المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌أثره في قصائد الشعر الآخرى: - المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

[محمود سالم محمد]

فهرس الكتاب

- ‌المحتوى

- ‌المقدمة

- ‌الباب الأول بواعث ازدهار المديح النبوي وانتشاره

- ‌الفصل الأول الأسباب السياسية

- ‌الصراع الخارجي:

- ‌الصراع الداخلي:

- ‌الفصل الثاني الأسباب الاجتماعية

- ‌المظالم والكوارث:

- ‌المفاسد الاجتماعية:

- ‌الفصل الثالث الأسباب الدينية

- ‌مجادلة أهل الكتاب:

- ‌مخالفة الشريعة:

- ‌المظاهر الدينية:

- ‌الجدل المذهبي:

- ‌انتشار التصوف:

- ‌الرؤيا:

- ‌الفصل الأول نشأة المدح النبوي

- ‌القسم الأول: المديح والرثاء والمديح النبوي:

- ‌القسم الثاني- المدح النبوي في حياة الرسول:

- ‌القسم الثالث- في العصر الراشدي والأموي:

- ‌القسم الرابع- في العصر العباسي:

- ‌القسم الخامس- في العصر الفاطمي والأيوبي:

- ‌الفصل الثاني حدود المديح النبوي

- ‌القسم الأول- الشعر التقليدي:

- ‌القسم الثاني- مدح آل البيت:

- ‌القسم الثالث- الشعر الصوفي:

- ‌القسم الرابع- التشوق إلى المقدسات:

- ‌القسم الخامس- المولد النبوي:

- ‌الفصل الأول المضمون

- ‌القسم الأول- المدح بالقيم التقليدية:

- ‌القسم الثاني- المدح الديني:

- ‌محبته:

- ‌فضائله:

- ‌هديه:

- ‌السيرة:

- ‌المعجزات:

- ‌تفضيله:

- ‌الحقيقة المحمدية:

- ‌الرسول والبشرية:

- ‌التوسل به والصلاة عليه:

- ‌آثار النبي الكريم:

- ‌ذكر الآل والصحابة:

- ‌القسم الثالث- مواضيع أخرى:

- ‌الحديث عن المديح النبوي في قصائد المديح:

- ‌القسم الرابع- المعاني:

- ‌الفصل الثاني الأسلوب

- ‌القسم الأول- الشكل الشعري:

- ‌ذكر الأماكن:

- ‌الغزل:

- ‌الرحلة:

- ‌وصف الطبيعة:

- ‌الوعظ:

- ‌الدعاء:

- ‌المباشرة بالمدح:

- ‌الانتقال:

- ‌الرجز:

- ‌المقطوعات:

- ‌ضروب النظم:

- ‌الأشكال المتميزة:

- ‌القيود الشكلية:

- ‌ النظم

- ‌المعارضة:

- ‌الوزن والقافية:

- ‌القسم الثاني- الصياغة والأسلوب:

- ‌النظم:

- ‌التصنع:

- ‌الألفاظ:

- ‌القسم الثالث- الصنعة الفنية:

- ‌الصنعة الخيالية:

- ‌الصنعة اللفظية:

- ‌الفصل الأول أثر المدائح النبوية في المجتمع

- ‌القسم الأول- الأثر الاجتماعي:

- ‌النصح والإرشاد:

- ‌الاعتقاد بالمدائح النبوية:

- ‌الجدل العقائدي:

- ‌إظهار النزعة العربية:

- ‌القسم الثاني- الأثر التعليمي للمدائح النبوية:

- ‌القدوة والمثل:

- ‌المعرفة:

- ‌الفصل الثاني أثر المدائح النبوية في الثقافة

- ‌القسم الأول- أثر المدائح النبوية في الشعر:

- ‌أثره في الإبداع الشعري:

- ‌أثره في قصائد الشعر الآخرى:

- ‌الملاحم:

- ‌القسم الثاني- البديع:

- ‌القسم الثالث- التأليف:

- ‌المصادر والمراجع

- ‌المصادر المخطوطة:

- ‌المصادر المطبوعة:

- ‌المراجع:

- ‌الفهرس التفصيلي (عام)

