المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌1 - الحركة العلمية - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ٧

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدّمة

- ‌الفصل الأوّلالسياسة والمجتمع

- ‌1 - فتح العرب لمصر والحقب الأولى

- ‌(ا) فتح العرب لمصر

- ‌(ب) زمن الولاة

- ‌(ج) الطولونيون

- ‌(د) الإخشيديون

- ‌2 - الفاطميون-الأيوبيون

- ‌(ا) الفاطميون

- ‌3 - المماليك-العثمانيون

- ‌(ا) المماليك

- ‌(ب) العثمانيون

- ‌4 - المجتمع

- ‌الفصل الثانىالثقافة

- ‌1 - الحركة العلمية

- ‌2 - علوم الأوائل-علم الجغرافيا

- ‌(ا) علوم الأوائل

- ‌(ب) علم الجغرافيا

- ‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد

- ‌4 - علوم القراءات والتفسير والحديث والفقه والكلام

- ‌5 - التاريخ

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 - تعرب مصر

- ‌2 - كثرة الشعراء

- ‌3 - شعر دورى ورباعيات وموشحات وبديعيات

- ‌(ا) الشعر الدورى

- ‌(ب) الرباعيات

- ‌(ج) الموشحات

- ‌ العزازى

- ‌ابن الوكيل

- ‌(د) البديعيات

- ‌4 - شعراء المديح

- ‌«المهذب بن الزبير

- ‌ابن قلاقس

- ‌ ابن سناء الملك

- ‌ابن نباتة

- ‌5 - شعراء المراثى والشكوى

- ‌على بن النّضر

- ‌على بن عرّام

- ‌6 - شعراء الدعوة الإسماعيلية

- ‌ ابن هانئ

- ‌ظافر الحداد

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الغزل

- ‌ ابن النبيه

- ‌ البهاء زهير

- ‌ ابن مطروح

- ‌2 - شعراء الفخر والهجاء

- ‌ تميم بن المعز

- ‌ ابن الذروى

- ‌ أحمد بن عبد الدائم

- ‌ حسن البدرى الحجازى الأزهرى

- ‌3 - شعراء الطبيعة ومجالس اللهو

- ‌ الشريف العقيلى

- ‌ ابن قادوس

- ‌4 - شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية

- ‌ ابن الكيزانى

- ‌ ابن الفارض

- ‌البوصيرىّ

- ‌5 - شعراء الفكاهة

- ‌ ابن مكنسة

- ‌الجزّار

- ‌ السراج الوراق

- ‌ ابن دانيال

- ‌ عامر الأنبوطى

- ‌6 - شعراء شعبيون

- ‌الغبارى

- ‌ ابن سودون

- ‌الفصل الخامسالنّثر وكتّابه

- ‌1 - الرسائل الديوانية

- ‌ ابن الصيرفى

- ‌ القاضى الفاضل

- ‌ محيى الدين بن عبد الظاهر

- ‌2 - الرسائل الشخصية

- ‌ ابن أبى الشخباء

- ‌ ابن مماتى

- ‌3 - المقامات

- ‌ ابن أبى حجلة

- ‌القلقشندى

- ‌السيوطى

- ‌ الشهاب الخفاجى

- ‌4 - المواعظ والابتهالات

- ‌أبو الحسن الشاذلى

- ‌5 - كتب النوادر والسير والقصص الشعبية

- ‌(ا) كتب النوادر

- ‌كتاب المكافأة

- ‌أخبار سيبويه المصرى

- ‌كتاب الفاشوش فى حكم قراقوش

- ‌«هز القحوف»

- ‌(ب) كتب السير والقصص الشعبية

- ‌ سيرة عنترة

- ‌ السيرة الهلالية

- ‌سيرة الظاهر بيبرس

- ‌سيرة سيف بن ذى يزن

- ‌ ألف ليلة وليلة

- ‌خاتمة

الفصل: ‌1 - الحركة العلمية

‌الفصل الثانى

الثقافة

‌1 - الحركة العلمية

تميزت مصر بتأثيرها الواسع فى الحضارة الإنسانية من قديم، وهو تأثير لا يتوقف عند الرقى بفن الزراعة وشقّ التّرع وتدبير القنوات، إذ يمتد إلى فن المعمار وبناء الأهرامات وفن الملاحة وبناء السفن وصناعات المعادن والخزف والنسيج وورق البردى. وليس هذا فحسب فإنها نسجت لأول مرة حلل الحروف الهير وغليفية التى اشتقّت منها الحروف الفينيقية، وأيضا ليس هذا فحسب، فإنها أسهمت بقوة فى نشأة العلم بمعناه العالمى، سواء العلم الهندسى أو الرياضى أو الطبى. وعلى الرغم من اقتحام الجيوش المغيرة لأسوارها وحصونها فى الحين بعد الحين ظلت فيها الروح العلمية كالجذوة المتقدة لا تخمد مهما تراكم عليها من التراب. ونستطيع أن نتبين شررا كثيرا من هذه الجذوة فى عهد البطالمة الذين اتخذوا الإسكندرية عاصمة لهم، فقد بنوا فيها متحفا ضخما ضم بين جناحيه جامعة كبرى كان بها مدرسة للطب، وثانية للرياضيات والفلك، وثالثة للقانون والفلسفة، وضم أيضا مكتبة كبيرة يقال إنه كان بها أربعمائة ألف كتاب أو أكثر. وطبيعى أن تكون اليونانية لغة الدولة هى نفسها لغة العلم فى تلك الدورة من تاريخ مصر، ويغزو الإسكندرية يوليوس قيصر وتحرق المكتبة فى أثناء غزوه. وتتطور الظروف سريعا وتصبح مصر ولاية رومانية، وينشى المصريون مكتبة صغرى بمعبد السرابيوم على قلعة الأكروبوليس. ولا نصل إلى سنة 391 للميلاد حتى يثور القبط بالإسكندرية على ورثة الوثنية الإغريقية ومعبدهم السرابيوم ويهدموه ويدمّروا معه المكتبة. ولا يعنى الرومان بالحركة العلمية فى مصر أى عناية، فقد عدّوها مخزنا يمدهم بالقمح، ومع ذلك ظلت فيها بقايا كثيرة من حركتها العلمية لعهد البطالمة. وظلت الإغريقية سائدة فى لغة

ص: 69

العلم، وشاركتها القبطية وخاصة فى الطقوس الدينية والكتابات التاريخية، وأخذت تشاركها قبيل الفتح العربى اللغة السريانية التى كانت منتشرة فى الأديرة وخاصة فى مجال الطب، وفى ذلك يقول بتلر:«قد كان ثمة اتصال خاص بين لغة السريان ودراسة الطب وأنه لا يبعد أن أعظم كتب الطب فى القرنين السادس والسابع (للميلاد) كانت باللغة السريانية، ولا شك أن تلك اللغة كانت ذائعة بين الناس وأن آدابها كانت دائما تدرس فى الإسكندرية» (1).

ومر بنا فى الفصل الماضى أن الحكم الرومانى فى مصر قبيل الفتح العربى كان لا يطاق لاضطهاد القبط دينيا ولإرهاقهم بالضرائب الباهظة، ولذلك عدّ القبط العرب مخلّصين لهم من نير هذا الحكم الجائر الظالم. وكل شئ يؤكد أن مصر استبقت حينئذ كل ما كانت قد حصلت عليه من علوم ومعارف، ولا سيما فى الطب. وليس بصحيح ما قيل من أن عمرو بن العاص أحرق مكتبة الإسكندرية حين افتتحها، فقد دحض هذا القول بتلر وأثبت بالدليل القاطع بطلانه لما مر من أن مكتبة الإسكندرية الكبرى إنما أحرقت تاريخيا فى عهد يوليوس قيصر قبل دخول العرب مصر بنحو ستة قرون، بينما أحرقت مكتبتها الصغرى قبل أن تخفق رايات العرب فى ربوع مصر بنحو قرنين ونصف (2)، وإذن فالقول بأن عمرو بن العاص أحرق مكتبة الإسكندرية افتراء ليس له أى أساس تاريخى.

