الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
سودون الأشقر رأس نوبة النوب. واستمر الأمر على ذلك، إلى أن مات الأميري بكتمر جلق، في جمادى الآخرة، من مرض تمادى به نحو الشهرين. فخلا الجو للأمير شيخ بموت بكتمر جلق، وأخذ في تدبير سلطنته إلى أن تم له ذلك.
ذكر سلطنة الملك المؤيد شيخ
وجلوسه على تخت الملك
ولما كان يوم الإثنين، مستهل شعبان سنة خمس عشرة وثمانمائة، اجتمع القضاة الأربع، وأعيان الدولة من الأمراء، وغيرهم عند شيخ. فلما تكامل الجمع، قام فتح الله كاتب السر على قدميه، وقال لمن حضر: إن الأحوال ضائعة، ولم يعهد أهل مصر باسم خليفة، ولا يستقيم الأمر إلا بسلطان على العادة. ودعاهم إلى الأمير شيخ، فقال شيخ: هذا لا يتم إلا برضى الجماعة. فقال من حضر: نحن راضون بالأمير الكبير. فمد قاضي القضاة جلال الدين عبد الرحمن البلقيني يده وبايعه، ثم بايعه الناس بعد ذلك. وقام من فوره إلى مخدع بجانبه، ولبس الخلعة الخليفتية، وخرج وركب فرس النوبة، إلى أن طلع إلى القصر، والأمراء
مشاة بين يديه، وجلس على تخت الملك، وقبل الأمراء الأرض له، ولقب بالملك المؤيد.
وفي هذا المعنى، يقول الأديب البارع، تقي الدين أبو بكر بن حجة الحموي الحنفي:
كأس المسرة في البرية دائر
…
والكون بالملك المؤيد زاهر
ملك من الأنصار قد أمسى لد
…
ين محمد وله الأنام تهاجر
يا حامي الحرمين والأقصى ومن
…
لولاه لم يسمر بمكة سامر
والله إن الله نحوك ناظر
…
هذا وما في العالمين مناظر
فرج على اللجون نظم عسكراً
…
وأطاعه في النظم بحر وافر
فانبث منه زحاقة في وقفة
…
يا من بأحوال الوقائع شاعر
وجميع هاتيك الطغاة بأسرهم
…
دارت عليهم من علاك دوائر
ثم جلس الملك المؤيد شيخ بالإيوان، فأخلع على الأمراء. فاستقر بالأمير يلبغا الناصري أمير مجلس، أتابك العساكر عوضاً عنه، وعلى الأمير شاهين الأفرم أمير سلاح على عادته، وأخلع على الأمير طرباي بتوجهه إلى الأمير
نوروز الحافظي، باستمراره في نيابة دمشق على عادته. فتوجه طرباي إلى دمشق فدخلها في سابع عشر شعبان من سنة خمس عشرة وثمانمائة. وعندما وصل الأمير طرباي إلى دمشق، قدمها أيضاً من الغد أمير جقمق الأرغون شاوي من طرابلس، فقبض عليه نوروز، وكان الأمير جقمق إذ ذاك أمير عشرة بالقاهرة، وحبس نوروز جقمق. ورسم بعود الأمير طرباي إلى الديار المصرية بجواب خشن، ولم يخاطب فيه الملك المؤيد، إلا كما كان يخاطبه قديماً، ولم يلبس التشريف. فاحتمله الملك المؤيد، وأرسل إليه ثانياً بالشيخ شرف الدين التباني الحنفي، فوصل شرف الدين إلى دمشق في سابع شوال، فلم يلتفت نوروز إليه، ولا سمع كلامه، ومنعه من الكلام مع الأمراء الذين عنده بدمشق.