- ‌ حرف الألف

- ‌ حرف الباء

- ‌ حرف التاء

- ‌ حرف الثاء

- ‌ حرف الجيم

- ‌ حرف الحاء

- ‌ حرف الخاء

- ‌ حرف الدال

- ‌ حرف الذال

- ‌ حرف الراء

- ‌ حرف الزاء

- ‌ حرف السين

- ‌ حرف الشين

- ‌ حرف الصاد

- ‌ حرف الضاد

- ‌ حرف الطاء

- ‌ حرف الظاء

- ‌ حرف العين

- ‌ حرف الغين

- ‌ حرف الفاء

- ‌ حرف القاف

- ‌ حرف الكاف

- ‌ حرف اللام

- ‌ حرف الميم

- ‌ حرف النون

- ‌ حرف الهاء

- ‌ حرف الواو

- ‌ حرف الياء

الفصل: ‌أثره في قصائد الشعر الآخرى:

فالناس هم الذين طلبوا من الشاعر المتمكّن أن يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم يريدون لمدح النبي الشاعرية الفياضة والمقدرة والتمكن، ليأتي هذا المدح فنا شعريا راقيا، تصبو إليه النفوس وتستمع به. لأن قصائد المدح النبوي عندهم تؤثّر في سامعها، فتفيده وتدخل نشوة الإيمان والحب إلى نفسه، وترفع قدر الشعر وقدر صاحبها، وتنشر مكارم الأخلاق بين الناس، وهي على غاية من الجودة والجمال، لأن الشاعر يحتفل لها كل الاحتفال، ويجهد كي تأتي على أحسن ما تكون صياغة وسبكا، لتليق بموضوعها.

فشعراء المدح النبوي حرصوا عند نظم مدائحهم النبوية على أن يجيدوا النظم، وأن يحتفلوا له كل الاحتفال وأن يرقوا في أسلوبهم قدر الإمكان، نظرا لقداسة الموضوع وسموه، ولاحظوا أنهم كلما أرادوا مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم تيسّر لهم النظم، وتفتحت قرائحهم، فجاء شعرهم في المدح النبوي أفضل من شعرهم في سواه، وكأنهم شعروا أن للمدح النبوي أثرا في شعرهم وفي عملية الإبداع الشعري عندهم، فالمدح النبوي يجعل شعرهم منتشرا بين الناس، ويشهرهم عند المهتمين بالشعر، ولذلك يحرصون على إجادته، وبذلك يكون موضوع المدح النبوي دافعا للشعراء كي يحافظوا على جودة شعرهم، وكيلا ينحدروا في نظمه انحدارهم في نظم الموضوعات الآخرى.

‌أثره في قصائد الشعر الآخرى:

وللمدح النبوي أثر آخر في شعر العصر، يتجاوز المدائح النبوية نفسها، وما أشاعته من جودة واهتمام بالشكل الشعري، ويصل إلى القصائد المنظومة في مواضيع مختلفة، وخاصة الشعر الديني الذي يقترب من المدح النبوي.

فشعراء ذلك العصر اعتادوا أن يختموا قصائدهم بأحد عناصر المدح النبوي، وهو

ص: 477

الصلاة على النبي، مثلما يفعلون في كتبهم وخطبهم، فالبرعي أنهى إحدى قصائد الدعاء والابتهال، بعد أن تحدّث عن قدرة الله تعالى وصفاته، وأسس التوحيد الإسلامي، بقوله:

وصلّ وسلّم كلّ لمحة ناظر

على أحمد ما حنّ رعد مجلجل

صلاة تحاكي الشّمس نورا ورفعة

وتفضح أنوار الرّياض وتخجل

تخصّ حبيب الزّائرين وتنثني

على آله إذ هم أعزّ وأفضل «1»

وحين نظم السرميني «2» منظومة لغوية، بدأها بالحمد والصّلاة على النّبيّ، فقال:

الحمد لله وصلّى أبدا

على النّبيّ العربيّ أحمدا

من خصّه الله بخير الألسن

وبالهدى إلى السّبيل الحسن «3»

ومدح الفرفوري السلطان قانصوه الغوري بقصيدة، أشاد فيها بفضائله الدينية، وختمها بالصلاة على النبي فقال:

ومولد خير الخلق أجراه عادة

بها كلّ خير دائما يتولّد

وألف صلاة مع سلام تصاعدت

يلقاهما خير الأنام محمّد «4»

وجاء في نهاية قصيدة مدح لشاعر يدعى الشيخ بدر الدين الزيتوني:

(1) ديوان البرعي ص 32.