ومعروف أن الإسلام دفع أمته فى كل مكان إلى العلم والتعلم، وليس بين أيدينا ما يكشف كشفا تاما الحركة العلمية بمصر فى عصر الولاة ولكن هناك دلائل كثيرة تدل على أنه انبعثت فيها حركة علمية إسلامية عربية قوية، فبمجرد أن فتحت مصر أخذ بعض الصحابة يتجرّدون لإقراء المسلمين القرآن وعرض بعض الأحاديث النبوية عليهم ليقفوا على تعاليم دينهم، وكانوا يفتونهم فى بعض المسائل حتى يميزوا الحلال من الحرام، ويعظونهم مذكرين لهم باليوم الآخر وما عند الله من الثواب الآجل. ونهض بهذا الجهد العلمى طبقات من الصحابة الفاتحين لمصر ومن التابعين ومن جاءوا فى إثرهم. وفى كتاب حسن المحاضرة للسيوطى أثبات طويلة بأسماء القراء والمحدّثين والفقهاء

(1) انظر فى هذا النص وما تقدمه من حديث كتاب فتح العرب لمصر تأليف بتلر (الترجمة العربية) ص 83 وما بعدها وراجع مقال ماكس ما يرهوف عن مدرسة الإسكندرية وانتقالها إلى بغداد فى كتاب التراث اليونانى لعبد الرحمن بدوى، وقد فصل القول فى نشاط هذه المدرسة العلمى حتى الفتح العربى.

(2)

بتلر ص 348 وما بعدها وقارن بصفحة 83 وما كتبه فى الفصل الثامن وبمقال؟ ؟ ؟ ماكس ما يرهوف فى التراث اليونانى.

ص: 70

والوعاظ ممن اضطلعوا فى الحقب الإسلامية الأولى بمختلف الدراسات الدينية.

وكانت هذه الحركة العلمية تحظى-منذ أول الأمر-برعاية الدولة وولاتها، فقد كانت ترسل إلى مصر من يفقّه الناس فى أمور دينهم، وبدأ ذلك منذ زمن عمر (1) بن الخطاب. وكان هناك دائما القضاة للحكم بين الناس فى خصوماتهم وللفتوى فيما يجدّ لهم من الشئون، وكانوا عادة من الفقهاء وكثيرون منهم كانوا محدّثين، وكان يسند إليهم الوعظ. ودائما تلقانا نصوص هنا وهناك تدل على أن الدولة كانت تعنى بإرسال بعض المحدثين والفقهاء إلى مصر لتعليم الناس، من ذلك أن الخليفة عمر بن عبد العزيز (99 - 101) ارسل إلى مصر نافعا (2) مولى ابن عمر يعلم الناس السنن، كما أرسل ثلاثة من الفقهاء للفتيا كان من بينهم يزيد (3) بن أبى حبيب وقد أقام بها حتى توفى وكوّن بها مدرسة فقهية كان لها أثرها البعيد بعده. ولم تكن مصر تكتفى بمن يرسلهم إليها الخلفاء الأمويون، فقد أخذت تتكون فيها أجيال من القراء والفقهاء المحدّثين نجد أسماءهم مرتبة حسب وفياتهم فى حسن المحاضرة. وكلما خطونا خطوة فى العصر العباسى الأول أحسسنا بازدياد هذا النشاط، ومن المؤكد أنه كان مما يذكيه الأعطيات والرواتب التى كانت تفرضها الدولة وولاتها للعلماء، كما كان الشأن فى بغداد والبصرة والكوفة.

وظاهرة مهمة تلاحظ على القضاة والعلماء فى مصر، فإن منهم من كان ذا سعة فى الثراء ويبدو أن القضاة كانوا يتقاضون أعلى الرواتب، فقد كان عبد العزيز بن مروان والى أخيه عبد الملك على مصر يفرض لعبد الرحمن بن حجيرة الخولانى القاضى ألف (4) دينار كل عام، ومرّ بنا فى الفصل الماضى أن عبد الله بن طاهر حين ولى مصر لعهد المأمون فرض لقاضى الفسطاط سبعة دنانير كل يوم. وكان الليث بن سعد الفقيه ثريا ثراء طائلا، ويقال إن هرون الرشيد أقطعه إقطاعات كثيرة كانت تدرّ عليه آلاف الدنانير، وكان يرسل إلى مالك إمام أهل المدينة سنويا مائة دينار. وكان ينثر أمواله نثرا على تلاميذه ومن يهاجر إلى مصر من المحدّثين والفقهاء (5). وكان عبد الله بن عبد الحكم الفقيه المالكى المتوفى سنة 214 من ذوى الأموال والرباع ويقال إنه أهدى إلى الشافعى حين نزل مصر ألف دينار وأخذ له من ابن عسامة التاجر ألفا ثانية ومن رجلين آخرين ألفا ثالثة (6). وفى ذلك ما يدل على أن كبار التجار والأثرياء فى مصر كانوا يرفدون العلماء

(1) حسن المحاضرة 1/ 190

(2)

حسن المحاضرة 1/ 297

(3)

حسن المحاضرة 1/ 299

(4)

حسن المحاضرة 1/ 137.

(5)

ابن خلكان 4/ 130

(6)

ابن خلكان 3/ 34

ص: 71

بأموالهم. ويقال إنه كان ليونس بن عبد الأعلى أحباس (1)(أوقاف). وكأن طيبات مصر وخيراتها صبّت فى حجور العلماء. فكان منهم كثيرون فى يسار ونعمة، وكانوا يصلون زملاءهم وتصلهم الدولة وكبار التجار والموسرين، مما هيأ للعلماء أن يخلصوا للعلم وينبغوا فيه.

وظاهرة ثانية تلاحظ بجانب الظاهرة السابقة وهى أننا لا نكاد نتقدم إلى أواسط القرن الثانى للهجرة حتى يصبح لعلماء مصر حظ واضح من المساهمة فى الفكر الإسلامى العربى، وقد ظلت أكثر من قرن تتلقى آثار هذا الفكر وتحاول أن ترعاها وأن تضيف إليها من شخصيتها ما ينميّها، وغلب عليها حينئذ التلقى والتلمذة، فهى تتلقى قراءات الذكر الحكيم والحديث النبوىّ والفقه واللغة والأخبار والتاريخ العربى الإسلامى، وتسيغ ذلك كله وتتمثله حتى إذا توسطت القرن الثانى للهجرة أخذت تسهم بحظ قوى فيما تتلقاه. ولعل من الطريف حقا أنها أخذت تتزعم بقوة المغرب والأندلس جميعا، فإذا هى تعدّهما لقراءة ورش ولاستقبال مذهب مالك إمام المدينة والحجاز. وليس ذلك فحسب، فإنها هى التى كتبت لأول مرة تاريخ الفتوح لإفريقيا والأندلس، وأذاعت رواية للسيرة النبوية، سنتحدث عنها فيما بعد، كانت إماما لكتب السيرة العطرة، ونفذ أحد أبنائها وهو ذو النون المصرى إلى وضع أسس التصوف، كما مرّ بنا فى الفصل الماضى. ومعروف أنها استقبلت على رأس المائتين الإمام الشافعى وحملت عنه مذهبه ونشرته فى بلدان العالم الإسلامى، بحيث غدا أكثر المذاهب الفقهية الأربعة ذيوعا وانتشارا.

وعلى هذا النحو أصبحت مصر فى زمن الولاة مركزا مهما من مراكز العلم وقصدها الطلاب من أطراف المغرب والأندلس لحمل العلم عن علمائها المختلفين. ونمضى إلى زمن الدولة الطولونية فنرى الحركة العلمية نامية ناشطة على نحو ما تصور ذلك أسماء العلماء المصريين والوافدين المدّونة حسب تاريخ الوفيات والتخصصات العلمية فى كتاب حسن المحاضرة. ويبنى أحمد بن طولون جامعه المشهور ويرتّب لإملاء الحديث النبوى فيه الربيع بن سليمان المرادى ويحمل إليه صناديق المصاحف وينقل إليه القرّاء والفقهاء (2). وليس بين أيدينا نصوص توضح أعطياته للعلماء، ويبدو أنها كانت كثيرة إذ يروى أنه كان يعطى القاضى بكّار بن قتيبة كل سنة ألف دينار خارجا عن المقرر له وأنه ظل على ذلك أعواما كثيرة (3). ولا بد أن عطايا مقاربة كانت تعطى للقراء والفقهاء والمحدّثين والقائمين على دراسة التاريخ واللغة والأدب. وأخذت مصر منذ زمن ابن طولون (254 -

(1) ابن خلكان 3/ 250

(2)

خطط المقريزى 3/ 146 وما بعدها

(3)

ابن خلكان 1/ 279

ص: 72

270 هـ) بل قبل زمنه بعشرات السنين تصبح مقصدا للعلماء وطلاب العلم لا من المغرب والأندلس فحسب، بل أيضا من الشام والعراق وإيران وخراسان. وقد نزلها خمسة من أصحاب الصحاح يكتبون الحديث النبوى عن علمائها، وهم البخارى وأبو داود ومسلم وابن ماجة والنسائى (1) وأقام فيها الأخير واتخذها مسكنا ودارا له، وكان ينزل فى زقاق القناديل، وأملى بها سننه، وأخذها عنه الناس من المصريين وغيرهم.

