الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ستة أشهر فى سنة 1149 بدأها من موطنه دمياط إلى القدس، وعنى باختصار كتاب الأنس الجليل فى زيارة بيت المقدس والخليل لأبى اليمن مجير الدين الحنبلى، وسمى مختصره «لطائف أنس الخليل فى تحايف القدس والخليل» . وواضح أن الجغرافيين المصريين أخذوا يعنون فى العصر العثمانى بجغرافية الأراضى المقدسة فى فلسطين والحجاز.
3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد
أخذت مصر تعنى بدراسات اللغة والنحو مع عناية مدرستى البصرة والكوفة بهما، مما دفع فيها إلى نشوء طبقة من المؤدبين، وأخذت هذه الطبقة تتكاثر منذ القرن الثانى للهجرة، فكانت تلقن الشباب فى الفسطاط والإسكندرية مبادئ العربية، وانضم إليهم فى هذا التلقين بعض العلماء الذين هاجروا إلى الديار المصرية مثل عبد (1) الرحمن بن هرمز الأعرج تلميذ أبى الأسود الدؤلى.
تزيل الإسكندرية المتوفى بها سنة 117 للهجرة. وطبيعى أن يظل نشاط هؤلاء المؤدبين مطردا طوال القرن الثانى للهجرة، لسبب واضح هو عناية المصريين بقراءات القرآن الكريم وضبط ألفاظه لغويا ونحويا، ولمدارستهم لتفسير القرآن الكريم وللفقه، وسنرى فيما بعد نشاطهم الجم فى هذه الميادين. ولم تعن كتب التراجم بأسماء هؤلاء المؤدبين وإحصائهم، ولكن لا شك فى أنهم كانوا كثيرين. وقد ترجم السيوطى فى كتابه البغية لواحد منهم هو سرج الغول الذى لحق زمن الإمام الشافعى حين نزل الفسطاط سنة 199 وكان عالما باللغة ولم يكن أحد بالفسطاط يظهر شعره إلا بعد عرضه عليه ورضاه عنه، ويقال إنه كان يذاكر الشافعى فى اللغة والشعر، وإنه كان يعجب بمعارفه، وروى أنه كان يقول عنه حين يقوم من مجلسه: نحتاج إلى أن نستأنف طلب العلم، وحسبه تلك الشهادة الرفيعة من الإمام الشافعى. وممن كان يجتمع به الشافعى فى الفسطاط من اللغويين عبد الملك بن هشام صاحب السيرة النبوية المشهورة، ويقول السيوطى عنه إنه كان إماما فى اللغة والنحو والعربية ويذكر أنه كان يتناشد هو والشافعى كثيرا من أشعار العرب (2).
(1) راجع ابن هرمز فى أخبار النحويين البصريين للسيرافى ص 21 وتذكره الحفاظ 1/ 91 وطبقات القراء لابن الجزرى 4/ 381 وإنباه الرواة 2/ 172 وما به من مراجع.
(2)
له كتاب سماه «ما وقع فى أشعار السير من الغريب» وانظر مصادر ترجمته فى ص 151.
ويزور محمد بن يحيى اليزيدى مصر فى العقد الثانى من القرن الثالث فى صحبة المعتصم سنة 214 ويتخذها دار مقام له حتى وفاته (1) ويحدث بها ضربا من الثراء فى حياتها اللغوية إذ كان لغويا كبيرا مثل أبيه وأخيه إبراهيم، وله كتاب المقصور والممدود، وأغلب الظن أنه روى للمصريين كتاب أبيه:«النوادر فى اللغة» وأيضا كتاب أخيه إبراهيم فى اللغة الذى سماه «ما اتفق لفظه وافترق معناه» جمع فيه كل الألفاظ المشتركة فى الاسم-كما يقول ابن خلكان-المفترقة أو المختلفة فى المعنى، وهو من الكتب اللغوية الجيدة. ويزور مصر ابن جرير الطبرى فى العقد السادس من القرن الثالث، وكان يحفظ ديوان الطرماح فطلب إليه المصريون أن يأخذوه عنه، فرواه لهم مفسّرا غريبه (2).
ونلتقى فى الفسطاط لأواسط القرن الثالث بعالم مصرى لغوى ونحوى كبير هو ولاد (3) التميمى المتوفى سنة 263 لعهد الدولة الطولونية، وكان قد رحل إلى العراق وسمع بها العلماء وأخذ ما عندهم، ويقال إنه لم يكن بمصر شئ كبير من كتب اللغة والنحو قبله، ويذكر حفيده أحمد أنه توارث هو وأبوه عنه ديوان رؤبة، مما يدل على عنايته برواية دواوين الشعر القديم، وخاصة الدواوين التى تكتظ بالغريب مثل ديوان رؤبة. ونلتقى بعده بلغوى مصرى معجمى أو من أصحاب المعاجم هو أبو الحسن على (4) بن الحسن الهنائى الأزدى المعروف باسم كراع النمل لقصره ودمامته، وهو وإن كان دميما قصيرا فقد كان عالما لغويا لا يشقّ غباره، ألف أربعة معاجم، ويقول القفطى فى ترجمته بإنباه الرواة إنه يملكها جميعا، وهى المنضّد فى اللغة، وهو معجم كبير رتبه على الحروف الهجائية، ومعجم مختصر له سماه المجرّد، جرده من الشواهد، ومعجم ثالث لأمثلة الغريب على أوزان الأفعال سماه الأوزان. والمعاجم الثلاثة مفقودة، أما المعجم الرابع فسماه المنجّد، قصره على ما اتفق لفظه واختلف معناه أو بعبارة أخرى على المشترك اللفظى، وهو معجم نفيس، وقد نشر فى القاهرة. والألفاظ المشتركة فيه مرتبة حسب الحروف الهجائية لا حسب مخارج الحروف كما فى معجم العين للخليل. ولم تردّ فى ترتيبها إلى أصولها الثلاثية والرباعية كما هو معروف فى المعاجم العربية، بل ترتب حسب صورها اللفظية. وكأنه أراد بذلك اليسر والسهولة، وتابعه أصحاب المعاجم-باستثناء الأزهرى فى معجمه تهذيب اللغة-فى
(1) انظر إنباه الرواة 3/ 236 وتاريخ بغداد 3/ 412.
(2)
معجم الأدباء لياقوت 18/ 53.
(3)
انظر ترجمة ولاد فى إنباه الرواة 3/ 354.
(4)
راجع ترجمة الهنائى فى إنباه الرواة 2/ 240 ومعجم الأدباء 13/ 12.
ترتيب الألفاظ حسب الحروف الهجائية مثل الجوهرى فى الصحاح والزمخشرى فى أساس البلاغة، غير أن الجوهرى رأى أن يكون الترتيب الهجائى للألفاظ بحسب أواخرها ورأى الزمخشرى أن يكون الترتيب بحسب أوائلها مثل كراع النمل.
وتلتحم مباحث اللغة بمباحث النحو أو بعبارة أدق تظل ملتحمة فى القرن الرابع على نحو ما يتضح عند أبى العباس أحمد (1) بن محمد بن ولاد المتوفى سنة 332 وأبى جعفر أحمد (2) بن محمد النحاس المتوفى سنة 338. أما ابن ولاد فقد خرّجه أبوه محمد نحويا ولغويا ماهرا، ولم يكتف بما أخذه عن أبيه وبعض العراقيين النازلين بمصر فرحل إلى بغداد ودرس على كبار اللغويين والنحاة بها، وتسامع به وبزميله أبى جعفر النحاس أهل المغرب والأندلس فرحلوا إليهما يأخذون عنهما ويدرسون. وكان ابن ولاد يضيف إلى دراسته لكتاب سيبويه عرضه دواوين الشعراء القدماء وكان يقول لطلابه: ديوان رؤبة رواية لى عن أبى عن جدى. ونشر مجمع اللغة العربية بدمشق ديوان ذى الرمة، وسنرى عما قليل أن ابن ولاد كان الطريق إلى إحدى روايتيه، وبذلك كان يدرس لطلابه فى الفسطاط أصعب ديوانين عربيين لغويا، واشتهر فى زمنه بروايته لمعجم العين المنسوب إلى الخليل، وعنه حمله منذر بن سعيد قاضى الجماعة بالأندلس المشهور. ومن مصنفاته اللغوية كتاب المقصور والممدود، وهو معجم لهما مرتب على الحروف الهجائية مثل كتاب المنجّد لكراع النمل، وكأنه تابعه فى ترتيب معجمه تيسيرا للانتفاع به. أما أبو جعفر النحاس فكان واسع العلم فى اللغة والنحو والدراسات القرآنية، وقد رحل إلى العراق مثل ابن ولاد وحمل عن علمائها علما كثيرا، وكان يعنى فى دروسه بشرح الشعر القديم، إذ فسّر عشرة دواوين منه كان يمليها على طلابه. ومن أهم مصنفاته اللغوية «شرح القصائد التسع المشهورات وتشتمل على المعلقات السبع، وهى منشورة ببغداد، ونشر له كتاب «شرح أبيات سيبويه» وهى أبيات كتابه المشهور.
