الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهو يذكر ساعة الموت وقد حفر لحده والمشيعون يحملون نعشه إلى مثواه، وما يلبثون أن ينصرفوا عنه إلى غير رجعة أو مآب، وقد بلى جسده فى التراب ولم تبق من عظامه باقية. ويتساءل هل إذا فتشوا عن ذرة من عظامه أيجدونها أم لا يجدون إلا عدما، فقد مزقت الدنيا إهابه وعظامه فى لحده، وكأنما لا يكفيها ما تصنعه بالإنسان فى حياته من إحراق كبده. وإنه ليندب نفسه ويبكيها وقد غدا وحيدا غريبا فى قفر موحش، بل غدا حبيسا لا زاد ولا ركاب إلى يوم الحشر، وفى الحق أنه كان شاعرا مجيدا وهو يعد أنبه الشعراء المصريين فى زمنه.
6 - شعراء الدعوة الإسماعيلية
مرّ بنا-فى غير هذا الموضع-أن الدولة الفاطمية قامت على أساس العقيدة الإسماعيلية الشيعية وأنه كان لهذه العقيدة طائفة من المبادئ جعلتها متطرفة غاية التطرف، بل جعلتها تنفصل عن نظرية أهل السنة انفصالا تاما. وقد عملت بقوة على نشر هذه المبادئ منذ أول الأمر متخذة دعاة لها فى أقطار العالم الإسلامى، ودفعت معهم الشعراء إلى تقريرها والعمل على إذاعتها وفى مقدمتهم ابن هانى وسنخصه بكلمة. وتميم بن المعز أول خلفائها بمصر يرددها فى أشعاره لأخيه الخليفة العزيز، ولا نكاد نتقدم فى ديوانه حتى نجده يخاطبه بقوله فى إحدى مدائحه (1):
إنما أنت حجّة الله لاحت
…
فى البرايا ووارث الأنبياء
والحجّة عند الإسماعيلية مصدر الحكم ولا يراجع فى حكمه لأن حكمه الحق، ويقول عنه وارث الأنبياء مشيرا بذلك إلى نظرية الدور التى تزعم أن الأئمة منذ آدم يتوالون فى أدوار حتى إذا ختم الأئمة من الأنبياء بالرسول صلى الله عليه وسلم بدأت أئمة آل البيت، وبذلك يصبح العزيز وغيره من الأئمة الفاطميين ورثة للأنبياء، على نحو ما يزعم تميم. ونمضى فى الديوان وفى قراءة مدائحه للعزيز، وسرعان ما نلتقى بقوله فيه (2):
وهو لسان التّقى ومقلته
…
وهو يمين العلا ويسراها
صوّر من جوهر النبوّة إذ
…
كان الورى طينة وأمواها
فمن يطعه يفز بطاعته
…
ومن عصاه فقد عصى الله
(1) الديوان ص 26.
(2)
الديوان ص 38.
