المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ تميم بن المعز - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ٧

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدّمة

- ‌الفصل الأوّلالسياسة والمجتمع

- ‌1 - فتح العرب لمصر والحقب الأولى

- ‌(ا) فتح العرب لمصر

- ‌(ب) زمن الولاة

- ‌(ج) الطولونيون

- ‌(د) الإخشيديون

- ‌2 - الفاطميون-الأيوبيون

- ‌(ا) الفاطميون

- ‌3 - المماليك-العثمانيون

- ‌(ا) المماليك

- ‌(ب) العثمانيون

- ‌4 - المجتمع

- ‌الفصل الثانىالثقافة

- ‌1 - الحركة العلمية

- ‌2 - علوم الأوائل-علم الجغرافيا

- ‌(ا) علوم الأوائل

- ‌(ب) علم الجغرافيا

- ‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد

- ‌4 - علوم القراءات والتفسير والحديث والفقه والكلام

- ‌5 - التاريخ

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 - تعرب مصر

- ‌2 - كثرة الشعراء

- ‌3 - شعر دورى ورباعيات وموشحات وبديعيات

- ‌(ا) الشعر الدورى

- ‌(ب) الرباعيات

- ‌(ج) الموشحات

- ‌ العزازى

- ‌ابن الوكيل

- ‌(د) البديعيات

- ‌4 - شعراء المديح

- ‌«المهذب بن الزبير

- ‌ابن قلاقس

- ‌ ابن سناء الملك

- ‌ابن نباتة

- ‌5 - شعراء المراثى والشكوى

- ‌على بن النّضر

- ‌على بن عرّام

- ‌6 - شعراء الدعوة الإسماعيلية

- ‌ ابن هانئ

- ‌ظافر الحداد

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الغزل

- ‌ ابن النبيه

- ‌ البهاء زهير

- ‌ ابن مطروح

- ‌2 - شعراء الفخر والهجاء

- ‌ تميم بن المعز

- ‌ ابن الذروى

- ‌ أحمد بن عبد الدائم

- ‌ حسن البدرى الحجازى الأزهرى

- ‌3 - شعراء الطبيعة ومجالس اللهو

- ‌ الشريف العقيلى

- ‌ ابن قادوس

- ‌4 - شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية

- ‌ ابن الكيزانى

- ‌ ابن الفارض

- ‌البوصيرىّ

- ‌5 - شعراء الفكاهة

- ‌ ابن مكنسة

- ‌الجزّار

- ‌ السراج الوراق

- ‌ ابن دانيال

- ‌ عامر الأنبوطى

- ‌6 - شعراء شعبيون

- ‌الغبارى

- ‌ ابن سودون

- ‌الفصل الخامسالنّثر وكتّابه

- ‌1 - الرسائل الديوانية

- ‌ ابن الصيرفى

- ‌ القاضى الفاضل

- ‌ محيى الدين بن عبد الظاهر

- ‌2 - الرسائل الشخصية

- ‌ ابن أبى الشخباء

- ‌ ابن مماتى

- ‌3 - المقامات

- ‌ ابن أبى حجلة

- ‌القلقشندى

- ‌السيوطى

- ‌ الشهاب الخفاجى

- ‌4 - المواعظ والابتهالات

- ‌أبو الحسن الشاذلى

- ‌5 - كتب النوادر والسير والقصص الشعبية

- ‌(ا) كتب النوادر

- ‌كتاب المكافأة

- ‌أخبار سيبويه المصرى

- ‌كتاب الفاشوش فى حكم قراقوش

- ‌«هز القحوف»

- ‌(ب) كتب السير والقصص الشعبية

- ‌ سيرة عنترة

- ‌ السيرة الهلالية

- ‌سيرة الظاهر بيبرس

- ‌سيرة سيف بن ذى يزن

- ‌ ألف ليلة وليلة

- ‌خاتمة

الفصل: ‌ تميم بن المعز

سبحان من قسم النّحو

س لقاسم وأذلّ هامه

وكساه ثوب جناية

يخزى بها يوم القيامه

ومضى يتهمه بأنه يعين لصوص البيوت ويسرق الحرير ويسلّ الكحل من العيون، وردّ عليه قاسم هاجيا مداعبا، من نفس الوزن والقافية، وكأنهما يعيدان لنا نقائض جرير والفرزدق يقول قاسم:

جلّ الذى قسم الشّقا

لشبانة وله أدامه

بعمامة لو خالها ال

قلاّ توهّمها برامه

موروثة عن جدّه

من قبل أن تبنى القمامه

لو كان يصلح للصلا

ة لحقّ للقرد الإمامه

والقلاّ مقصور القلاّء وهو من يقلى اللحوم والأطعمة، والبرام: القدر الذى يقلى فيه. يشير بذلك إلى ضخم رأسه وقذارة عمامته. ولعله يريد بالقمامة كنيسة القيامة بالقدس، وقد بنيت حوالى سنة 321 للميلاد. والدعابة واضحة فى الأبيات. ونقف قليلا عند بعض شعراء الفخر والهجاء:

تميم (1) بن المعز

هو‌

‌ تميم بن المعز

مؤسس الدولة الفاطمية بمصر، ولد لأبيه سنة 337 بمدينة المهدية التى بناها جده عبيد الله المهدى بتونس، وقد تحول عنها ابنه الخليفة المنصور فى نفس السنة التى ولد فيها تميم حفيده إلى مدينة أسسها هناك سماها المنصورية، وولد لأبيه بعده على التوالى عبد الله ونزار وعقيل، وكان المعز قد بويع بولاية العهد فى حياة أبيه المنصور، وجدّدت له البيعة حين توفى سنة 341. وكان فى الثانية والعشرين من عمره، وكان حصيفا سيوسا، دانت له إفريقية من تونس إلى المحيط ما عدا سبتة فإنها ظلت-كما مر بنا فى غير هذا الموضع-مع عبد الرحمن الناصر الأموى صاحب الأندلس، وسيّر جوهرا قائده إلى مصر فافتتحها سنة 358 - كما مر بنا فى غير هذا الموضع-ودخلها المعز فى سنة 362 وكان عالى الهمة يحكم تدبير الأمور حازما منتهى الحزم،

(1) انظر فى تميم وترجمته وأشعاره اليتيمة 1/ 436 وابن خلكان 1/ 301 والحلة السيراء (طبعة د. حسين مؤنس) 1/ 291 وحسن المحاضرة 1/ 560 وكتاب فى أدب مصر الفاطمية للدكتور محمد كامل حسين ص 170 ومقدمة ديوانه (طبعة دار الكتب المصرية).

ص: 306

واتضح حزمه إلى أقصى حد فى صرفه ولاية العهد عن ابنه الأكبر تميم، وكان لا يزال فى المنصورية بتونس، حين تأكد أنه يسير سيرة معوجّة منحرفة، مما جعل واليه على صقلية أحمد بن الحسن الكلابى يستأذنه فى قتل أحد أبنائه لمشاركته تميما فى مجونه (1).

ويبدو أن المعز حاول-دون جدوى-أن يرد ابنه إلى الطريق السّوىّ حتى إذا فشلت محاولته صرف ولاية العهد عنه إلى أخيه عبد الله (2)، ولم يلبث عبد الله أن توفى حين نزل مع أبيه فى مصر فجعل المعز ولاية العهد لأخيه نزار الذى خلف أباه حين وفاته بالقاهرة سنة 365 متسميا باسم العزيز.

وليس من ريب فى أن المعز عنى بتربية ابنه تميم الذى كان يعدّه لولاية العهد منذ نعومة أظفاره، فأحضر له المعلمين الدينيين واللغويين وعهد إلى بعض دعاة النحلة الفاطمية بتلقيننها له، وكانت للغلام موهبة شعر فذة، فأكبّ على الشعر العربى فى أزمنته المختلفة يتزود منه، وسرعان ما استيقظت فيه موهبته، فعكف على اللهو والمجون لا يردعه رادع. وانتقل مع أبيه إلى مصر، فمضى فى سيرته، يحيا للهو والمجون. ويموت أخوه وأبوه فيرثيهما رثاء فاترا، وهو رثاء يدل على مكنون ضميره وأنه كان يشعر فى أعماقه بأن أباه سلبه حقه. وهو فى ديوانه يكثر من مديح أخيه العزيز، ونحس صدقه فى هذا المديح وإخلاصه له، ومع ذلك كان لا يسلم من الوشاة بينه وبين أخيه، مما جعله يبعده مرة إلى عين شمس بجوار القاهرة ومرة ثانية إلى الرملة بفلسطين، ويألم ألما شديدا لغربته وبعده عن ملاعب مجونه، وسرعان ما يردّ العزيز إليه حريته. وهما فترتان صغيرتان فى حياته الهنيئة بالقاهرة حتى وفاته سنة 374.