وعلى هذا النحو أخذت مصر تنشط فى الدراسات اللغوية، ونشعر بهذا النشاط واضحا حين نزلها المتنبى، فقد انعقدت له حلقة كبيرة لسماع شعره، وسرعان ما تكوّنت له بطانة من علماء مصر اللغويين وأدبائها تروى شعره. مثل عبيد الله بن محمد بن أبى الجوع وفيه يقول الثعالبى:
«أحد رواة المتنبى الأدباء وأصحابه العلماء وممن تمهر فى لغات العرب (3)» ومثل صالح بن
(1) انظر فى ترجمة ابن ولاد معجم الأدباء 4/ 201 وإنباه الرواة 1/ 99 وما به من مراجع.
(2)
راجع فى ترجمة أبى جعفر النحاس إنباه الرواة 1/ 101 ومعجم الأدباء 4/ 224 وابن خلكان 1/ 99.
(3)
اليتيمة 1/ 395.
رشدين، وفيه يقول الثعالبى أيضا:«أحد أئمة الكتاب المهرة فى سائر الآداب، صحب المتنبى وروى شعره (1)» . وكانت تدور المناقشات أحيانا بين المتنبى وبعض اللغويين، ولعل ذلك ما جعله يعقد حلقة علمية لقراءة كتاب المقصور والممدود لابن ولاد سنة 347 وقد مضى يعلّق عليه موضحا ما فيه من الغلط، وكتب ذلك عنه أبو الحسين على (2) بن أحمد المهلبى اللغوى المتوفى سنة 385 وأضاف إلى ذلك زيادات ونسب الجميع إليه، على نحو ما يصور ذلك على بن حمزة البصرى فى كتابه «الرد على ما فى المقصور والممدود لابن ولاد» .
ويقول ياقوت فى ترجمة المهلبى إنه كان إماما فى النحو واللغة ورواية الأخبار وتفسير الأشعار كما يقول إنه تلميذ إبراهيم النّجيرمى كاتب كافور المتوفى سنة 355 وكان راوية كبيرا للدواوين والأشعار، وحملها عنه أبو الحسن المهلبى المذكور آنفا، وتلميذ ثان له يسمى جنادة (3) اللغوى، وسنرى عما قليل أنه كان الطريق إلى إحدى روايات ديوان ذى الرمة، ولعل فى ذلك ما يدل على أنه شارك بقوة فى رواية الدواوين القديمة، وبالمثل تلميذة أبو الحسين المهلبى، وفى المهلبى يقول القفطى: أحد علماء الأدب واللغة والشعر، روى عنه المصريون وأكثروا. . والرواية عنه إلى زماننا هذا (أى فى القرن السابع الهجرى) ووصل للمصريين رواية كتب كثيرة من كتب الأدب.
وحوالى منتصف القرن الخامس الهجرى نزل بمصر التبريزى (4) تلميذ أبى العلاء وأقام بها مدة ولعله روى فيها أشعار المعرى كما روى كثيرا من معارفه اللغوية وشروحه على الدواوين والأشعار، مثل شرحه على المعلقات والمفضليات وديوان الحماسة وديوان أبى تمام، وقد مرّ بنا فى الجزء الخامس من هذه السلسلة نشاطه اللغوى الجمّ. ومن نزلاء القاهرة المغاربة اللغويين القزاز القيروانى المتوفى سنة 412 خدم المعز الفاطمى وابنه العزيز وصنف لهما كتبا، وعاد بعد خلافتهما إلى بلده، ومن تصانيفه كتاب الجامع فى اللغة رتبه على حروف المعجم وهو-كما يقول ياقوت-كان يقارب معجم التهذيب للأزهرى، وله كتاب الضاد والظاء وكتاب معان فى شعر المتنبى وكتاب فى المآخذ عليه.
(1) اليتيمة 1/ 399 وأخبار مصر فى سنتى 414، 415 للمسبحى (نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب) ص 96.
(2)
انظر فى أبى الحسين المهلبى معجم الأدباء 12/ 224 وإنباه الرواة 2/ 232.
(3)
انظر ترجمة جنادة فى معجم الأدباء 7/ 209 وكان تلميذا للأزهرى صاحب معجم التهذيب وروى عن أبى أحمد العسكرى كتبه، ونزل مصر وأقام بها حتى توفى سنة 399.
(4)
انظر فى نزول التبريزى مصر ابن خلكان 6/ 193.
وأكبر لغوى بالقاهرة فى أواخر القرن الرابع الهجرى وأوائل القرن الخامس يوسف (1) النجيرمى المتوفى سنة 423 وهو تلميذ أبى الحسين المهلبى وقد حمل عنه كل ما كان يرويه من كتب الأدب واللغة ودواوين الشعر، وروى عنه المصريون عامة ما كان يرويه محتفين به لما كان يمتاز به من الدقة فى الضبط اللغوى غاية الضبط إلى أقصى حد ممكن، وفى ذلك يقول ابن خلكان:«أكثر ما تروى الكتب القديمة فى اللغة والأشعار العربية وأيام العرب فى الديار المصرية من طريقه» .
وكان ما يزال يراجع الروايات المختلفة للكتاب أو للديوان ويقابل بينها حتى يخرجه فى أوثق صورة ممكنة. ومن خير ما يصور هذا العمل المعقد الشاق ديوان ذى الرمة الذى نشره الدكتور عبد القدوس أبو صالح فى مجمع اللغة العربية بدمشق نشرة علمية محققة اعتمد فيها على صنعته فيه، إذ أخرجه فى صورة محكمة على أساس روايتين علميتين، ولكل رواية طريقان. اما الرواية الأولى فعن ثعلب عالم الكوفة المشهور وطريقها الأول أبو الحسين على بن أحمد المهلبى أستاذه عن ابن ولاد، وطريقها الثانى جعفر (2) بن شاذان اللغوى البصرى نزيل القاهرة عن أبى عمر الزاهد غلام ثعلب. والرواية الثانية عن إبراهيم بن المنذر المتوفى سنة 236 عن أسود بن ضبعان عن ذى الرمة، وطريقها الأول أبو الحسين على بن أحمد المهلبى عن إبراهيم النجيرمى، وطريقها الثانى أبو عمران بن رباح أستاذ أبى يعقوب النجيرمى عن إبراهيم النجيرمى. ولعل فى ذلك ما يوضح مدى عناية أبى يعقوب يوسف النجيرمى بإخراج الدواوين للمصريين وإحكام صنعتها إحكاما لا يكاد يفوقه إحكام، وكان يعمم هذا الإحكام فى كل ما رواه من الدواوين وكتب اللغة.
ويحمل أصحاب يوسف النجيرمى عنه كتب اللغة ودواوين الشعراء. ويخلفهم عليها تلاميذهم فى القرن الخامس ومن تعهدوهم من علماء القرن السادس، ويطرد هذا النشاط اللغوى بمصر.
ويزورها غير عالم لغوى من البلاد العربية ويستقرون بها، وفى مقدمتهم على (3) بن جعفر السعدى الصقلى المعروف باسم ابن القطاع، نشأ بصقلية وقرأ الأدب واللغة على علمائها وخاصة ابن البرّ اللغوى، ورحل عن صقلية لما أشرف النورمان على تملكها فى حدود سنة 500 ونزل القاهرة
(1) راجع فى ترجمة يوسف النجيرمى ابن خلكان 7/ 75 وبغية الوعاة والأنساب للسمعانى فى النجيرمى والشذرات 3/ 75 وغبر الذهبى 2/ 358.
(2)
انظر فى ترجمة جعفر بن شاذان إنباه الرواة 1/ 265
(3)
انظر فى ابن القطاع معجم الأدباء 12/ 279 وابن خلكان 3/ 322 وإنباه الرواة 2/ 236 وما به من مراجع.
واتخذها دار مقام له وتصدّر فيها للإفادة حتى توفى سنة 515 وأكرمه المصريون غاية الإكرام واتخذه الأفضل بن بدر الجمالى وزير الخليفة الآمر الفاطمى معلما لولده، ومن طريقه اشتهرت فى الآفاق رواية معجم الصحاح للجوهرى، كان قد أخذها عن أستاذه ابن البرّ فى صقلية، وله عدة تصانيف لغوية، منها كتاب الأسماء فى اللغة، وكتاب الأفعال عنى بنشره مجمع اللغة العربية فى القاهرة.
