الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لتنفّست فيك الصّبا مفتوقة
…
بنسيم مسك رياضها المتضوّع
أو ما عجبت لطود عزّ باذخ
…
مستودع فى ذى الثلاث الأذرع
ولخدّ من وطئ الكواكب راقيا
…
كيف ارتضى من بعدها باليرمع
ولقد وقفت على ربوعك شاكيا
…
وبها الذى بى من أسى وتوجّع
وهو يدعو للقبر أن تهب عليه ريح الصّبا العطرة بمسك الرياض ذكى الرائحة وأن يظل ذلك دائما أبدا، ويعجب لهذا الجبل الشامخ عزا أن تطويه ثلاث أذرع ومن وطى الكواكب بقدمه راقيا أن يرتضى النزول تحت اليرمع أو الحجارة الرخوة، وإنه-مثل كل ما حوله من الربوع- ليمتلئ حسرة وأسى وتوجعا ما بعده توجع. ولعل فى ذلك كله ما يصور ملكة ابن النضر الشعرية الخصبة.
على بن عرّام
(1)
شاعر أسوان مسقط رأسه وموطنه، بل شاعر الصعيد قاطبة، دفعه طموحه فى شبابه إلى أن ينزل الفسطاط ويأخذ عن علمائها اللغويين من أمثال ابن بركات وغير اللغويين، وكان فيه ذكاء وحب للعلم وفنونه، فبرع فى غير فن، وصنف تصانيف كثيرة. ويبدو أنه آثر المقام ببلدته أسوان، وله فى أعيانها غير مدحة، وكان كثير الوفود على حكام الصعيد من الأيوبيين فى قوص وغير قوص، من مثل مبارك بن منقذ وتوران شاه. ويقول العماد الأصبهانى إنه سأل عنه سنة 573 فقالوا له إنه حىّ فى أسوان، وكان لا يزال يذكرها حين يبرحها فترة فى حنين بالغ، حتى ليقول فى إحدى رحلاته وقد ذكرها، فكأنما نكأ جرحا فى فؤاده إذ يقول متلهفا فى العودة إليها حين نفاه بنو الكنز أعيانها إلى إسنا:
ولا بارك الرحمن فيمن أزاحنى
…
عن الظلّ والماء الزّلال الذى يجرى
مقيل ولكن أين منّى ظلّه
…
وسقيا ولكنى بعيد عن القطر
فهو يتمنى وقت قيلولة بأسوان وشربة من مائها السلسبيل، إنها نعيمه وفردوسه الذى لا يماثله فردوس، وسرعان ما عاد إليها وظل بها حتى توفى سنة 580. ويقول صاحب الطالع السعيد:
(1) انظر فى ابن عرام وترجمته وأشعاره الخريدة (قسم شعراء مصر) 2/ 165 والطالع السعيد ص 198 وحسن المحاضرة 1/ 565.
«لم يكن فى أرض مصر من يدانيه فى فضله ويضاهيه فى نبله» . ويشيد به وبشعره العماد الأصبهانى إشادة رائعة، ويذكر أن بعض أصدقائه أحضر له ديوانه فوجده من طبقة عالية، مما جعله يعرض منه ألوانا، ويقول:«قد أوردت من جملة نظمه الفائق الرائق، ولفظه الرائع الشائق، ما إذا حسر (1) سحر. . ولابن عرام فى ميدان النظم عرام (2)، وبابتكار المعانى الحسان غرام، ولرويّته فى إذكاء (3) نار الذكاء ضرام. . وكل سحر وخمر سوى منسوج فدامه (4) وممزوج مدامه حرام، اعجب: بحر فى الصّعيد (5) يقصد بالتيمم لمائه، ونجم فى صعود السعود لا يرتقى إلى سمائه» . ويتلو العماد ذلك بطائفة من أشعاره مرتبة على حروف الهجاء، ويذكر له من قصيدة فى رثاء بعض العلويين، وربما كانت من أشعاره فى زمن الفاطميين، وفيها يقول:
إنما هذه الحياة غرور
…
كسراب بدا لنا فى فجاج
تتبع الحلو من جنى عيشها الحل
…
وبمرّ من الرزّايا أجاج (6)
نحن فيها كمثل ركب أناخوا
…
ساعة ثم أرهقوا بانزعاج
وتلك سنة الحياة: غرور كلها وسراب سرعان ما يزول، وحلو سرعان ما يحول مرا وملحا أجاجا، وما أشبه الناس فيها بركب أناخوا قليلا وجميعهم وقوف، كل منهم ينتظر دوره فى الرحيل، فالكل راحلون إلى أجداثهم وقبورهم فهى قرارهم ومنزلهم ولا مآب لهم منه ولا خلاص. وله مرثية فى ابن عمه هبة الله بن عرّام، وكان شاعرا محسنا وفيه يقول:
من لسود الخطوب غيرك يجلي
…
ها وقد غاب منك بدر منير
من يحوك القريض مثلك يسدي
…
هـ على خبرة به وينير (7)
ليس فى العيش بعد فقدك خير
…
حبّذا وافد الرّدى لو يزور
كان ظنى إذا المنايا انتحتنا
…
أننى أوّل وأنت أخير (8)
(1) حسر: انكشف.
