الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية 141 من سورة الأعراف ج 1 ويأتي بعدها في الآية 29 من البقرة في ج 3 بلا واو «وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ» أعلم ووعد وأوعد «لَئِنْ شَكَرْتُمْ» نعمه التي من جملتها خلاصكم من رق القبط والغرق «لَأَزِيدَنَّكُمْ» نعما فأجعل منكم ملوكا وأنبياء راجع الآية 23 من المائدة في ج 3، «وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ» تلك النعم وجحدتموها «إِنَّ عَذابِي» لمن يكفرها «لَشَدِيدٌ» 7 أشد من عذاب استرقاق القبط وإماتة الرجال وإبقاء النساء منكم «وَقالَ مُوسى» لبني إسرائيل «إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً» فضره يعود عليكم وعليهم في الدنيا والآخرة والله لا يعبا بكم «فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ» عن جميع خلقه لا حاجة له في شكرهم «حَمِيدٌ» 8 بذاته وإن لم يحمده خلقه ثم ذكرهم بمن قبلهم فقال «أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ» كقوم إبراهيم وموسى وشعيب وغيرهم «لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ» لعدم إحاطة علم البشر بهم لكثرتهم ولأن الله لم يبينهم لنا، قال تعالى (مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ) الآية 79 من الفرقان المارة في ج 1 ونظيرتها الآية 79 من سورة المؤمن المارة، ولهذا قال ابن مسعود كذب النسّابون الذين يدعون معرفة الأنساب إلى آدم، والله تعالى نفى معرفة العلم بذلك عن عباده، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم فيمن ينتسب لآدم عليه السلام وفيمن ينتسب من عدنان إلى إسماعيل عليه السلام كذب النسّابون، لأن الله تعالى لم يبين القرون ما بين النّبيين.
مطلب النهي عن الانتساب لما بعد عدنان ومحاورة الكفرة وسؤال الملكين في القبر:
وهذه الآية التي نحن بصددها كافية لسد باب الانتساب إلى ما بعد عدنان لأن الذي لا يعلمه إلا الله يعجز عنه البشر، لذلك يجب علينا أن نحجم عن الانتساب إلى ما بعد عدنان، ولهذا البحث صلة في الآية 111 من سورة المؤمنين الآتية.
قال تعالى «جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ» على صدقهم وما جاؤهم به من عند ربهم «فَرَدُّوا» أي الكفرة من أولئك الأمم «أَيْدِيَهُمْ» أوصلوها وأخذوها
«فِي أَفْواهِهِمْ» أي الرسل لئلا يتكلموا بما أرسلوا به، أو إلى أفواه أنفسهم إشارة لعدم رغبتهم بما يقولون لهم، وهذا كناية عن إسكاتهم تكذيبا لهم، وكثيرا ما يقع هذا بين المخاطبين الآن من أهل القرى والبوادي، إذا لم يرد المخاطب أن يسمع كلام المخاطب فإنه يشير إليه بيده ويضعها على فم نفسه كأنه يقول له ردّ قولك إلى فيك ولا تنطق بما تريد لأني لا أصدقه، وقد يقوم إليه ويضع يده على فيه إذا كان لا يهابه، يدل على هذا المعنى قوله تعالى «وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ» فلا حاجة لبيان «وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ» من الإيمان والتوحيد والبعث «مُرِيبٍ» 9 موقع في التهمة إن لم نجزم جحود ما جئتم به، والريبة قلق وعدم طمأنينة بالأمر، لذلك فلا نميل لأمر نحن في شك منه.