ويتكاثر اللغويون بمصر من علمائها والعلماء النازلين بها بعد ابن القطاع، وأشهرهم غير مدافع ابن برّى (1) عبد الله المصرى المولد والمنشأ المولود سنة 499 وفيه يقول ابن خلكان:«الإمام المشهور فى علم النحو واللغة والرواية والدراية كان علامة عصره وحافظ وقته ونادرة دهره» .
ويذكر ابن خلكان أنه رأى له «حواشى على درة الغواص فى أوهام الخواص» للحريرى، وأن له كتابا لطيفا فى أغاليط الفقهاء. وقد كتب ردّا على أبى محمد بن الخشاب، ردّ فيه على كتابه الذى عدّد فيه غلط الحريرى فى المقامات، وطبع هذا الرد ملحقا بمقامات الحريرى مع نقد ابن الخشاب بالمطبعة الحسينية بالقاهرة. ومن أهم مصنفاته حواش على معجم الصحاح للجوهرى سماها «التنبيه والإفصاح عما وقع فى كتاب الصحاح» يقول ابن خلكان:«وهى حواش فائقة أتى فيها بالغرائب، واستدرك عليه فيها مواضع كثيرة، وهى دالة على سعة علمه وغزارة مادته وعظم اطلاعه» وهى من الكتب الخمسة التى ذكر ابن منظور فى مقدمة لسان العرب أنه اعتمد عليها فى تأليف معجمه اللسان. وتوجد منه مخطوطات تعين على نشره حتى مادة وقش، وقد نشر هذا القسم منه فى جزءين بمجمع اللغة العربية بالقاهرة ويمكن استخراج بقيته من لسان العرب. ولابن برى أيضا حواش على كتاب المعرب من الكلام الأعجمى للجواليقى، ومن آرائه الطريفة أنه ينبغى المحافظة على نطق الكلمات الأعجمية حين تعريبها وإدخالها فى العربية بجميع حروفها وحركاتها الخاصة. وقد عاش حقبة طويلة فى زمن الدولة الأيوبية إذ توفى سنة 582. ومن أهم تلاميذه اللغويين سليمان (2) بن بنين الدقيقى المتوفى سنة 614 وله مصنفات لغوية مختلفة، منها كتاب الوضاح فى شرح أبيات الإيضاح لأبى على الفارسى وكتاب إغراب العمل فى شرح أبيات كتاب الجمل للزجاجى، وأهم من هذين الكتابين كتابه: «اتفاق المبانى وافتراق المعانى فى اللغة»
(1) راجع فى ابن برى معجم الأدباء 12/ 56 وابن خلكان 3/ 108 وإنباه الرواة 2/ 110 وشذرات الذهب 4/ 273 وبغية الوعاة ص 278.
(2)
انظر ابن بنين فى معجم الأدباء 11/ 244 وفى بغية الوعاة 261.
ومنه مخطوطتان بدار الكتب المصرية. وله كتب عدة فى العروض، منها كتاب الروض الأريض فى أوزان القريض، والكتاب الوافى فى علم القوافى.
وظل هذا النشاط اللغوى ينمو بمصر ويتسع نموه طوال القرن السابع الهجرى وزمن الأيوبيين والمماليك إلى أن توّج بكتاب لسان العرب لابن (1) منظور المتوفى سنة 711 وهو مطبوع فى عشرين مجلدا، وهو أكبر معجم لغوى عربى ظهر فى الأزمنة الماضية، وقد أتم مؤلفه تصنيفه سنة 689 للهجرة، وذكر فى مقدمته أنه جمع فيه بين معجم التهذيب للأزهرى ومعجم الصحاح للجوهرى والمعجم المعروف باسم المحكم لابن سيده وحواشى الصحاح لابن برى والنهاية فى غريب الحديث النبوى لابن الأثير، وهو معجم تنوء به الجماعة أولو القوة، ولابن منظور بجانبه مصنفات كثيرة من أهمها مختصر الأغانى.
ويظل لمصر نشاط لغوى غزير بعد ابن منظور، وتظل لها مشاركة فى وضع المعاجم لا المعاجم اللغوية فقد كفاها ابن منظور المئونة فى ذلك فحسبها معجمه، بل فى وضع المعاجم المتخصصة مثل المصباح المنير فى غريب الشرح الفقهى الكبير للرافعى صنفه أحمد (2) بن محمد الفيومى المتوفى سنة 770 وهو ليس فى ألفاظ الإمام الرافعى الشافعى فحسب، بل هو يتضمنها ويتضمن بصفة مختصرة ألفاظ العربية فى عرض حسن، وألحق به خاتمة كثيرة الفوائد اللغوية.
وما يزال النشاط اللغوى الخالص فى مصر يزداد حتى يبلغ ذروة رفيعة عند جلال الدين عبد الرحمن (3) السيوطى المتوفى سنة 911 للهجرة وهو أغزر العلماء المصريين زمن المماليك بعامة تأليفا وتصنيفا فى جميع الميادين الإسلامية واللغوية، ومن خير مصنفاته اللغوية بل من خير المصنفات اللغوية فى جميع الحقب بمصر وغير مصر كتابه «المزهر فى علوم اللغة وأنواعها» وهو مطبوع مرارا بالقاهرة، وفيه يعرض كل ما اتصل باللغة من علوم وضعت لمعرفة الصحيح وغير الصحيح والمعرب والمولد والاشتقاق والمشترك والأضداد والمترادف والقلب والنحت والإتباع والإبدال وغير ذلك من علوم اللغة ومسائلها الدقيقة. وأهم من ذلك كله أنه حاول محاولة خصبة
(1) راجع ابن منظور فى نكت الهميان ص 275 والدرر الكامنة 5/ 31 وحسن المحاضرة 1/ 534 والبغية ص 106 وفوات الوفيات 2/ 524 والوافى 5/ 54 والشذرات 6/ 26.
(2)
انظر الفيومى فى الدرر الكامنة لابن حجر (نشر دار الكتب الحديثة) 1/ 334.
(3)
انظر مصادر ترجمة السيوطى مع الحديث عنه ص 455.
أن يطبق علم مصطلح الحديث وما وضع فيه لروايته من أصول على اللغة وروايتها، ويفيض فى ذلك إفاضة واسعة، ففى ألفاظ اللغة-كالحديث النبوى-متواتر وآحاد ومرسل ومنقطع وضعيف ومنكر ومتروك ومطرد وشاذ. ويتحدث عمن تقبل روايته ومن تردّ، وعن معرفة طرق أخذ اللغة وتحملها وعن المنتحل المصنوع فى اللغة وأشهر من نحل الشعر وأفسده. والكتاب فريد فى بابه ومباحثه. ونمضى بعد السيوطى فى زمن العثمانيين، ويظل لعلماء اللغة فى مصر نشاطهم، ومن خير من يمثلهم شهاب (1) الدين الحفاجى المتوفى سنة 1069 ومن مؤلفاته الرائعة كتابه «شفاء الغليل بما فى كلام العرب من الدخيل» وقد صدره بمقدمة تحدث فيها عن التعريب وشروطه، وله شرح على درة الغواص فى أوهام الخواص للحريرى. وتظل مصر مع ما أصابها زمن الاحتلال العثمانى حاملة مشاعل الثقافة العربية فى اللغة وغير اللغة، وينزلها كثيرون من علماء الديار العربية، وممن نزلها-كما مر بنا فى الجزء الخامس من هذه السلسلة-السيد مرتضى الزبيدى اليمنى المتوفى سنة 1205 هـ/1790 م إذ اتخذها دار مقام له سنة 1167 حتى لبى نداء ربه، وأكرمه المصريون وعلماؤها، وعكف منذ نزوله على شرح القاموس المحيط للفيروزابادى. ومازال عاكفا على عمله حتى أتمه سنة 1181 وهو مطبوع فى عشر مجلدات، وقد سماه باسم «تاج العروس» . وهو يتلو لسان العرب فى كبر حجمه، وفى الجبرتى تقاريظ كثيرة للمصريين فيه. وكأنه أتيح لمصر أن تضع أكبر معجمين للعربية: اللسان فى زمن المماليك وتاج العروس فى زمن العثمانيين، كما أتيح لها أن تضع أكبر دائرة معارف فى المباحث اللغوية ونقصد كتاب المزهر للسيوطى.