(2)
عرام: قوة وشدة
(3)
إذكاء: إيقاد.
(4)
الفدام: ما يوضع على فم الدن لتصفية ما فيه.
(5)
الصعيد: الوجه القبلى وهى أيضا وجه الأرض والتراب
(6)
أجاج: شديد الملوحة.
(7)
يسدى: من السدى وهو ما يمد طولا فى النسيج. ينير: يلحم أو يجعل له لحمة وهى ما يمد عرضا فى النسيج يريد أنه يحكم الشعر إحكاما دقيقا
(8)
انتحتنا: قصدتنا.
كيف لى بالسلوّ عنه وطىّ ال
…
قلب من فقده جوى منشور
فسقى قبره نداه ففيه
…
لثراه غنّى ورىّ غزير
وهو شديد اللوعة على ابن عمه وصديقه، ولذلك يخلط ندبه بتأبينه، إذ فقد البدر الذى كان ينير فى دجى خطوب الدهر وكوارثه، وإنه ليندب للشعر شاعره المبدع الذى كان ينسج خيوطه نسجا محكما، وكأنما فقد كل نعيم فى دنياه وكل خير، حتى ليتمنى الموت، إذ لم يعد له بقاء بعده، ولا عاد يعرف كيف السلوان عنه، وقلبه منطو على نار من الجوى لا تخبو ولا تهدأ، وإنه ليذكر نداه وكرمه الذى طالما أغدقه على من حوله، ويدعو الله أن ينزله على جدثه شآبيب رحمة.
ويروى العماد لابن عرام قصيدة بل مناحة كان ينوح بها أهل أسوان على المقابر نادبين موتاهم باكين، استهلها بقوله:
الرّدى للأنام بالمرصاد
…
كل حىّ منه على ميعاد
كيف يرجى ثبات أمر زمان
…
هو جار طبعا على الأضداد
فإذا سرّ ساء حتما ويقضى
…
بوجود إلى بلىّ ونفاد
فالموت غاية كل حى، والناس جميعا يسقطون فى قراره العميق، لكل منهم موعده لا يتقدم عنه ولا يتأخر، ويالها من سخرية للزمان، فإنه لا يبقى للإنسان على شئ، وحتى لو سرّه يوما لساءه يوما أو أياما، وإنه ليسلبه كل ما أعطاه حتى وجوده وحياته. ويمضى فى نفس القصيدة أو المرثية قائلا:
نحن فى هذه الحياة كسفر
…
ربما أعجلوا عن الإرواد (1)
عرّسوا ساعة بها ثم نادى
…
بالرحيل المجدّ فيهم مناد (2)
كم أب واله بثكل بنيه
…
كم يتيم فينا من الأولاد
يدّعى المرء إرث أرض ودار
…
سفها غير لائق بالسّداد
وهو موروثها إذا كان يبقى
…
وهى تبقى على مدى الآباد
وقصاراه أن يشيّع محمو
…
لا بأكفانه على الأعواد
(1) الإرواد: الإمهال.
(2)
عرسوا: نزلوا آخر الليل للراحة.
