الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكان مهملاً لا للسيف ولا للضيف، عفا الله عنه.
1154 - خجا سودون
…
-
843 هـ -
…
- 1439 م
سودون بن عبد الله السيفي بلاط الأعرج، الأمير سيف الدين أحد الأمراء مقدمي الألوف بالديار المصرية.
أصله من مماليك الأمير بلاط شاد شراب خانات الملك الناصر فرج، ولما قتل أستاذه مع الملك الناصر في الفتنة خدم خجا سودون هذا عند الأمير نوروز الحافظي إلى أن قتل نوروز أيضاً، اتصل بخدمة الملك المؤيد وصار عنده خاصكيا، ثم بجمقدار، ولما حصل للملك المؤيد الألم الذي كان يعتريه برجليه، وضعف المؤيد عن الحركة صار خجا سودون هذا يحمله على رقبته ولا يكترث سودون من حمله مع جهامة المؤيد، لأن خجا سودون كان من الأقوياء الذين يضرب بقوتهم المثل.
واستمر على ذلك حتى توفي الملك المؤيد، وتسلطن ولده الملك المظفر أحمد، ثم ططر، ثم ولده الصالح محمد، ثم آل الملك إلى الملك الأشرف برسباي قربه وأدناه وأمره عشرة، وجعله من جملة رءوس النوب، ثم أنعم عليه بإمرة طبلخاناة، ثم جعله من جملة أمراء الألف بالديار المصرية.
وكان فرداً في معناه، لا يسلك طريقة أحد من الأمراء ممن تقدمه، فإنه كان يسكن بالأطباق من قلعة الجبل، وكانت طبقته الطازية، فكان يقيم بالطبقة السنة وأكثر، لا ينزل منها، ولا يركب فرساً ألبتة، وكانت الناس تسمع به ولا يطرفونه من عدم نزوله من القلعة وركوبه، فإنه ما كان يرى غالباً إلا في الخدمة السلطانية، ثم يعود من القصر السلطاني إلى الطبقة ويدخل إليها ويقلع ما عليه من قماش الخدمة، ويدخل إلى مدمنه من العلاج بالمخاريق من الحجارة التي كل واحدة منها كفردة الطاحون العظيمة أو أكبر، فإن مخروقه الذي كان يحمله برقبته اثنتي عشر قنطاراً بالمصري.
وكان الملك الأشرف جعله رأس نوبة لولده المقام الناصري محمد، فكان إذا توجه المقام الناصري إلى بعض سرحاته يلزم خجا سودون هذا النزول معه
ضرورة، فكان يصعب عليه ذلك إلى الغاية، وكان إذ نزل معه ينزل ويركب على هيئة الأجناد بغير تخفيفة على رأسه، ولا يتعاظم في مركبه، ثم يعود في خدمة المقام الناصري إلى القلعة ويستمر على ما ذكرناه.
ومما اتفق له أن الملك الأشرف بلغه في بعض الأحيان أن الأمير خجا سودون هذا له سنين ما رأى الربيع ولا عدى البحر إلى بر الجيزة، فسأله السلطان عن ذلك، فقال: نعم، فقال له السلطان: إنزل اليوم وعد البحر إلى الربيع واستمر هناك جمعة، فاستعفى من ذلك، فلم يعفه الملك الأشرف ورسم عليه على سبيل المداعبة، حتى نزلوا به بعد أن أنعم عليه بما يأكله في الربيع مع آنياته من سكر وأغنام ودجاج وغير ذلك، فتوجه إلى الربيع وأقام به أياماً، ثم عاد، ولا زال على ذلك إلى أن صار أمير مائة ومقدم ألف، أمره السلطان أن ينزل إلى داره ويسكن بها بمماليكه على عادة الأمراء، وكان سكنه بشارع الصليبة تجاه مدرسة تغرى بردى المؤذى، فنزل إلى داره وسكنها، وسلك فيها أيضاً
طريقة مفردة، وهو أنه صار يأمر مماليكه بأن يركبوا في خدمته أيام المواكب إلى أن يصل إلى باب داره يقفون على الباب يميناً وشمالاً على خيولهم، ولا ينزل منهم أحد من فرسه، فيسلم عليهم ويدخل إلى منزله وحده، وينزل عن فرسه، ويتقدم بابا له يتعاطى خدمته كعادة الخاصكية، ولم يكن له جمدار ولا سلاح دار، ولا يمد سماطاً في بيته لمماليكه، بل يأتيه ما يأكله هو وحده بمفرده، فإنه كان رتب لكل واحد من مماليكه لكل واحد ثلاثة أرطال من اللحم الضأن، فكلمة بعض الناس في ذلك، فقال: هذا أنفع في حقهم وأقل حرمة، فإن الواحد منهم يكون متزوجاً فيأكل هو وزوجته راتبه ويكفيه ذلك، بخلاف ما إذا عملت سماطاً فإنه أوفر في حقي وأقل كلفة، لكن ينوب المملوك ما يأكله ثم يحتاج إلى كلفه ثانية لبيته، ثم جمع مماليكه وسألهم أن يعمل سماطاً ويقطع رواتبهم، فأبوا وقالوا: نحن راضون بما نحن فيه.
وكان بخدمته نيف على مائة وخمسين مملوكاً خلاف الكتابية، وكان ينفق عليهم جوامكهم في أول كل شهر من حاصله، وكذلك عليقهم ولحمهم، ولا يركبون في خدمته سوى أيام المواكب لا غير، وكان له ثروة زائدة، ومال جزيل، وسلاح عظيم، وبرك هائل، وكان لا يظهر ذلك عنه إلا إذا توجه إلى تجريدة من التجاريد فيخرج من القاهرة بأبهة وعظمة.
وألبس مرة مماليكه السلاح وخرج بهم من الرميلة إلى الريدانية على تلك الهيئة، فإنه كان يسيراً أيضاً في التجريدة وحده ولا يسير مع رفقته من الأمراء المجردين، ولا ينزل معهم بل ينفرد عنهم بمعزل، فكان هذا شأنه إلى يعود من سفرته إلى الديار المصرية، ويبقى على عادته ملازماً لداره، مشتغلاً بأنواع الملاعيب والعلاج بالحجارة، وكان عزباً لا يتزوج خوفاً على قوته.
واستمر على ذلك إلى أن تجرد إلى البلاد الشامية، صحبة الأمير قرقماس الشعباني أمير سلاح وغيره في سنة إحدى وأربعين وثمانمائة. ومات الملك الأشرف برسباي قبل عود الأمراء من أرزنكان إلى البلاد الحلبية، ثم كتب بحضورهم، وقبل وصولهم إلى مدينة غزة، كتب مرسوم شريف على يد دمرداش الحسن الخاصكي بتوجه خجا سودون هذا إلى القدس بطالاً، فتوجه خجا سودون المذكور إلى القدس ودام به سنيات، ومات في حدود سنة ثلاث وأربعين وثمانمائة، رحمه الله تعالى.
وكان مليح الشكل، أحمر اللون، أسود اللحية مستديرها، للطول أقرب، وكان بيني وبينه صحبة أكيدة، وكان عاقلاً، عارفاً سكينة، يقرأ قراءة هينة،