وكان ابن طولون وغيره من ولاة مصر وحكّامها ييرون من ينزل بها من العلماء وطلاب العلم، يدلّ على ذلك من بعض الوجوه ما يروى من أن ابن جرير الطبرى المؤرخ والمفسر المشهور المتوفى سنة 310 نزلها وهو فى نحو الثلاثين من عمره سنة 253 وتركها قليلا إلى الشام ثم عاد إليها سنة 256 ليتزود مما لدى علمائها من الحديث والفقه. وكان شافعيا، وجمعت الرحلة بينه وبين أبى بكر محمد بن إسحق بن خزيمة النيسابورى المتوفى سنة 311 حامل قراءة ورش عن يونس بن عبد الأعلى وفقه الشافعى عن تلميذيه: المزنى والربيع بن سليمان المرادى إلى موطنه: نيسابور بخراسان، وأيضا محمد بن نصر المروزى المتوفى سنة 294 حامل فقه الشافعى إلى سمرقند عن المزنى وغيره من تلاميذه، وكذلك محمد بن هرون الرويانى المحدّث وله مسند. جاءوا جميعا إلى الفسطاط يدرسون على شيوخه، ويقال إنهم اجتمعوا يوما ولم يبق عندهم ما يمونهم، وكان والى مصر قد علم بأمرهم-وأكبر الظن أنه ابن طولون-فأرسل إلى كل منهم مائة دينار، ويقال إنه أرسل إليهم ألف دينار (2). وإذا كان طلاب العلم تغدق عليهم الأموال بمصر فما بالنا بما كان يغدق على علمائها.

وما نصل إلى أواخر القرن الثالث حتى تكون مصر قد نشرت مذهب الشافعى فى خراسان عن طريق أبى بكر بن إسحق النيسابورى ومحمد بن نصر وأيضا عن طريق عبدان المروزى الذى تفقه على المزنى والربيع بن سليمان، ويقول السيوطى إنه هو الذى أظهر مذهب الشافعى فى خراسان (3)، وظلت مصر منذ هذا التاريخ من أهم بيئاته. ومن أهم تلاميذ أصحاب الشافعى المصريين أبو القاسم الأنماطى عثمان بن سعيد المتوفى سنة 288 وفيه يقول السبكى: هو الذى اشتهرت به كتب الشافعى ببغداد، وعليه تفقّه شيخ المذهب هناك وحامل لوائه فى بغداد والعراق

(1) حسن المحاضرة 1/ 306، 309 وطبقات الشافعية للسبكى (طبعة عيسى البابى الحلبى بالقاهرة) 2/ 7، 171، 3/ 15.

(2)

معجم الأدباء 18/ 46 وحسن المحاضرة 1/ 310.

(3)

حسن المحاضرة 1/ 349.

ص: 73

أبو العباس بن سريج (1). أما الشام فحمل إليها المذهب عن تلاميذ الشافعى أبو زرعة محمد بن عثمان المتوفى سنة 302 إذ أدخله إلى دمشق وولى قضاءها، ولم يتوله بعده لا فى الشام ولا مصر إلا شافعى المذهب حتى عصر الظاهر بيبرس (2). وأما الحجاز فيقول السبكى عنها إنها لم تبرح منذ ظهور مذهب الشافعى وإلى يومنا هذا فى أيدى الشافعية: القضاء والخطابة والإمامة بمكة والمدينة (3). ويمضى السبكى قائلا إن أهل اليمن شافعية إلا أن يكونوا زيديين، ويذكر أن مذهب الشافعى شاع فى فارس، وأما أذربيجان فلا تعرف سواه. وكل ذلك بفضل تلاميذ الشافعى المصريين الذين قاموا على مذهبه خير قيام واستطاعوا نشره فى القرن الثالث عن طريق تلاميذهم حتى أقصى المشرق.

وتمضى مصر فى العناية بالدراسات الدينية لعهد الإخشيديين فى القرن الرابع ويصور ذلك من بعض الوجوه ما رواه ابن سعيد من أنه كان فى جامع عمرو للمالكيين خمس عشرة حلقة وللشافعيين مثلها ولأصحاب أبى حنيفة ثلاث حلقات (4). ومعروف أن مصر كانت مالكية حتى قدوم الشافعى، فاقتسم مصر مذهبه والمذهب المالكى، ولم يكن للمذهب الحنفى أتباع إلا بعض من كان يتولى القضاء بها لعهد بنى العباس، ولا يتجاوزون عدد أصابع اليد الواحدة. أما جمهور القضاة فكان من المالكية، حتى إذا كنا فى أواخر القرن الثالث الهجرى انتقل القضاء من أيديهم نهائيا إلى الشافعية كما مر بنا آنفا فى حديث السبكى. وأتيح للمذهب الحنفى إمام مصرى كبير من أئمته هو أبو جعفر الطحاوى المتوفى سنة 321 فهيأ له بمصر حياة لم تكن له من قبل، وهى التى أتاحت لقيام الحلقات الثلاث التى يدرس فيها الفقه الحنفى كما ذكر ابن سعيد. وتأخذ الدراسات اللغوية والنحوية فى النمو بمصر منذ عهد الدولة الطولونية ويؤمها الأخفش الصغير تلميذ المبرد، ويظل هذا النمو مطردا فى زمن الدولة الإخشيدية، ويقصدها الطلاب المغاربة والأندلسيون ويحملون عنها المعاجم وكتاب سيبويه وغير ذلك من كتب اللغة والنحو.

وعملت الدولة الإخشيدية على إنماء الحركة العلمية وساعدها على ذلك أنه كان يضطلع بالوزارة لها مدة متطاولة جعفر بن الفضل بن الفرات المعروف باسم ابن حنزابة وكان يغدق على العلماء ويجزل صلاتهم، فقصده الأفاضل-كما يقول ابن خلكان-من البلدان الشاسعة، وكان من حفاظ الحديث النبوى وكان له مجلس فى المسجد يمليه فيه على الناس، وعنى بتأليف مسند

(1) السبكى 2/ 301 وانظر 3/ 21.

(2)

السبكى 3/ 197 وحسن المحاضرة 1/ 399.

(3)

السبكى 1/ 327.

(4)

المغرب لابن سعيد (قسم الفسطاط) ص 173.

ص: 74

خاص به، وإليه رحل الدّارقطنىّ على بن عمر أكبر محدثى العراق فى عصره، وأعانه فى تأليف مسنده مع من كان يعينه فيه من المصريين وأقام لديه مدة، وبالغ ابن حنزابة فى إكرامه، وأنفق عليه نفقة واسعة وأعطاه شيئا كثيرا وحصل له بسببه مال وفير (1).

وظل ابن حنزابة يقود الحركة العلمية بمصر طوال وزارته وقد امتدت نحو عشرين عاما من أيام كافور إلى قرب انتهاء الدولة الإخشيدية، وطبيعى ومثله يقوم على ذلك أن تمضى فى النمو والنشاط. وممن نزل مصر حينئذ المسعودى على بن الحسين المؤرخ المشهور. ومنها ذاعت كتبه التاريخية وفى مقدمتها كتابه مروج الذهب، وظل مقيما بها حتى لبّى نداء ربه سنة 345 وقيل بل سنة 346.

وتزداد الحركة العلمية نموا ونشاطا فى زمن الدولة الفاطمية، إذ عمل الخلفاء الفاطميون ووزراؤهم على دفع هذه الحركة دفعا قويا، وما تكاد تمضى سنوات فى عهد هذه الدولة حتى نجد الخليفة العزيز (366 - 386 هـ) يرسم راتبا لسبعة وثلاثين من الفقهاء ويبنى لهم دارا بجوار الجامع الأزهر (2) الذى كانوا يتخذونه مقرّا لدعوتهم الإسماعيلية. ولا نعرف هل كان الفقهاء جميعا إسماعيلية أو كان بينهم نفر من أهل السنة، على أننا نجد ابنه الحاكم يسند إلى فقيهين مالكيين التدريس فى هذا الجامع (3)، مما يدل على أنه تحول سريعا إلى جامعة كبرى للدراسات الدينية واللغوية. وفى أخبار وزير العزيز ابن كلّس أنه كان يجرى بأمره ألف دينار شهريا على جماعة من أهل العلم والورّاقين والمجلّدين (4)، مما يدل على أنه نشأت حينئذ حركة علمية كبرى لا للدراسات العلمية فحسب، بل أيضا لنسخ المخطوطات فى مختلف العلوم والآداب. وأكثر دلالة على ذلك ما يروى من أن العزيز عنى بإنشاء مكتبة فى القصر، كان بها ما يزيد على مائة ألف مجلد، وفى رواية على مائتى ألف (5)، وكان أمينه القائم عليها الشابشتى (6) على بن محمد صاحب كتاب الديارات، ويقال إنه كان بها أكثر من ثلاثين نسخة من معجم العين المنسوب إلى الخليل بن أحمد، وأكثر من عشرين نسخة من تاريخ الطبرى، ومائة نسخة من معجم الجمهرة لابن دريد. وما زال العزيز يعنى بهذه المكتبة هو ومن جاء بعده من الخلفاء الفاطميين، حتى قيل

(1) ابن خلكان 1/ 347، 3/ 298.

