الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الشعر إلا هيكله الخارجي من وزن وقافية. ولم يكن للنظم محاسن تذكر، تضاف إلى صياغة الشعر العربي وأسلوبه، بل كان مضرا أكثر منه مفيدا، ولو عزلت القصائد التي غلب عليها النظم عن بقية المدائح النبوية، وضمّت إلى فن المنظومات العلمية، لكان ذلك أقرب إلى الصحة.
التصنع:
والأسلوب الثالث الذي برز في المدائح النبوية، هو الأسلوب المتصنع، الذي ساد في العصر المملوكي، فالأديب يجهد عقله في تنميق صياغته وزخرفتها، وحشد أكبر قدر ممكن من المحسنات البديعية التي فتنتهم. الكاتب المولع بالصنعة، غدت كتابته جمعا لضروب البديع لا أكثر، والشاعر الذي ملكت عليه الصنعة نفسه، أضحى شعره إقامة الوزن للمحسنات البديعية، ولذلك كان لا بد من أن يظهر هذا الأسلوب في المدح النبوي، طالما أنه يعد من مفاخر الشعراء، ومما يتباهون به، إظهارا لمقدرتهم، وإثباتا لإبداعهم.
ولم تكن هذه المحسنات البديعية مما أتى به أهل هذا العصر، بل هي معروفة موجودة منذ العصر الجاهلي لكنها كانت تأتي عفو الخاطر، ولم يتنبه عليها إلا الشعراء العباسيون الذين أخذوا يقصدون إليها قصدا، يجملون بها صياغتهم، ولم يكثروا منها، فبقيت مبعث جمال لشعرهم، لكنها أخذت تزداد في الشعر شيئا فشيئا حتى أثقلته.
وقد شارك هواة البديع في المديح النبوي، فجاءت قصائدهم مثقلة بفنونه، يجورون على المعنى والأسلوب معا، طلبا لهذه الزينة، فلا يأتون بشيء، بل إنهم يسيؤون من حيث يظنون أنهم يحسنون، ووصل الأمر ببعضهم إلى حد الربط بين المديح النبوي وفنون البديع، فخرجوا بقصائد نبوية، هي البديعيات، تجمع ما بين مدح النبي، وذكر ضروب البديع والتمثيل لها.
وظن هؤلاء أنهم يمدحون رسول الله صلى الله عليه وسلم بأفضل ما عندهم، فزادوا في اصطناع بديعهم، حتى اقتربوا من نظم هذه الفنون في مدائحهم النبوية، وقد بدأ اصطناع البديع في المديح النبوي مع رسوخ هذا الفن واستقلاله، وزاد بتقدم الزمن إلى أن أصبح في نهاية العصر المملوكي مقترنا به، وكأن مدح النبي صلى الله عليه وسلم لا يتم إلّا بفنون بديعهم الذي أهدروا فيه طاقاتهم الذهنية، وظلموا في سبيله ملكاتهم الشعرية.
ولا شك أن شعراء المديح النبوي تفاوتوا في احتفالهم للبديع حسب مذهب كل منهم في الشعر، وحسب ترتيبهم الزمني، فنجد شعراء قد أضربوا عن استخدام البديع في شعرهم، فلا نعثر عليه عندهم إلا لماما، وخاصة أولئك الذين كانوا بمعزل عن مركز الحركة الأدبية في الجزيرة العربية أو المغرب العربي، ونجد شعراء آخرين يدرجون بعض فنون البديع في شعرهم دون إكثار أو افتعال، فهم يستخدمونها حين تكون الفرصة مواتية وحين لا تسيء إلى الصياغة أو المعنى، ونجد شعراء غيرهم، كل همّهم حشد البديع حشدا في قصائدهم، دون أن يعيروا صياغتهم أو معانيهم أي اهتمام.
ومن أمثلة الأسلوب الموشى بفنون البديع في المديح النبوي، دون أن يفقد رونقه وانسجامه، قول ابن أبي الفرج الجوزي «1» :
يكفيه أنّ الله جل جلاله
…
آوى، فقال:(ألم يجدك يتيما)
درّ يتيم في الفخار، وإنّما
…
خير اللآلي أن يكون يتيما «2»
(1) ابن الجوزي: يوسف بن عبد الرحمن بن علي البكري البغدادي، أستدار الخلافة المستعصمية وسفيرها، ولي الحسبة ببغداد، وأنشأ الرسائل الديوانية، وله نظم جيد، توفي سنة (656 هـ) . ابن العماد الحنبلي: شذرات الذهب 5/ 287.