وما أبأس الحياة من رحلة، وما أبأس ركب هذه الرحلة، فليس لهم فيها حق فى الريث والأناة، ولا فى التمهل والوقوف، إنها لا تزيد عن ساعة تنزلها قافلة، وسرعان ما يصيح فى ركبها مناد بالرحيل السريع، وكل من فى الركب يبكى وينوح ويئن أنينا لا ينقطع، أب يئن ويذرف الدموع مدرارا على أبنائه، وأبناء أيتام يئنون ودموعهم لا تجف ولا ترقا على آبائهم وأمهاتهم، وكأنما يقطعون جميعا واديا كله غصص وآلام، إنه وادى الموت يجوسون خلاله، وهم لا يدرون. وأعجب العجب أن يحرص الإنسان على إرث الأرض وملكها، وهو موروثها ومملوكها الذى سرعان ما يزول ويفنى، بينما هى باقية على كرّ الدهور، وما أعظمها عبرة، فكل إنسان مهما بلغ من الثراء أو المجد يخرج من دنياه كغيره محمولا على أعواد، وسرعان ما يلقى عليه رداء التراب الثقيل. ويقول ابن عرّام
وإذا الأهل والأقارب والأح
…
باب راحوا فأنت فى الإثر غاد
فالقبور البيوت مضجعنا في
…
ها وما إن سوى الثرى من وساد
كم أحال البلى إليه قديما
…
جسدا ناعما من الأجساد
شاهد الموت لائح فى جبين ال
…
حىّ منا فى ساعة الميلاد
فالكل ميت، وكل ما هناك سابق ومسبوق ورائح وغاد إلى القبور: البيوت الدائمة التى نضطجع فيها على وسائد الثرى، لا فرق بين إنسان وإنسان، فنحن جميعا بنو الموت، ونحن جميعا سكان القبور ومنذ يولد الإنسان يلوح على جبينه ساعة ميلاده شاهد موته وأنه ملقى به- طال أجله أو قصر-وراء تراب وأحجار.
ابن النقيب (1): الحسن بن شاور الكنانى
ولد بالفسطاط سنة 608 وتوفى سنة 687 وهو بذلك من شعراء الدولتين: الأيوبية والمملوكية، وكانت له عناية بالحديث النبوى. روى عنه الحافظ الدمياطى وغيره، واتصل بالأيوبيين، فعينوه فى دواوينهم، وقد لقيه ابن سعيد الأندلسى مؤلف كتاب المغرب حين زار
(1) انظر فى ابن النقيب: الحسن بن شاور المغرب فى حلى المغرب لابن سعيد (قسم الفسطاط) ص 258 وفوات الوفيات لابن شاكر 1/ 232 والنجوم الزاهرة 7/ 376 وحسن المحاضرة للسيوطى 1/ 569 وشذرات الذهب لابن العماد 5/ 400.
مصر فى أوائل العقد الرابع من القرن السابع، يقول:«اجتمعت به وهو يتولى لسلطان مصر معدن الزمرد، فأبصرت شخصا مجسدا من الفضائل معنونا عن بيته-إذ ينسب إلى شاور وزير العاضد الخليفة الفاطمى-بما يبدو عليه من كرم الشمائل» وصنف كتابا سماه «منازل الأحباب ومنازه الألباب» . وفى شعره ومنزلته الشعرية يقول ابن سعيد: «هو عندى من أفراد شعراء العصر المتغلغلين فى الغوص على المعانى الحائزين من غايات الإحسان ما يقصر فى إطرابه عنه المثالث والمثانى» ويقول ابن شاكر: «شعره جيد عذب منسجم فيه التورية الرائعة اللائقة المتمكنة. وهو أحد فرسان تلك الحلبة الذين كانوا من شعراء مصر فى ذلك العصر، ومقاطيعه جيدة إلى الغاية» . وابن شاكر يقصد بالحلبة السراج الوراق والجزار والحمامى الذين كانت أسماؤهم على كل لسان لخفة روحهم وكثرة ما كانوا ينظمونه من التوريات، وكان ابن النقيب على شاكلتهم يكثر منها ومن طريف تورياته:
أنا العذرىّ فاعذرنى وسامح
…