ومرّ بنا فى صدر هذا الحديث أنه كانت بمصر طبقة من المؤدبين أخذت تتكاثر فى القرنين الثانى والثالث، وكانت تعلم الناشئة اللغة والنحو، ومنذ أواسط القرن الثالث يصبح لمصر نحاتها من أبنائها ونزلائها فى مقدمتهم ولاد التميمى الذى مرّ ذكره فى اللغويين، وكان نحويا كبيرا كما كان لغويا كبيرا، وكان يعاصره أحمد (2) بن جعفر الدينورى نزيل الفسطاط المتوفى سنة 289 وقد درس على المازنى بالبصرة كتاب سيبويه ولما استوطن مصر واستقرّ بها صنف لطلابه كتابا فى النحو سماه المهذب، وعنه حمله المصريون. ويلقانا فى زمنه محمد (3) بن ولاد آنف الذكر المتوفى سنة 298
(1) انظر مصادر ترجمة الخفاجى ص 459.
(2)
انظر الدينورى فى معجم الأدباء 2/ 239 وإنباه الرواة 1/ 33 وما به من مراجع.
(3)
راجع محمد بن ولاد فى تاريخ بغداد 3/ 332 ومعجم الأدباء 19/ 105 وإنباه الرواة 3/ 224 وما به من مراجع.
وقد أخذ كل ما عند أبيه وعند أبى جعفر الدينورى، ورحل إلى بغداد وقرأ على المبرد كتاب سيبويه وعاد إلى الفسطاط يدرس النحو، وصنف لطلابه كتابا سماه المنمق. ونزل الفسطاط فى سنة 287 الأخفش (1) الصغير على بن سليمان، وظل بها حتى سنة 300 للهجرة، يعلم الطلاب النحو واللغة، وله شرح على كتاب سيبويه، لعله أملاه بمصر. ونمضى فى القرن الرابع الهجرى فيلقانا أبو العباس أحمد بن محمد بن ولاد المار ذكره، وكان نحويا كبيرا كما كان لغويا كبيرا وإليه صارت نسخة أبيه من كتاب سيبويه التى قرأها على المبرد، وله كتاب «الانتصار لسيبويه من المبرد» وفيه يرد على المبرد ما نقد به سيبويه فى كتابه الذى سماه «مسائل الغلط» . وله آراء (2) نحوية طريفة.
وكان يعاصره كما مر بنا أبو جعفر النحاس اللغوى والنحوى الكبير، وكان يمزج فى كتبه النحوية بين آراء البصريين والكوفيين وأحيانا ينفذ إلى آراء اجتهادية جديدة مما يجعله بحق طليعة (3) المدرسة البغدادية فى مصر كما يتضح من كتابه الصغير «التفاحة فى النحو» وكتابه الكبير الرائع النفيس:
«إعراب القرآن» . ويبدو أن اسمه واسم معاصره ابن ولاد طار إلى المغرب والأندلس فرحل إليهما كثيرون من الطلاب يأخذون عنهما، ومربنا أن منذر بن سعيد قاضى الجماعة بالأندلس حمل عن ابن ولاد كتاب العين للخليل بن أحمد، فمصر هى التى أذاعته فى الأندلس والمغرب. وحمل محمد بن يحيى الرّباحى عن أبى جعفر النحاس كتاب سيبويه رواية ودراية ودرّسه (4) لطلابه بقرطبة، وشاعت رواية هذه النسخة بحيث أصبحت أم الدراسات النحوية فى الأندلس وما رافقها هناك من نهضة فى النحو ومباحثه.
وأول نحوى كبير يلقانا فى زمن الفاطميين الحوفى (5) على بن إبراهيم المتوفى سنة 430 تصدّر لإقراء النحو وصنف فيه كتابا كبيرا استوفى فيه-كما قال من ترجموا له-العلل والأصول. وله مصنفات أصغر منه فى النحو اشتغل بها المصريون، وله فى إعراب القرآن كتاب فى عشرة مجلدات، ويبدو مما نقله عنه ابن هشام من آراء نحوية أنه كان بغدادى (6) النزعة يختار بعض آراء البصريين والكوفيين ويحاول النفوذ إلى بعض آراء جديدة. وكان يعاصره الذاكر (7) النحوى
(1) انظر الأخفش الصغير فى تاريخ بغداد 12/ 433 وابن خلكان 3/ 301 ومعجم الأدباء 13/ 461 وإنباه الرواة 2/ 276.
(2)
انظر كتابنا المدارس النحوية ص 330.
(3)
المدارس النلحوية ص 332.
(4)
إنباه الرواة 3/ 230.
(5)
انظر الحوفى فى الأنساب للسمعانى الورقة 181 ومعجم الأدباء 12/ 221 وابن خلكان 3/ 300 وإنباه الرواة 2/ 219 والشذرات 3/ 247.
(6)
المدارس النحوية ص 334.
(7)
إنباه الرواة 2/ 8.
المصرى تلميذ ابن جنى المتوفى سنة 440 وكان يتصدّر لإقراء العربية، وأغلب الظن أنه حمل إلى المصريين كتب أستاذه ابن جنى فأخذوا يدرسونها مبكرين. وأنجبت مصر حينئذ نحويا كبيرا هو ابن بابشاذ (1) طاهر بن أحمد المتوفى سنة 469 وكان قد رحل إلى بغداد وأخذ عن علمائها ونحاتها وعاد فتصدر للإقراء بجامع عمرو بن العاص فى الفسطاط. وكان يسند إليه الإشراف على تحرير الكتب الصادرة عن ديوان الإنشاء الفاطمى إلى الأطراف، وله فى النحو كتب سارت-كما يقول القفطى-مسير الشمس، منها المقدمة فى النحو وشرحها، وهو منشور بالكويت نشرة جيدة.
ومن مصنفات ابن بابشاذ شرح كتاب الجمل للزجاجى أحد أئمة النحو البغدادى، وله كتاب سماه المحتسب فى النحو وشرح على كتاب الأصول لابن السراج، وكانت له تعليقة كبيرة فى النحو فى خمسة عشر مجلدا. وكان ينزع منزع البغداديين (2) فى الانتخاب من آراء الكوفيين والبصريين ومحاولة الإدلاء بآراء جديدة. وخلفه على التصدّر لإقراء النحو تلميذه محمد (3) بن بركات المتوفى سنة 520 وكانت له فى النحو تصانيف مختلفة كما كان إليه التصفح فى ديوان الإنشاء الفاطمى.
وأكبر نحاة مصر فى أواخر زمن الفاطميين وأوائل زمن الأيوبيين ابن برّى الذى أسلفنا الحديث عنه بين اللغويين، وكان يتصدر لإقراء النحو واللغة بجامع عمرو، وطارت شهرته فى الآفاق، فقصده الطلاب من كل بلد وفى مقدمتهم عيسى الجزولى نحوىّ المغرب والأندلس، وقد دوّن عنه فى أثناء شرحه لكتاب الجمل للزجاجى مقدمته المعروفة بالجزولية، وكان يقول إنها من نتائج خواطر ابن برى وتلاميذه، واهتم بها النحاة وشرحوها مرارا، وهو بغدادى (4) النزعة فى النحو مثل أستاذه ابن برى وغيره من نحاة المصريين لزمنه. وخلف ابن برى فى إقراء النحو تلميذه سليمان بن بنين، ومرّ بنا بين اللغويين، وله فى النحو شرح على سيبويه سماه «لباب الألباب فى شرح الكتاب» . ونزل مصر يحيى (5) بن معطى المغربى الدمشقى المتوفى سنة 628 واستقر بها وتصدر بجامع عمرو لإقراء الطلاب النحو، وله مصنفات مختلفة فى النحو منها ألفية كألفية ابن مالك وكتاب العقود والقوانين فى النحو، وكتاب الفصول، وحواش على أصول ابن السراج، وشرح
(1) انظر ابن بابشاذ فى معجم الأدباء 12/ 17 وإنباه الرواة 2/ 95 وابن خلكان 2/ 515 والشذرات 3/ 333 ومرآة الجنان 3/ 98 والبغية ص 24.
(2)
المدارس النحوية ص 336.
(3)
راجع محمد بن بركات فى معجم الأدباء 18/ 39 وإنباه الرواة 3/ 78 والشذرات 4/ 62 ومرآة الحنان 3/ 225 والبغية ص 24.
(4)
المدارس النحوية ص 301، 338.
(5)
انظر ابن معطى فى معجم الأدبا 20/ 35 والبغية 416 والشذرات 5/ 29 وتاج التراجم 83.