(2)

صبح الأعشى 3/ 363 والخطط 3/ 157، 275.

(3)

النجوم الزاهرة 4/ 178.

(4)

الحضارة الإسلامية فى القرن الرابع الهجرى لآدم ميتز 1/ 250 نقلا عن يحيى بن سعيد الأنطاكى.

(5)

النجوم الزاهرة 4/ 101 والخطط 2/ 128.

(6)

ابن خلكان 3/ 319.

ص: 75

إنها أصبحت أربعين خزانة ملأى بنفائس المجلدات فى الحديث النبوى والفقه على سائر المذاهب والنحو واللغة والتاريخ وعلوم الأوائل، ويقال إنه لم يكن فى العالم دار كتب تماثلها وأنها كانت من عجائب الدنيا. وعلى الرغم من بيع بعض مصاحفها وكتبها فى أيام المجاعة الهائلة لزمن المستنصر فإنها ظلت زاخرة بالكتب، حتى يقال إن صلاح الدين أهدى وزيره القاضى الفاضل منها مائة ألف مجلد أودعها مدرسته الفاضلية، وظل ابن صورة دلاّل الكتب يبيع منها للناس مدة من السنين (1). وكانت هذه المكتبة الضخمة تعد أما لمكتبات القاهرة والفسطاط جميعا، فقد كانت تلحق بكل جامع خزانة للكتب، وكان الفاطميون يمدونها من حين إلى حين بما يلزمها من المصنفات، يدل على ذلك-من بعض الوجوه-ما يروى عن الحاكم من أنه أنزل من القصر إلى الجامع العتيق: جامع عمرو بن العاص بالفسطاط 1298 مصحفا وإلى جامع ابن طولون 800 مصحف كان منها ما هو مكتوب بالذهب (2). وإنما نصّوا على إنزال المصاحف لجلالها، ولا بد أنهم أنزلوا معها كثيرا من الكتب. ونفس مكتبة القصر كان يختلف إلى خزائنها الخارجية العلماء والطلاب للقراءة والنسخ منها والاطلاع.

وتؤسّس فى سنة 395 جامعة كبرى تسمى دار العلم، حمل إليها من خزائن القصر كتب كثيرة تحتوى على سائر العلوم الإسلامية والآداب والفلسفات وعلوم الأوائل، يقول المقريزى «حضرها الناس على اختلاف طبقاتهم، فمنهم من يحضر لقراءة الكتب، ومنهم من يحضر للنسخ، ومنهم من يحضر للتعلم، وجعل فيها ما يحتاج الناس إليه من الحبر والورق والأقلام والمحابر» . وكانت بها دروس للمحدّثين والقرّاء والفقهاء وأصحاب النحو واللغة والمنجمين والأطباء والمتفلسفة، وكل هؤلاء كانت تجرى عليهم وعلى الطلاب الرواتب. وما تدخل سنة 400 حتى يكتب الحاكم وقفيّة كبيرة للإنفاق منها على دار العلم وعلى الجوامع الكبرى، وخصّ الفراشين والحصر والحبر والورق والأقلام فى دار العلم بمائتين وسبعين دينارا سنويا. ومن المؤكد أن الحاكم كان يبتغى بهذه الجامعة أن تكون مركزا للدعوة للعقيدة الإسماعيلية بدليل أنه جعل رئيسا لها أحد دعاتها من بيت النعمان وهو عبد العزيز بن محمد بن النعمان، ويبدو أنه وجد فى ذلك ما يهدد بثورة أهل السنة المصريين، فأضاف إلى علمائها الإسماعيليين من أصحاب نحلته طائفة من فقهاء أهل السنة ومحدثيها وعلى رأسهم عبد الغنى بن سعيد الفقيه الشافعى المشهور وأكبر حفّاظ

(1) انظر فى هذه المكتبة وكل ما ذكرت عنها الخطط 2/ 127 وما بعدها.

(2)

الخطط 3/ 146، 163.

ص: 76

الحديث المصريين فى زمنه. ومازالت هذه الجامعة ناهضة بالحركة العلمية فى القاهرة حتى عهد الأفضل بن بدر الجمالى إذ رأى إغلاقها، لنشوب جدل عنيف بها فيما صنع من جعل المستعلى بالله الخليفة الفاطمى بعد أبيه المستنصر دون أخيه نزار الذى كان يكبره، وخشى من ذلك حدوث ثورة، غير أن النزارية لم يلبثوا أن قتلوه، وقيل بل قتله الآمر بن المستعلى. غير أن الجامعة أو دار العلم لم تلبث أن أعيدت سنة 517 بعد نقلها إلى دار جديدة ظلت فيها حتى نهاية الدولة الفاطمية (1).

وإذا كان فقهاء الدعوة الاسماعيلية استغلّوا الجامع الأزهر ودار العلم فى أول تأسيسهما لنشر الدعوة الإسماعيلية فإن الجامع العتيق جامع عمرو بن العاص فى الفسطاط ظل مركزا لدراسات أهل السنة. ولا بد أن نلاحظ أن القاهرة حين أسّست إنما كانت مسكنا للخلفاء الفاطميين وحواشيهما من رجال الدولة وجنود الجيش القادم معها من المغرب، بينما كانت الفسطاط حينئذ مسكن المصريين، كما كان شأنها قبل دخول الفاطميين، وكان مسجدها جامعة كبرى للدراسات السنية. ويذكر المقدسى الذى زارها سنة 375 أنه رأى فى جامع عمرو بها بين العشاءين مائة مجلس وعشرة (2) للقراء والدراسات السنية. ومع ذلك كان فقهاء الدعوة الإسماعيلية يتراءون فيه ويفتون الناس أحيانا (3)، كما أخذ أهل السنة بدورهم يحاولون الإملاء وإلقاء المحاضرات فى الجامع الأزهر، ولم يجد الحاكم بدّا-كما مر بنا-من أن يعين فى الأزهر وفى دار العلم بعض أهل السنة من المحدثين والفقهاء.

ولعل فى ذلك ما يخفف حدة القول بأن الفاطميين كانوا يضطهدون فقهاء أهل السنة ويحاربونهم، ويذكرون فى هذا الصدد الاعتداء فى سنة 381 أى لعهد العزيز على رجل وجد عنده موطّأ الإمام مالك (4)، وقد يكون السبب أن الرجل تعرض للدعوة الإسماعيلية بالسب والثلب. ويذكرون أن الحاكم أراق دماء نفر من فقهاء أهل السنة، وكان فيه سفه وخبل، فلم يرق دماءهم وحدهم، بل أراق أيضا دماء كثيرين من الدعاة الإسماعيليين ورجال الدولة. وكان بيت النعمان أهم البيوت المغربية فى نصرتهم والتأليف فى عقيدتهم الفاسدة، ومع ذلك قتل الحسين بن على بن النعمان كبير قضاته، وولّى بعده ابن عمه عبد العزيز الذى أقامه رئيسا لدار العلم،

(1) انظر فى دار العلم القديمة والجديدة الخطط 2/ 194، 218.

(2)

أحسن التقاسيم فى معرفة الأقاليم (طبع ليدن) ص 205

(3)

ابن خلكان 7/ 30 وانظر الخطط 3/ 31.

(4)

الخطط 3/ 275.

ص: 77

كما مر بنا، ولم يلبث أن قتله سنة 401 وولّى بعده مالك بن سعيد الفارقى، ولم يلبث أن سفك دمه (1). وإذن فقتل الحاكم لجماعة من أهل السنة ليس دليلا كافيا على اضطهاد الفاطميين لهم إذ كان لا يبقى ولا يذر من كبار دعاته وقضاته ورجال دولته الإسماعيليين.