(2)
القنوشي: التاج المكلل ص 246- الآية أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً، سورة الضحى، آية (6) .
وإذا نظرنا إلى مشاركة الشعراء الكبار في العصر المملوكي، والذي عرفوا بولعهم بفنون البديع، وجدنا شعرهم حافلا بضروب الصنعة التي تثقل أحيانا، لكنهم ظلوا محافظين على وضوح المعنى بشكل عام، وظل ظلّ الصنعة قاصرا على أبيات بعينها، ولم يغط القصيدة كلها.
ومن أمثلة هذا الأسلوب المتصنع قول ابن نباتة في مدحة نبوية:
ولي سعاد شجون ما يغبّ لها
…
إما خيال وإلا فهو تخييل
أبكي اشتياقا إليها وهي قاتلني
…
يا من رأى قاتلا يبكيه مقتول
مسكيّة الخال أمّا ورد وجنتها
…
فبالجنى من عيون النّاس مبلول
مصحّح النّقل عن شهد وعن برد
…
لأنه منهل بالرّاح معلول «1»
فالصنعة هنا هي هاجس الشاعر، وهو يفكر في مدح سيد الخلق، أو أنه استحضر هذه الصنعة عند مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم ظانا أنه يحسن عملا، فيصطنع ألفاظ البديع، ويضمّن شعر القدماء، ويستخدم مصطلحات العلوم وغير ذلك من الأمور التي رآها ورآها معاصروه فنا عظيما، وإثباتا لمقدرة الشاعر البلاغية أو البديعية.
ولننظر كيف يتلاعب بالألفاظ في مدحة نبوية ثانية، فيقول:
شجون نحوها العشّاق فاؤوا
…
وصب ماله في الصّبر رآء
وعين دمعها في الحبّ طهر
…
كأنّ دموع عيني بيرحاء
ولاح ماله هاء وميم
…
له من صبوتي ميم وهاء
كأنّ الحبّ دائرة بقلبي
…
فحيث الانتهاء الابتداء
(1) ديوان ابن نباتة: ص 372.
لنا سند من الرّجوى لديه
…
غداة غد يعنعنه الوفاء «1»
فما هي الإضافة في الصب الذي ليس له في الصبر راء؟ وما هو الجديد في كلمة (همّ) لتصبح حينا هاء وميما وحينا ميما وهاء؟ ولو وصف مهندس الحب، فهل يشبهه بالدائرة في افتقار شكلها إلى بداية محددة أو نهاية معروفة؟ وما هو موطن الجمال في العنعنة التي تملأ أسانيد الحديث الشريف، لينقلها ابن نباتة إلى الشعر؟ إنه الأسلوب المتصنع الذي أعجب أهل ذلك العصر، فتفاخروا في تعقيده.
وكلما تقدم بالمدائح النبوية الزمن، زادت الصنعة فيها ثقلا، حتى أخفت المعاني والمشاعر، فلم يبق من الشعر إلا الوزن والقافية، وهذه الصنعة التي يعجب المرء كيف كانت تستهوي أهل ذلك العصر، فالنواجي مثلا لا يترك مدحة نبوية له دون أن يغلّفها بضروب الصنعة البديعية، مثل قوله في قصيدة:
لعروض جفاك بحور هوى
…
بدوائر هجرك تضطرب
وبهالة وجهك دائرة
…
لمعاني حسنك تجتلب
وبجسم الصّبّ جرت علل
…
وزحاف ليس له سبب «2»
ولا ندري إن كان الشاعر يتغزل أو يتحدث عن العروض ودوائره وعلله وزحافاته وأسبابه وأوتاده، ولا ندري كيف كان الناس يستحسنون هذا الغزل، وكيف يتخيلون المحبوب من خلال هذه المصطلحات العروضية التي لا تجانس الشعر ولا تلتقي معه؟
وقد أفرغ جعبته من مصطلحات الحديث والفقه في مقدمة مدحة أخرى، طلبا للإدهاش وإظهار المقدرة، حين قال:
(1) ديوان ابن نباتة: ص 1.