ثم في يوم الخميس تاسع شوال، قبض الملك المؤيد على الأمير سودون المحمدي المعروف بسودون تلي، يعني مجنون، وحمل إلى الإسكندرية. وفيه أيضاً قبض على فتح الدين فتح الله كاتب السر ثم خلع الملك المؤيد على سيدي الكبير
قرقماس، واستقر به في نيابة الشام، عوضاً عن نوروز الحافظي، في ثالث ذي الحجة. وأخذ الملك المؤيد في تجهيز سيدي الكبير، وأنعم عليه بما يحتاج إليه، من خيل وسلاح وقماش وغير ذلك. وكان أخو قرقماس هذا، تغرى بردى المعروف بسيدي الصغير، نائب حماة، قد توجه إلى الأمير نوروز ولبس خلعته. فأرسل المؤيد بقرقماس المذكور، لكي يستمل أخاه تغرى بردى المذكور، وعمه الأمير دمرداش. فسار قرقماس المذكور من القاهرة، في عشرين المحرم سنة ست عشرة وثمانمائة، حتى وصل إلى غزة، وأقام بها أياما. ثم توجه من غزة في تاسع صفر يريد قتال نوروز، وقد وافقه أخوه تغرى بردى سيدي الصغير نائب حماة، فتوجها معاً، ومعهم أيضاً الأمير ألطنبغا العثماني نائب غزة. فبلغهم عود نوروز من حلب إلى دمشق، فأقاموا بالرملة. ثم قدم على الملك المؤيد كتاب الأمير نوروز في ثامن عشر شهر ربيع الآخر، على يد بلبان رأس نوبة والدي رحمه الله. وخاطب المؤيد في الكتاب بمولانا، وافتتحه بالإمامي المستعيني، وأمر حامل الكتاب أن لا يقبل الأرض بين يديه، فامتثل بلبان أمر نوروز له، من عدم تقبيل الأرض، فحصل له من الإخراق مالاً مزيد عليه. والكتاب يتضمن العتب على السلطان، لتولية دمرداش نيابة حلب، وابن أخيه تغرى بردى سيدي الصغير نيابة حماة، وابن أخيه سيدي الكبير قرقماس نيابه الشام، وقد
تقدمت بينهما عهود. فإن كان القصد أن يستمر على الأخوة، ويقيم على العهد، فلا يتعرض إلى ما هو في يده، وينقل دمرداش إلى نيابة طرابلس، ويجعل قرقماس سيدي الكبير، من جملة الأمراء بالقاهرة.
هذا ونوروز لا يعلم بتوجه قرقماس لقتاله، فلما بلغه ذلك، تجهز وخرج إلى جهة غزة. فلما بلغ قرقماس ذلك، عاد بمن معه إلى نحو الديار المصرية، حتى نزل بمنزلة الصالحية، فوصل نوروز إلى غزة، ثم عاد إلى دمشق.
وفي رابع جمادى الأولى أوفي النيل، فركب السلطان الملك المؤيد وعدى نيل حتى خلق المقياس، وعاد لفتح خليج السد. فقال الشيخ تقي الدين أبو بكر ابن حجة الحموي، يخاطب الملك المؤيد، وهو معه في المركب:
أيا ملكاً بالله أضحى مؤيدا
…
ومنتصبا في ملكه نصب تمييز
كسرت بمسرى نيل مصر وتنقضي
…
وحقك بعد الكسر أيام نوروز
ثم قدم الأمير جانبك الصوفي، وألطنبغا العثماني إلى القاهرة. واستمر قرقماس سيدي الكبير، وتغرى بردى سيدي الصغير بقطيا. فأخلع الملك المؤيد على جانبك الصوفي، باستقراره رأس النوبة، عوضاً عن سودون الأشقر، بحكم انتقاله
إلى إمرة مجلس، عوضاً عن يلبغا الناصري، المتولى أتابك العساكر قبل تاريخه.
ثم أشيع بالقاهرة، ركوب الأمير طوغان الحسني الدوادار، واستعد طوغان المذكور للركوب، واتفق معه جماعة من الأمراء، فعندما ركب أخلفوا عليه، فركب وحده، فلم ينتج أمره، فرجع واختفى، حتى أمسك في ليلة الجمعة عشرين جمادى الآخرة، وحمل إلى الإسكندرية، فسجن بها.
ثم قبض السلطان على سودون الأشقر أمير مجلس، وكمشبغا العيساوي أمير شكار، وأحد المقدمين. وتوجه بهما الأمير برسباي الدقماقي، أحد أمراء العشرات إلى الإسكندرية، وبرسباي المذكور هو الملك الأشرف. ثم وسط السلطان أربعة نفر، أحدهم مغلباي نائب القدس من جهة نوروز، كان قبض عليه قرقماس سيدي الكبير، اثنان من مماليك السلطان، وآخر من أصحاب طوغان الحسني.
ثم أنعم السلطان بإقطاع طوغان، على الأمير إينال الصصلاني، واستقر به أمير مجلس. وبإقطاع سودون الأشقر، على تنبك البجاسي نائب الكرك. وأخلع على الأمير فجق العيساوي، باستقراره حاجب الحجاب، عوضاً عن الصصلاني. وخلع على شاهين
الأفرم خلعة الرضى، فإنه كان اتهم بممالات طوغان الحسني الدوادار، واستقر جانبك المؤيدي الدوادار الثاني، دوادار كبيرا بعد طوغان.
