تدينهم، لا يمكنهم أن يأخذوا شاعرا يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثناء على قومه.
وقد أظهر شعراء المدح النبوي تعلّقهم بالعرب والعروبة في مناحي شتى، ومواضع متفرقة في مدائحهم، مثل الغزل بالعربيات وذكر ديار العرب، فالصرصري يغتنم فرصة ذكر تشوقه للمقدسات وتغزله، ليشيد بالعرب ويقول:
عن أيمن السّفح بالحمى عرب
…
بين فؤادي وبينهم نسب
أعزّة سادة لهم همم
…
تقصّر عنها الرّماح والقضب
زيّنت سماء العلا بهم فهم
…
شموسها والبدور والشّهب
إنّ حار ركب فهم أدلّته
…
أو جار جدب فرفدهم سحب «2»
وكان ابن هبة الله الجهني «3» قاضي حماة أكثر صراحة في مدحه للعرب، حين قال في مدحة نبوية بعد ذكر الأماكن المقدسة:
(1) مقدمة ابن خالدون: ص 152.
(2)
المجموعة النبهانية 1/ 398.
(3)
الجهني: عبد الرحيم بن إبراهيم بن هبة الله البارزي، أتقن العلوم الشرعية والأدبية، وصنّف وتولّى قضاء حماة، توفي سنة (683 هـ) . اليونيني: ذيل مرآة الزمان 4/ 218.
ومن دونه عرب يرون نفوس من
…
يلوذ بمغناهم حلالا لهم طلقا
بأيديهم بيض بها الموت أحمر
…
وسمر لدى الهيجاء تحمل الزرقا
أيا سيّد العرب الكرام ومن
…
غدت سيادتهم للنّاس كلّهم حقّا «1»
بدأ الشاعر مدح العرب بالشجاعة والمنعة، وعند ما وصل إلى مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصفه بسيد العرب الكرام، الذين تحقّ سيادتهم على الناس جميعا، فهل يوجد تعبير أفصح من هذا، يوضح ما كان يعتمل في نفوس العرب آنذاك، ويجسّد تطلعاتهم إلى السيادة في بلادهم، وتململهم من تسلط المماليك عليهم؟
ولكن إدراجه هذا المعنى في المدح النبوي يمنع مؤاخذته عليه، ويتيح له الانتشار بين الناس، وترديده كلما ردّدت قصيدته أو أنشدت في مجالس الذكر والإنشاد، أو في الاحتفالات الدينية.
ويقرب من توجه الجهني هذا توجه الشاب الظريف في مدحة نبوية له، تحدث فيها عن العرب، وأظهر تعلّقه بالعروبة في عصر كانت الإشادة فيه مقصورة على الأتراك الحاكمين، فأطلقها صرخة عربية قائلا:
قوم هم العرب المحميّ جارهم
…
فلا رعى الله إلّا أوجه العرب
أعزّ عندي من سمعي ومن بصري
…
ومن فؤادي ومن أهلي نشبي
إن كان أحسن ما في الشّعر أكذبه
…
فحسن شعري فيهم غير ذي كذب «2»
فالعرب هم أصحاب المروءة والشهامة، الذين يحفظون من يستجير بهم، وهذا يظهر إيمان الشاب الظريف بالعروبة، وصدقه في الإشادة بالعرب، وفي دعائه لهم تأكيد
(1) اليونيني: ذيل مرآة الزمان 4/ 219.
(2)
ديوان الشاب الظريف ص 56.
على أفضليتهم، وكأنه يعبر عن سخط العرب على واقعهم، ويظهر شعورهم بالغبن، إلى جانب اعتزازهم بعروبتهم، ولذلك أخذ شعراء المدح النبوي ينشرون فضائل العرب ويذيعونها بين الناس، لينتصف العرب من الأعاجم في بلادهم، وليعرفوا هم وغيرهم قدر أنفسهم ومكانتهم في الدولة الإسلامية.
وهذا ما نجده عند ابن الجيّاب الأندلسي الذي اغتنم حديثه عن نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمدح العرب جميعا، وفصّل في مدحهم وأسهب، في عصر لم يعودوا فيه سادة الأمر، وأفل نجمهم أو كاد، فقال:
فخير الورى العرب الذين هم هم
…
عطاء نوال أو لقاء قنابل
أكفّهم تزجي المنايا أو المنى
…
وتهمى ببأس لا يردّ ونائل
وألسنتهم جاءت وفاق أكفّهم
…
كعضب يمان أو كعذب سلاسل
فقد سارت الرّكبان تنشر فخرهم
…
كنشر الصّبا عرف الرّبا والشّمائل «1»
فما دواعي هذا المدح المستفيض للعرب في هذه المدحة النبوية؟ وما هي مسوغات التفصيل في فضائل العرب وميزاتهم؟
إن مناسبة هذا المدح، وهي مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تتيح للشاعر أن يسهب في مدح العرب هذا الإسهاب.
لقد قصد إلى ذلك قصدا وأراده، لأنه تعبير عمّا يعتلج في نفسه ونفوس العرب من تطلع إلى إثبات الوجود، والانتصاف من المتسلطين على بلادهم، والذين لا يوازون العرب في أمجادهم وفضائلهم، ولكن ما أوصلهم إلى حالهم هذه هو تقاعسهم وتفرقهم، وجهلهم قدر أنفسهم، ولذلك يأتي هذا الشعر ليثير في أنفسهم الحميّة
(1) ديوان ابن الجياب الأندلسي: ورقة 7.
العربية، وليذكرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، وأنهم حملة الإسلام، وأحق الناس بسيادة دولته، ولهذا يقول لسان الدين بن الخطيب في مدحة نبوية، مادحا العرب:
جيران بيت الله والعرب الألى
…
أضحوا على قنن النّجوم قعودا
تخذوا السّيوف تمائما لوليدهم
…
والحرب ظئرا والسّروج مهودا «1»
فلماذا يسود الأعاجم العرب؟ ولماذا يفخرون عليهم، وهم جيران بيت الله وأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحاب الأمجاد الباذخة والشجاعة النادرة؟ إنه الزمان الذي لا يبقي أحدا على حاله، والأمور دول، من سره زمن ساءته أزمان، أو لا يعيد التاريخ نفسه؟
إن ابتعاد العرب عن السلطة هذا الزمن الطويل، وبقاءهم في الظل، لم يمنع ابن مليك الحموي أواخر العصر المملوكي وبداية العصر العثماني، من أن يشيد بالعرب في مدحة نبوية، فيقول:
بهم ضاء وجه الدّهر وافترّ ثغره
…
فأيّامهم في الدّهر عيد وموسم «2»
ولا شك أن المدائح النبوية أثارت بما تضمنته من مدح للعرب، في نفوسهم الرغبة بالانتصاف وتحقيق العدالة في الدولة المملوكية، وأحيت الأمل باسترجاع مكانتهم السامية في الدولة الإسلامية، وذكّرت الناس بحق العرب، ووجوب مراعاة جانبهم، لفضلهم السابق، ولشرفهم ببعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من بينهم.
فلم تكن المدائح النبوية ثناء خالصا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإشادة بخصاله وشمائله الكريمة، وتذكيرا بأثره الخالد في حياة البشرية فقط، بل كان شاعر المدح النبوي إلى جانب ذلك يغتنم فرصة مدحه للنبي الكريم، ليبث في أثنائه إشادته بالعرب والعروبة،
(1) ديوان لسان الدين بن الخطيب: ص 486.
(2)
ديوان ابن مليك الحميوي: ص 5.