على الجمل. وكان يعاصره ابن الرماح على (1) بن عبد الصمد المتوفى سنة 633 تصدّر لإقراء النحو وله فيه مجموع يتردد ذكره فى كتاب الأشباه والنظائر للسيوطى. ونلتقى بعلى (2) بن محمد السخاوى المتوفى سنة 643 وله شرحان على كتاب المفصل للزمخشرى، واسمه يتكرر فى كتاب الأشباه والنظائر. وأهم النحاة المصريين حينئذ بلا منازع ابن الحاجب (3) عثمان بن عمر المتوفى سنة 646 كان أبوه حاجبا لبعض الأمراء فغلبت عليه النسبة إلى وظيفته. وله كتب كثيرة فى الفقه المالكى والأصول والعروض، وله فى النحو كتاب الأمالى، وكتاباه الكافية فى النحو والشافية فى الصرف طارت شهرتهما فى العالم الإسلامى، وتعلق العلماء بدرسهما للطلاب فى كل مكان، وكثرت عليهما الحواشى والشروح كثرة مفرطة، ومن أهم شروحهما شرح الرضى الإسترابادى. وينزع ابن الحاجب فى كتاباته النحوية منزع المدرسة البغدادية (4)، فهو ينتخب من آراء المدرستين البصرية والكوفية ويضيف إليهما آراء اجتهادية تدل على حسن بصره وبالغ دقته وحدة ذكائه.
وتزدهر الدراسات النحوية فى زمن المماليك، ونلتقى فى أوائله بأمين الدين المحلى (5) محمد بن على المتوفى سنة 673 تصدر لإقراء النحو وانتفع به الناس، وله تصانيف مختلفة فى النحو والعروض. وكان يعاصره بهاء الدين (6) بن النحاس الحلبى الأصل المتوفى سنة 698، نزل مصر وأخذ عن شيوخها ولم يلبث أن تصدر لإقراء العربية، وعليه تتلمذ أبو حيان الأندلسى المتوفى سنة 745 حين نزوله مصر سنة 679 وله مصنفات مختلفة، من أهمها شرح على المقرب لابن عصفور.
وأبو حيان (7) هو أهم تلاميذه، فقد لزمه وأخذ عنه كتبه، وتصدر لتدريس النحو فى جامع الحاكم بالقاهرة وله شروح كثيرة على أمهات الكتب النحوية مثل الكتاب لسيبويه والمقرب والممتع لابن عصفور والتسهيل لابن مالك وأيضا له شرح على ألفيته، وبجانب ذلك له مصنفات نحوية مستقلة أهمها ارتشاف الضّرب أى عسل النحو، ويغلب عليه متابعة البصريين (8) ويتصدى
(1) راجع ابن الرماح فى البغية ص 341.
(2)
انظر العلم السخاوى فى معجم الأدباء 15/ 65 وابن خلكان 3/ 340 وإنباه الرواة 2/ 311 والبغية ص 349 وطبقات القراء 1/ 568 والسبكى 8/ 297 وحسن المحاضرة 1/ 412.
(3)
راجع ترجمة ابن الحاجب فى ابن خلكان 3/ 248 وطبقات القراء 1/ 508 وطبقات الذهبى 2/ 201 والديباج لابن فرحون ص 372 والشذرات 5/ 234 والبغية ص 323 وبروكلمان 5/ 308.
(4)
المدارس النحوية ص 343 وما بعدها.
(5)
حسن المحاضرة 1/ 533.
(6)
بغية الوعاة ص 6.
(7)
انظر أباحيان فى الدرر الكامنة لابن حجر 4/ 302 والبغية ص 126 ونكت الهميان ص 280 وطبقات الشافعية للسبكى 9/ 276 وطبقات القراء 2/ 285 وفوات الوفيات 2/ 555 والشذرات 6/ 145 ونفح الطيب (طبعة دوزى) 1/ 823.
(8)
المدارس النحوية ص 321 وما بعدها.
كثيرا فى مؤلفاته لابن مالك وآرائه، وقد تخرج به جيل من النحاة المصريين لزمنه. ومن أهم تلاميذه ابن أم قاسم (1) الحسن بن قاسم المتوفى سنة 749 وأم قاسم جدته لأبيه نسب إليها. وله شروح على مفصل الزمخشرى وتسهيل ابن مالك وألفيته. وخرجت مصر حينئذ أكبر نحاتها ابن هشام (2) جمال الدين عبد الله بن يوسف المتوفى سنة 761 وقد طارت شهرته فى العربية وقصده الطلاب من كل فج، وبلغ من إعجاب معاصريه به أن قالوا إنه أنحى من سيبويه، وله مصنفات نحوية كثيرة من أهمها «مغنى اللبيب عن كتب الأعاريب» وهو فى جزءين: جزء خاص بالحروف والأدوات وجزء خاص بالجمل، بثّ فيه كثيرا من القواعد الكلية والملاحظات الدقيقة. وله كتاب «أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك» وكتاب «شذور الذهب» وكتاب «قطر النّدى» وكل هذه الكتب مطبوعة مرارا وتكرارا. وهو ينهج فى النحو منهج المدرسة البغدادية. وكان يعاصره ابن (3) عقيل عبد الله بن عبد الرحمن المتوفى سنة 769 ومن أهم مصنفاته شرحه على الألفية.
وهو مشهور. ونلتقى فى القرن التاسع الهجرى بالدمامينى (4) الإسكندرى المتوفى بالهند سنة 837 تصدّر لإقراء النحو بالإسكندرية ثم بالجامع الأزهر، وله حاشية على المغنى لابن هشام. وفيها يتحامل عليه تحاملا شديدا مما جعل الشّمنّى الإسكندرى المتوفى سنة 872 يتعقبه فى حاشية له على المغنى، والحاشيتان مطبوعتان معا. ونلتقى بعدهما (5) بالكافيجىّ محمد بن سليمان الرومى المتوفى سنة 879 وله مختصرات نحوية مختلفة. ومن أهم النحاة حينئذ الشيخ خالد (6) الأزهرى المتوفى سنة 905 تصدر لإقراء الطلاب فى الأزهر فنسب إليه، وله مصنفات نحوية مختلفة منها «المقدمة الأزهرية فى علم العربية» وشرح عليها، وهما مطبوعان، وله شروح على مصنفات نحوية متعددة أهمها شرحه:«التصريح على التوضيح» لابن هشام. وكان يعاصره السيوطى وكان نحويا كبيرا كما كان لغويا كبيرا، وله فى كليات النحو كتاب «الأشباه والنظائر» فى أربعة مجلدات. وفيه طبق
(1) البغية ص 226.
(2)
انظر ابن هشام فى الدرر الكامنة 7/ 308 والشذرات 6/ 191 والبغية ص 293 والبدر الطالع 1/ 401 وكتابنا «المدرس النحوية» ص 346.
(3)
راجع ابن عقيل فى الدرر الكامنة 2/ 372 والبغية ص 284 والشذرات 6/ 204 والبدر الطالع 1/ 386 وكتابنا «المدارس النحوية» ص 355.
(4)
انظر الدمامينى فى الضوء اللامع ج 7 رقم 445 والشذرات 7/ 181 والبغية ص 27 والبدر الطالع 2/ 150.
(5)
انظر الكافيجى فى الضوء اللامع ج 7 رقم 655 والبغية ص 48 وشذرات الذهب 7/ 326.
(6)
راجع الشيخ خالد فى الضوء اللامع ج 2 رقم 661 وشذرات الذهب 8/ 26 والكواكب السائرة 1/ 188 والخطط الجديدة لعلى مبارك 10/ 53.
على قواعد النحو الكلية منهج الفقهاء فى كتاباتهم عن الأشباه والنظائر فى الفقه، وهو كتاب نفيس، وقد طبع بحيدر آباد. وله كتاب الاقتراح وهو مختصر لطيف فى أصول النحو ألفه على هدى كتاب الخصائص لابن جنى كما يقول فى مقدمته. وله فى النحو والتصريف كتاب همع الهوامع فى مجلدين ضخمين ضمّ فيه خلافات النحاة وآراءهم. وهو دائرة معارف نحوية وصرفية بديعة.
ويلقانا فى أوائل زمن العثمانيين الأشمونى (1) على بن محمد المتوفى سنة 929 للهجرة ومن أهم مصنفاته النحوية شرحه على ألفية ابن مالك. وهو يعرض فيه بدقة آراء النحاة المختلفين، وهو مثل شرح ابن عقيل على الألفية من أشهر كتب النحو المتداولة. ويستمر نشاط علماء النحو طوال أيام العثمانيين، ومن أشهرهم فى القرن الحادى عشر الشنوانى المتوفى سنة 1019 والدنوشرى المتوفى سنة 1025، وينزل القاهرة عبد القادر (2) البغدادى المتوفى سنة 1093 ومن مؤلفاته:«خزانة الأدب» وهى شرح لشواهد شرح الكافية فى أربعة مجلدات، وعادة يذكر مع الشواهد شعراءها ويترجم لهم، وبذلك أحال خزانته إلى دائرة معارف لشعراء العربية فى الجاهلية وصدر الإسلام، ونمصى إلى القرن الثانى عشر فيلقانا الخفى المتوفى سنة 1181 ومحمد الأمير المتوفى سنة 1188 وله حاشية على المغنى. وهى مطبوعة. ولا نلبث أن نلتقى بالشيخ حسن الكفراوى (3) المتوفى سنة 1202 صاحب شرح الأجرومية المشهور. ونلتقى بالصبان (4) محمد بن على المتوفى سنة 1206 هـ/1791 م صاحب حاشيته المشهورة على شرح الأشمونى، وهى أشبه بدائرة معارف نحوية، وترمز بقوة إلى استمرار النشاط النحوى بمصر حتى نهاية أيام العثمانيين.