ثم قدم الأمير جارقطلو أتابك دمشق، فاراً من نوروز، فأخلع الملك المؤيد عليه. ثم قدم الأمير ألطنبغا القرمشي نائب صفد، إلى القاهرة باستدعاء، وتولى عوضه صفد، قرقماس سيدي الكبير، وعزل عن نيابة دمشق، لعجزه عن الأمير نوروز، واستقر أخوه تغرى سيدي الصغير في نيابة غزة، بعد عزل الأمير ألطنبغا العثماني.
ثم بعد ذلك، قدم الأمير قرقماس سيدي الكبير إلى القاهرة فأكرمه السلطان. وسبب قدومه إلى القاهرة، أن الأمير نوروز توجه إلى صفد وغزة، فلم يثبت الأخوان، قرقماس المذكور وتغرى بردى، في محل كفالتهما، وسارا نحو القاهرة، فدخل قرقماس، واستمر تغرى بردى سيدي الصغير بقطيا. وهذه كانت عادتهما، لا يجتمعان عند ملك، حذراً من القبض عليهما. ثم قدم دمرداش من البحر، وفي ظنه أن ابني أخيه قرقماس وتغرى بردى بالبلاد الشامية. فلما قدم
إلى القاهرة، وجد بها قرقماس، فندم على قدومه وما بقي يسعه العود. فأخلع عليه الملك المؤيد، وانتهز الفرصة، فأرسل تجريدة إلى جهة الشرقية، للعرب المفسدين. وأسر لهم السلطان في الباطن، بالقبض على تغرى بردى سيدي الصغير بالصالحية. ثم قبض الملك المؤيد على دمرداش، وابن أخيه قرقماس سيدي الكبير، وفي اليوم، ورد الخبر بالقبض على تغرى بردى سيدي الصغير. فبعث السلطان بدمرداش وابن أخيه قرقماس سيدي الكبير إلى سجن الإسكندرية، وحبس تغرى بردى سيدي الصغير بالبرج من قلعة الجبل، كما ذكرناه في تراجمهم، ثم قتله في أول شوال.
وكان القبض عليهم، في ليلة السبت ثامن شهر رمضان سنة ست عشرة وثمانمائة، وعندما قبض عليهم المؤيد سجد لله شكراً، وقال: هؤلاء أهم من نوروز، فإن نوروز واحد وهؤلاء ثلاثة.
ثم في ثالث عشر شهر رمضان المذكور، أخلع السلطان على الأمير قاني باي المحمدي أمير أخور، واستقر به في نيابة الشام، عوضاً عن نوروز. وعلى الأمير إينال الصصلاني أمير مجلس، واستقر به في نيابة حلب. وعلي سودون قراسقل،
واستقر به في نيابة غزة. وعلى الأمير ألطنبغا القرمشي، واستقر أمير أخور، عوضاً عن قاني باي، ثم علق السلطان جاليش السفر.
وفي ذي الحجة من السنة، استدعى السلطان سيدي داود بن المتوكل على الله محمد، وأخلع عليه بالخلافة، ولقب بالمعتضد، عوضاً عن المستعين، بحكم عزله.
واستمر الملك المؤيد إلى رابع المحرم سنة عشرة وثمانمائة، نزل من قلعة الجبل إلى مخيمه بالريدانية. وقد استقر في نيابة الغيبة بالديار المصرية، الأمير ألطنبغا العثماني، وأنزل بباب السلسلة. واستقر الأمير بردبك قصقا، أحد مقدمي الألوف نائب الغيبة بالقاهرة. وكل بباب الستارة الأمير صوماي الحسني، وجعل الحكم لقجمق حاجب الحجاب.
ثم سار السلطان من الريدانية في يوم السبت تاسع المحرم، يريد دمشق من غير سرعة، حتى نزل على قبة يلبغا خارج دمشق، في يوم الأحد ثامن صفر، وقد تحصن نوروز للقتال بدمشق، وكان جل قصد المؤيد. فأقام
السلطان بقبة يلبغا أياماً، ثم رحل ونزل بطرف القبيبات، واستمر إلى يوم الثلاثاء خامس عشرين صفر، تناوش العسكران بالقتال، كل ذلك، ونوروز لم يتجاوز خان السلطان، ثم قدم على السلطان كزل نائب صهيون بعسكر كبير، وشرع السلطان في القتال. واستمر الحرب بينهم إلى بين الصلاتين، ركب السلطان بعساكر، وقصد دخول دمشق، فلم يثبت نوروز، وولى هارباً بجميع أمرائه وعساكره، ودخلوا قلعة دمشق، وتحصنوا بها في جمع كبير.
