الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فكيف ينفعون غيرهم «إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ» فلا يخلص من العذاب غير الذين يرحمهم الله فإنهم يخلصون ويشفعون لغيرهم أيضا بإذن الله لمن يشاء رحمته. راجع الآية 86 من سورة الزخرف المارة «إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ» الغالب على أعدائه «الرَّحِيمُ» 42 بأوليائه. قال تعالى «إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ» 43 مرّ ذكرها في الآية 42 من الصافات فراجعها فهي «طَعامُ الْأَثِيمِ» 44 في جهنم وهي خاصة بكثيري الآثام كبيري الكفر عامة، وما قيل إنها خاصة في أبي جهل على فرض صحته لا يقيد عمومها وشرابه فيها «كَالْمُهْلِ» در درى الزيت وعكره ووسخه حال حرارته «يَغْلِي فِي الْبُطُونِ» 45 حال نزوله فيها «كَغَلْيِ الْحَمِيمِ» 46 الماء المتناهي في الحرارة. أخرج الترمذي وقال حديث صحيح عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لو أن قطرة من الزقوم قطرت في الدنيا لأفسدت على أهل الدنيا معايشهم فكيف بمن تكون طعامه، أجارنا الله ثم يقال لذلك الأثيم بعنف وشدة «خُذُوهُ» جرّوه واسحبوه «فَاعْتِلُوهُ» احملوه وأوقعوه «إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ» 47 وسطها «ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ» 48 الماء الشديد الغليان وإضافة العذاب إلى الحميم إضافة مبالغة أي عذابا هو الحميم، وسمي عذابا لعظم حرارته، ثم يقال له على سبيل التبكيت والتحقير «ذُقْ» هذا أحد أنواع العذاب المخصّصة لك «إِنَّكَ» تزعم في الدنيا «أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ» 49 عند قومك وتصف نفسك بهاتين الصفتين، ولا تعلم أيها الكافر أن العزيز من أعزه الله، لا من أعزته الدنيا بحطامها، والكريم من أكرمه الله لا من احترمه الناس لماله أو جاهه أو عشيرته أو رياسته:
مطلب دعاء أبي جهل في الدنيا ومأواه في الآخرة ونعيم الجنة ومعنى الموتة الأولى:
قيل كان أبو جهل يقول: ما بين لابتيها (يريد مكة) أعز وأكرم مني فتقول له خزنة جهنم على طريق التوبيخ والتقريع والسخرية (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) . واعلم أن لفظ الشجرة فيها ثلاث لغات: فتح الشين وكسرها وإبدال الجيم ياء، ويوجد الآن طائفة من العرب في العراق ينطقون الجيم ياء فيقولون ريل بدل رجل. ويقال لهذا الأثيم أيضا «إِنَّ هذا» العذاب جزاء «ما كُنْتُمْ بِهِ»
في الدنيا «تَمْتَرُونَ» 50 تشكون بصحته ولا تصدقون من أخبركم به، هذا وقد علمت أن هذه الآية عامة في جميع الكفار فيدخل فيها أبو جهل وأضرابه دخولا أوليا لأنهم كانوا يقاومون حضرة الرسول بأنواع المقاومات وهو أكرم الخلق وأعزهم على الله. انتهى وصف حال أهل النار حمانا الله منها. وهناك وصف أهل الجنة، رزقنا الله إياها،
قال تعالى «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ» 51 من كل سوء، والمقام بفتح الميم المكان وهو من الخاص الذي استعمل بمعنى العام، وبالضم موضع الإقامةِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ»
52 جارية خلالها لزيادة البهجة وحسن النضارة، وأهل هذه الجنات «يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ» الحرير الرقيق «وَإِسْتَبْرَقٍ» ما ثخن منه ويسمى ديباج قيل هو أعجمي معرب أو أنه خرج من الأعجمية لاستعماله في العربية قبل نزول القرآن. ومعنى التعريب جعل الكلام الأعجمي عربيا لتصرفه وإجرائه مجرى الكلمات العربية بتغيره عن منهاجه الأعجمي وتمشيته على أوجه الإعراب، راجع الآية 182 من سورة الشعراء في ج 1، تقف على جميع الكلمات الموجودة في القرآن المقول فيها إنها أعجمية هي