وكان العزيز يغدق عليه إغداقا عظيما، فقد جعل القصور على بركة الحبش-بمصر القديمة الآن-خالصة له، وكانت تطلّ على النيل ومن حولها حدائق بديعة، ووهب له بستانا عظيما يعرف باسم المعشوق، غير ما كان يضفى عليه من الأموال الضخمة. وكل ذلك أتاح له أن يحيا حياة ترف ولهو فى قصوره وبساتينه ورياضه وفى الأديرة. وكان ينتهز فرصة الأعياد الكثيرة:

الأعياد الإسلامية والمسيحية والفارسية، فيشارك الشعب فى مرحه وقصفه، سواء فيما كان يقيم من

(1) سيرة جوذر (تحقيق د: كامل حسين) ص 120.

(2)

ذكر ابن الأبار فى الحلة السيراء أن السبب فى صرف المعز لولاية العهد عن تميم أنه لم ينجب ولدا. غير أن صرفها عنه وهو لا يزال فى نحو العشرين من عمره يؤكد السبب الذى ذكرناه فقد كان لا يزال فى مطالع شبابه، وقد عاد فصرفها عنه مرة ثانية بعد وفاة أخيه عبد الله. وربما كانت كناية تميم بأبى على قاطعة فى أنه أنجب فعلا.

ص: 307

مضارب وسرادقات وقباب ببركة الحبش أو فيما كان يتخذ من قوارب تضاء بالشموع ليلا فى النيل، والمغنون والمغنيات يطربون الناس. وهو يمر بزوارقه على قواربهم، ويستمع إلى من معهم ويسمعهم بعض قيانه. وفى ديوانه ما يصور كئوس اللهو والمجون التى كان يعبّ منها عبّا، ومرّ بنا مديحه لأخيه العزيز وما أذاعه ونشره فيه من مبادئ الدعوة الفاطمية الإسماعيليد وعقيدتها فى الإمام وارتفاعه عن البشر بجوهره الروحانى اللطيف وجسده النورانى الشفاف وعقله الكلى الفعال وإسباغ الصفات الربانية عليه. ويتمادى تميم فى ذلك ومثله حتى لكأنه داعية من دعاة الدولة ودعاة أخيه العزيز خاصة وحسبنا ما صورناه عنه فى حديثنا عن المديح. وهو فى الديوان يضيف إلى هذا المديح فخرا يمتزج أحيانا بعقيدته فى الأئمة، وكأنه الإمام المنتظر، إذ يقول:

أنا الصبح أنا الشمس

أنا البدر الذى يسرى

أنا المرجوّ فى العسر

أنا المرجوّ فى اليسر

أنا المسبل للنّعمى

أنا الكاشف للضّرّ

أنا الراتق للفتق

أنا القاصم للظّهر

وكأنما تجسدت فيه شخصية أحد الأئمة، فهو نور الصبح ونور الشمس ونور القمر ونور الأنوار الذى يستمد منه كل نور، وهو مدبّر الكون ومقسّم الرزق المرجو فى العسر واليسر والمسبغ للنعمى والكاشف للضر الراتق للفتق القاصم للظهر. ويستمر فيقول إنه هو الحاطم للعظم والجابر للكسر والعالم بالذكر، يريد أنه العارف لبواطن الذكر الحكيم، كما يزعم الإسماعيليون لأئمتهم.

ولا يبعد أن يكون مثل هذا الفخر هو الذى كان يتخذه الوشاة أداتهم للوقيعة بينه وبين أخيه العزيز، مما جعله يبعده، كما ذكرنا، مرة إلى عين شمس ومرة إلى الرملة. وتترد أصداء من هذه المعانى فى أشعاره فى صوت عال تارة، وتارة ثانية فى صوت خفيض، ومن قوله فى ذلك:

أبنى علىّ إن نكن ننمى إلى

حسب أناف بنا وجدّ أروعا (1)

فلقد علمتم أننى أغشى الوغى

وأنوب فى الجلّى قؤولا مسمعا (2)

ولقد علمتم أننى رضت العلا

يفعا وحاولت المكارم مرضعا (3)

(1) أتاف: أشرف وارتفع.