(2)

السرميني: علي بن كامل بن إسماعيل السلمي، رحل للعلم إلى حواضر مصر والشام، واستقر ببلده، قرب حماة قاضيا مفتيا مدرّسا للفقه واللغة والأدب إلى أن توفي بعد سنة (860 هـ) . السخاوي: الضوء اللامع 5/ 226.

(3)

السخاوي: الضوء اللامع 5/ 276.

(4)

الغزي: الكواكب السائرة 3/ 143.

ص: 478

فالله ينصره ويبقي لنا

أيّامه أسنى بلا جور

وصلّ ربّي على المصطفى

منقذنا من كلّ محذور

صلاة زيتون يرى نشرها

أطيب من مسك وكافور «1»

فانتشار المدح النبوي جعل الشعراء يضمّنون قصائدهم بعض مفرداته، وخاصة اختتام قصائدهم بالصلاة على النبي، أو الابتداء بها.

وقبل العصر المملوكي كان بعض الشعراء يمدحون الخلفاء العباسيين والخلفاء الفاطميين بمثل ما يمدح الشعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فابن النبيه «2» له عدة مدائح في خلفاء بني العباس، لولا ذكر قرائن فيها، تدل على أنها منظومة في مدح خليفة، لظن أنها منظومة في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها قوله في مدح الخليفة الناصر:

بغداد مكّتنا وأحمد أحمد

حجّوا إلى تلك المنازل واسجدوا

فهناك من جسد النّبوّة بضعة

بالوحي جبريل لها يتردّد

هذا هو السّرّ الذي بهر الورى

في ظهر آدم والملائك سجّد

هذا الذي يسقي العطاش بكفّه

والحوض ممتنع الحمى لا يورد «3»

ولا ندري إن كان ابن النبيه قد نظم هذا المدح وعينه على مدائح نبوية سابقة أو معاصرة له، أم أنه نظمه ابتداء، وجاء شعراء المدح النبوي فجاروه في معاني شعره

(1) ابن إياس: بدائع الزهور 4/ 241.

(2)

ابن النبيه: علي بن محمد بن الحسن، شاعر منشئ، مدح الأيوبيين وتولى ديوان الإنشاء، له ديوان شعر، توفي سنة (619 هـ) . ابن شاكر: فوات الوفيات 3/ 66.

(3)

ديوان ابن النبيه ص 3.

ص: 479

ونقلوها إلى مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمعانيه في مدح الخلفاء هي نفسها معاني المدح النبوي.

وتابعه عدد من شعراء ذلك الوقت في معاني مدحه للخلفاء، وكأن هذا الأمر كان منتشرا، لا حرج فيه.

فمعاني المدح النبوي كانت شائعة في القصائد الآخرى، يستخدمها الشعراء للمبالغة والافتتان في تقليب المعاني، ورأينا كيف أكثر الشعراء من التمثّل بأحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وضرب المثل به، والاحتجاج لأفكارهم وما يذهبون إليه.

ووصل الأمر إلى الغزل، فاستخدمت معاني المدائح النبوية في تلوين معاني هذا الفن، فالوأواء الدمشقي، «1» حلّف حبيبته قائلا:

إنّي سألتك بالنّبيّ محمّد

ووصيّه الهادي الأمين المهتدي

هلّا هجرت بفيك قولك سيّدي

مولى يقول لعبده يا سيّدي «2»

وللوأواء أبيات غزلية أخرى، يظهر أنها مقدمة لمدحة نبوية لم تصلنا، يجعل فيها مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاصا له من متاعب الحب، ومدخلا إلى المغفرة والثواب، فيقول:

يا من نفت عني لذيذ رقادي

مالي ومالك قد أطلت سهادي

وأقول ما شئت اصنعي يا منيتي

مالي سواك ولو حرمت مرادي

إلا مدح المصطفى هو عمدتي

وبه سألقى الله يوم معادي «3»

(1) الوأواء الدمشقي: محمد بن أحمد الغساني، شاعر مجيد: كان مناديا بدار البطيخ بدمشق له ديوان شعر، توفي سنة (385) . ابن شاكر: فوات الوفيات 3/ 240.