وجرّ علىّ بالإحسان ذيلا
ولما صرت كالمجنون عشقا
…
كتمت زيارتى وأتيت ليلا
وكلمة «ليلا» فى نهاية البيت الثانى لا يريد بها الليل الحقيقى إذ جاء بها تورية عن صاحبته «ليلى» . وهى تورية تدل على ما وراءها من سرعة بديهته، ورقة حسّه، وله غزل بديع سننشد منه قطعة فى حديثنا عن شعراء الغزل. وله محاورات كثيرة مع من سميناهم من الشعراء، وكتب إليه ابن سعيد ببيتيه اللذين أنشدناهما فى غير هذا الموضع، وهما:
أيا ساكنى مصر غدا النيل جاركم
…
فأكسبكم تلك الحلاوة فى الشّعر
وكان بتلك الأرض سحر وما بقى
…
سوى أثر يبدو على النظم والنّثر
وأجابه ابن النقيب من قطعة كتب بها إليه متواضعا:
ولا تطلبن سحر البيان بأرضنا
…
فكم فيه موسى مبطل آية السّحر
ولا رقّة الشعر الذى كان أولا
…
وكيف رقيق الشّعر مع قسوة الدهر
وإنما ذكرنا هذه الإجابة لما فيها من شكوى الدهر وقسوته، منذ الثلاثينيات من عمره، ولا ندرى هل ظل موظفا بالدواوين فى عهد المماليك أو أنه آثر العزلة مكتفيا بما ورثه عن آبائه؟ .
وأكبر الظن أنه ظل متصلا بالمماليك ودواوين الدولة، يدل على ذلك ما رواه ابن تغرى بردى،
مما مرّ بنا فى غير هذا الموضع من أنه كان حاضرا وقعة الظاهر بيبرس مع التتار على شطّ الفرات سنة 671 وكيف أنه صوّر انتصاره تصويرا رائعا.
وحانت منه التفاتة فيما يبدو إلى جندى قبل المعركة كان فى الساقة وعرف أن له نظراء لا يوضعون فى مقدمة الجيش وإنما يوضعون فى مؤخرته، أو لعله إنما التفت قبل كل شئ إلى نفسه، فتأثر وبلغ به التأثر حدا بعيدا من الإحساس بالظلم، وإذا هو ينشد فى ألم بالغ:
نحن إلا قطاعة الأجناد
…
وبرايات غرّ هذا النادى (1)
نحن إلا حكاية وخيال
…
وحديث لحاضر ولبادى
نحن إلا غسالة لمراق
…
لقدور تفرّغت وزبادى
نحن إلا زبالة ضمّها الزّبّ
…
ال فوق الأكوام للوقّاد
جرّدونا فما قطعنا فردّو
…
نا-وقد أحسنوا-إلى الأعماد
وعرضنا على براذين جيش
…
ما استعدّت لحملة وطراد (2)
ورماح لم تعتقل لطعان
…
وسيوف ما جرّدت لجلاد
فهى لا فرق فى يد الفارس الكش
…
حان منّا أو فى يد الحداد
ويبدو أنها شكوى بلسان فريق من الفرسان، ممن وضعوا فى مؤخرة الجيش الذى يقوده الظاهر بيبرس لحرب التتار يريدون أن يكونوا فى أول الصفوف لمنازلة العدو التتارى ودحره دحرا لا تقوم له قائمة بعده، ويسوق ابن النقيب الشكوى فى مرارة، إذ يقول على لسان هؤلاء الفرسان متهكما: ما نحن إلا نحاتة الأجناد بل نحن حكاية وخيال وحديث مردد، بل غسالة لمراق بل زبالة، ولعله يبالغ فى تصوير ما أصاب هؤلاء الفرسان من ظلم ويبدو أنهم كانوا مثله بلغوا من العمر عتيا فوضعوا فى المؤخرة. على أن فى شكوى ابن النقيب ما يدل على أن فرسان المقدمة إنما كانوا يختارون من أصلب الجنود وأعتاهم، إذ كانوا هم وغيرهم يعرضون، ويختارون فى أثناء العرض وبعد الاختبار، وهو لذلك يقول إنهم جردوهم لينظروا إلى أى حد هم سيوف قاطعة فلما لم يقطعوا ردوهم إلى الأغماد أو إلى المؤخرة، ويلقى التبعة على البغال التى ركبوها، فإنها
(1) القطاعة: النحاتة كالبراية.