وواضح فى البيت الثانى ما كان يردده شعراء الفاطميين من أن الأئمة منهم ومن الأنبياء خلقوا من جوهر لطيف مصفّى وأن أجسادهم ليست كأجساد البشر المادية الغليظة، بل هى أجساد نورانية شفافة. والبيت الثالث يصور بوضوح مبدأ طاعة الإمام فى مذهب الإسماعيلية وأنها واجبة بحيث يفوّض إليه أتباعه أمورهم دون أى مناقشة أو سؤال، إذ هى فريضة توجب طاعة الإمام، وجزء لا يتجزأ من إيمانهم بالدعوة الإسماعيلية. وكانوا يزعمون أن كل إمام من الفاطميين له مرتبة قائم القيامة أو كما يسمونه المهدى المنتظر، وبذلك يخاطب تميم أخاه قائلا (1):
أنت المسمّى المرجّى قبل مولدو
…
والخامس القائم المذكور فى الكتب
وهو يشير فى أول البيت إلى ما كان يؤمن به الإسماعيليون فى الإمامة من فكرة الوصية الشرعية وأن كل إمام تال وصى لسلفه كما قدّر الله وقضى ولا راد لقضائه، ويقول إنه القائم أو المهدى المنتظر وأنه خامس الخلفاء الفاطميين منذ جهرهم بالدعوة فى المغرب، وهم المهدى والقائم والمنصور والمعز ثم العزيز الخامس، أما من كانوا قبلهم فلم يجهروا بالدعوة بل كانوا مستترين يدعون لها سرّا. ويقول تميم أيضا فى العزيز (2):
ما أنت دون ملوك العالمين سوى
…
روح من القدس فى جسم من البشر
نور لطيف تناهى فيك جوهره
…
تناهيا جاز حدّ الشمس والقمر
معنى من العلّة الأولى التى سبقت
…
خلق الهيولى وبسط الأرض والمدر
والبيت الأول يشير فيه تميم بصراحة إلى ما كان يؤمن به الإسماعيليون من أن للإمام نسبتين:
نسبة بروحه إلى عالم القدس، ونسبة بجسده إلى عالم الطبيعة، أما نسبته إلى عالم القدس فهى الجانب النورانى فيه، وهو جانب صاف لطيف، يجعل عقله فوق عقول البشر، عقلا ممثلا للعقل الكلى الفعّال المتصل بالله، وقد سماه بالعلة الأولى، وجعله معنى من معانيه. وأوغل الإسماعيليون فى هذا التصور حين قالوا إن الإمام مدبّر الكون، وما يقولون إلا زورا وبهتانا. وتميم يقول إن هذا العقل الأول أو العلة الأولى أول ما خلق الله، فهو سابق لخلق الهيولى أو المادة وخلق الأرض وما عليها. ونمضى فى قراءة ديوان تميم فنجده يقول فى إحدى مدائحه للعزيز (3):
وإنّ جميع الغيب لله وحده
…
تبارك من ربّ ومن صمد وتر
وما علمت منه الأئمة إنما
…
رووه عن المختار جدّهم الطّهر
(1) الديوان ص 69.
(2)
الديوان ص 224.
(3)
الديوان ص 207. والوتر: الفرد.
وتميم يجعل الغيب فى البيت الأول لله وحده، وأشرك الرسول صلى الله عليه وسلم معه فى علمه، وكأنه يصدر فى ذلك عن قوله جلّ شأنه:{(عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاّ مَنِ اِرْتَضى مِنْ رَسُولٍ)} ولو أنه سكت عند بيان ذلك لما كان فى كلامه غلو، ولكنه لم يسكت بل أضاف أن الأئمة يعلمونه عن طريق الرسول مشيرا إلى ما يزعمه الإسماعيلية من توارث أئمتهم لعلم الغيب عن الرسول وهو تماد فى الغلو والبهتان.