ومما يذكر من اضطهاد الفاطميين لفقهاء أهل السنة أن الخليفة الظاهر (411 - 427 هـ) أمر بطرد (2) الفقهاء المالكية من مصر أى الفسطاط سنة 416. وينقض هذا الخبر كتاب رواه عنه صاحب النجوم الزاهرة حمل فيه حملة شعواء على من يؤلّهون عليا وأباه الحاكم، وفيه يقول:

«قالوا فى آبائنا وأجدادنا منكرا من القول وزورا، ونسبونا بغلوهم الأشنع، وجهلهم المستفظع إلى ما لا يليق بنا ذكره، وإنا لنبرأ إلى الله تعالى من هؤلاء الجهلة الكفرة الضّلاّل» (3). ومثله لا يضطهد المالكية ولا ينفيهم من البلاد. وكان لا يزال بمصر فى عهده عبد الوهاب بن على البغدادى المالكى أحد الأئمة المالكية المجتهدين فى المذهب، نزل مصر لضيق حاله ببغداد وتوفى بها سنة 422 يقول السيوطى:«أكرم بمصر وتموّل وسعد جدّا، ومرض فكان يقول فى مرضه: لا إله إلا الله عندما عشنا متنا (4)» . فمصر فى عهد الخليفة الظاهر وقبله وبعده كانت لا تزال مركزا كبيرا للإشعاع العلمى والدراسات الدينية، ينزلها العلماء ليشاركوا فى نهضتها العلمية، وينزلها طلاب العلم ليتزودوا منها خير زاد. ونضرب مثلا بمكى بن أبى طالب القيسى القيروانى المتبحر فى القراءات المتوفى سنة 437 والمولود سنة 354 فقد جاءها يطلب العلم فيها سنة 367 ثم عاد إليها سنة 374 ورحع إلى بلده ثم عاد سنة 377 لأخذ القراءات عن شيوخها ورجع إلى القيروان سنة 380 ثم عاد سنة 382 لاستكمال القراءات، ومضى بعد سنوات إلى جامع قرطبة بالأندلس يقرى فيه الناس (5). ومثله أبو عمر والدانى الأندلسى نزل مصر سنة 397 وحمل القراءات عن أساتذتها وهو فى الخامسة والعشرين من عمره (6). فهذان عالمان سنّيان جليلان نزلا مصر لعهد العزيز والحاكم على الترتيب ووجدا فيها ما يكفل لهما الإقامة بها والعيش فيها.

وممن نزل مصر من كبار المحدثين النقاش الحافظ المتوفى سنة 369 وأبو سعيد المالينى المتوفى سنة 412 وأبو نصر السجزى المتوفى سنة 444 ونزلها فى العقد الثانى من القرن السادس أكبر حفاظ

(1) المغرب لابن سعيد (قسم القاهرة) ص 366.

(2)

الخطط 3/ 31.

(3)

النجوم الزاهرة 4/ 249.

(4)

حسن المحاضرة 1/ 314.

(5)

ابن خلكان 5/ 274.

(6)

معجم الأدباء 12/ 126 وكان أستاذ الدانى فى القراءات هو نفسه أستاذ مكى: عبد المنعم بن غلبون الحلبى نزيل مصر.

ص: 78

الحديث فى عصره. الإمام السّلفى. ونزلها من كبار فقهاء الشافعية أبو العباس الدّيبلى المتوفى سنة 373 وأبو الحسن الحلبى المتوفى سنة 396 وأبو الفضل البغدادى المتوفى سنة 441 وأبو القاسم العراقى المتوفى سنة 477 وأبو الفتح المقدسى المتوفى سنة 518، ونزلها من فقهاء المالكية الأبهرى الصغير وعبد الله بن الوليد الأندلسى المتوفى سنة 448 وعبد الجليل بن مخلوف الصقلى المتوفى سنة 459 وأبو بكر الطرطوشى الأندلسى المتوفى سنة 525 وأبو العباس الفاسى (1) المتوفى سنة 560.

وإذا كان هؤلاء العلماء والطلاب الوافدون وجدوا فى مصر مستقرا لهم ومقاما فأولى أن يجد ذلك أبناؤها، وأيضا فإن وراءهم كثيرين من محدثى مصر وفقهائها الشافعيين والمالكيين والقراء يعدّون بالعشرات على طول السنوات فى عهد الدولة الفاطمية، مما يؤكد أن الفاطميين لم يعلنوا معارضة هذه الدراسات، بل لعلهم كانوا يشجعون كثيرين من أهلها ومن الوافدين عليهم، حتى ليقول نزيلها الإمام عبد الوهاب المالكى قولته السالفة:«عندما عشنا متنا» . ولعلنا لسنا فى حاجة إلى كل هذه الأدلة لنبرهن على أن الفاطميين لم يقفوا حجر عثرة ضد نشاط أهل السنة ومذهبى الفقه الشائعين حينئذ فى مصر: المذهب الشافعى والمذهب المالكى فإن القلقشندى يشهد لهم بذلك شهادة بيّنة إذ يقول عنهم: «كانوا يتألفون أهل السنة والجماعة ويمكنونهم من إظهار شعائرهم على اختلاف مذاهبهم، ولا يمنعون من إقامة صلاة التراويح فى الجوامع والمساجد على خلاف معتقدهم. . ومذاهب مالك والشافعى وأحمد (بن حنبل) ظاهرة الشّعار فى مملكتهم بخلاف مذهب أبى حنيفة، ويراعون مذهب مالك ومن سألهم الحكم به أجابوه (2)» . وهو محق فى مذهب أبى حنيفة إذ لم يكن له نشاط بمصر فى عهد الفاطميين، أما مذهب ابن حنبل فغير محق فى إثبات نشاط له حينئذ إذ كان نشاطه مثل نشاط مذهب أبى حنيفة يكاد يكون معدوما.

على كل حال هذه شهادة صريحة للفاطميين بأنهم كانوا يترضّون أهل السنة، وحقا حين دخلوا مصر أسندوا وظيفة قاضى القضاة إلى النعمان فقيههم وتوارثها بعده بعض أبنائه وأحفاده، ثم ولوها بعض شيعتهم. ويبدو أنهم أخذوا فى عصر المستنصر (427 - 487 هـ) يتركون هذه السياسة، إذ عيّنوا على رأس القضاة فقيها شافعيا هو أبو عبد الله محمد (3) بن سلامة القضاعى أحد أئمة زمنه المتوفى سنة 454. ويبدو أن كثيرين من القضاة الفرعيين فى الإسكندرية وغيرها كانوا

(1) راجع فى هؤلاء الفقهاء والمحدثين حسن المحاضرة للسيوطى وما به من أثبات خاصة بهم فى جزئه الأول.

(2)

صبح الأعشى للقلقشندى 3/ 520.

(3)

المغرب (قسم القاهرة) ص 367 وانظر حديث السيوطى فى كتابه حسن المحاضرة عن فقهاء الشافعية فى زمن الفاطميين 1/ 404 وما بعدها.

ص: 79

شافعين أو مالكيين. ويتولى الوزارة بدر الجمالى (468 - 487 هـ) ثم ابنه الأفضل (487 - 515) ويصبحان وليى الأمر ويحجران على الخلفاء وكانا لا يعارضان أهل (1) السنة ولا يتعصبان ضدهم. وحين يتولى أحمد الأفضل حفيد بدر الوزارة يعين أربعة قضاة: شيعيا إسماعيليا وشيعيا إماميا ومالكيا وشافعيا (2). ويظهر أن هذا أصبح تقليدا منذ صنع أحمد الأفضل هذا الصنيع سنة 525.

وينزل فى الإسكندرية السّلفى أكبر حفاظ الحديث فى العصر ويأخذ فى إملائه، ويتوافد عليه الطلاب من مصر وغير مصر، ويتولى الإسكندرية العادل بن السلار فى عهد الحافظ (524 - 543 هـ) وكان شافعى المذهب مثل السلفى فاحتفل به وزاد فى إكرامه وبنى له مدرسة فوّض تدريسها إليه، يقول ابن خلكان: وهى معروفة باسمه إلى الآن أى فى زمنه (3). وفى صبح الأعشى سجلّ بإسناد هذه المدرسة إلى الفقيه السلفى والقيام على نفقة من فيها من القراء والفقهاء والمرابطين والصلحاء وطلبة العلم من أهل الإسكندرية ومن الواردين إليها والطارثين عليها سواء كانت النفقة نقدا أو غلة، مع بيان أنه أعدّ لهم جميعا فيها المثوى والمسكن. وبذلك يكون ما ذكره المقريزى وغيره من أن المدارس لم تعرف فى مصر إلا فى عهد صلاح الدين غير صحيح (4)، فقد كانت بها مدرسة السلفى المذكورة، وكانت مدرسة سنية شافعية. ونفس دار العلم يمكن أن نعدها مدرسة بالمعنى الكبير الذى كان لنظامية بغداد، إذ كانت مؤسسة علمية كبرى.