(2)
براذن جمع برذون: بغل ضخم.
لم تكن ممرنة على العدو الشديد والغارة السريعة، وأيضا فإن السيوف والرماح كانت قد علاها الصدأ ولم تعد صالحة للنزال، فسيان هى فى يد الفارس البطل منا أو فى يد الحداد كى يشحذها ويزيل عنها الصدأ. وتلقانا عند ابن النقيب شكوى مرددة من البؤس والفقر، فى مثل قوله:
يا قفل باب الرّزق ياذا الذى
…
مازال عند الفتح قفلا عسر
أفرطت فى العسر ولا بدّ أن
…
تنفشّ أو تندقّ أو تنكسر
وهو يشعر كأن باب الرزق أغلق من دونه، وهو يعالج فتحه، ولا ينفتح، ويشكو ما يلقاه من عسر وضيق وضنك، ويبأس من فتح هذا القفل بأى مفتاح من مفاتيح طلب الرزق فيأمل فى أن ينفشّ وتفتح أغلاقه أو يندق أو ينكسر. وتجتمع عليه الشيخوخة والعوز والإملاق، فينشد:
وجرّدت مع فقرى وشيخوختى التى
…
تراها فنومى عن جفونى مشرّد
فلا يدّعى غيرى ثيابى فإننى
…
أنا ذلك الشيخ الفقير المجرّد
وحتى ثيابه نزعها البؤس عنه، فهو شيخ فقير عريان مسهّد لا ينام. ولعل فى ذلك كله مبالغة، وهى على كل حال تدل على مدى إحساسه بلوعة البؤس واستطالته عليه فى شيخوخته.
ويبدو أن محنته بالحياة لم تقف عند ضيق ذات اليد، فقد اتسعت لتشمل الأصدقاء والأصفياء، حتى ليقول:
لا تثق من آدمىّ
…
فى وداد بصفاء
كيف ترجو منه صفوا
…
وهو من طين وماء
فطبيعى-فى رأيه-أن لا يصفى إنسان لصديقه إخاء. لأنه لا يعرف الصفاء، بل هو دائما كدر وكذلك كل ما يتصل به إذ هو مركب من طين وماء.
عبد الله (1) الإدكاوى
ولد بإدكو بالقرب من رشيد سنة 1104 وألحقه أبوه بكتّاب بها حفظ فيه القرآن الكريم، حتى إذا أئمه ذهب فى طلب العلم إلى القاهرة، فحضر دروس العلماء بها فى زمنه، واشتهر بأدبه
(1) انظر فى ترجمة الإدكاوى وأشعاره تاريخ الجبرتى 1/ 352 وراجع 1/ 210، 216، 263، 341.
وشعره، ولزم السيد على برهان زاده نقيب الأشراف، وظل يسبغ عليه من عطاياه، وحجّ معه بيت الله الحرام سنة 1147 وزار قبر الرسول صلى الله عليه وسلم وعاد إلى القاهرة، وأقبل-كما يقول الجبرتى- على تحصيل الفنون الأدبية فنظم ونثر، ومهر وبهر، وهو فى أثناء ذلك يكثر من رحلاته إلى رشيد والإسكندرية ويطارح أدباءهما. وتزوج حينئذ وأصبح صاحب عيال، وتوفى النقيب المذكور، فلزم الشيخ عبد الله الشبراوى المترجم له بين شعراء المديح ومدحه بقصائد كثيرة، حتى إذا توفى سنة 1171 لزم الشيخ الشمس الحفنى، وأنشد الجبرتى بعض مديحه فيه، وله يخاطبه من قصيدة:
يا بهجة العصر يا منهاج كلّ علا
…
يا محييى الدين بالآثار والسّنن
وظل يلازمه إلى أن توفى سنة 1178 وصوّح روض عزّه بعده إلى أن توفى سنة 1184. وله تصانيف كثيرة منها الدرة الفريدة فى شرح مدحة نبوية، وهداية المتوهمين فى كذب المنجمين، ومختصر شرح بانت سعاد للسيوطى ومنظومة فى علم العروض والمقامة التصحيفية ضمنها ألفاظا تتغير معانيها بالتصحيف ومقامة أخرى مجونية، وبضاعة الأريب فى شعر الغريب، وهى مجموعة من أشعاره. وله أيضا تخميس بانت سعاد والدر المنتظم فى الشعر الملتزم والفوائح الجنانية فى المدائح الرضوانية جمع فيها أشعار المادحين للأمير رضوان كتخدا، ثم أورد فى خاتمتها ماله من الأمداح فيه نظما ونثرا، وفيه يقول:
رضوان أوحد من تفرّد بالعطا
…
فمنائح الأجواد بعض هباته
الفارس المقدام فى يوم الوغى
…
والمرهب الآساد فى وثباته
ومن تصانيفه «الدر الثمين فى محاسن التضمين» . وبجانب ذلك كله ديوانه وهو مرتب على الحروف الهجائية.