وإذا تركنا علمى النحو واللغة إلى علوم البلاغة والنقد. رأينا مصر تتأخر فى إفراد العلوم البلاغية بمصنفات خاصة بها، وأول كتاب بحده يعنى بمباحث البلاغة كتاب لابن وكيع التنيسى.
المتوفى سنة 393 سماه المنصف (5) فى بيان سرقات المتنبى، وهو بذلك أدخل فى مباحث النقد.
(1) انظر الأشمونى فى الضوء اللامع 6/ 5 وشذرات الذهب 8/ 165 والبدر الطالع 1/ 491 وفيه أنه توفى سنة 918.
(2)
انظر فى عبد القادر البغدادى خلاصة الأثر 2/ 451 ودائرة المعارف الإسلامية وما بها من مراجع.
(3)
تاريخ الجبرتى 2/ 165.
(4)
تاريخ الجبرتى 2/ 227 والخطط التوفيقية 3/ 306
(5)
انظر فى هذا الكتاب تاريخ النقد الأدبى عند العرب لإحسان عباس ص 294. وقد نشره بدمشق الدكتور محمد رضوان الداية.
غير أنه جعل بين يديه مبحثين: مبحثا فى السرقات الشعرية عامة، ومبحثا فى فنون البديع، وهو فيه يذكر أولا مصطلحاته التى دونها ابن المعتز فى كتاب البديع ثم يذكر ما أضافه قدامة فى نقد الشعر، ويستمد من كتاب ثالث لا يسمى صاحبه، وربما كان كتاب حلية المحاضرة للحاتمى.
والكتب الثلاثة فعلا أهم كتب ألفت فى البديع قبله. وكأن مصر إن كانت قد تأخرت فى وضع المباحث البلاغية فإنها لم تقصر فى الاطلاع على ما وضعت العراق منها حتى زمن ابن وكيع، وظلت تعنى بعده بالاطلاع على مباحث العراقيين وغير العراقيين حتى نهاية زمن الفاطميين، تدل على ذلك كتابات على بن منجب الصيرفى المتوفى سنة 542 وإذ نراه فى كتابه: قانون ديوان الرسائل يتحدث عن البلاغة حديثا سريعا وعرض فى بعض رسائله لفنى الجناس والتورية من فنون البديع.
ولعل أول كتاب بلاغى ألّف فى مصر بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة كتاب غرائب التنبيهات على عجائب التشبيهات لعلى (1) بن ظافر الأزدى المصرى المتوفى سنة 623. وسبقته فى نفس الموضوع كتب أخرى من أهمها كتاب التشبيهات لابن أبى عون وقد عرضنا له فى الجزء السابق من هذه السلسلة، وقد توفى سنة 323. ويذكر ابن ظافر فى مقدمة كتابه أنه قدمه للملك الأفضل على بن صلاح الدين سنة 587 فى حياة أبيه، وهو منشور بالقاهرة. وجعله ابن ظافر فى ستة أبواب: أولها فى تشبيه الأجرام العلوية والثانى فى تشبيه المياه والأنهار والثالث فى تشبيه الأنوار والأثمار والنبات والرابع فى التشبيه الواقع فى الخمريات والخامس فى التشبيه الواقع فى الغزل والسادس فى تشبيهات مختلفة. والكتاب يجمع طرف التشبيه فى هذه الموضوعات المتنوعة، وخاصة تلك التى دارت على ألسنة المحدثين من شعراء مصر والشام والعراق والمغرب والأندلس، واستعان فى ذلك بكتب الأدب العامة مثل اليتيمة للثعالبى والخريدة للعماد الأصبهانى. ونعجب إذ نرى شعراء العالم العربى معروضين فى الكتاب مع فرائدهم فى التشبيه، غير أن العجب يزول إذا عرفنا ما أكّدناه مرارا من أن العالم العربى كانت تسوده وحدة جعلت آثاره الأدبية والعلمية وكأنها آثار كل بلد من بلدانه، مما جعل دواوين الشعراء تتداول فى أوسع نطاق، بحيث لم يكن يظهر شاعر فى بلدة وينال شيئا من الشهرة حتى تتناقل ديوانه وأشعاره البلدان العربية المختلفة. ويلقانا
(1) انظر على بن ظافر فى معجم الأدباء 13/ 264 وفوات الوفيات 2/ 106.
بعد ابن ظافر عبد الرحيم (1) بن شيث المتوفى سنة 625 ونراه فى كتابه «معالم الكتابة ومغانم الإصابة» يعقد فصلا للبلاغة يعرض فيه للإيجاز والمساواة واختيار الألفاظ والسجع وبعض فنون البديع. ويتلوه العز بن عبد السلام الإمام الشافعى المشهور نزيل القاهرة سنة 640 وقد ظل فيها علما كبيرا فى الفقه الشافعى وغيره، وله كتاب منشور سماه الإشارة إلى الايجاز فى بعض أنواع المجاز، وهو بذلك كتاب فى علم البيان، وقد قصره على إحصاء دقيق لأمثلة المجاز فى الذكر الحكيم، عنى فيه بالأمثلة أكثر مما عنى بالقواعد وتفاريعها الكثيرة المعروفة فى علم البيان.
وأهم من العز بن عبد السلام فى ميدان التأليف بمصر فى البلاغة وفنون البديع معاصران له هما أحمد بن يوسف التيفاشى المغربى الجزائرى نزيل مصر المتوفى سنة 651 وابن أبى الإصبع المصرى المتوفى سنة 654. أما التيفاشى فذكرنا عنه فى غير هذا الموضع أنه نزل مصر فى باكورة شبابه وأنها تعهدته حتى أصبح عالما لا يشقّ غباره فى التاريخ الطبيعى والجيولوجيا وكان أديبا وعنى بالتأليف فى البديع وألف فيه كتابا أحصى فيه سبعين محسنا من المحسنات البديعية، وسقط الكتاب من أيدى الزمن. أما ابن أبى الإصبع فيعد أكبر بلاغى ظفرت به مصر فى القرن السابع الهجرى، وله كتابان: تحرير التحبير فى صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن، وكتاب بديع القرآن.
والكتابان جميعا فى دراسة البديع وألوانه فى الشعر والنثر وآى القرآن الكريم، وواضح من عنوان ثانيهما أنه خاص ببديع الذكر الحكيم، والكتابان منشوران بالقاهرة. ويذكر ابن أبى الإصبع فى تقديمه للكتابين مصادره ومنها نتبيّن أنه لم يكد يترك كتابا ألف فى البلاغة وفنون البديع وإعجاز القرآن الكريم إلا رجع إليه، من ذلك نظم القرآن للجاحظ وبديع ابن المعتز ونقد الشعر لقدامة وحلية المحاضرة للحاتمى والمنصف لابن وكيع المصرى والصناعتين لأبى هلال العسكرى والنكت فى إعجاز القرآن للرمانى وإعجاز القرآن للباقلانى والمجاز للشريف الرضى والموازنة للآمدى والوساطة لعلى بن عبد العزيز الجرجانى والعمدة لابن رشيق وسرّ الفصاحة لابن سنان الخفاجى ودلائل الإعجاز وأسرار البلاغة لعبد القاهر الجرجانى والكشاف للزمخشرى ونهاية الإيجاز فى دراية الإعجاز للفخر الرازى والمثل السائر لابن الأثير وبديع شرف الدين التيفاشى إلى غير ذلك من مصنفات كثيرة. وإنما ذكرنا الأمهات لندل على أن كتب البلاغة والبديع كانت تدرس فى مصر، وكان المصريون يعكفون على قراءتها فهما وفقها ودراسة واستنباطا. ويعرض ابن أبى الإصبع فى كتابه
(1) انظر ترجمة ابن شيث فى فوات الوفيات 1/ 560 وشذرات الذهب 5/ 117 والطالع السعيد للإدفوى 160 وكتابه: «معالم الكتابة» طبع ببيروت سنة 1913.