واستمر الملك المؤيد داخلاً إلى دمشق، ولم ينزل عن فرسه إلا في الإصطبل تجاه قلعة دمشق. واستمر يحاصر نوروز بمن معه، ووقع أمور، إلى أن طلب نوروز الصلح، وترددت الرسل بينهم، إلى أن نزل نوروز بالأمان، ومعه جميع الأمراء الذين كانوا معه، في يوم الأحد تاسع عشر شهر ربيع الآخر سنة سبع عشرة وثمانمائة. فحال نزول نوروز مع رفقته قبلوا الجميع الأرض، وتقدموا قبلوا يد السلطان، وأهوى نوروز ليقبل رجل السلطان، فمنعه السلطان من ذلك، ووقفوا في مراتبهم والقوم سكوت، فقام القاضي ناصر الدين محمد بن البارزي على قدميه وقال: إن هذا يوم مبارك برضى السلطان على الأمراء، لكن هذا الصلح يدوم أم
لا؟ فقال المؤيد: والله ما يدوم. ثم أمر بهم فقبض على الجميع، وحبسوا في مكانهم.
وكان الذين قبض عليهم مع نوروز هم: الأمير طوخ نائب حلب، والأمير يشبك بن أزدمر، وقمش، وإينال الرحبي، وبرسبغا الدوادار، وآنيه الأمير أزبك، في آخرين يطول الشرح في ذكرهم. فاستمر نوروز محبوساً يومه كله، إلى الليل قتل، وقتل معه جماعة، وحملت رؤوسهم على يد الأمير جرباش إلى القاهرة، وعلقت الرؤوس على باب النصر أياماً.
ثم توجه السلطان إلى حلب، فدخلها يوم السبت سادس عشر جمادى الأولى، وجاءته بها مفاتيح بها قلعة البيرة، وقلعة المسلمين. ثم خرج من حلب يوم السبت مستهل جمادى الآخرة، قاصداً أبلستين، ونزل بميدان حلب، وأقام به إلى يوم الثلاثاء رابع الشهر، سار إلى أن نزل أبلستين. فبعث إليه الأمير ناصر الدين بك بن خليل بن دلغادر، بمفاتيح قلعة درندة، مع جملة تقدمة. فأرسل إليه السلطان خلعة، وولاه نيابة قلعة درندة. ثم توجه إلى ملطية، ثم رجع إلى حلب، ثم توجه عائداً إلى الديار المصرية، فدخلها في أول شهر رمضان من السنة، وقد نقض عليه ألم رجله، وفي يوم الخميس ثامن شهر رمضان، أخلع على الأمير ألطنبغا العثماني، واستقر به أتابك العساكر بالديار المصرية، بعد موت الأتابك يلبغا الناصري.
وبعد يومين قبض على الأمير قجق، ويبغا المظفري، وتمان تمر أروق، وبعث بهم إلى الإسكندرية، صحبة الأمير صوماي الحسنى.
ثم في خامس عشرة، أخلع على الأمير جانبك الصوفي، واستقر به أمير سلاح، بعد موت الأمير شاهين الأفرم، وعلى قجقار القردمي أمير مجلس، عوضاً عن جانبك الصوفي، وعلى سودون القاضي، واستقر به حاجب الحجاب، عوضاً عن قجق، وعلى الأمير تنبك ميق، واستقر به رأس نوبة النوب، وعلى آقباي الخازندار، واستقر به دوادارا كبيراً، بعد موت جانبك المؤيدي.
وفي عاشر المحرم سنة ثمان عشرة، أفرج عن بيبغا المظفري، وتمان تمر اليوسفي أروق. ورسم بقتل جماعة من الأمراء بسجن الإسكندرية، وهم: الأتابك دمرداش المحمدي، والأمير سودون المحمدي، والأمير أسنبغا الزردكاش، وطوغان الحسني الدوادار الكبير.
ثم في شهر ربيع الأول من السنة، ابتدأ السلطان في هدم خزانة شمائل، وعمر الجامع المؤيد مكانها بباب زويلة.
وفي شهر ربيع الآخر من السنة، شرع السلطان في عمل الجسر تجاه منشية المهراني، ونزل بنفسه بمخيم هناك، ونودي بخروج الناس إلى العمل في الحفر. فخرجت الناس طوائف طوائف، ومعهم الطبول والزمور، وغلقت الأسواق، وتوجه الناس للعمل، وعمل فيه جميع العسكر، من الأمراء وأرباب الدولة. ثم ما ركب السلطان من مخيمه العصر، حتى فرض على كل واحد من الأمراء حفر قطعة. ثم عاد من يومه إلى القلعة، واستمر النداء والعمل في كل يوم، وغلقت الأسواق، ووقف حال الناس في البيع والشراء، وهم مع ذلك في هزل وانبساط، وتغنوا المغاني في هذا المعنى. واستمر الناس مدة في العمل، إلى أن رأى السلطان في بعض الأيام همم الناس باردة عن العمل، فألزم القاضي
ناصر الدين محمد بن البارزي، كاتب السر بالعمل، فنزل ومعه الموقعون والبريدية وأتباعهم، وعملوا نهارهم، كل ذلك والناس في غير قبض، وترامى الناس للعمل على سبيل الهزل، واستمر هذا العمل أشهر.