(2)
المجموعة النبهانية: 1/ 470.
ما زال مسعر قلبي من طريق أبي الز
…
زناد عن واقد الخدّين يرويه
وسلسل الدّمع أخبار الغرام فقل
…
ما شئت في ابن معين أو أماليه
صب تفقّه في شرع الهوى فغدا
…
إمام مذهب أهل الحبّ مفتيه
في كلّ يوم له درس يطالعه
…
في صفحة الهجر بالذّكرى ويلقيه «1»
ولا يخفى على المطلع ما في هذا الأسلوب من تصنع وتكلف، وانحراف عن النهج السليم في التعبير عن المشاعر الرقيقة التي ضاعت بين مصطلحات الحديث وأسماء رواته، وبين الفقه ومذاهبه، والدراسة والمطالعة والإلقاء، وغير ذلك من مصطلحات العلوم، والتي أظن أن الشاعر كان يحرص على إيرادها ليثبت معرفته الواسعة بهذه العلوم، وطول باعه فيها.
لقد أضاع العواطف والأفكار بين الأسماء التي أراد إثبات مهارته في استخدامها للتعبير عن فكرته، وبين مصطلحات العلوم، فلم يعد التعبير العربي الأصيل موجودا عنده، ولم يعد مذهب العرب في كلامهم كافيا ليؤدي ما بنفسه، لقد ضاقت عليه مذاهب القول كلها، ولم يعد أمامه إلا أسلوب المتصنع الملتوي الذي لا يلقيق بالنثر فكيف بالشعر.
وهذا كان دأب شعراء الصنعة الذين أحالوا صياغة الشعر إلى تكلف وتعقيد ثقيل، فلم يكن النواجي وحيد دهره في هذا الأسلوب، بل شاركه فيه غير واحد، تنافسوا على الفوز بمصطلح علمي، يعبّر فيه الشاعر عن أفكاره ومشاعره، ويزهو بعد ذلك بتجديده. ومن هؤلاء الشهاب المنصوري الذي قدّم لإحدى مدائحه النبوية بقوله:
فأضالعي قفص وكلّ بلابلي
…
ممّا لقيت عليّ فيه نوائح
(1) المجموعة النبهانية: 4/ 289.
لا غرو أن رقص الفؤاد لذكرهم
…
قد ترقص الأطيار وهي ذبائح «1»
فالشاعر أراد التشبيه، فعبر عنه تعبيرا مباشرا، قبل أن يختمر في ذهنه، فماذا كانت النتيجة في التعبير؟ ركاكة وضعفا، لأنه ينقل كل فكرة أو كل جزء من فكرة نقلا عن غيره، قبل أن تصبح الأفكار والعبارات من ثقافته الشخصية، لذلك يستعين على أداء مشاعره بهذه الطريقة العرجاء، وهذا ما فعله في المدح النبوي في قصيدة أخرى، حيث قال:
خصّك الله باختصار البلاغا
…
ت فأدّيتها بلفظ وجيز
وتميّزت فانتصبت لمولا
…
ك بعزم نصبا على التّمييز
عفت دنيا تبرّجت لك حسنا
…
كزليخا تبرّجت للعزيز «2»
فهذا الأسلوب انحرف به صاحبه عن السليقة، وعن النظم العربي للكلام، وطريقتهم في التعبير الواضح المستقيم، الذي لا يتكئ على أشياء خارجية لإيصال المعنى إلى المتلقي.
وسار ابن مليك في تصنعه من القضاء والحرب إلى الكتابة والخط، وهو في ذلك كله يتحدث عن الغزل والمدح، ويظهر أن مسألة الخط والكتابة قد استهوته، فذكر مصطلحاتها في مدحة نبوية، وقال:
أكاتب خطّ الوصل حرّر لي الضّبطا
…
عسى مالكي في الحبّ أن يثبت الخطّا
فنسخة خدّي اليوم بالسّقم قوبلت
…
ألم تر فيها الدّمع قد أوضح الكشطا
هو العاقب الماحي محا الكفر سيفه
…
كذا قلم الشّرك انبرى وبه انقطّا
(1) المجموعة النبهانية: 4/ 334.