تحرير التحبير الألوان البديعية التى اختص بها ابن المعتز، ثم يعرض الألوان العشرة التى انفرد بها قدامة وقد بلغت جميعا ثلاثين لونا، ويسمى هذه الألوان الأصول، حتى إذا انتهى من عرضها أتبعها بالفروع التى ذكرها المؤلفون حتى زمنه وقد بلغت ستين محسنا، ويتلوها بثلاثة محسنات نقلها عن بديع الإجدابى، وبذلك تبلغ الألوان البديعية ثلاثة وتسعين لونا، ويتلوها بثلاثين لونا من عمله واكتشافه، سلّم له البلاغيون منها نحو عشرين محسنا، وقالوا إن الباقى إما مسبوق إليه أو مدخول عليه (1). وصنف بعد هذا الكتاب كتابه الثانى «بديع القرآن» ذكر فيه أولا-كما قلنا آنفا-أصول المحسنات البديعية عند ابن المعتز وقدامة، ثم مضى فى ذكر المحسنات الفرعية حتى بلغ بها مائة محسن وتسعة. ويلاحظ أنه أدخل فى تلك المحسنات الصور البيانية وطائفة من أبواب علم المعانى كالتكرار والتفصيل والإيضاح والبسط أو الإطناب والإيجاز وبذلك وسع مدلول المحسنات البديعية وظل ذلك عند أصحاب البديع من بعده.
وتشغل مصر طويلا بكتابى ابن أبى الإصبع، حتى إذا كنا فى منتصف القرن الثامن الهجرى وجدناها تسهم فى العناية بمباحث المشارقة فى البلاغة وعلومها الثلاثة: المعانى والبيان والبديع، وكان الخطيب القزوينى قد لخص القسم الثالث من مفتاح العلوم للسكاكى، وهو القسم الخاص بعلوم البلاغة، وأحسن فى هذا التلخيص إلى حد بعيد. مما جعل الشراح يعنون بتفسيره والتعليق عليه، ويعنى بذلك شارح مصرى هو أحمد (2) بن على بن عبد الكافى السبكى المتوفى سنة 773 ويسمى شرحه «عروس الأفراح فى شرح تلخيص المفتاح» ونراه فى فواتحه يشيد بالمصريين وما طبعوا عليه من الذوق السليم الذى أغناهم عن التعمق فى مباحث السكاكى البلاغية وشراحه الإيرانيين لاهتمامهم جميعا بالعلوم العقلية والفلسفية، ويصور عمله فى شرحه قائلا:«اعلم أنى مزجت قواعد هذا العلم (علم البلاغة) بقواعد الأصول والعربية. . وضمنته شيئا من القواعد المنطقية والمعاقد الكلامية والحكمة الرياضية أو الطبيعية» . وكأنما أعدته فى شرحه طريقة المشرقيين أو المشارقة، فعاد يصل فى شرحه بين البلاغة وعلوم المنطق والكلام والفلسفة الطبيعية والرياضية، مما أصاب البلاغة ومباحثها بالجفاف فى مصر كغيرها من بلدان المشرق. وكانت قد أخذت تظهر بديعيات مختلفة وهى مدائح نبوية تشتمل المدحة منها على محسنات البديع، بحيث
(1) نفحات الأزهار على نسمات الاسحار (طبع دمشق) ص 3.
(2)
انظر فى ترجمة السبكى ترجمة أبيه فى طبقات الشافعية 10/ 139 وراجعه فى الدرر الكامنة 1/ 210 وشذرات الذهب 6/ 226 والنجوم الزاهرة 11/ 121 وإنباء الغمر بأبناء العمر لابن حجر 1/ 21.
يضم كل بيت محسنا من تلك المحسنات. وصنعت لتلك البديعيات شروح تفسرها وتعرض أمثلتها.
ولم تسارع مصر إلى المشاركة فى هذه البديعيات التى أخذت تظهر منذ القرن السابع الهجرى، حتى إذا كنا بأخرة من زمن المماليك وجدنا السيوطى ينظم بديعية يسميها «نظم البديع فى مدح خير شفيع» وله عليها شرح. وتليها بديعية لعائشة الباعونية المتوفاة سنة 930. وتعتنى مصر زمن العثمانيين بتلخيص الخطيب القزوينى وشروحه وخاصة شرح السبكى والسعد التفتازانى.
وإذا كانت المباحث البلاغية تأخرت فى مصر لهذا العصر فإن المباحث النقدية شاركتها فى هذا التأخر، ويلقانا فى أوائل العصر-كما مرّ بنا آنفا-كتاب المنصف لابن وكيع فى بيان سرقات المتنبى ومشكل شعره، وقد ذكرنا أنه احتوى على مقدمة فى فنون البديع، وذهب بلاشير إلى أنه ألفه انتصارا لابن حنزابة وزير كافور إذ ترفع المتنبى عن مدحه فأغرى ابن وكيع بنقده (1). وهو يذكر فى تقديمه لكتابه أن جماعة بالغوا فى مديح المتنبى حتى فضلوه على جميع الشعراء بنتائج فكره وبدائع معانيه، فأراد أن يكشف عن مدى تقليده ومحاكاته لمن تقدموه، ويقدم لكلامه بمبحث عن السرقات يصنفها فيه عشرين صنفا. وتحدث حديثا مجملا-عرضنا له-عن فنون البديع، ثم أخذ يفيض فى سرقات المتنبى متعقبا لها فى قصائده مع ترتيبها ترتيبا تاريخيا. وهو بحث قيم بالقياس إلى غيره من بحوث معاصريه ومن جاء بعدهم ممن عنوا ببيان سرقات المتنبى، إذ يدل على كثرة محفوظه وفطتته ودقته فى الفهم. وقديما قلنا إن نقادنا القدماء كان ينبغى ألاّ يتوسعوا فى بحث سرقات الشعر هذا التوسع كما كان ينبغى أن ينحّوا عنه كلمة السرقة ويسموه التحوير الفنى، ويحاولوا أن يتبينوا مدى قدرة الشاعر على هذا التحوير. ونعجب أن يحاول ابن وكيع بيان الإسفاف عند المتنبى وضعفه اللغوى لبيت وقع عليه عفوا هنا أو هناك، والشاعر لا يقاس ببعض عثرات له ندّت عنه، وإنما يقاس بروائع أبياته وفرائدها البديعة. وهذا وأشباهه عند ابن وكيع جعل ابن جنى يؤلف كتابا فى النقض على ابن وكيع فى شعر المتنبى وتخطئته (2) كما جعل ابن رشيق يقول عنه:«ما أبعد الإنصاف منه» (3). وربما جرّ ابن وكيع إلى ذلك كله أنه كان شاعرا من ذوق غير ذوق المتنبى فأسرف فى التحامل عليه. ولم يؤدّ كتاب المنصف غايته من الهبوط فى مصر بمنزلة المتنبى فقد مضى كثيرون يبالغون فى تشيعهم له، مما جعل العميدى (4) محمد بن أحمد كاتب
(1) انظر أبو الطيب المتنبى لبلاشير ترجمة الدكتور إبراهيم الكيلانى (طبع دمشق) ص 487.
(2)
معجم الأدباء 12/ 113.
(3)
العمدة لابن رشيق 2/ 216.
(4)
انظر العميدى فى معجم الأدباء 17/ 212 وإنباه الرواة 3/ 246 وبغية الوعاة للسيوطى 19.
الإنشاء فى دواوين الفاطميين المتوفى سنة 433 يكتب بحثا ثانيا فى سرقاته باسم «الإبانة عن سرقات المتنبى» وهو يطيل فى عرض هذه السرقات-كما تتراءى له-مع كثير من الغمز واللمز والتجريح للشاعر الكبير، ويعرض-كما عرض ابن وكيع-لبعض عيوبه اللغوية.