وسنرى ابن هانئ يتمادى مثل تميم فى الغلو، بل لعله يزيد عنه درجة أو درجات، ونرجع إلى كتب التاريخ والشعر والشعراء فلا نجد أصداء واضحة لهما فضلا عن أن تكون قوية فى أشعار من خلفوهما فى القرنين الرابع والخامس للهجرة إلا ما كان من المؤيد داعى الدعاة لعهد المستنصر ولم يكن مصريا، بل كان إيرانيا، وسنخصه بكلمة بعد ابن هانئ، والشاعر المصرى الوحيد الذى ردّد هذا النغم الإسماعيلى الغالى هو ظافر الحداد المتوفى سنة 529 وسنترجم له بعدهما، وكان يعاصره على بن محمد الأخفش وهو مغربى وليس مصريا، ونرى العماد الأصبهانى ينشد له فى الخريدة بيتا فى الخليفة الآمر قائلا (1):
إلى ذروة النّور العلائىّ إنه
…
إلى ذروة النّور الإلهىّ ينسب
وهو ينسب الآمر إلى نور الأنوار، إلى النور الإلهى الذى يعم الأكوان. ويذكر له العماد قصيدة فى الخليفة الحافظ ملاحظا أن الغلو أفضى به إلى الكفر الصريح، إذ يقول فيه مستطردا من وصف الخمر إلى مديحه (2):
صرف جريال يرى تحريمها
…
من يرى الحافظ فردا صمدا
بشر فى العين إلا أنّه
…
من طريق العقل نور وهدى
جلّ أن تدركه أعيننا
…
وتعالى أن تراه جسدا
فهو فى التسبيح زلفى راكع
…
سمع الله به من حمدا
تدرك الأفكار فيه نبأ
…
كاد من إجلاله أن يعبدا
وهو يسبغ على الحافظ صفات الله من الفردية والصمدية، وكان دعاتهم يزعمون أن الله
(1) الخريدة (قسم شعراء مصر) 1/ 239
(2)
الخريدة 1/ 241 والجريال: الخمر
ينبغى أن ينزّه عن الصفات والأسماء، وأن ما فى القرآن الكريم من أسمائه وصفاته إنما هى صفات العقل الكلى الأول وأسماؤه. ومرّ بنا آنفا أنهم كانوا يزعمون أنه ممثول الأئمة، ومن هنا أضفوا عليهم أسماءه وصفاته، وبالغوا فجعلوهم تجسدا للذات العلية، بل إن ابن الأخفش يخلى الحافظ من كل تجسد ومادة، فهو نور خالص لا تدركه الأعين. ويتمادى فى هذا الغلو والبهتان الآثم، حتى ليكاد يجعله معبود الإسماعيلى فى ركوعه وقيامه. ويلقانا نفس الغلو المقيت عند الشريف ابن أنس الدولة داعى دعاتها، إذ يروى أن الخليفة الحافظ صعد المنبر يوم عيد، فوقف بإزائه، وقال يخاطب المصلين (1):
خشوعا فإن الله هذا مقامه
…
وهمسا فهذا وجهه وكلامه
وهذا الذى فى كلّ وقت بروزه
…
تحيّاته من ربّنا وسلامه
وهو غلو ما بعده غلو، بل هو انحراف عن جادّة الدين ما بعده انحراف، وكأنما الحافظ تجسيد للذات الإلهية على نحو ما جسّد المسيحيون الرب فى المسيح.
ويلقانا بأخرة من أيام الدولة الفاطمية يحيى بن حسن بن جبر، وله مجموع (2) فى مدائح بنى أبى أسامة كتّاب الإنشاء فى عهد الحافظ والآمر من قبله، ألفه سنة 525 وجعله الشيخ الأمينى فى الغدير من شعراء المستنصر فى سنة 487 وهو متأخر عنه بشهادة ترجمة العماد الأصبهانى فى الخريدة إذ أنشد له شعرا فى ابن (3) رزّيك الوزير الفاطمى من سنة 549 حتى سنة 556 وله قصيدة فى فضائل على بن أبى طالب وبكاء الحسين أنشدها صاحب «الغدير» وفيها يقول (4):
يا آل أحمد كم يكابد فيكم
…
كبدى خطويا للقلوب بواكى
كبدى بكم مقروحة ومدامعى
…
مسفوحة وجوى فؤادى ذاكى
وإذا ذكرت مصابكم قال الأسى
…
لجفونى اجتنى لذيذ كراك (5)
وابكى قتيلا بالطفوف لأجله
…
بكت السماء دما فحقّ بكاك
وهو يغلو فى مديح على بن أبى طالب، وينسب له كثيرا من معجزات غير ثابتة، كرد الشمس إليه ببابل لقضاء فرض كان سيفوته وقته، ويزعم أن الريح سخّرت له رخاء، ويقول إنه
(1) خطط المقريزى 2/ 214.
(2)
الخريدة 2/ 105
(3)
الخريدة 2/ 231 وما بعدها
(4)
شعراء الغدير 4/ 313 وانظر أدب الطف 2/ 328.
(5)
كراك: نومك.