وكانت الدولة الفاطمية قد انتهت إلى انحلال وفساد شديد وأخذ الظلام يعم ديارها فى مصر والشام. وفى غفلة من الزمن يستولى حملة الصليب على بيت المقدس وساحل الشام على نحو ما مر بنا فى الفصل الماضى، ويستغيث الفاطميون بنور الدين صاحب حلب، ويرسل إليهم بجنود على رأسها أسد الدين شيركوه وابن أخيه صلاح الدين، وتتطور الظروف سريعا، وينهى صلاح الدين حكم الفاطميين ويقبض على صولجان الحكم، ويكاد يقضى على الصليبيين فى الشام إلا قليلا ويستولى على بيت المقدس وتتكاثر فتوحاته، ويحقق للعرب والمصريين الزعيم المنتظر لتخليص البلاد من حملة الصليب. وعلى نحو ما قاد هذه الفتوح قاد نهضة علمية رائعة، إذ كان محبا للدراسات الإسلامية شغوفا بها وخاصة بالحديث النبوى مما جعله ينزل الإسكندرية ليتلقاه على

(1) المغرب ص 216.

(2)

أخبار مصر لابن ميسر ص 75.

(3)

ابن خلكان 1/ 105.

(4)

الخطط 3/ 315 وانظر حسن المحاضرة 2/ 256.

ص: 80

السلفى أكبر حفاظه فى عصره. وكان يستمع إلى الفقهاء ويروى أنه تلقى على بعض الشيوخ موطأ مالك برواية فقيه الإسكندرية الطرطوشى المالكى (1)، بينما كان السلفى شافعيا، وكان صلاح الدين نفسه شافعى المذهب. ولعل فى ذلك ما يفسر اهتمامه بفقهاء المذهبين، بل لقد ضم إليهم أيضا فقهاء المذهب الحنفى، فإذا هو ينشى خمس مدارس بالقاهرة والفسطاط، أنشأ اثنتين منها فى أثناء وزارته للعاضد آخر الخلفاء الفاطميين سنة 566: مدرسة لفقهاء الشافعية بجوار جامع عمرو سميت مدرسة ابن زين التجار باسم الشيخ الذى فوّض إليه تدريس الفقه الشافعى بها ثم عرفت باسم المدرسة الشريفية، ومدرسة لفقهاء المالكية بالقرب منها سميت المدرسة القمحية للقمح الذى كان يأتيها من ضيعة بالفيوم وقفها عليها صلاح الدين، حتى إذا استولى على مقاليد الحكم بمصر أنشأ ثلاث مدارس اثنتين للشافعية إحداهما بجوار مسجد الشافعى والثانية بجوار مشهد الحسين، أما الثالثة فجعلها للحنفية وسميت السيوفية (2). والمهم أنه رتّب لكل هذه المدارس الأساتذة والمدرسين والمعيدين، فقد كان نظام الإعادة معروفا حينئذ، ورتّب لها أيضا الأئمة والمؤذنين والقومة والطلاب، وجعل لكل مدرسة أوقافها الخاصة للإنفاق المستمر عليها فى حياته وبعد وفاته، وألحق بكل مدرسة مساكن للمعلمين والطلبة. وكأن كل مدرسة كانت تشبه كلية من كليات الجامعات فى عصرنا، فمع كل مدرسة مساكنها وميزانيتها للإنفاق اليومى والشهرى عليها.

وبذلك تبدأ مصر دورة علمية كبيرة فى عهد الدولة الأيوبية لا فى عهد صلاح الدين وحده، بل أيضا فى عهد من خلفوه من الأيوبيين، إذ كانوا فى جملتهم علماء، وكذلك كان وزراؤهم وأمراؤهم منذ عهد صلاح الدين نفسه، ولكثيرين منهم مدارس أنشأوها فى الفسطاط والقاهرة عدّدها المقريزى-والطريف أنه اشترك معهم فى إنشائها بعض التجار-وقد بلغ بها خمسا وعشرين مدرسة (3). ويبدو أن إحصائيته غير كاملة، فإنه لم يقف عند مشهد الحسين وقفة توضح أنه كان مدرسة كبقية المدارس. ونستطيع أن نميز بين هذه المدارس ثلاث مدارس للفقه الشافعى وراء المدارس التى أنشأها صلاح الدين، إحداها أنشأها ابن أخيه تقى الدين عمر بن شاهنشاه وسميت مدرسة منازل العز وهو اسم المنازل التى أقيمت فيها، وكان مما وقفه عليها

(1) انظر فى ذلك ابن واصل فى كتاب مفرج الكروب فى تاريخ بنى أيوب 1/ 195 وما بعدها وكان يرحل بولديه: العزيز والأفضل سلطانى مصر ودمشق بعده للسماع من السلفى وفقهاء الإسكندرية. انظر حسن المحاضرة 2/ 19.

(2)

ابن خلكان 7/ 206 وقارن بحديث المقريزى عن المدارس فى الجزء الثالث من الخطط.

(3)

انظر حديث المقريزى فى ذلك بالخطط 3/ 313 وما بعدها.

ص: 81

جزيرة الروضة المعروفة الآن بالقاهرة والثانية المدرسة الشريفية بناها أحد أمراء الدولة الأيوبية سنة 612. والثالثة المدرسة الفائزية بناها الوزير الفائزى سنة 636. وبالمثل نستطيع أن نميز للفقه المالكى بجانب المدرسة القمحية التى أنشأها له صلاح الدين المدرسة الصاحبية التى بناها له الصاحب ابن شكر وزير السلطان العادل. وأيضا نستطيع أن نميز للفقه الحنفى بجانب المدرسة السيوفية التى أنشأها صلاح الدين مدرستين إحداهما سميت الأزكشية بناها أحد الأمراء، والثانية سميت العاشورية أنشأتها إحدى كريمات الأمراء. وهناك مدارس بنيت لأصحاب الفقه الشافعى والمالكى مثل مدرسة القاضى الفاضل، وأخرى بنيت للفقه الشافعى والحنفى مثل المدرسة القطبية التى أنشأتها السيدة مؤنسة ابنة السلطان العادل. ويبنى السلطان نجم الدين أيوب بأخرة من زمن هذه الدولة سنة 641 مدرسة كبرى للمذاهب الأربعة: مذهب أبى حنيفة ومالك والشافعى وابن حنبل، وهى أول مرة أو أول مدرسة تعنى فيها مصر بدراسة الفقه الحنبلى. وينشى السلطان الكامل سنة 622 أول مدرسة تعنى بالحديث النبوى تسمىّ دار الحديث الكاملية نسبة إليه.

ويلاحظ ابن خلكان ومن بعده ابن تغرى بردى أن جميع المدارس التى أنشأها صلاح الدين لم تسمّ منها مدرسة باسمه، مع ما رتّب لها من الأوقاف العظيمة، ومع ما كان له من الفتوحات الكبيرة (1).

وهذه المدارس جميعا كانت تعنى بالدراسات الإسلامية من الحديث والتفسير والقراءات، وبالدراسات اللغوية من النحو وغير النحو وكذلك الدراسات البلاغية، لأن الفقيه فى أى مذهب لا يتم تكونه إلا مع إتقانه هذه الدراسات. وأهمل صلاح الدين وخلفاؤه الجامع الأزهر لأنه كان مركز الدعوة الإسماعيلية، غير أن الجوامع الأخرى والمساجد الكبرى ظل بها بعض النشاط العلمى، وكان صلاح الدين ينفق عليها وعلى علمائها وطلابها كما كان ينفق على مدارسه السالفة، وفى ذلك يقول ابن جبير الذى زار القاهرة والفسطاط لعهده سنة 578:«ما من جامع من الجوامع ولا مسجد من المساجد ولا محرس من المحارس ولا مدرسة من المدارس إلا وفضل السلطان (صلاح الدين) يعمّ جميع من يأوى إليها ويلزم السّكنى فيها، تهون عليه فى ذلك نفقات بيوت الأموال (2)» .

وكانت الإسكندرية فى عهد الفاطميين مثل الفسطاط مركزا لدراسات أهل السنة، وقد بنى فيها ابن السلار-كما أسلفنا-مدرسة فوض الإشراف عليها للحافظ السّلفى الشافعى، ويبدو أن

(1) ابن خلكان 7/ 207 والنجوم الزاهرة 6/ 55.