وما تزال مصر معنية بالبحث فى السرقات ويقف عندها مرارا ابن منجب الصيرفى فى رسائله، وما تزال معنية بالمتنبى، بل إنها لتمد عنايتها إلى جميع شعراء العالم العربى. ونرى أضواء من ذلك كثيرة فى كتاب فصوص الفصول (1) لابن سناء الملك شاعر صلاح الدين، إذ نراه يجمع فيه بعض الرسائل المتبادلة بينه وبين القاضى الفاضل، وفيها يعرضان كثيرا لشعراء العالم العربى. ومن طريف ما ذكره ابن سناء الملك فيها أنه سأل القاضى الفاضل لماذا يدور شعر المتنبى على كل لسان، فقال لأنه يشتمل على ما يدور بخواطر الناس من أفكار، يقصد حكمه البديعة. وسأله القاضى الفاضل أن ينتخب مختارات من شعر ابن الرومى فاعتذر عن ذلك بأنه «ليس من أهل اختياره، ولا من الغواصين الذين يستخرجون الدر من بحاره، لأن بحاره زخّارة، وأسوده زآرة، ومعدن تبره مردوم بالحجارة، وعلى كل عقيلة ألف نقاب بل ألف ستارة، يطمع ويوئس، ويوحش ويؤنس، وينير ويظلم، ويصبح ويعتم، شذرة وبدرة، ودرة وآجرّه، وقبلة بجانبها لسعة» ، وابن سناء الملك بذلك عبر فى وضوح عن مدى التفاوت بين أشعار ابن الرومى، وهو نقد دقيق، وسأله القاضى الفاضل مرة أخرى صنع منتخب لشعر ابن رشيق، فصنعه، وذكر له فى إحدى رسائله ذلك كما ذكر له أن شعره مسروق من شعر ابن المعتز والمتنبى، يقول:«ولو لم يخلق الله ابن المعتز والمتنبى لما كان ابن رشيق يعرف الشعر فضلا عن أن ينظمه أو يعلمه، وهو ينهب أشعار هذين الرجلين نهبا قبيحا ولا سيما ابن المعتز» . وينوّه ابن سناء الملك مرارا فى الرسائل بابن المعتز والبحترى. وقد حملت فيما حملت نظرات نقدية للقاضى الفاضل أحيانا فى بعض أبيات لابن سناء الملك، وأورد القلقشندى فى صبحه نموذجا (2) من هذه الرسائل المتبادلة بين الأديبيين الكبيرين، إذ أورد رسالة نقد فيها القاضى الفاضل بيت ابن سناء الملك:
صلينى وهذا الحسن باق فربما
…
يعزّل بيت الحسن منه ويكنس
لذكره فيه كلمة «يكنس» المبتذلة، وردّ عليه ابن سناء الملك بأنه إنما تابع فى ذلك ابن المعتز فى قوله:
(1) منه مخطوطة بدار الكتب المصرية.
(2)
انظر صبح الأعتى 2/ 249 - 252.
وقوامى مثل القناة من الخطّ
…
وخدّى من لحيتى مكنوس
وكأنه يريد أن يقول للفاضل إن الكلمة استعملها ابن المعتز من قبله وأصبحت بذلك كلمة شعرية ولا بأس على شاعر من استعمالها.
وابن سناء الملك أكبر رمز مصرى فى العصر لاتصال شعراء مصر ونقادها بالأدب الأندلسى، فقد درس موشحات الأندلسيين، ولم يكونوا قد وضعوا عروضها فوضعه لها، وكأنه يحلّ من عروض الموشحات الأندلسية محل الخليل بن أحمد من عروض الشعر العربى، وسنتحدث بشئ من التفصيل عن ذلك فى الفصل التالى.
وقد شغل ابن سناء الملك النقاد فى زمنه وبعد زمنه. لا بما وضعه من عروض الموشحات فحسب، بل أيضا بشعره، فقد كان أنبه شاعر أنجبته مصر حتى أيامه، فشغل النقاد طويلا بأشعاره، وفيه وضع ابن جبارة (1) على بن إسماعيل مواطنه المتوفى سنة 632 كتابه «نظم الدر فى نقد الشعر» وهو فى نقد أشعار ابن سناء الملك، والكتاب مفقود، غير أن الصفدى فى كتابه «الغيث المسجّم» الذى وضعه فى شرح لامية العجم نقل عنه أطرافا من نقده لبعض أبيات ابن سناء الملك، ونراه فيها متحاملا عليه تحاملا شديدا أو كما قال الصفدى فى نكت الهميان «متعنتا تعنتا زائدا». من ذلك قول ابن سناء الملك:
بشوك القنا يحمون شهد رضابها
…
ولا بدّ دون الشّهد من إبر النّحل
يصف فى البيت منعة صاحبته وأن أحدا لا يستطيع أن يقترب من حماها لبأس قومها وخشية من رماحهم أن تسفك دمه. وتوقّف ابن جبارة بإزاء البيت (2) وقال إنه أراد أن يمدح قوم صاحبته فهجاهم بالمثل المضمن آخر بيته الذى جعله كفن مّيته لأنه جعل طعن رماحهم كإبر النحل، يقول ابن جبارة: وإبرة النحل لا أثر لها ولا ألم يحصل منها. ويرد عليه الصفدى قائلا:
أما كونه يدعى أنه لا ألم فى إبر النحل ولا ضرر فى الزنابير فهذا مما لم يسمع، وهو تحامل أليس فى إبر النحل والزنابير سمّ يمنع القرب منه والدنو إليه، وغالب الناس يهاب ذلك ولا يقدم عليه، وربما لسع الزنبور بعض الناس فتورّم منه ومات. ورد عليه أيضا ما قاله من أنه شبّه طعن رماح القوم بإبر النحل فهو لم يعقد فى البيت تشبيها، وإنما جاء بمثل ليدل على أن حلاوة ريق صاحبته
(1) انظر فى ابن جبارة نكت الهميان ص 208 وبغية الوعاة ص 329.
(2)
الغبث المسجم شرح لامية المعجم (طبع مطبعة بولاق) 1/ 224.
لا تنال إلا بعد مشقة. وأنكر ابن جبارة فى البيت أيضا كلمة «بشوك القنا» وقال الصفدى ردا عليه إنها استعارة حسنة، وأنشد بيتين للأرجانى وابن خفاجة شبها فيهما القنا بالشوك. وتوقف ابن جبارة بإزاء (1) بيت نظم ابن سناء الملك قصيدته فى مديح القاضى الفاضل، إذ يقول:
يقرى الضيوف شعاع تبر أحمر
…
فشعاع ذاك التّبر نيران القرى
وحاول فى أول نقده أن يثبت سرقة ابن سناء الملك للبيت من بيت لابن عمار وآخر للمتنبى.
وقال الصفدى: إن هذا تعنت زائد إذ ليس للبيت علاقة بما قاله الشاعران. ويسترسل ابن جبارة فى نقده للبيت فيقول: قوله: «يقرى الضيوف شعاع تبر أحمر» . التبر لا يكون إلا كذاك (أى أحمر) وإنما قصد المبالغة وشبه ذلك بشعاع النار التى توقد على اليفاع ليهتدى بها الحيران.
وتهتدى إلى مواضعها الضيفان، وقد جعله يدفع إلى الضيوف صلة الإنعام ويمنعهم من الطعام.
يقول الصفدى: وهذا تعنت لأن التبر منه ما يكون أصفر أو أخضر ومنه ما يكون أحمر وهو المضروب وإنما سماه ابن سناء الملك تبرا مجازا، ولولا ان هذا لازم لما قيل فى بعض المواطن الذهب الأحمر كما يقال الثلج الأبيض. وعلى هذا النحو لا يزال الصفدى يرد على ابن جبارة بعض تعنته وتحامله على ابن سناء الملك. ويفهم من كلام الصفدى أن ابن جبارة كان يستعرض بعض قصائد الشاعر، وما يزال يعلق على طائفة من أبياتها بتحامل شديد.
ولا شك فى أن النقد الأدبى المصرى فى هذا العصر خسر كثيرا بسقوط هذا الكتاب النقدى من يد الزمن. ومن المؤكد أننا لا نستطيع الحكم عليه بدقة من خلال ما نقله عنه الصفدى. وهو فعلا لم يتوسع فى نقله. ولعلنا لا نبعد إذا قلنا إن أهم كتاب ظهر بعد كتاب ابن جبارة هو كتاب خبز الشعير لابن نباتة المتوفى سنة 768 وهو أهم شعراء مصر فى زمن المماليك، وكانت قد حدثت جفوة بينه وبين تلميذه الصفدى بسبب بحث كتبه عن سرقاته من الشعراء السابقين فألف هذا الكتاب موضحا فيه سرقات الصفدى لأشعاره ومعارضته لبعض قصائده. وفى مقدمته (2) يقول:
إنه ليس للصفدى من جيد الأشعار لمعة إلا ومن لفظه مشكاتها. ومضى يذكر الأصل (3) من أبياته أو الأصول، ثم الفرع أو الفروع من أبيات الصفدى. وفى صبح الأعشى دراسة (4) نقدية
(1) الغيث المسجم 1/ 264 وانظر 1/ 128، 243.
(2)
الكتاب مفقود غير أن ابن حجة الحموى احتفظ فى خزانته (طبعة المطبعة الخيرية بالقاهرة) بمقدمة الكتاب ص 15.
(3)
فى الخزانة جملة كبيرة من هذا الكتاب انظر الصفحات 285 - 289.
(4)
انظر صبح الأعشى 2/ 192 - 338.