ويورد الجبرتى قطعة من شعر الإدكاوى تدل على براعته وقدرته على استخدام فنون البديع من تضمين وغير تضمين، ونراه يستعيد قدرة الحريرى فى بناء الأبيات من كلمات منقوطة وأخرى عاطلة أو كلها منقوطة أو كلها عاطلة أو الكلمات تتكون من حرف عاطل فحرف منقوط، وكذلك فى صنع أبيات تقرأ شطورها طردا وعكسا، فهى تقرأ من اليمين إلى اليسار أو من اليسار إلى اليمين، وهو ما كانوا يسمونه «ما لا يستحيل بالانعكاس» مثل قوله:
ارع لخلّ إن أسا
…
وائس لخلّ إن عرا
وكان يكثر من تشطير بعض القصائد المشهورة، وكذلك من تخميس بعض الأبيات، وتصنّع لاستظهار مصطلحات بعض العلوم، ولكن فى خفة ودون أن نصطدم عنده بتكلف شديد، كقوله مستظهرا لمصطلحات المنطق، إذ يذكر المناطقة كثيرا المقدمات والبراهين والنتائج:
وشقائق قالت لنا بين الرّبا
…
بمقدّمات ما بها إبهام (1)
برهان سعدى الآن أنتج قائلا
…
دع وجنة المحبوب فهى ضرام
وله مراث مختلفة فيمن سميناهم من الشيوخ رعاته وفى غيرهم من علماء عصره، وممن رثاهم وتفجع عليهم طويلا الشيخ حسن المدابغى المتوفى سنة 1170 للهجرة، وله فيه مرثيتان مطلع أولاهما:
مضى عالم العصر الإمام لربّه
…
حميد المساعى فاندبنه وبالغ
وفى خاتمتها ينشد:
ولما قضى ذاك المهذب نحبه
…
وآب برضوان من الله سابغ
دعوت أحبّائى وقلت لهم قفوا
…
معى عند ذا التاريخ نبكى المدابغى
ومطلع الثانية:
صبرا فذا الدهر من عاداته المحن
…
وفى تلوّنه قد حارت الفطن
ويختمها بقوله:
والحور جاءتك بالبشرى مؤرّخة
…
حلّيت من حلل الأبرار يا حسن
ولم ينشد له الجبرتى شيئا من مراثيه الأخرى، وكأنه اكتفى بالإشارة إلى مرثيتيه فى المدابغى، ومع ذلك فقد أنشد له مقطوعة فى رثاء نفسه وبكائها قبل موته، وفيها يقول:
ليت شعرى إذا دنا يارفاقى
…
أجلى ثم هيّئوا لى ترابى
واغتدوا بى إلى محلّ به صح
…
بى جفونى وليس يرجى إيابى
هل إذا غربلوا التراب أيلقوا
…
ذرّة من عظمى فيالمصابى
ويح هذى الدنيا التى تحرق الأك
…
باد قد مزّقت بلحدى إهابى
وبذاك القفر اغتديت رهينا
…
ليس لى من زاد ولا من ركاب
(1) الشقائق: زهر أحمر.