(2)

رحلة ابن جبير (طبع ليده) ص 52.

ص: 82

صلاح الدين أنشأ فى الإسكندرية مدارس جديدة كما يفهم من كلام ابن جبير إذ يقول: «ومن مناقب هذا البلد (الإسكندرية) ومفاخرة العائدة فى الحقيقة إلى سلطانه (صلاح الدين) المدارس والمحارس الموضوعة فيه لأهل الطلب والتعبد، يفدون من الأقطار النائية، فيلقى كل واحد منهم مسكنا يأوى إليه ومدرّسا يعلمه الفن الذى يريد تعلمه وإجراء يقوم به فى جميع أحواله (1). وأخذت المدارس تعمّ مدن مصر الكبرى يبنيها ولاة صلاح الدين عليها ومن جاءوا بعده، وأيضا أمراء بيته، من ذلك أن تقى الدين عمر بن شاهنشاه ابن أخيه بنى فى الفيوم مدرستين إحداهما للشافعية والثانية للمالكية (2)، وتأسست بأسوان مدرسة مبكرة (3)، وأنشأ ابن هبة الله حاكم قوص سنة 607 المدرسة النجيبية (4) بها. ويبدو أنه لم تكد تخلو بلدة كبيرة فى مصر لعهد الأيوبيين من مدرسة. وكانت بها جميعا الجوامع والمساجد، واشتهرت الإسكندرية منذ العصر الفاطمى بجامع العطارين الذى بناه بدر الجمالى، وظل به نشاط علمى وافر زمن الأيوبيين، وبالمثل كانت الجوامع الكبرى فى دمياط والمحلة وطنطا والمنيا وأسيوط وقوص وإسنا، إذ نقرأ فى كتب التراجم من حين لآخر عن علماء كانوا يعنون فى هذه البلدان بدراسات الفقه والحديث والقراءات.

وتنشأ-بجانب المدارس السالفة-مدارس كثيرة فى عهد المماليك، ويعدّدها المقريزى ويذكر تاريخ إنشائها والأوقاف التى رصدت لها، وتبلغ عنده نحو خمس وأربعين مدرسة، بناها سلاطين المماليك وأمراؤهم وأحيانا بعض نسائهم وأمهاتهم، وقد عدّ للشافعية منها أربعة:

المدرسة (5) الطيبرسية والحسامية والسابقية والمجدية الخليلية، وللحنفية ثلاثا: الغزنوية والجمالية والمهمندارية. ومدارس مختلفة بنيت لمذهبين مثل المدرسة الأقبغاوية والجاى ومدرسة أم السلطان وكذلك المدرسة الظاهرية وجميعها للشافعية والحنفية ومثل المدرسة الحجازية والمسلمية وهما للشافعية والمالكية، ومثل المنكوتمرية للمالكية والحنفية. وبنيت للمذاهب الأربعة مدارس مختلفة مثل المدرسة المنصورية للمنصور قلاوون والناصرية لابنه محمد الناصر.

ويقول ابن بطوطة الذى زار القاهرة والفسطاط سنة 726 لعهد محمد الناصر بن قلاوون:

(1) ابن جبيرص 41 وما بعدها.

(2)

ابن خلكان 3/ 456.

(3)

الطالع السعيد للإدفوى (طبع مطبعة الجمالية) ص 85.

(4)

الطالع السعيد ص 220.

(5)

انظر فيما يلى من حديث عن هذه المدارس خطط المقريزى 3/ 340 وما بعدها.

ص: 83

«أما المدارس بمصر فلا يحيط أحد بحصرها لكثرتها» . وظلت المدارس تتكاثر بعد زيارته لمدة نحو قرنين من الزمان طوال عصر المماليك. ولن نستطيع الوقوف عند جميع هذه المدارس لمعرفة نشاطها العلمى ونكتفى منها بثلاث هى المدرسة الظاهرية للظاهر بيبرس والمنصورية للمنصور قلاوون والناصرية لابنه الناصر. أما الظاهرية (1) فتم إنشاؤها لأوائل عهد المماليك سنة 662 وقد جعلها الظاهر لتدريس الفقه الشافعى والحنفى وتدريس القراءات والحديث النبوى، وأجرى الرواتب على أساتذتها وطلابها وألحق بها مساكن لهم كما ألحق بها مكتبة تشتمل على أمهات الكتب فى سائر العلوم وبنى بجانبها مكتبا لتحفيظ أيتام المسلمين كتاب الله وأجرى لمن به من الأطفال الجرايات والكسوة، وأوقف عليها الرّبع أو الحى المعروف اليوم باسم تحت الربع، وكان ربعا كبيرا مملوءا بالدور والحوانيت. أما المدرسة المنصورية (2) فأنشأها السلطان المنصور قلاوون لأصحاب المذاهب الفقهية الأربعة سنة 684 وجعل لكل مذهب مدرّسا وثلاثة من المعيدين ومقرئا للذكر الحكيم وخمسين طالبا، وأجرى عليهم جميعا وعلى قومتها وفراشيها الرواتب، وبنى بجوارها مكتبا لتحفيظ ستين من أيتام المسلمين القرآن الكريم، وأسند لفقيهين القيام على ذلك مع إجراء الجرايات على الأيتام والكسوة فى الشتاء والصيف. وبنى تجاه المدرسة قبة عظيمة جعل فيها خمسين مقرئا ودرسا للحديث ودرسا للتفسير ومع المدرسين الطلاب وكذلك مع المقرئين. وجعل فيها مكتبة كبيرة تشتمل على شتى أنواع العلوم والآداب، وجعل لها أمينا ومساعدين له وفراشين وبوابين. وحاكى الناصر أباه قلاوون فبنى مدرسة للمذاهب (3) الأربعة سنة 703 وجعل بها مكتبة جليلة ورصد لها أوقافا كثيرة. وبالمثل كان كل من يبنى مدرسة يقف عليها ما يحفظ لعلمائها وطلابها نفقاتهم وكثيرا ما كانوا يلحقون بها مساكن لهم.

ولم تكن المدارس وحدها ساحات العلم لعهد المماليك، فقد كان يشركها الجوامع والمساجد.

وفى مقدمتها الجامع الأزهر، وكانت قد تعطلت فيه الدراسة طوال عهد الأيوبيين كما تعطلت فيه أحيانا صلاة الجمعة إلى أن أعادهما عز الدين الحلى نائب الظاهر بيبرس سنة 665 فصلى فيه الجمعة ورتب فيه مدرسا للفقه الشافعى ومحدّثا لإملاء الحديث النبوى وسبعة لقراءة الذكر الحكيم ورصد لذلك أوقافا وافرة (4). وسرعان ما أخذ الأزهر دوره التاريخى العظيم، فغدا أكبر جامعة

(1) انظر فى هذه المدرسة الخطط 3/ 340.

(2)

انظر فى هذه المدرسة الخطط 3/ 342 والسلوك للمقريزى (طبعة القاهرة) 1/ 716 وما بعدها و 1000 وما بعدها.

(3)

الخطط 3/ 346.

(4)

الخطط 3/ 160 والسلوك 1/ 556 وما بعدها.

ص: 84

للدراسات الإسلامية واللغوية. ويشيد المقريزى المتوفى سنة 845 بالدراسات فى هذا الجامع أو الجامعة قائلا: «لا يزال جامع الأزهر عامرا بتلاوة القرآن ودراسته وتلقينه والاشتغال بأنواع العلوم: الفقه (على المذاهب الأربعة) والحديث والتفسير والنحو ومجالس الوعظ وحلق الذكر، فيجد الإنسان إذا دخل هذا الجامع من الأنس بالله والارتياح وترويح النفس ما لا يجد فى غيره (1)» . واهتم به السلاطين والأمراء وأرباب الأموال، فرصدت له أوقاف كثيرة على مر السنين. وزخر جامع ابن طولون بنشاط علمى جم منذ عهد السلطان المنصور لاجين (2) سنة 694 فقد رتب فيه دروسا لإلقاء الفقه على المذاهب الأربعة ودرسا للتفسير ودرسا للحديث النبوى، وألحق به مكتبا لتحفيظ القرآن الكريم. وبالمثل عنى بيبرس الجاشنكير بعمارة جامع الحاكم سنة 703 ورتب (3) فيه دروسا لإقراء الفقه على المذاهب الأربعة والحديث النبوى والقراءات، وألحق به خزانة كتب نفيسة.

