الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الأوّل
السياسة والمجتمع
1 - فتح العرب لمصر والحقب الأولى
(1)
(ا) فتح العرب لمصر
معروف أن مصر نهضت بأقدم دور فى تاريخ الحضارة الإنسانية، فعنها تلقت الأمم القديمة هندسة البناء كما تشهد بذلك أهراماتها الشامخة. كما تلقت عنها فكرة الكتابة ونقش الحروف، وبذلك كان لها فضل كبير في بث المعرفة، وأعدّها النّيل لتكون أستاذة الأمم فى العناية بالزراعة وتنظيم الترع والجسور. وهى أول من حاول تأليف أمم الشرق الأوسط فى وحدة امتدت من الفرات إلى النيل ومن آسيا الصغرى إلى بلاد البنت والنّوبة. ودار بها الزمن دورات، فدخلها الرّعاة الهكسوس والأشوريون، وسرعان مازايلوها، وغزاها الفرس فى عهد قمبيز عام 525 ق. م ونزلها الإسكندر المقدونى عام 333 ق. م وأسس بها مدينة الإسكندرية، وأقام بها قائده بطليموس هو وأبناؤه دولة البطالمة الإغريقية متخذين الإسكندرية عاصمة لهم. وفى عام 31 للميلاد استولى عليها الرومان، وثارت عليهم مصر مرارا، ودخلها الفرس وقاومتهم مصر والرومان، ففارقوها سريعا، وتسوء أحوالها سوءا شديدا، فإن هرقل إمبراطور بيزنطة كان يضطهد من لا يعتنقون مذهبه الملكانى المسيحى، وكان المصريون يعاقبة، يقولون بأن الله والمسيح
(1) انظر فى فتح مصر فتوح مصر لابن عبد الحكم وفتوح البلدان للبلاذرى وتاريخ الطبرى وابن الأثير والمغرب لابن سعيد قسم الفسطاط (طبع جامعة القاهرة) وخطط المقريزى (طبعة دار التحرير) 1/ 551 والنجوم الزاهرة لابن تغرى بردى: فواتح الجزء الأول ومروج الذهب للمسعودى وحسن المحاضرة السيوطى (طبعة عيسى البابى الحلبى) 1/ 106 وفتح العرب لمصر لبتلر (الترجمة العربية) طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر وتاريخ الشعوب الإسلامية لبروكلمان (الترجمة العربية) طبع بيروت 1/ 99.
اتحدا فى طبيعة واحدة بينما كان الملكانية يرون أن للمسيح طبيعتين طبيعة لا هوتية روحية وطبيعة ناسوتية جسدية، وعارض المصريون المذهب الملكانى البيزنطى معارضة شديدة، ويعين هرقل قيرس (المقوقس) بطريقا للإسكندرية جامعا إلى سلطته الدينية السلطة الزمنية، ويأخذ فى حمل المصريين على مذهبه الملكانى فيقاومونه مقاومة حادة، ويعنف بهم وبرهبانهم ويثقل عليهم فى الضرائب. وبذلك يضيف إلى الغلّ الدينى غلاّ اقتصاديا.
وتقاوم مصر بكل ما استطاعت، إذ كانت تعدّ الدين مظهر استقلالها وحريتها وشخصيتها ولذلك اشتد سخطها على بيزنطة، وبينما هى فى هذا السخط الحاد إذا العرب بقيادة عمرو بن العاص يقبلون من الشرق عام 19 هـ/640 م ويستمرون فى زحفهم حتى حصن بابليون (بالقرب من ممفيس القديمة) ويطول حصارهم له، فيغزو عمرو إقليم الفيوم ويشدد الحصار على حصن بابليون، ويضطر قيرس (المقوقس) إلى التسليم. ويتجه عمرو إلى الشمال الغربى ويستولى على الإسكندرية. ولم يكن يقاومه فى حصن بابليون والإسكندرية جميعا سوى الروم. وكأن المصريين وجدوا فيه وفى العرب مخلصا لهم، إذ سرعان ما عرفوا أن الإسلام يكفل لهم حريتهم الدينية ولا يمس كنائسهم ومعابدهم، ولذلك لم يقاوموا هؤلاء الفاتحين إذ وجدوهم يردون لهم استقلالهم الدينى.
ودائما الدين فى مصر يوضع فوق السياسة والحكم وفوق كل شئ. وما كان ليعقل أن يحمل المصريون السلاح ويدافعوا عن الروم الذين يعتدون على مذهبهم الدينى وحريتهم الدينيية، حتى لقد فرّ البطريق القبطى بنيامين وظل مختبئا حتى دخل العرب مصر وكفلوا للقبط معتقداتهم الدينية، ورفعوا عن كواهلهم ما أبهظها من ضرائب الروم الفادحة. فكان طبيعيا أن يتعاون قبط مصر مع العرب وأن ينفضوا أيديهم من الروم، ولذلك حين عاد أسطولهم إلى الإسكندرية واستولوا عليها لم يلقوا تأييدا منهم، وهزمهم العرب بقيادة عمرو بن العاص هزيمة ساحقة عام 646 م/25 هـ ومن بقى منهم ولىّ فى البحر المتوسط إلى غير مآب. وبدأت من حينئذ مصر دورتها العربية الجديدة.