(2)

الجلّى: الأمر العظيم. قؤولا: صيغة مبالغة من القول يشير إلى بلاغته فى شعره.

(3)

اليفع: الفتى فى إبان شبابه.

ص: 308

فدعوا لى الشرف الذى شيدته

إذ هضتموه فانكفا وتضعضعا (1)

لى فى المشارق والمغارب جولة

يغدو بها قلب الزمان مصدّعا

فادفع بحدّ السيف كلّ ظلامة

إن لم تجد يوما سواه مدفعا

فبذاك أوصانى الوصىّ ورهطه

وعلىّ فرض أن أطيع وأسمعا

وهو يخاطب أسرته العلوية ذات الحسب العالى والحظ العظيم واضعا بين يديها شجاعته ونفوذه فى الأمور العظيمة برأيه المحكم وشعره البليغ، ويزعم أنه راض العلا وساسها فى مطلع شبابه وأنه حاول المكارم منذ كان فى المهد مرضعا. وإذن فليعطوه حقه والشرف الذى يمنعونه منه، وكأنه ينذرهم ويهددهم ويتوعدهم إن لم يردوا عنه ظلمهم ويردوا إليه الحق المسلوب، ويزعم أن تلك وصية جده أبى الأوصياء على بن أبى طالب وأبنائه من الأئمة وأنّ فرضا عليه أن يسمع ويطيع.

ولا ريب فى أن هذه المعزوفة التى كان يوقعها كثيرا على قيثارته كان يضيق بها العزيز، غير أن غمتها سرعان ما كانت تنكشف عن صدره حين يستمع إلى مدائح تميم فيه وترديد قدسيته ووجوب طاعته.

ومعزوفة ثانية كان كثيرا ما يعزفها تميم ويلحنها على وتر الفخر فى قيثارته، ونقصد ردوده العنيفة على فخر عبد الله بن المعتز العباسى بأسرته العباسية الهاشمية. وله إزاءه موقفان: موقف يختار فيه قصيدة من قصائد ابن المعتز فى فخره بأسرته وينقضها نقضا بما يصور من مفاخر أسرته الفاطمية. وموقف ثان لا يتقيد فيه بقصيدة معينة يردّ عليها، وهو فى الموقف الثانى حر يختار أى وزن ينظم فيه وأى قافية، أما فى الموقف الأول فيتقيد بوزن القصيدة التى يرد عليها وقافيتها على شاكلة ما كان يحدث بين جرير والفرزدق فى نقائضهما، ومن قصائد الموقف الأول رائية لابن المعتز استهلها بقوله:«أىّ ربع لآل هند ودار» عمد تميم إلى نقضها بقصيدة تماثلها فى الوزن والروىّ، وفيها يقول، رادّا على ابن المعتز والعباسيين جميعا:

ليس عبّاسكم كمثل علىّ

هل تقاس النجوم بالأقمار

من له الصّهر والمواساة والنّص

رة، والحرب ترتمى بالشّرار

من دعاه النّبىّ خدنا وسما

هـ أخا فى الخفاء والإظهار

(1) هضتموه: من هاض العظم إذا حطمه وكان على وشك أن ينجبر.

ص: 309

من له قال أنت منى كهارو

ن وموسى أكرم به من نجار (1)

ثم يوم الغدير ما قد علمتم

خصّه دون سائر الحضّار

من له قال: لا فتى كعلىّ

لا ولا منصل سوى ذى الفقار (2)