عربية، «مُتَقابِلِينَ» 53 يعني هؤلاء الأبرار في جلوسهم، ينظر بعضهم إلى بعض بشوق ومحبة، وهذا من آداب المجالسة والمخاطبة، لأن في الصدود وإعطاء الظهر للجليس والمخاطب إهانة وعدم اكتراث بكلامه، راجع الآية 44 من سورة الصافات المارة والآية 16 من سورة الواقعة في ج 1، «كَذلِكَ» كما أكرمناهم بما ذكرنا، فقد أحببناهم «وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ» 54 نقيات بيض واسعات الأعين يحار الرائي من وصفهن «يَدْعُونَ فِيها» يطلبون أهل الجنة «بِكُلِّ فاكِهَةٍ» أرادوها فتحضر لهم حالا «آمِنِينَ 55 من تعب قطفها وانقطاعها وغسلها، لأن ثمر الجنة يدنو لطالبه، دائما لا ينقطع، طاهر زكي لا يتقيد بموسم، أو بقطر كثمار الدنيا ولا ينقص، إذ يخلق الله بدله حين قطفه، ومهما أكثروا من أكلها فهم بمأمن من مضرّتها، بخلاف ثمار الدنيا، لأن الله تعالى جعل في كل قطر زمنا للفواكه والخضراوات بحسب ما يوافق أهله، والبيئة التي هم فيها، حتى ان الحكماء الأقدمين حذروا أكلها بغير موسمها، وقبل نضجها، ولو علم الله فيها خيرا لهم لجعلها دائمة
في كل مكان، إذ لا يعجزه شيء، ولجعلها مما يدخر كالزيتون والتين والتمر والزبيب وغيرها، ولذلك ينبغي أن يتحاشى عن أكلها في غير موسمها وقيل نضجها، ويكثر منها وقتها لما فيها من النفع للوجود بصورة لا تؤدي إلى التخمة، قال تعالى «لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ» لأن الجنة محل الخلود دائما «إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى» التي فارقوا الدنيا بها، وإنما ليستثنى الموقة الأولى من موت الجنة مع أنها لا موت فيها البتة، لأن السعداء جعلنا الله منهم إذا ماتوا يصيرون بلطف الله تعالى إلى أسباب الجنة لما يرون من نعيم برزخ القبر فيلقون فيه الروح والريحان، ويرون منازلهم في الجنة عند خروج أرواحهم، كما مر في الآية 89 من سورة الواقعة فى ج 1، فكأن موتهم في الدنيا كان في الجنة لانصالهم بأسبابها ومشاهدتهم إياها، لأن الله تعالى قال في سورة الواقعة المذكورة (إِذا بَلَغَتِ) الروح (الْحُلْقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ) عند بلوغ الروح الحلقوم لا تقدرون على التكلم ولكنكم (تَنْظُرُونَ) منزلتكم في الجنة أو النار، وإنما جعل الله تعالى هذه الرؤيا في تلك الحالة حتى لا يقبل فيها إيمان ولا توبة لأنها حالة يأس، وإلا لما مات أحد على الكفر، راجع الآية 90 من سورة يونس المارة وما ترشدك إليه من الآيات المتعلقة في هذا البحث. قال تعالى «وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ» 56 وقرىء ووقّاهم بالتشديد للتكثير «فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ» أي أن ذلك العطاء بمجرد الفضل من الله لأن أعمالهم لا تؤهلهم ذلك ولا بعضه، بل لا يستحقون بعملهم على الله شيئا، لأنه مهما كان كثيرا لا يقابل بعض نعم الله عليهم «ذلِكَ» وقايتهم من النار وإدخالهم الجنة «هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» 57 الذي لا أعظم منه. قال تعالى ملتفتا لحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم «فَإِنَّما يَسَّرْناهُ» القرآن المشار إليه أول السورة «بِلِسانِكَ» يا سيد الرسل «لَعَلَّهُمْ» قومك المشار إليهم آنفا في الآية 22 المصدرة بقوله (أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ) أي لعلهم يتفكرون به فيؤمنون حين «يَتَذَكَّرُونَ» 58 به فيتعظون ويرجعون عن غيّهم وطغيانهم وإلا «فَارْتَقِبْ» فيهم نزول العذاب كما «إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ» 59 ما يحل بك من الدوائر بزعمهم، وستكون عليهم دائرة السوء. هذا، ولا وجه لقول من قال إن هذه الآية منسوخة بآية السيف، لأن