وقيل إنهم أخذوا أيديهم فعضوها بأفواههم تعجبا أو غيظا، وهذا لا يوافق النظم ويأباه السياق «قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي» وجود «اللَّهِ شَكٌّ» استفهام إنكاري، أي أتنكرون وجود الإله «فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» وخالق ما فيهما وبينهما الذي «يَدْعُوكُمْ» للإيمان به والتصديق برسله «لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ» إذا أجبتم دعوته وصدقتم رسله، والمراد من لفظ من هنا وفي مثلها غفران الذنوب التي هي حق الله فقط، أما حقوق العباد فلا تغفر إلا بإسقاطها من قبل أهلها أو بمشيئه الله القادر على إرضاء خصومهم، راجع الآية الثانية من سورة نوح المارة «وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى» عنده لا يقدم ولا يؤخر ولا يبدل، وانه قدّر لكم آجالا تبلغونها إن أنتم آمنتم وصدقتم وآجالا دونها إن أصررتم على كفركم عقوبة لكم، راجع الآية 12 من سورة نوح المارة «قالُوا» لرسلهم «إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا» ولستم بآلهة ولا ملائكة حتى نتبعكم أ «تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا» من الآلهة «فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ» 10 يميّزكم عنا ويثبت أن آلهتنا باطلة وأنكم على الحق
«قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ» لسنا بآلهة ولا ملائكة كما ذكرتم «وَلكِنَّ اللَّهَ» الذي خلق ورزق وأحيا وأمات الذي منّ عليكم بالعقل والسمع والبصر والأمن والعافية والولد والجاه والرياسة «يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ»
برسالته إلى إرشاد خلقه لدينه رحمة بهم، ولئلا يقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير «وَما كانَ لَنا» بصفتنا رسل الله «أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ» قوة وبرهان ومعجزة نقسركم بها على اتباعنا والإيمان بنا «إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ» لأنا عاجزون مثلكم، ولولا ما خصنا الله به من الوحي لما فضلناكم بشيء، ولولا أن يرسلنا إليكم لما دعوناكم إلى شيء «وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» 11 أمثالنا على أن يقدرنا لمجابهة عنادكم وعدائكم «وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ» نحن معاشر الأنبياء، يراجع نظير هذه الآية في المعنى الآية 22 من سورة يس في ج 1، «وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا» التي نسلكها في أمور ديننا الموصل لرضاء الله.
واعلموا أيها الناس أننا عبيد الله ورسله إليكم وقد أمرنا بإنذاركم وإقلاعكم عما أنتم عليه من الكفر وما علينا إلا نصحكم وسنثابر عليه ولو لم تصغوا إلينا «وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا» به من التكذيب والإهانة والاستخفاف، لأنه في سبيل تنفيذنا أمر الله بدعوتكم إلى دينه القويم المؤدي إلى جنات النعيم لا إلى شيء يعود علينا بالنفع المادي ونستمد المعونة منه على ما نريده من إرشادكم «وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ» 12 أمثالنا فيما هم سائرون فيه. واعلم أن التوكل في الآية الأولى بقصد إحداثه وفي هذه بقصد التثبت عليه، فلا يعد تكرارا «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ» لما رأوهم مثابرين على دعوتهم إلى دينهم دين الله الواحد وأنهم أقسموا على الصبر فيما يلاقونه من أذى في سبيل دعوتهم «لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا» بلادنا وقرانا «أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا» كما كنتم قبل ادعائكم النبوة والرسالة، وذلك أنهم كانوا قبل لم يأمروهم بتركها ولم يخالفوهم في شيء مما هم عليه، وإلا فهم نشأوا على التوحيد من حين فصالهم كسائر الأنبياء، وكانوا قبل أمرهم بالدعوة كأنهم منهم «فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ» 13 الذين كذبوكم وأمروكم بالعودة إلى دينهم. ونظير هذه الآية الآية 88 من سورة الأعراف المارة في ج 1، «وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ» التي يريدون إخراجكم منها «مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ» الوعيد بإهلاكهم والوعد بإحلالكم محلّهم حق ثابت «لِمَنْ خافَ مَقامِي» الوقوف بين يدي في الآخرة «وَخافَ وَعِيدِ» 14 بالعذاب
«وَاسْتَفْتَحُوا» استنصروا أي طلبوا النصر من الله على أعدائهم لما رأوا إصرارهم على الكفر وعلى أذاهم، وقد جرت عادة الله تعالى بنصرة أوليائه عند الضيق بمقتضى عهده المار ذكره في الآية 172 من الصافات والآية 110 من سورة يوسف المارتين فنصروا حالا «وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ» 15 لا يميل إلى الحق لتعاظمه في نفسه وخسر، وهذه الآية على حد قوله تعالى (إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ) الآية 19 من الأنفال والآية 88 من سورة التوبة في ج 3، وقال تعالى (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا) الآية 110 من سورة يوسف المارة وجزاء هذا المخالف لرسوله «مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ» يعذب فيها في الآخرة لأنه قادم عليها غير العذاب الذي حل به في الدنيا وقال (من ورائه) لأنها تكون بعد موته لا مناص له منها فهو واردها حتما، قال:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة
…
وليس وراء الله للمرء مذهب
وتأتي وراء بمعنى قدام على أنها من الأضداد والمشتركات اللفظية أو المعنوية، فتكون بمعنى القدام والخلف وعلى هذا قوله:
أليس ورائي ان تراخت منيتي
…
لزوم العصا تحفى عليها الأصابع
وقوله:
أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي
…
وقوم تميم والغلاة ورائيا
وقول الآخر:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه
…
يكون وراءه فرج قريب
«وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ» 16 عطف بيان لأن الماء مبهم ففسره بالصديد وهو القيح الذي يسيل من جلود المعذبين فيها «يَتَجَرَّعُهُ» يتكلف بلعه مرة أخرى لشدة العطش واستيلاء الحرارة «وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ» بسهولة بل يغص به لنتنه وكراهيته فيشربه بعد اللّتيا والتي على كره وقسر «وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ» من أطراف جسده حتى من شعره وظفره «وَما هُوَ بِمَيِّتٍ» إذ لا موت فيها «وَمِنْ وَرائِهِ» أي شراب الصديد «عَذابٌ غَلِيظٌ» 17 أشد وأزهق للنفس مما كان فيه من أمامه وخلفه، قال تعالى «مَثَلُ الَّذِينَ
كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ»
المثل يستعار للصفة التي فيها غرابة راجع الآية 112 من سورة النحل المارة، وبيّن ذلك المثل بقوله عز قوله «أَعْمالُهُمْ» التي عملوها في الدنيا من إقراء ضيف أو إغاثة ملهوف أو صلة رحم أو عتق رقبة أو فك الأسير أو غيرها «كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ» فطيّرته ولم تبق له أثرا، هكذا يمثله الله لهم يوم القيامة لتزداد حسرتهم فتراهم «لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ» منها من الثواب لأنها وقعت منهم حال الكفر إذ يشترط لثواب الأعمال أن تكون مع الإيمان بالله وعدم الشرك به «ذلِكَ» حرمانهم من ثواب أعمالهم الطيبة «هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ» 18 عن طريق الصواب والخسران الكبير عن حسن المآب، وشبه هذه الآية، الآية 29 من سورة النور في ج 3، قال تعالى «أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ» لأمر عظيم لا عبثا ولا باطلا «إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ» أيها الناس من بينهما فيخسف بكم الأرض أو يطيركم بالهواء فيجعلكم هباء «وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ» 19 غيركم أطوع منكم إليه وأكثر عبادة «وَما ذلِكَ» إذهابكم والإتيان بغيركم «عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ» 20 لا ممتنع ولا متعذر لأن القادر لا يصعب عليه شيء فالذي خلق السموات والأرض لا شك قادر على إبادتهما ومن فيهما وإيجاد غيرهم، وهذه الآية مكررة في سورة فاطر ج 1، والأنعام المارة والنساء ج 3، وغيرها ولكن لمناسبة أخرى.
قال تعالى «وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً» من قبورهم بعد النفخة الثانية وسيقوا إلى المحشر وبعد إجراء الحساب ومقابلة العابدين لمعبوديهم من البشر وغيره وعند إجراء المحاورة بينهم «فَقالَ الضُّعَفاءُ» العابدون والأتباع الذين غلبوا على أمرهم في الدنيا لما رأو العذاب «لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا» عليهم في الدنيا من الرؤساء والأغنياء الذين ساقوهم لعبادة غير الله «إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً» في الدنيا مسيرين في خدمتكم وأمركم «فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا» اليوم فتكفونا وتدفعوا عنا وتمنعونا «مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ» فترفعونه عنا كما كنتم تعدونا بذلك في الدنيا «قالُوا» لهم لا لأنه «لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ» إلى الإيمان الذي كنا نؤمر به ولا نسمعه، ولكن ضللنا فأضللناكم «سَواءٌ عَلَيْنا» نحن وأنتم في
في العذاب سواسية «أَجَزِعْنا» منه «أَمْ صَبَرْنا» عليه «ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ» 21 عنه فلا نجاء ولا مهرب ولا محيد ولا مخلص، من خاص إذا عدل لجهة الفرار، راجع الآية 10 من سورة القيامة المارة في ج 1، ثم ان الفريقين ألقوا اللوم على الشيطان فاستحضره الحق جل وعلا وذكر لنا ما جابههم به وهو «وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ» بين الناس وعرف كل مصيره وصار أهل الجنة للجنة يحمدون الله تعالى على ما صاروا إليه بسبب اتباعهم أوامر ربهم وأهل النار للنار يلومون إبليس ويوبخونه على إغرائه لهم في الدنيا، فيقول لهم «إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ» الناجز فلم تصدقوه «وَوَعَدْتُكُمْ» خداعا بكم وإغواء لكم وعدا كذبا «فَأَخْلَفْتُكُمْ» لأنه لا حقيقة له ولا قدرة لي على إنجازه «وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ» أقهركم به على اتباعي «إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ» دعوة عادية بما أوقعته في قلوبكم من الوسوسة لا بسيفي ولا برمحي ولا بأية معجزة «فَاسْتَجَبْتُمْ لِي» طوعا ورغبة واختيارا عفوا من أنفسكم وتبعا لشهواتكم الخسيسة التي منبتكم بها قولا. والأماني كالآمال لا وثوق بها ولا بوقوعها «فَلا تَلُومُونِي» الآن على ما كنتم به راضين قبلا «وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ» على عدم إصغائكم لدعوة الرسل المؤيدة بالبراهين والآيات وعدم اتعاظكم بمعجزاتهم وركونكم لنصحهم وإرشادهم الحق، فاقطعوا أملكم «ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ» ولا مغيثكم ومنقذكم من العذاب الآن وإن ما وعدتكم به في الدنيا كله زور وبهت لا صحة لشيء منه وإني عاجز الآن عن كل شيء مثلكم «وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ» مما أنا فيه من العذاب «إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ» في عبادة الله حال الدنيا إذ لا يعبد غيره إلا ظالم «إِنَّ الظَّالِمِينَ» أمثالنا في الدنيا «لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» 22 في الآخرة وها قد وقعنا به.