ثم إن السلطان رسم بنقل الأمير طوغان نائب صفد إلى حجوبية دمشق، عوضاً عن خليل التبريزي الجشاري، واستقر خليل المذكور في نيابة صفد. وكان مسفرهما الأمير إينال الأزعري، أحد رءوس النوب. ثم أرسل السلطان الأمير جلبان أمير آخور الذي هو الآن نائب الشام إلى الشام، يستدعي نائبها، الأمير قاني باي المحمدي إلى القاهرة، ليكون أتابكا بها، وأن يكون ألطنبغا نائب دمشق عوضه. ووصل جلبان إلى الشام، فأظهر قاني باي المذكور الطاعة والامتثال في الظاهر، وأضمر الغدر في الباطن، ونقل حريمه إلى بيت غرس الدين الأستادار، ثم طلع بنفسه إلى بيت غرس الدين، بطرف القبيبات، على أنه متوجه مع جلبان إلى مصر. فظهر منه لأمراء دمشق وأتابكها بيبغا المظفري أنه عاص، فركبوا عليه، واقتتلوا معه، من بكرة نهار الخميس ثاني جمادى الآخرة إلى العصر، فهزمهم، وفروا على وجوههم إلى صفد، وملك قاني باي دمشق. ثم أرسل قاني باي، يستدعي الأمير إينال الصصلاني نائب حلب، والأمير سودون من عبد الرحمن نائب طرابلس، والأمير تنبك البجاسي
نائب حماة، والأمير طرباي نائب غزة لموافقته، فأجابوه الجميع وعصوا معه، واتفقوا على قتال الملك المؤيد شيخ. وبلغ هذا الخبر الملك المؤيد، فأخلع على الأتابك ألطنبغا العثماني بنيابة الشام، عوضاً عن قاني باي المذكور، واستقر ألطنبغا القرمشي أتابك العساكر عوضاً عن العثماني، وأخلع على الأمير تنبك العلائي ميق رأس نوبة النوب، واستقر به أمير آخورا عوضاً عن القرمشي، ثم قبض السلطان على الأمير جانبك الصوفي أمير سلاح في رابع عشر شهر رجب، كل ذلك في سنة ثماني عشرة وثمانمائة.
وقوى عزم السلطان على السفر، وفرق النفقة على المماليك السلطانية، لكل مملوك، ثلاثين ديناراً، وتسعين نصفاً من الفضة المؤيدية. ثم نزل السلطان، في يوم الجمعة ثاني عشر شهر رجب المذكور، من قلعة الجبل إلى مخيمة بالريدانية. وخلع على الأمير ططر، وجعله نائب الغيبة، وأنزله بباب السلسلة، وأخلع على سودون قراسقل حاجب الحجاب، وجعله للحكم بين الناس في غيبة السلطان، وعلى الأمير قطلوبغا التنمي وأنزله بباب قلعة الجبل. وسافر من الغد، ولم يصحبه في هذه السفرة خلاف قاضي القضاة ناصر الدين محمد بن العديم الحنفي. وأيضاً لم يتوجه مع السلطان في هذه السفرة، إلا مقدار نصف المماليك السلطانية، لسرعة
خروج السلطان، ولشدة البرد. وسار السلطان حتى نزل غزة في تاسع عشرينه، وكان قاني باي خرج من دمشق يريد حلب في سابع عشرينه. ووصل المؤيد دمشق، في يوم الجمعة سادس شعبان، وخرج منها بعد يومين، وقدم جاليشه، الأمير آقباي الدوادار، في عدة من الأمراء المصريين أمامه، وسار آقباي حتى نزل قريب تل السلطان، ونزل الملك المؤيد على سرمين.
فخرج الأمير قاني باي بمن معه من النواب والأمراء وغيرهم، وقاتلوا آقباي، فقاتلهم قتالاً شديداً، وثم انكسر. وقبض عليه وعلى جماعة من أمراء مصر، منهم: برسباي الدقماقي، الذي تسلطن بعد ذلك. وبينما هم كذلك، إذ أتى الصارخ إلى السلطان بما وقع، فركب من وقته وأدركهم، فلقي عسكره قد تبدد، فخارت طباعه. وأراد العود، وطلب النجب، ليركب ويفوز بنفسه، فمنعه أعوانه من ذلك. فبينما هم في الكلام، انهزم قاني باي بمن معه، فعند ذلك ساق المؤيد حتى ظفر بأعدائه.
