الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
من الخلاص «وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا» بعد إنهاء حال الكفرة، وقد أفردوا بالذّكر ليطلعوا على حال الكافرين ومصيرهم فيفرحوا ويتم سرورهم بثمرة أعمالهم التي كان الكفرة يضحكون منها وتقر أعينهم بانتقام الله تعالى لهم منهم فيدخلون الجنة وقد أمنوا على أنفسهم وعرفوا حال أعدائهم «ماذا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ» على رسلكم «قالُوا خَيْراً» نصب على تقدير أنزل فاطبق الجواب على السؤال لأن القول لا ينصب المفرد ورفع أساطير بالآية الأولى 24 على تقدير حذف المبتدأ المقدر وهو هو وأساطير خبره، ولأنهم عدلوا بالجواب عن السؤال ولم يعتقدوا كونه منزلا، فلم يستحسن الوقف على أساطير لعدم تمام الكلام واستحسن الوقف في هذه الآية على (خيرا) لتمام الكلام، ولهذا حسن الابتداء بقوله «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ» لهم من الدنيا لقوله تعالى «وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ» 30 في الآخرة التي هي
«جَنَّاتُ عَدْنٍ» لهم «يَدْخُلُونَها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» لتمام النعمة وبهجة النظر «لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ» فيها من كل ما تشتهيه أنفسهم وتلذ أعينهم «كَذلِكَ» مثل هذا الجزاء الحسن «يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ» 31 في الآخرة الدائمة وهؤلاء المتقون هم «الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ» طاهرين، وهذا بمقابلة (ظالمي أنفسهم) في بيان فريق أهل النار في الآية الأولى «يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ» وبمقابلة قول ملائكة العذاب للكافرين (أدخلوا أبواب جهنم) تقول ملائكة الرحمة «ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» 32 في دنياكم. واعلم أن ما جاء في هذه الآية وفي قوله تعالى (وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها) الآية 73 من سورة الزخرف المارة ونظيرتها الآية 43 من سورة الأعراف في ج 1 والآية 19 من سورة الطور والآية 24 من سورة الحاقة الآتيتين يدل على أن الجنة تكون للشخص بمقابل عمله الحسن.
مطلب التوفيق بين الآيات والحديث بسبب الأعمال وفي آيات الصفات:
وهذه الآيات لا تتنافى مع قوله صلى الله عليه وسلم: لن يدخل أحدكم الجنة بعمله، قالوا ولا أنت يا رسول الله؟ قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضله ورحمته، لأن معنى الآيات أن دخول الجنة بسبب الأعمال، أما التوفيق للإخلاص فيها وقبولها
فيكون برحمة الله وفضله ليس إلا، وعليه فيصح أن يقال لم ندخل الجنة بمجرد العمل، وهذا هو مراده صلى الله عليه وسلم وهو على حد قول العبد لسيده تفضلتم علي يا سيدي بما لم أكن أهله، فيقول له السيد بل بحسن خدمتك وأدبك. ويصح أن يقال تدخل الجنة بسبب الأعمال برحمة الله وفضله ومنّه، لا بالوجوب كما قال بعضهم، لأن الله لا يجب عليه شيء لأن الكون وما فيه ملكه وتحت سلطانه وله أن يفعل فيه ما يشاء، فلو عذب الطائع وأناب العاصي أيعارضه أحد؟ كلا لا يسأل عما يفعل، قال صاحب الزبد في عدم جواز نسبة الظلم إليه تعالى:
وله أن يؤلم الأطفالا
…
ووصفه بالظالم استحالا
لأن الظلم تصرف فى حق الغير فيما لا يحل، والله جل شأنه متصرف في ملكه لأن الكل تحت قبضته، فلو أن أحدا هدم داره أو أحرق متاعه هل لأحد معارضته وهل عليه عقاب ما؟ كلا البتة، فإذا كنا نحن العبيد لنا التصرف المطلق فيما ملكناه الله لأن ملكنا له مجاز، فكيف يعترض أحد على المالك الحقيقي إذا تصرف في ملكه.
