الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[الجزء الرابع]
بسم الله الرحمن الرحيم
تفسير سورة فصلت عدد 11- 61- 41
نزلت بمكة بعد سورة غافر المؤمن، وهي أربع وخمسون آية، وتسعمئة وست وتسعون كلمة، وثلاثة آلاف وثلاثمائة وخمسون حرفا:
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى: «حم» 1 «تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» 2 تقدم مثله وفيه ما فيه. واعلم يا أكرم الرسل أن المنزل عليك من لدنا هو «كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ» تفصيلا شافيا وبينت تبيينا كافيا وافيا وأعني به «قُرْآناً عَرَبِيًّا» أنزلناه «لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ» 3 هذه اللغة حق العلم فيجيلون النظر في مبانيه ويتفقهون في معانيه ويعرفون المراد منه، وفي هذه الآية إيذان بتعليم اللغة العربية للوقوف على معاني القرآن العظيم، فيجب على كل مسلم ومسلمة أن يتعلمها، لأن القرآن لا يقرأ إلا بها:
مطلب عدم جواز ترجمة القرآن وبحث في الزكاة وفي معجزات القرآن:
وان الترجمة باللفظ والمعنى غير ممكنة، إذ الحروف العربية لا توجد كلها في اللغات الأجنبية، فيضطر المترجم الى تبديل حرف بغيره أو تحريره، ويجر هذا التغيير الى تبديل كلمة تعطي غير المعنى المراد من أجلها، ومن المعلوم أن تغير شيء من كتاب الله كفر، إذ قد يختل المعنى المقصود منه وهو مبرأ من الخلل، أما تفسيره باللغات الأجنبية مع المحافظة على متنه فجائز، ومن هنا طرأ التحريف على الكتب السماوية المترجمة، راجع هذا البحث في المقدمة تقف على ما تريده. وقد جعلنا هذا الكتاب المنزل عليك يا خاتم الرسل (بشيرا) للطائعين المنقادين لأحكامه بالجنة ونعيمها «وَنَذِيراً» للعاصين الجاحدين له بالنار وجحيمها «فَأَعْرَضَ»
أكثرهم عن الأخذ به والامتثال لأوامره «أَكْثَرُهُمْ» عنه لسابق سقائهم «فَهُمْ» أي قومك يا سيد الرسل «لا يَسْمَعُونَ» 4 اليه تكبرا وأنفة مع أنه بلغتهم، وقد أنزل على رجل منهم، وعلى هذا المثل السائر (زجرته فلم يسمع)«وَقالُوا» لرسولنا الذي يدعوهم إليه «قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ» أغطية كثيفة «مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ» ولذلك لا نفقهه «وَفِي آذانِنا وَقْرٌ» ثقل وصمم ولهذا لا نسمعه «وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ» ستر كثيف غليظ مانع من الرؤية حاجز، من التواصل والتوفيق لما بين ديننا ودينك من البون الشاسع، وأرادوا بذكر هذه الموانع المختلقة إقناطه عليه السلام من إجابتهم إليه، وذلك أنه لما كان القلب محل المعرفة والسمع والبصر معينين على تحصيل المعارف قالوا له أن هذه الثلاثة محجورة عن أن يصل إليها شيء من قولك، فكيف تريد أن نعي ما تقوله لنا أو نفهمه «فَاعْمَلْ» على ما يقتضيه دينك واتركنا «إِنَّنا عامِلُونَ» 5 على ديننا أيضا. قيل إن السبب في نزول هذه الآية أن قريشا أقبلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم ما يمنعكم من الإسلام فتسودوا العرب فقال له أبو جهل ذلك القول وأخذ ثوبا فمده بين يدي الرسول وبينهم حتى لا يرى أحدهم الآخر، وقالوا له إنك بشر مجنون ليس إلا قال تعالى «قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ» كما تقولون ولست ملكا ولا بي مما تقولونه من الجنون والسحر، وإنما «يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ» سميع بصير لا أصنام جامدة لا تفقه ولا تعلم ولا تسمع ولا تبصر «فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ» يا قومي وارفضوا ما أنتم عليه «وَاسْتَغْفِرُوهُ» من الشرك «وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ» 6 به غيره «الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ» لبخلهم وحبهم للمال وعدم شفقتهم على الفقراء المعدمين والأرامل المحتاجين، ولم يعلموا ما أعد الله للمشركين ولا يفقهون كنهه، قال ابن عباس المراد بالزكاة هنا تزكية النفس من الشرك بحجة ان الزكاة لم تفرض، إلا أن المعنى لا يستقيم لوجود فعل يؤتون، فمعه لا يجوز أن يقال يزكون أنفسهم، بل يعطون الزكاة والإعطاء يكون من الشخص لغيره مما هو عنده، وليس لديهم زكاة في هذا المعنى ليعطوها لأنفسهم، لهذا يكون الأولى أن يراد بالزكاة هنا ما كان متعارفا إعطاؤها عندهم
قبل نزول القرآن، كصلاة الركعتين قبل فرض الصلاة، إذ لم تخل أمة من الصلاة والزكاة والصيام، إذ تعبدهم بها كما تعبد هذه الأمة بها على اختلاف بالقدر والهيئة، فعلى ظاهر هذه الآية يكون عدم إعطاء الزكاة كفرا، ولهذا حكم أبو بكر رضي الله عنه بكفر مانعي الزكاة، وحجة من قال إنها تزكية النفس ان الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان وهما حاصلان فلا يلزم الكفر وقال الفراء كانت قريش تطعم الحاج فمنعته عمن آمن بحمد أي، ونزلت «وَهُمْ» قومك يا محمد مع عدم إتيانهم بها تراهم «بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ» 7 جاحدون وجودها مع انها حق ثابت يعترف بها أهل الكتب السماوية كلهم، ومما يدل على هذا أن المراد بالزكاة إعطاء المال، قوله تعالى «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ» التي من جملتها انفاق المال للمعوزين «لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ» 8 به عليهم لأنه بمقابل أعمالهم الصالحة وعطاء هذا الأجر فضل من الله تعالى، لأنه هو الذي أعطى المال للمتصدق وهو الذي وفقه للتصدق وجعل ثواب الزكاة غير مقطوع ولا منقوص لما فيها من الرأفة على عباد الله وعياله، هذا ولو كان المراد بالزكاة هنا تزكية النفس لكانت هذه الآية معترضة لعدم مناسبة ذكرها بل جيء بها استطرادا تعريضا بالمشركين المستغرقين بالدنيا التاركين للآخرة، وقد جعل جل شأنه منع الزكاة مقرونا بالكفر، لأنها معيار الإيمان المستكين بالقلب، ولهذا خصها
من بين أوصاف الكفرة، وقيل إن المال شقيق الروح، وهو عند من لا إيمان له أغلى منها قال بعض الأدباء البخلاء:
وقالوا شقيق الروح مالك فاحتفظ
…
به فأجبت المال خير من الروح
أرى حفظه يقضي بتحسين حالتي
…
وتضييعه يقضي لتسآل مقبوح
قال في الكشف: الأولى إبقاء اللفظ على ظاهره لأن صرفه عن حقيقته الشائعة من غير موجب لا يجوز، كيف ومعنى الإيتاء لا يقر قراره، نعم لو كان بدل يؤتون يأتون كما في قوله تعالى «وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى» الآية 56 من سورة التوبة لجاز ذلك بالنظر للفرق بين الإيتاء والإتيان، ولم يقرأ أحد من القراء بها، لهذا لا يجوز الركون لذلك القول، ولا يخفى أن اطلاق الاسم