وسبب كسرة قاني باي، أنه رأى جيش المؤيد قد أقبل، سأل عنه، فقيل له: السلطان. وكان في ظن قاني باي، أن الذي انكسر هو السلطان، فداخله الوهم، فرد هارباً من غير قتال، فانكسر عسكره لذلك. ولو ثبت لكان له شأن، فإن عسكر السلطان الذي كان معه بمقدار جاليشه لا غير. ثم ساق الملك المؤيد خلفهم، حتى قبض على الأمير إينال الصصلاني نائب حلب،
وعلى الأمير جرباش كباشة حاجب حجاب حلب، وعلى تمان تمر اليوسفي أروق أتابك حلب، وعلى الأمير جرياش كباشة حاجب حجاب حلب، وعلى تمان تمر اليوسفي أروق أتابك حلب، وعلى جماعة أخر. ودخل حلب في يوم الخميس رابع عشر شعبان، أو يوم السبت سادس عشرة. وفي الغد أمسك الأمير قاني باي، وهرب الباقون إلى جهة قرا يوسف صاحب بغداد، ثم قتل الأمير قاني باي، وهرب الباقون إلى جهة قرا يوسف صاحب بغداد. ثم قتل الأمير قاني باي، وإينال الصصلاني، وجرباش كباشة وتمان تمر أروق، وبعث برءوسهم إلى مصر.
ثم أخلع السلطان على الأمير آقباي المؤيدي الدوادار، باستقراره في نيابة حلب، وعلى يشبك المؤيدي شاد الشرابخاناة بنيابة طرابلس، عوضاً عن سودون من عبد الرحمن، وعلى جار قطلوا بنيابة حماة، عوضاً عن تنبك البجاسي. ثم رجع السلطان إلى الديار المصرية مؤيداً منصوراً، وجد في السير حتى نزل على السماسم، بالقرب من سرياقوس، في يوم الخميس نصف ذي الحجة. ثم ركب في الليلة المذكورة إلى خانقاة سرياقوس، وعمل بها وقتا، وجمع القراء وعدة من المنشدين، ومدت لهم أسمطه جليلة، ثم أقيم السماع طول الليل، فكانت ليلة تعد بليال، ثم أنعم على القراء والمنشدين بمائة ألف درهم. وركب بكرة يوم السبت، سادس عشر ذي الحجة من الخانقاة، حتى نزل بطرف الريدانية، خارج
القاهرة، ثم ركب رشق القاهرة من يومه حتى طلع إلى القلعة، وقد صفا له الوقت.
واستمر على ذلك إلى سنة عشرين، تحرك للسفر إلى البلاد الشامية، ثم قوى عزمه في يوم الثلاثاء رابع صفر. وأخلع على طوغان أمير آخور، واستقر به نائب الغيبة، وعلى أزدمر شيا، واستقر به نائب قلعة، واستقر بقجقار القردمي أمير سلاح في نيابة حلب، عوضاً عن آقباي، بحكم انتقال آقباي لنيابة دمشق، لما قدم القاهرة، قبل تاريخه بأيام على النجب. وأرسل الأمير آقبغا التمرازي بمسك الأمير ألطنبغا العثماني نائب دمشق. ثم سار السلطان إلى أن وصل إلى دمشق، فدخلها في أول شهر ربيع الأول، وأنعم على سودون القاضي بتقدمة ألف بالقاهرة، بعد موت الأمير أقبردي المنقار. وأقام أياماً ثم رحل يريد حلب، فدخلها في عشرين شهر ربيع الأول وأقام بها نحو عشرة أيام. ورحل إلى البلاد الشمالية، حتى أخذ عدة قلاع من أيدي التركمان. فأخذ كختا، ودرندة، وبهنسا، وولى بهم نوابا. وحاصر قلعة كركر أياماً، ثم رجع وخلف
على حصارها آقباي نائب الشام، وقجقار القردمي نائب حلب، وجارقطلو نائب حماة، وكان قرا يوسف يحاصر قرايلك.