(2)

ديوان الوأواء الدمشقي: ص 89.

(3)

الأبشيهي: المستظرف 2/ 177.

ص: 480

ونجد في الغزل أيضا أبياتا لشاعر يدعى ابن أبي أحمد العسكري يعكس فيها ما عهدناه في المدائح النبوية، حين يستخدم مصطلحات المدح النبوي في الغزل، في حين أن شعراء المدح النبوي استخدموا الغزل وعباراته في المدح النبوي، فهو يقول:

لولا تحدّيه باية سحره

ما كنت متّبعا شريعة أمره

رشأ أصدّقه وكاذب وعده

يبدي لعاشقه أدلّة كفره

ظهرت نبوّة حسنه في فترة

من جفنه، وضلاله من شعره «1»

ومن الطّريف أن تستخدم معاني المدح النبوي في الهجاء، فحين وقف أحد الشعراء على شعر ابن الشجري «2» ، قال:

يا سيّدي والذي أراحك من

نظم قريض يصدى به الفكر

مالك من جدّك النّبيّ سوى

أنّك ما ينبغي لك الشّعر «3»

فاستخدام معاني المدح النبوي في مواضيع الشعر الآخرى، يظهر مدى انتشار هذا الفن، ومدى تأثيره في الشعر.

وكان شعر المدح النبوي غزيرا جدا، لا يحيطه حصر، وبلغ شعراء المدح النبوي عددا كبيرا لا يعلمه إلا الله، وكثير منهم نظموا دواوين مستقلة، قصروها على المدح النبوي، وقد وصف المقري المدائح النبوية بقوله:«فالأمداح النبوية بحر لا ساحل له، وفيها النظم والنثر» «4» .

(1) ابن الفوطي: مجمع الآداب 1/ 44.

(2)

ابن الشجري: هبة الله بن علي بن محمد الحسني الشريف، من أئمة العلم باللغة والأدب، كان نقيب الطالبيين بالكرخ من كتبه الأمالي وديوان شعر، توفي ببغداد سنة (542 هـ) . ابن خلكان: وفيات الأعيان 6/ 45.

(3)

ابن خلكان: وفيات الأعيان 6/ 49.

(4)

المقري: نفح الطيب 7/ 512.

ص: 481

وقد أدرك الأدباء والمؤلفون هذه الحقيقة، فعجبوا لهذه الكثرة الكاثرة من مدائح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتساءلوا عن المدى الذي يستطيع الشعراء الوصول إليه في هذا الباب، وما الذي يمكن أن يقولوه بعد أن بذلوا طاقاتهم كلها في نظمه؟

إن تهيّب بعض الشعراء من المشاركة في المدح النبوي لم يمنع أكثرهم من المشاركة الواسعة فيه، وإفراغ جهدهم في نظمه، ومع ذلك أدرك أهل العصر أن الإطناب في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإكثار من نظم المدائح النبوية، لن يفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حقه، إلا أن ذلك لم يمنعهم من المضي في ذلك، لأن كل شاعر حرص على أن تكون له مشاركة صغرت أم كبرت- في هذا الفن، لأنه يؤمن للشاعر الشهرة ومعرفة الناس له من ناحية، ولأنه يطمع بغفران الله وثوابه من ناحية ثانية.

فالدواوين المستقلة كثيرة، والدواوين التي يغلب عليها المدح النبوي كثيرة أيضا.

ديوان البوصيري في معظمه مدح نبوي، وديوان الصرصري في مجمله مدائح لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والشهاب محمود نظم ديوانا خاصا في المدح النبوي، هو (أهنى المنائح في أسنى المدائح) ، والوتري له ديوان مستقل في المدح النبوي هو «معدن الإفاضات في مدح أشرف الكائنات» ، والبرعي ديوانه مقصور على المدح النبوي والابتهالات، والنواجي له ديوان خاص بالمدح النبوي هو «شمس المطالع» وكذلك للفزاري ديوان «الوسائل المتقبلة» ، ولابن الجيّاب ديوان في المدح النبوي. ودواوين شعراء العصر، يحتل المدح النبوي جانبا هاما منها، وهناك دواوين كثيرة ذكرت في كتب الفهارس القديمة، وفي فهارس المكتبات العالمية.