هذا آخر قول المغوي للغوات فاعتبروا يا أولي الأبصار واتعظوا يا أولي الألباب من الآن قبل أن يحلّ بكم ما قصه الله علينا، وقد تكررت بين العابدين والمعبودين المحاورة في القرآن كثيرا لمناسبات، ومعان أخرى لا تغني عن بعضها، راجع سورة سبأ المارة وفاطر والأعراف في ج 1 والبقرة والأنفال في ج 3 وغيرها، قال تعالى
«وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ» 23 فيما بينهم أنفسهم، وبينهم وبين الملائكة، وبينهم وبين ربهم «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا» وصفه بكونه «كَلِمَةً طَيِّبَةً» هي كلمة الإيمان «كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ» هي النخلة «أَصْلُها ثابِتٌ» في الأرض «وَفَرْعُها» أغصانها المتفرعة من رأسها صاعدة «فِي السَّماءِ 24 تُؤْتِي أُكُلَها» ثمرها «كُلَّ حِينٍ» ووقت وقته الله تعالى لنضجه والثمر ما يدخر ليؤكل إبان نضجه وغيره في كل زمان «بِإِذْنِ رَبِّها» وتيسيره وتكوينه «وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ» اعتبارا وعظة «لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ» 25 المعاني المضروبة من أجلها فيتعظوا بها. زوى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أخبروني عن شجرة تشبه الرجل المسلم لا يتحات ورقها وتؤتي أكلها كل حين. قال، قال ابن عمر فوقع في نفسي أنها النخلة ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان فكرهت أن أتكلم، فلما لم يقولا شيئا قال صلى الله عليه وسلم هي النخلة، قال فلما قمنا قلت لعمر يا أبتاه والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة، فقال ما منعك أن تتكلم؟ فقلت لم أركم تتكلمون فكرهت أن أتكلم وأقول شيئا، فقال عمر لأن تكون قلتها أحبّ إلي من كذا كذا. قال تعالى «وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ» هي كلمة الكفر إذ لا أخبث منها أبدا «كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ» هي الحنظل على أصح ما جاء فيها إذا لا أخبث منها عندنا في الدنيا أما في الآخرة فالزقوم والضريع والغسلين أجارنا الله منها «اجْتُثَّتْ» استؤصلت وقطعت ورفعت جئّتها المفروشة «مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ» لأنها «ما لَها مِنْ قَرارٍ» 26 ثابت فيها ولا فرع صاعد في السماء، لأن كل شجرة عادة بقدر ما تتغلغل في الأرض ترتفع في السماء، وهذا هو الذي يثبتها ويقيها من تأثير الهواء وغيره «يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ» وهو كلمة التوحيد الحاصل أجرها «فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» للذين يتمسكون بها لا يزيغون عن الحق فيمن زاغ ممن سلف كأصحاب الأخدود المتقدم ذكرهم في الآية 4 من سورة البروج في ج 1، ومن رسخ كسلمان ورفقائه المتقدم ذكرهم
وكعمار ورفقائه المار ذكرهم في الآيتين 109/ 110 من سورة النحل وفي الآية 24 من سورة الكهف المارتين، الثابتين على الإيمان مع تعذيبهم من أجله وأمثال هؤلاء كما أن الله تعالى ثبتهم في الدنيا «وَفِي الْآخِرَةِ» يثبتهم أيضا وفي أول برزخ من برازخها وهو القبر، وعند سؤال الملكين، وفي المحشر والحساب إلى مواقف القيامة، حتى يدخلهم الجنة التي وعدها لهم. روى البخاري ومسلم عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن العبد إذا وضع في تبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا، أتاه ملكان فيقعدانه فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل محمد، فأما المؤمن فيقول اشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال له أنظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا في الجنة، قال النبي صلى الله عليه وسلم فيراهما جميعا، قال قتادة ذكر لنا أنه يفسح له في قبره، ثم يرجع إلى حديث أنس قال:
وأما المنافق وفي رواية وأما الكافر فيقول لا أدري كنت أقول ما يقول الناس فيه، فيقال: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنيه فيصيح صيحة يسمعها من يليه من الثقلين، لفظ البخاري، ولمسلم بمعناه زاد في رواية: أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعا ويملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون. وأخرج أبو زيد عن أنس والنسائي عن أبي هريرة ما بمعناه، وأخرج الترمذي عن البراء بن عازب، وأبو داود عن عثمان بن عفان بزيادة في ذلك. الحكم الشرعي: سؤال الملكين في القبر لكل إنسان وإنسانة حق ثابت واجب الاعتقاد به، وهو معتقد أهل السنة والجماعة بالإتفاق، قال في بدء الأمالي:
وفي الأجداث عن توحيد ربي
…
سيبلى كل شخص بالسؤال
ومثله في الجوهرة، ولم يشذ عن هذا الإجماع إلا فاسق زنديق، راجع ما يتعلق فيه في الآية 26 من سورة المؤمن المارة وله صلة في الآية 53 من سورة الروم الآتية، «وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ» فيزلهم في ذلك كله ويحرمهم مما أعده للمؤمنين «وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ» 27 من الهداية والإضلال فيمن يريده وفاقا لما في أزله لا اعتراض عليه فيما يفعل وهو لا يسأل، وهذا أول الآيتين المدنيتين. قال تعالى «أَلَمْ تَرَ» يا سيد الرسل «إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً» جحودا بدلا من الاعتراف
بها والقيام بشكرها «وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ» الذين تابعوهم على ذلك وسببوا لهم ولأنفسهم «دارَ الْبَوارِ» 28 الهلاك والدمار، روى البخاري عن ابن عباس في قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ) إلخ قال هم كفّار قريش. وفي رواية كفار مكة أنعم الله عليهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن المنزل عليه ليخرجهم من الظلمات إلى النور فاختاروا الكفر على الإيمان، ولهذا أحلّوا قومهم دار البوار «جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ» 29 هي لهم على اختيارهم ذلك. أخرج البخاري في ناسخه عن الحبر أن هذه السورة مكيّة إلا آيتين منها فإنهما نزلتا بالمدينة وهما (ألم تر) إلخ نزلتا في قتلى بدر من المشركين، والآية عامة لفظا ومعنى، وما خصه بعض المفسرين بكفار قريش بأن الله تعالى أسكنهم حرمه ووسع عليهم بإيلاف الرحلتين وجعلهم قوام بيته فأبدلوا هذه النعمة كفرا به وجحودا بربوبيته، أو أنه من عليهم بالقرآن العظيم فكفروا به وهو لا نعمة تضاهيه ولا خير يوازيه، أو أنهم من عليهم بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي هو أكبر نعمة وأجل منة وأعظم منحة فلم يؤمنوا به وبدلوه بالكفر لا يخصصها، وكذلك لا يقيدها الحديث الذي أخرجه الحاكم وصححه وابن جرير والطبراني وغيرهم من طرق، عن علي كرم الله وجهه، أنه قال في هؤلاء المبدلين هما الأفجران من قريش بنو أمية وبنو المغيرة، فأما بنو المغيرة بقطع الله دابرهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين. لأن هذا القول صدر منه بعد نزولها في زمن خلافته كما يدل عليه لفظه، وكذلك ما أخرجه البخاري في تاريخه وابن المنذر وغيرهما عن عمر رضي الله عنه في هذا المعنى، ويدل على عمومها ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال هم جبلة بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم، لأن هذه الحادثة وقعت زمن عمر فلا علاقة لها بسبب نزولها، بل تشمل كل من بدّل النعمة كفرا، وهذا هو الأولى والأوفق، قال تعالى «وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً» أمثالا وأشباها يعبدونها من دونه «لِيُضِلُّوا» أنفسهم وغيرهم «عَنْ سَبِيلِهِ» الحق الذي لا مئيل له ولا شبيه «قُلْ» لأمثال هؤلاء يا سيد الرسل «تَمَتَّعُوا» في هذه الدنيا بشهواتكم الخبيثة أياما قليلة «فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ» 30 في الآخرة وبئس المصير النار،
ويا أكرم الرسل