فلما عاد السلطان إلى حلب، تحوف النواب المشار إليهم من قرا يوسف، فتركوا حصار كركر وقدموا إلى حلب. فغضب السلطان لقدومهم، وأوسعهم سبا. وأمسك قجقار نائب حلب ثم أطلقه، وولي مكانه بحلب الأمير يشبك اليوسفي نائب طرابلس، واستقر بردبك راس نوبة النوب في نيابة طرابلس عوضاً عن يشبك، واستقر الأمير ططر رأس نوبة النوب. وعزل جارقطلو عن نيابة حماة بالأمير نكباي، وتولى نيابة صفد عوضاً عن خليل الجشاري التبريزي، واستقر خليل في حجوبية طرابلس، ثم استعفى فأعفى. وأخلع على سودون قراصقل حاجب الحجاب بالديار المصرية، واستقر في حجوبية طرابلس، وأنعم بإقطاع سودون ووظيفته على الأمير ألطنبغا المرقبي نائب قلعة حلب، واستقر في نيابة قلعة حلب الأمير شاهين الأرغون شاوي.
ثم عاد السلطان إلى دمشق، فدخلها في يوم الخميس ثالث شهر رمضان. وفي سابعه، قبض على آقباي نائب الشام، وحبسه بقلعة دمشق. وأخلع على الأمير تنبك العلائي المعروف بميق، واستقر به في نيابة الشام، عوضاً عن آقباي. وأنعم بإقطاع تنبك، على قجقار القردمي، واستقر به أمير سلاح على عادته. ثم خرج من دمشق
عائداً إلى الديار المصرية، حتى وصلها في يوم الخميس ثامن شوال، فدخلها بأبهة السلطنة، وولده المقام الصارمي إبراهيم يحمل القبة على رأسه، وطلع إلى القلعة. وكان يوم قدومه إلى القاهرة من الأيام المشهودة، ثم أخلع على طوغان بعد أيام، واستقر به أمير آخورا كبيرا، عوضاً عن تنبك ميق.
ثم دخلت سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، ففي شهر ربيع الأول منها، حضر الأمير جارقطلو نائب صفد منها، حتى وصل إلى قطيا، أمسك وتوجه به إلى الإسكندرية فحبس بها. وفي ثالث عشرين الشهر المذكور، أخلع السلطان على الأمير برسباي الدقماقي، الذي تسلطن، واستقر به في نيابة طرابلس، عوضاً عن الأمير بردبك. ثم بعد مدة، أخلع على الأمير قرا مراد خجا باستقراره في نيابة صفد، وأنعم بخبزه على الأمير جلبان أمير آخور ثاني، والإقطاع تقدمه ألف. وفي شهر رمضان من السنة، رسم السلطان بمسك الأمير برسباي الدقماقي، نائب طرابلس، وحبسه بالمرقب، بسبب كسرته من التركمان.
ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين، والسلطان غالب أيامه في النزه واللهو والطرب، ونزل فيها إلى البحر بساحل بولاق، ببيت القاضي ناصر الدين بن البارزي كاتب السر غير مرة. وعام في البحر غير متستر، على أنه كان إذ ذاك،
في أسوأ حال من ألأم رجليه، ومما به من ضربان المفاصل. حتى أنه كان لا ينهض بالقيام على رجليه، بل يحمل على الأعناق، أو في مقعد بين أربعة أنفس. كل ذلك والناس في ألذ عيش، وقضت الناس في تلك الأيام، أوقاتاً طيبة، إلى الغاية. واستمر السلطان يتردد إلى بولاق، ثم وجه ولده المقام الصارمي إبراهيم إلى البلاد الشمالية، فتوجه إليها، وفتح بها عدة قلاع، وأسر وغنم، وعاد نحو الديار المصرية. وخرج السلطان إلى لقائه حسبما ذكرناه في ترجمة المقام الصارمي إبراهيم، في أوائل هذا الكتاب.
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة، في المحرم منها، أفرج السلطان عن الأمير برسباي الدقماقي، من حبس المرقب، بشفاعة الأمير ططر، وأنعم عليه بتقدمة ألف دمشق. وفي شهر ربيع الآخر منها، وقع الشروع في عمارة منظرة الخمس وجوه، التي بالقرب من التاج الخراب، لينشيء السلطان حوله بستاناً. فصرف على المنظرة المذكورة، جملة مستكثرة.
قلت: أخربها الظاهر جقمق، وأنعم بأنقاضها على محمد بن علي بن إينال، فباع المذكور منها بجمل مستكثرة. ولعله لم يزل في تبعه ذلك. من ورثة الملك المؤيد، إلى أن يموت.
ثم مرض المقام الصارمي وطال مرضه، وفي هذا الشهر نقض على السلطان ألم رجله، وفيه انتكس المقام الصارمي إبراهيم، واستمر إلى أن مات في ليلة الجمعة خامس عشر جمادى الآخرة، ودفن من الغد بالجامع المؤيدي بباب زويلة.