وهذا النشاط العلمى فى مساجد القاهرة والفسطاط ومدارسهما كان يلتقى به نشاط مماثل فى الإسكندرية ومدن مصر الكبرى. وهو نشاط كان يشرك علماء مصر فيه كثير من علماء البلاد العربية الأخرى التى أخذت تفسح لهم فى مدارسها، بل أخذت تضمهم إلى صدرها، إذ شعرت بقوة أنها حاملة لواء العلم والفكر العربيين وأنه ينبغى أن تعمل بقوة لتحميهما إزاء غارات أعداء الإسلام على صقلية والأندلس وغارات حملة الصليب على الشام وأخيرا غارات التتار على إيران والعراق وديار الشام، بحيث أصبحت مصر منذ عهد صلاح الدين ملاذ الحضارة العربية وموثل علومها وفكرها وآدابها، وكأنما انتدبت نفسها لهذه المهمة الخطيرة، فهى تعنى عناية واسعة بإنشاء المدارس، وهى تستقبل علماء الأقطار العربية المذكورة وتسند إليهم كثيرا من المناصب العلمية، وأحيانا المناصب الوزارية، فقد كان على سبيل المثال لصلاح الدين وزيران: القاضى الفاضل والعماد الأصبهانى، والأول شامى والثانى عراق الثقافة أصبهانى المولد. وأيضا فقد نزلها كثيرون من علماء المغرب بسبب اختلال الحكم وضعف الحكومات. ومن يرجع إلى كتاب مثل حسن المحاضرة للسيوطى وما يذكر فيه-على الترتيب الزمنى-من أسماء الأئمة المجتهدين وحفاظ الحديث النبوى وفقهاء الشافعية والمالكية والحنفية والحنابلة وأئمة القراء وعلماء النحو واللغة والتاريخ والصوفية والوعاظ وأصحاب علوم الأوائل من الطب وغيره يخيّل إليه أنه لم تبق بلدة فى العالم

(1) الخطط 3/ 163.

(2)

الخطط 3/ 148 وحسن المحاضرة 2/ 249.

(3)

الخطط 3/ 165 ويقول المقريزى إنه رصد له أوقافا كثيرة فى الجيزة والصعيد والإسكندرية.

ص: 85

الإسلامى العربى إلا بعثت إلى القاهرة والإسكندرية بشيوخها وبطلاب العلم فى هذه الحقب التى امتدت من الدولة الأيوبية سنة 567 إلى نهاية عصر المماليك سنة 922، بل ظلت من ذلك بقية فى أيام العثمانيين.

ونهضت مصر بدور مهم فى حماية العلوم، فقد رأت من واجبها أن تعنى بتدوين كل ما خلّفه السلف خوفا من ضياعه، وخاصة أمهات التراث العربى وأصوله، وانتهجت لذلك نهجا سديدا فى توثيق روايتها وأخذها عمن حرّروا صياغتها وضبطوها أدق ضبط، فهى لا تؤخذ من الصحف المكتوبة مباشرة بل تؤخذ سماعا عن الشيوخ الثقات ويرويها جيل عن جيل بمنتهى الدقة ولا يرويها إلا من شهد له شيخ بأنه جدير بروايتها، على نحو ما هو معروف فى نظام الإجازات.

ووضعت مصر لطلاب كل علم متونا، ووضعت عليها شروحا، وشرحت الشروح أحيانا، ونحن لا نقرؤها الآن حتى يروعنا أن علماءها كانوا فى هذه الشروح لا يتركون لعالم سالف منذ القرن الثانى للهجرة حتى زمنهم رأيا إلا دوّنوه، وبذلك تستحيل بعض الشروح وحواشيها إلى ما يشبه دوائر معارف فى العلم الذى تتناوله، إذ تعرض فيها آراء العلماء على اختلاف الأزمنة واختلاف البلدان العربية. وامتازت الحركة العلمية لعهد المماليك بكتابة دوائر معارف كبرى تجمع مواد فنون كثيرة، من ذلك كتاب نهاية الأرب للنويرى المتوفى سنة 733 وهو يتناول علوم الفلك والجغرافية والتاريخ الطبيعى والحيوانات والزواحف والطيور والصيد والنباتات والثمار والأزهار والإنسان وعاداته وطرق الحكم ووظائف الدولة وشئون السياسة وتاريخ الدولة العربية من أقدم الأزمنة حتى زمن النويرى. ويشبه هذه الدائرة كتاب مسالك الأبصار لابن فضل الله العمرى المتوفى سنة 749 وهو فى جغرافية العالم العربى والعلوم الطبيعية والحيوانية والنباتية وتاريخ الدولة العربية وأعلامها فى الشعر والنثر على مر السنين. ومن كتب دوائر المعارف الأدبية كتاب «المستطرف فى كل فن مستظرف» لمحمد بن أحمد الأبشيهى (1) المتوفى سنة 898 والكتاب موزع على 48 بابا فى القرآن وفضله والعقل والعلم والأدب والحكم والأمثال والبيان والبلاغة وسياسة الملك والعدل والشرف والجود والبخل والشجاعة والعمل والكسب والحيوانات والحشرات والبحار والأنهار والجبال وعجائب المخلوقات وغير ذلك.

ولعل فى ذلك ما يصور خطأ الأحكام الجائرة التى صبّت على مصر وخاصة أيام المماليك.

إذ نعت المؤرخون للأدب العربى هذه الحقب المتطاولة بأنها كانت زمن انحطاط وركود فى جميع

(1) انظر فى الأبشيهى الضوء اللامع 7/ 109.

ص: 86

جوانب الحياة العقلية، وهو ما تنقضه الحقائق السابقة نقضا، وسيتضح هذا النقض بصورة أدق حين نعرض فى الفصول التالية لوجوه النشاط العلمى، فسنرى أن مصر لم تشهد حقبا علمية مزدهرة بمقدار ما شهدت فى زمن المماليك، وكان كثير منهم مثقفين مثل الأيوبيين، وعملوا على إذكاء النهضة العلمية بما أنشأوا من المدارس وما ألحقوا بها وبالمساجد من المكتبات وما رصدوا لها من أوقاف كثيرة تكفل للعلماء والطلاب حياة علمية خصبة.

ويكتب لهذه الحركة العلمية العظيمة أن تتوقف ويصيبها غير قليل من الخمود إذ احتلت جحافل العثمانيين مصر، وجرّدها السلطان العثمانى الفاتح سليم من كثير من علمائها وقضاتها وحشدهم فى السفن إلى عاصمته إستانبول. وجرد بعض المدارس من أعمدتها ورخامها الملون وكتبها النفيسة، وما توافى سنة 928 حتى تلغى وظائف قضاة المذاهب الأربعة التى كانت قائمة بالقاهرة منذ عهد الظاهر بيبرس ويحل محلهم قاضى العسكر. وكل ذلك عمل على انتكاس الحركة العلمية بمصر، ومع ذلك ظلت جذوات منها تتقد فى الجامع الأزهر وفى بعض المدارس، إذ نسمع فى ترجمة هذا العالم أو ذاك أنه كان يدرس فى المدرسة السيوفية الحنفية التى أنشأها صلاح الدين أو فى المدرسة الصالحية التى أنشأها السلطان الصالح نجم الدين أيوب أو فى المدرسة الأقبغاوية التى أنشئت فى عهد الناصر محمد بن قلاوون، ويذكر الجبرتى مدارس لم يذكرها المقريزى فى خططه مثل المدرسة الغورية التى أنشأها السلطان الغورى، ومثل المدرسة السنانية (1)، ويردد ذكر القطبانية والجنبلاطية والأشرفية (2)، وأكبر الظن أنها كانت مدارس ناشطة هى الأخرى.

ومع ما أصاب مصر وحركتها العلمية من الفتح العثمانى الذى جثم على صدر البلاد وكان عاملا مهما فى خمود الدراسات العلمية بها، فإن مصر ظلت ملاذا للعلماء من جميع الأقطار العربية من الخليج إلى المحيط، وظلت القاهرة موئلهم جميعا يفدون عليها للتعلم فى الجامع الأزهر والاختلاف أحيانا إلى بعض المدارس، حتى إذا نضج أحدهم علميا أصبح شيخا يتحلق حوله التلاميذ فى الجامع الأزهر أو فى أحد جوامع القاهرة ومدارسها، وقد يرجع إلى بلده يعلم فيها ما تلقن على شيوخه فى الأزهر، وكان قد أصبح منذ عصر المماليك أكبر جامعة إسلامية. ونذكر من مشهوريهم ابن طولون الدمشقى المؤرخ وعبد القادر البغدادى صاحب الموسوعة الأدبية المعروفة

(1) تاريخ الجبرتى (طبعة بولاق) 1/ 162 و 220.

(2)

الجبرتى 1/ 75، 86، 220.

ص: 87