(2)
السيوطي: نظم العقيان ص 80.
كذاك حروف الخطّ قد نقطت له
…
وقد كان لا يدري الهجاء ولا الخطّا «1»
وربما كان الشاعر كاتبا رسميا، يحرر (الضبوط) كما يفعل رجال الشرطة الآن، ويتثبت من صحة الخط والتواقيع، ليظهر إذا كان في الكتاب كشط أو تغيير، فنقل مصطلحات الكتابة إلى الغزل والمدح النبوي، فقلبت الأمور عنده وعند غيره من شعراء هذا المذهب، فبعد أن كان التعبير الطبيعي هو الأساس، والصنعة زيادة طفيفة لتجميل التعبير وتحسينه، أضحت الصنعة هي الأساس، والتعبير الطبيعي لوصل قطع الصنعة، وربطها ببعضها.
ولذلك مالت الصنعة بكثير من الشعراء إلى الركاكة والضعف والخطأ، وخاصة حين يستخدمها من لا باع له بالشعر ولا ممارسة، مثل ابن زقاعة الذي تعانى الخياطة ثم طلب العلم، وأضحى أحد المتصوفة، وترك ديوانا صغيرا كله مواجد صوفية ومدح نبوي إلا أن شعره ضعيف ركيك، أثقلته الصنعة، ومن ذلك قوله:
غصن بان بطيبة
…
في حشا الصّبّ راسخ
من صباي هويته
…
وأنا الآن شائخ
عجبا كيف لم يكن
…
كاتبا وهو ناسخ
أحمد سيّد الورى
…
وبه شاد شالخ
عقد إكسير ودّه
…
ليس له عنه فاسخ «2»
فماذا في هذا النظم من الشعر، الأسلوب ضعيف، والألفاظ ليست فصيحة أو صحيحة، والتعبير مهلهل يقرب من العامية، ومع ذلك يصرّ هذا الشاعر على استخدام
(1) ديوان ابن مليك الحموي: ص 18.
(2)
السخاوي: الضوء اللامع/ 131.
فنون البديع في شعره، فكانت النتيجة قصيدته تلك وقصائده الآخرى، ومنها قصيدة يتلاعب فيها بالحروف على طريقة المتصوفة، فيقول:
أقسم بالطّاء قبل هاء
…
والسّين والميم بعد طاء
والألف الأوّل المبتدا
…
على حروف من الهجاء
أوّل فتحي بفاتحات
…
من آل حاميم في ابتداء
والباب منها إنّا فتحنا
…
وحارس الباب حرف فاء «1»
فهذا هو الأسلوب الرمزي المعمّى الذي لحقه الضعف والركاكة، ونخرته الصنعة البديعية التي لم تستخدم استخداما حاذقا، فأضحى التعبير بعيدا عن الفهم، قريبا من العامية، فيه من الركاكة ما يجعل تسميته شعرا موضع تساؤل، بل يجعلنا نتساءل إذا كان ناظم هذا الشعر في وعيه الكامل حين نظمه، ولا بأس أن نسيء الظن بالذين احتفلوا به.
إلا أن مثل هذا الأسلوب الركيك ليس شائعا في المدح النبوي، واقتصر على بعض المتصوفة الذين جاؤوا من بيئات شعبية، وتوجّهوا بشعرهم إلى هذه البيئات؛ وأن أنهم لم يكن يدور بخلدهم أن يكتب هذا الشعر ويحفظ ليصل إلينا في دواوين شعرية، احتفل بها بعض الباحثين، وأشاعوها لمضمونها السامي، أو لغرض في أنفسهم، أما باقي شعر المديح النبوي، فإنه صحيح فصيح، تندر فيه الركاكة والضعف، وتقتصر على نظم بعض العلماء الذين لم يؤتوا من موهبة الشعر حظا وافرا، مثل ابن حجر في مدحته التي يقول فيها:
وأزال بالتّوحيد ما عبدوه من
…
صنم برأي ثابت وصليب
لم يحتموا من ميم طعنات ولا
…
ألفات ضربات بلام حروب «2» .
(1) ديوان ابن زقاعة: ورقة 4.
(2)
المجموعة النبهانية: 1/ 460.