وفي شعبان من السنة، عقد السلطان عقد الأمير الكبير ألطنبغا القرمشي، على ابته، بصداق مبلغ خمسة آلاف دينار، بالجامع المؤيدي.
ثم برز الأمير الكبير ألطنبغا القرمشي المذكور، إلى الريدانية بمن معه من الأمراء، إلى البلاد الشامية في يوم السبت. وكان معه من الأمراء: الأمير طوغان أمير آخور، وألطنبغا من عبد الواحد المعروف بالصغير رأس نوبة النوب، وألطنبغا المرقبي حاجب الحجاب، وجرباش الكريمي المعروف بقاشق، وآق بلاط الدمرداش، وجلبان أمير آخور كان، وأزدمر الناصري. ثم رحلوا إلى البلاد الشامية، فكان ذلك آخر عهدهم بالملك المؤيد.
واستمر السلطان متوعكاً، إلى أن مات في يوم الإثنين تاسع المحرم سنة أربع وعشرين وثمانمائة. فارتج الناس لموته ساعة، ثم سكنوا. وسلطنوا ولده الملك المظفر أحمد أبا السعادات، وعمره سنة واحدة وثمانية أشهر وسبعة أيام.
ومات المؤيد وقد أناف على الخمسين سنة، وكانت مدة ملكه، ثمان سنين وخمسة أشهر وثمانية أيام. وحضرت أنا جنازته في اليوم المذكور، وصلى عليه خارج باب القلة، وحمل حتى دفن بقبته، التي أنشأها بالجامع المؤيدي بباب زويلة.
قال الشيخ تقي الدين المقريزي: واتفق في موت الملك المؤيد موعظة. وهو أنه لما غسل، لم يوجد له منشفة ينشف فيها، فنشف بمنديل بعض من حضر من الأمراء. ولا وجد له مئزر ليستره، حتى أخذ له مئزر صوف صعيدي من فوق رأس بعض جواريه. ولا وجد له طاسة، يصب بها عليه الماء وهو يغسل، مع كثرة ما خلفه من الأموال. انتهى كلام المقريزي.
قلت: وكان سلطاناً شجاعاً مقداما. مهاباً، سيوساً. عارفاً بالحروب والوقائع. جواداً على من يستحق الإنعام عليه، بخيلاً على من لا يستحق إلى الغاية. وكان طوالا، بطينا، واسع العينين، أشهلهما، كث اللحية، بادره الشيب في لحيته. جهوري الصوت، فحاشاً سباباً. ذا خلق سيء، وسطوة وجبروت، وهيبة زائدة، يرجف القلب عند مخاطبته. وكان له صبر وإقدام على الحروب، وخبرة كاملة بذلك. وكان يحب أهل العلم ويجالسهم، ويجل الشرع النبوي، ويذعن له، ولا ينكر على من طلبه منه، إذا تحاكم بين يديه، أن يمضي إلى الشرع، بل يعجبه ذلك. وكان غير مائل إلى شيء من البدع. إلا أنه كان مسرفاً على نفسه، متظاهراً بذلك، على أنه كان منقاداً إلى الخير، كثير الصدقات والبر. وعمر عدة أماكن يقام بها الجمعة، منها: جامعه المؤيدي، داخل باب زويلة، الذي ما عمر في الإسلام أكثر زخرفة وأحسن ترخيماً منه، بعد الجامع الأموي بدمشق. وعمر خطبة بالمقياس من الروضة، والمدرسة الخروبية بالجيزة. وعمر عدة سبل
ومكاتب، ووقف على كل ذلك الأوقاف الهائلة. وكان ذا قصد جميل للرعية. ولكن خربت في أيامه، وأيام الملك الناصر فرج، كثير من الضياع بأعمال الديار المصرية، لكثرة الفتن في أيامهما. وأيضاً لعظيم ظلم جمال الدين يوسف البيري الأستادار في الدولة الناصرية فرج، وكثرة ظلم فخر الدين عبد الغني بن أبي فرج الأستادار في الدولة المؤيدية.
هذا، وكان الملك المؤيد رحمه الله، شرها في جمع المال، حريصاً عليه. وكان من محاسنه أنه يقدم الشجاع، ويبعد الجبان من كل جنس من المماليك، لا يميل إلى جنسه وينزل غيره. بل حيثما ظهر له النجابة من الشخص، قربه. ولا يلتفت إلى جنسه، كغيره من المملوك، فإنه حيث رأى أحداً من جنسه، قربه وأنعم عليه، ورقاه وأدناه، وربما يكون المنعم عليه، ليس فيه معنى من المعاني ألبتة، فهذا من أكبر عيوب الملك. بل يحرم عليه هذه الفعلة، فإنه