وندر أن تفرّد فن شعري من فنون الشعر العربي بديوان خاص به، أو قصر شاعر شعره كله على فن واحد. وهذا دليل على أن المدح النبوي أضحى في الشعر العربي فنا خاصا قائما بذاته، له أهمية كبيرة عند شعراء العربية، وله انتشاره وسيرورته. لقد أصبح المدح النبوي جزآ لا يستهان به من الشعر العربي في العصر المملوكي، وقبيله وبعده.

ص: 482

وإضافة إلى ذلك، وإلى الدواوين الكثيرة التي اقتصرت على المدح النبوي، فإن المدح النبوي استأثر بأكبر قصائد الشعر العربي، وأطولها، إذ أضحى طول القصائد من الظواهر البارزة في المدح النبوي، يتسابق فيه الشعراء، وكل منهم يريد أن يتجاوز سابقه، ليدلل على مقدرته، ولتكون قصيدته جامعة لمعاني المدح النبوي، وفريدة في بابها.

فهمزية البوصيري تزيد على أربع مئة بيت، ونونية الصرصري وصلت إلى ثماني مئة وخمسين بيتا، وغير ذلك كثير.

ونجد أيضا مجموعات شعرية ضمّت قصائد مدحية لعدد من شعراء المدح النبوي، مثل مجموعة ابن سيد الناس، وهي (مدح الحبيب) ، أودعها ما استطاع أن يجمعه من مدح الصحابة الكرام لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ومثل إفراد المقري لأجزاء كبيرة من كتابه (نفح الطيب) لإيراد قصائد مختلفة من المدح النبوي، وقال عن ذلك:«هذه عدة قصائد في مدحه صلى الله عليه وسلم فلا بأس أن نعززها بمقطوعات..» «1» .

وهناك كثير من المجموعات الشعرية المخطوطة تحت عناوين مختلفة، ضمّت كثيرا من المدائح النبوية.

وفي وقت متأخر عمل النبهاني مجموعته التي نسبها إلى نفسه في تسميتها، اختار فيها مدائح نبوية نظمت منذ عهد رسول الله إلى أيامه.

فغزارة المدح النبوي تجلّت في كثرة الشعراء الذين شاركوا في هذا الفن، وفي الدواوين الكثيرة المخصصة للمدح النبوي، والمجموعات الشعرية المتخصصة، وفي القصائد الطويلة التي لم يعهدها الشعر العربي من قبل.

وهذا كله يدل على أن فن المدح النبوي قد رسخ وأصبح غرضا رئيسيا من أغراض

(1) المقري: نفح الطيب: 7/ 505.

ص: 483

الشعر العربي، ومن هنا يتجلى أثره في الشعر العربي، إذ أضحى أحد موضوعاته الهامة.

وزاد في غزارة المدح النبوي وانتشاره، وانشغال الناس به، مشاركة من لا يأنس في نفسه مقدرة أصيلة على نظم الشعر، عن طريق المعارضة أو التشطير والتخميس، وغير ذلك من ألوان الإضافات على قصائد المدح النبوي.

وأكثر القصائد معارضة من شعر المدح النبوي، قصيدة كعب بن زهير التي بدأها بقوله:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول

متيّم إثرها لم يفد مكبول «1»

وقصيدة البوصيري التي مطلعها:

أمن تذكّر جيران بذي سلم

مزجت دمعا جرى من مقلة بدم «2»

فهاتان القصيدتان عارضهما شعراء كثيرون، وما زالوا يعارضونهما إلى أيامنا هذه.

فأكثر الشعراء الذين نظموا المدح النبوي، عارضوا قصيدة كعب هذه، وكل منهم أظهر في معارضته مقدرته الشعرية، فبعضهم تابع كعبا في معانيه وعباراته، وبعضهم اقتصرت المعارضة على الوزن والقافية.

ومن القصائد التي اشتهرت ولاقت إقبالا من الشعراء على معارضتها، يائية ابن الفارض في التصوف، والتي صرف معارضوها معانيها إلى المدح النبوي، وهي التي بدأها بقوله:

سائق الأظعان يطوي البيد طي

منعما عرّج على كثبان طي «3»

(1) ديوان كعب بن زهير ص 6.