راجع الآية 28 من سورة الأعراف في ج 1 والآية 73 من سورة الزخرف المارة ولهذا البحث صلة في الآية 19 من سورة الطور والآية 24 من سورة الحاقة الآتيتين فراجعه تجد ما يسرك إن شاء الله القائلَ لْ يَنْظُرُونَ»
هؤلاء الجاحدون نبوتك يا سيد الرسل المنكرون وحينا إليكِ لَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ»
بقبض أرواحهمَ وْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ»
بعذابهم الدنيوي، وهذه الآية من آيات الصفات التي أشرنا إليها غير مرة بأن مذهب السلف الصالح إبقاؤها على ظاهرها ومذهب الخلف وبعض المتكلمين، على تأويلها بما يناسبها، راجع الآية 67 من سورة الزمر المارة وما ترشدك إليهَ ذلِكَ»
مثل فعل هؤلاءَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ»
من الكفر والتكذيبَ ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ»
بتعذيبهم من أجلهَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ»
33 بما عملوا من الخبائث «فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا» في دنياهم «وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ» 34 على الرسل وما جاءوهم به من عندنا جزاء كسبهم هذا بما لا تطيقه أجسامهم «وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا
آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ»
وهذا القول منهم على سبيل السخرية والاستهزاء، ولو قالوه اعتقادا جازما لأصابوا المرمى، ويؤذن قولهم أن لا فائدة من بعثة الرسل، لأن المشيئة الله، لو أراد لم يحرم شيئا ولم نعبد شيئا، وهذا أيضا اعتراض منهم على الله جار مجرى العلة في أحكام الله تعالى، وهو باطل لأنه لا يجوز أن يقال لم فعل الله كذا، ولم لم يفعل كذا، لأن أفعال الله لا تقلل، وكان في حكمة الله تعالى وسنته إرسال الرسل ليأمروا عباده بعبادته، وينهوهم عن الإشراك به والتعدي على الغير، وإن الهداية والإضلال أمرهما في الحقيقة إليه، وهذه سنته في عباده يهدي من يشاء ويضل من يشاء لا اعتراض عليه. ولما كانت سنته بإرسال الرسل إلى الكافرين قديمة لا محدثة ولا طارئة ولم يبتدعها ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم فيهم كان قولهم (لو شاء الله) إلخ جهلا، لاعتقادهم أن كون الأمر كذلك يمنع من جواز بعثتهم وهو أيضا اعتقاد باطل. قال تعالى «كَذلِكَ» مثل فعلهم هذا «فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ» إذ كذبوا الرسل وأحلوا ما حرم الله وحرموا ما أحله «فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ» 35 هذا استفهام تقريري، أي ليس عليهم إلا التبليغ القولي وليس عليهم قسرهم على الإيمان وجبرهم على الهداية وإجبارهم على الرشد، راجع الآية 149 من سورة الأنعام المارة «وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا» كما بعثناك في أهل مكة وأمرنا كلا من الرسل أن يقولوا لقومهم «أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ» مبالغة في الطغيان والطاغية ويطلق على كل من عبد من دون الله حاشا الملائكة وعزيز وعيسى وعلي عليهم السلام وغيرهم من الصالحين لعدم علمهم ورضاهم «فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ» فتاب وأناب واتبع طريقهم الموصل إليه ففاز برضائه «وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ» فلم ينتفعوا بهدى رسولهم لسابق ثقائهم في علم الله وإرادته إضلالهم لسوء طويتهم فهلكوا وخابوا وخسروا الدنيا والآخرة، وهذه الآية كافية للدلالة على أن الله تعالى هو الهادي والمضل دون اعتراض، إذ لا يقع في ملكه إلا ما يريد «فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا» أيها الناس «كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ» 36 حيث بقيت مساكنهم خاوية بسبب العذاب الذي حل
بهم، وفيها تنبيه على أنكم يا أهل مكة إذا أصررتم على الكفر يكون مصيركم مثلهم، قال تعالى «إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ» يا سيد الرسل وتجتهد كل الاجتهاد لا يغير ما هو مدون في أزلنا أبدا «فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ» أبدا ولو أطبق الخلق على إضلال من هداه لن يقدروا أيضا «وَما لَهُمْ» الضالين «مِنْ ناصِرِينَ» 37 يمنعونهم من عذاب الله المقدر لهم ولا يقدر أحد أن يهديهم أيضا، «وَأَقْسَمُوا» هؤلاء الكفرة الضالون «بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ» قال ابن الجوزي أتى رجل مسلم يتقاضى دينه من كافر، فقال فيما قال والذي أرجوه بعد الموت، فقال الكافر أترجو وتزعم هذا والله لا يبعث من يموت. فنزلت هذه الآية ردا عليه وتكذيبا له، وهو قوله «بَلى» يبعث من يموت «وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا» منجزا على طريق عدم جواز الخلف على الله إن الله لا يخلف الميعاد ومن أصدق من الله قيلا «وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» 38 كيفية
ذلك، لأنهم يقولون إن هذه البنية إذا بليت وتفرقت أجزاؤها امتنع عودها بعينها، لأن الشيء إذا عدم فقد فني ولم تبق له ذات ولا حقيقة، ولم يعلموا أن الله تعالى الذي بدأ خلقهم قادر على إعادتهم كما كانوا عليه، وهو أهون عليه لأن خلقهم من لا شيء على غير مثال والصعوبة إنما تكون في الابتداع لا في التقليد، فهذه السيارات والطائرات والراد والكهرباء وغيرها بعد أن اخترعت هان على العاملين عملها وكان العقل لا يصدق وجودها لو لم يشاهدها، فالفضل فيها للمبتدع لا للمقلد. واعلم أن الحكمة في إعادة الخلق أحياء في الآخرة «لِيُبَيِّنَ لَهُمُ» الله الذي خلقهم أول مرة «الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ» في الدنيا حقيقة وعيانا «وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ» 39 في إنكارهم البعث وتكذيبهم ما أخبرهم به الرسل من وجود الحساب والعقاب والجنة والنار ويتحقق أن الله تعالى إذا أراد شيئا كان لا محالة بدليل قوله «إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» 40 حالا بين الكاف والنون، أي يوجد عند وجود هذين الحرفين بل بينهما. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تبارك وتعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له