الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كان من أجل ملوك ماردين، من بني أرتق، حزماً وعزماً، ورأيا وسؤددا، وكرماً ودهاء، وشجاعة وإقداماً. وكان يحب الفقهاء والفضلاء وأهل الخير، ويجالسهم، وكان له فضل وفهم جيد وذوق للشعر، وكان يحب المديح، ويجيز عليه بالجوائز السنية. ولصفي الدين عبد العزيز الحلي فيه غرر مدائح.
قال ابن كثير: وكان ملكاً جليلاً، نبيهاً نبيلاً، صالحاً مظفراً سعيد الرأي، حسن السياسة، كامل الحشمة والرئاسة. انتهى كلام ابن كثير باختصار. قلت: ودام في سلطنة ماردين أربعاً وخمسين سنة، إلى أن توفي بها في سنة ست وستين وسبعمائة، وهو من أبناء السبعين، وتولى من بعده ولده الملك المنصور أحمد، رحمه الله تعالى، وعفا عنه.
1210 - الملك الصالح صاحب مصر
738 - 761 هـ - 1337 - 1360 م
صالح بن محمد بن قلاوون، السلطان الملك الصالح، صلاح الدين صالح بن
الملك الناصر ناصر الدين أبي المعالي محمد بن الملك المنصور قلاوون الألفي الصالحي التركي.
مولده في شهر ربيع الأول، سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، بقلعة الجبل. وأمه خوند قطلو ملك ابنه الأمير تنكز الناصري نائب الشام، ولما ولد سر السلطان بولادته سروراً زائداً. وكان قبل ولادته بشهرين، جمع السلطان العمال، وعمل لأمه بشخاناة، ودار بيت، وغير ذلك من المساند والستور، وأطباق الذهب والفضة، ما ينيف مصروفه على مائة ألف دينار وأربعين ألف دينار مصرية. وقامت الأفراح والمهمات لولادته سبعة أيام بلياليها، وحضر نساء الأمراء بأجمعهم. فلما انقضى الأسبوع، بعث السلطان لكل واحدة من نساء الأمراء، بقشة قماش على قدر مقام زوجها. واجتمع للمغاني من النقوط، ما جاء قسم كل جوقة من مغاني القاهرة، نحو عشرة آلاف درهم فضة، سوى التفاصيل الحرير، والمقاطع الحرير المزركشة، والقنادير الحرير، وكن عدة جوق، سوى مغاني السلطان، ومغاني الأمراء، فإن متحصلهن لم ينضبط لكثرته، ووصل في أول هذا المهم من جهة الأمير تنكز نائب الشام لإبنته، مقنعة وطرحة بسبعة
آلاف دينار مصرية، وفرجية آلاف دينار، وعمل السلطان لها حركاة وصلت إليه من بلاد الشرق، بلغ مصروف كسوتها، ثوب حرير أطلس بليقة مزركشة، برصعات فيها قطع بلخش ولؤلؤ وياقوت، مائة ألف دينار واثني عشر ألف دينار مصرية، وبلغ مصروف هذا المهم خمسمائة ألف دينار، ولم يسمع بمثل ذلك في الدولة التركية، قاله غير واحد.
قلت: ونشأ الملك الصالح صاحب الترجمة في الدور من قلعة الجبل، إلى أن طلب بعد خلع أخيه حسن، وأجلس على تخت الملك، ولقب بالملك الصالح. وهو الثامن ممن تسلطن، من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاوون. وكان جلوسه على سرير الملك، في يوم الإثنين السابع والعشرين من جمادى الآخرة سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة. وصار الأمير طاز الناصري هو مدبر مملكته، وصاحب الحل والعقد فيها، وليس للملك الصالح فيها سوى الاسم لا غير. حتى أفرج عن شيخو ومنجك وبيبغا أرس. وبقي الأمر لهؤلاء الثلاثة وهم: طاز
وشيخو وصرغتمش، فاستقر شيخو اللالا أتابك العساكر، وطاز أمير مجلس، وصرغتمش رأس نوبة النوب، ومشت الأمور على ذلك.
واستمر الحال إلى أن وقع بين طاز وبين طرغتمش وحشة، حسبما ذكرناه في غير موضع من تراجم المذكورين. ثم خرج طاز إلى الصيد، وأمر رفقته أن يركبوا على صرغتمش في غيابه، استحياء من شيخو، ففعلوا ذلك فركب شيخو مع صرغتمش، وانكسر حاشية طاز، وأمسك غالبهم. ثم اتفق الأميران على خلع الصالح هذا، وإعادة الملك الناصر حسن إلى ملكه. ووقع ذلك، في يوم الإثنين ثاني شوال سنة خمس وخمسين وسبعمائة، ولزم الملك صالح داره بقلعة الجبل، كل ذلك، وطاز في الصيد، فلما حضر، أخرج إلى نيابة حلب.
فكانت مملكة الملك الصالح، ثلاث سنين وثلاثة أشهر وأربعة عشر يوماً، وما كان له في هذه المدة إلا الاسم فقط.
واستمر الملك الصالح محبوساً بقلعة الجبل، إلى أن توفي بها في ذي الحجة سنة إحدى وستين وسبعمائة، ودفن بتربة عمه الملك الصالح علي بن قلاوون الخاتونية، بالقرب من المشهد النفيسي، رحمه الله.