(2)

ديوان البوصيري ص 238.

(3)

ديوان ابن الفارض ص 3.

ص: 484

فالمعارضة لم تقتصر على المدائح النبوية، بل كان الشعراء يعمدون إلى قصائد تعجبهم معانيها ووزنها وأسلوبها، فيعارضونها، ويصرفون معانيها إلى المدح النبوي، إضافة إلى أن شعراء المدح النبوي، كان يتابع بعضهم بعضا، حين ينظم شاعر سابق قصيدة متميزة تنال إعجابهم، فينظمون على غرارها، مستعينين بشهرتها وإقبال الناس عليها، فعند ما نظم الصرصري مدحة نبوية خفيفة الوزن، جزلة الألفاظ، بدأها بوصف جميل للطبيعة، فقال:

جرت نسيم السّحر

على متون الغدر

فجعّدتها وثنت

أعطاف بسط الزّهر «1»

عارضها الشعراء، وحين نظم الشهاب محمود قصيدته التي يقول فيها:

وصلنا السّرى وهجرنا الدّيار

وجئناك نطوي إليك القفارا «2»

عارضه غير واحد.

وأمثلة المعارضة أكثر من أن تحصى، فالشعراء المتأخرون كانوا لا يعجبون بقصيدة لشاعر متقدم حتى يشبعوها معارضة، وغير ذلك من زيادات التخميس والتشطير.

والزيادات التي أحدثها شعراء المدح النبوي على المدائح النبوية، جعلت المدح النبوي من الغزارة بمكان، فالذي لا يجد في نفسه مقدرة على النظم الجيد للشعر، وحدته رغبة جامحة للمشاركة في مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، عمد إلى قصائد المدح النبوي المشهورة، فعارضها، أو شطّرها أو خمّسها، أو أجرى عليها زيادة من أنواع الزيادة

(1) ديوان الصرصري، ورقة 34.

(2)

الشهاب محمود: أهنى المنائح ص 1.

ص: 485

المعروفة، لتكون له يد في هذا الفن الجليل، فاتكأ على شعر غيره، وجعله أساسا بنى عليه شعره الخاص، فزاد عليه إيقاعا ومعنى، وجعله ملائما للإنشاد أو الغناء.

وقد مرّت معنا أمثلة وافية على التخميس والتسديس والتسبيع والتشطير وما يشابه ذلك، وكلها تدل على مشاركة الناس الواسعة في نظم المدح النبوي، فكل واحد يشارك حسب مقدرته وموهبته وثقافته، ووصل الأمر إلى النظم الملحون الذي انتشر في ذلك العصر.

فكل من وجد في نفسه مقدرة، مهما هان شأنها، على الخوض في بحر المدح النبوي، لم يتوان عن ذلك، وحرص على ألّا تفوته المشاركة في فن عصره الشعري.

ونتيجة لذلك كان شعر المدح النبوي غزيرا، وكان ناظموه كثيرين، فرسخ فنا شعريا مستقلا، له أصوله، وله خصائصه، وله شعراؤه، وله استمراره إلى أيامنا هذه.

ولا شك أن هذه الرغبة الكبيرة عند الناس في المشاركة في المدح النبوي، قد دفعتهم إلى الدرس وتحصيل الثقافة اللازمة للحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستعداد لنظم الشعر بعد معرفة ما يقيمه، فكان المدح النبوي أحد دوافع التعلم والتثقف، وأحد العوامل التي حثّت القرائح وأعملت العقول، ومنعت الشعراء من الاستغراق كلية في الصنعة الجامدة، والألاعيب اللفظية.

فهم لا يجرؤون على التعامل مع المدح النبوي تعاملهم مع شعر الألغاز وسواها من الموضوعات التي أزجوا فيها وقت فراغهم، فقداسة الموضوع حتّمت عليهم الارتقاء بشعرهم، والحرص على جزالته، لأنه لا شيء يستحق عناء الدرس وبذل الجهد العقلي أكثر من الشعر الديني، وبذلك حافظ شعر المدح النبوي على شيء من الأصالة والجزالة، لم تتوفر للموضوعات الآخرى.

وهكذا يظهر لنا أثر المدح النبوي في الشعر العربي آنذاك، إذ بعث فيه الحركة

ص: 486