من توطا الفراش يخلف فيه

أحمدا وهو نحو يثرب سار

ولنا حرمة الولادة والأع

مام والسّبق والهدى والمنار

نحن أهل الكساء سادسنا الرّو

ح أمين المهيمن الجبّار

حجج كلما تأمّلها العا

لم بانت له بيان النهار

وتميم يوازن بين جده على بن أبى طالب وعمه العباس بن عبد المطلب، ويفاخر بأنه صهر الرسول صلى الله عليه وسلم وساعده الأيمن فى الحرب، ويشير إلى حديث نبوى ترويه الشيعة: أن النبى عليه السلام قال: «على منى بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبى بعدى» . وهم يستدلون بهذا الحديث على أن عليا ليس أحق بالخلافة من العباس فحسب، بل هو أيضا-فى اعتقادهم-أحق من الشيخين: أبى بكر وعمر بالخلافة. ويذكر يوم غدير خمّ وهو موضع بين مكة والمدينة أثنى فيه الرسول صلى الله عليه وسلم على ابن عمه علىّ، وقال: من كنت مولاه فعلى مولاه، وتذهب الشيعة إلى أن الرسول عليه السلام أوصى فى هذا اليوم بالخلافة لعلى. ومنذ أواسط القرن الرابع الهجرى يتخذ الشيعة هذا اليوم الموافق للثامن عشر من ذى الحجة عيدا لهم. ويشير تميم إلى ما يرويه الشيعة من أن الرسول قال: لافتى إلا على ولا سيف إلا ذو الفقار: سيفه. ويذكر أنه هو الذى اصطفاه الرسول لينام فى فراشه ليلة خرج مع أبى بكر مهاجرا إلى المدينة، مخترقا حصارا مسلحا ضربته قريش حول بيته، حتى لا تنتبه إلى خروجه، وكانت قد بيّتت القضاء عليه (يريدون أن يطفئوا نور الله ويأبى الله إلا أن يتمّ نوره). ويقول إنهم يشتركون مع العباسيين فى أنهم من سلالة أعمام رسول الله ويرتفعون فوقهم درجات بأنهم أبناء بنت رسول الله السيدة فاطمة الزهراء. ويشير إلى ما تقصّ الشيعة من أن الرسول ألقى كساء عليه وعلى السيدة فاطمة وعلى زوجها وابنيهما الحسن والحسين وكان سادسهم-كما يقول تميم-جبريل وقال: نحن أهل البيت فى خبر يرددونه. ويذكر جهاد على المبرور فى غزوات الرسول وخاصة فى بدر وأحد وخيبر وكيف أبلى فيها جميعا بلاء عظيما.

ويقول هذه كلها براهين ساطعة كالشمس بأفضلية علىّ وارتفاع منزلته على عمه، ويهدد العباسيين

(1) نجار: أصل وحسب.

(2)

منصل: سيف.

ص: 310

بحرب مبيدة تعصف بهم عصفا شديدا.

وتميم فى الموقف الثانى الذى لا ينقض فيه قصيدة بعينها لابن المعتز يلحّ على هذه المعانى نفسها فى رده على العباسيين وفخره عليهم فخرا مضطرما بشرر كثير، يريد به أن يثبت أن العلويين أحق بالخلافة من أبناء عمومتهم سواء من جهة إرثهم لها عن طريق جدهم على وجدتهم فاطمة بنت الرسول عليه السلام أو عن طريق وصاية الرسول بها لعلى أو عن طريق خدماته الجلّى للدين الحنيف ونصره. ويمد طرفا من هذا الجدل إلى بنى أمية وهو يقصد أصحاب الأندلس فى أيامه، وكان أخوه العزيز كتب إلى صاحبها الأموى-ولعله المستنصر بن عبد الرحمن الناصر-كتابا يسبّه فيه ويهجوه، فكتب إليه:«أما بعد فإنك قد عرفتنا فهجوتنا ولو عرفناك لأجبناك والسلام» فاشتد ذلك على العزيز وأفحمه عن الجواب (1). ولعل ذلك ما جعل تميما يتصدى للأمويين ويفخر عليهم بمثل قوله:

إن قريشا بعلا هاشم

تفخر فى عقوة عرّيسها (2)

إن يك من ياقوتها هاشم

فعبد شمس من ضغابيسها (3)

اسم إلى الصفوة من هاشم

أهل معاليها وتقديسها

دع عبد شمس وأباطيلها

فقد بدا الله بتنكيسها

قبيلة ما طهّر الله من

شايعها من إثم تنجيسها

فهاشم جد الرسول والعلويين فخر قريش فى ساحة غيلها الملتف، وهو وبنوه ياقوت قريش ومعدنها النفيس أما بنو أمية فحجارة صلده، وللهاشميين بفضل الرسول علاهم وقدسيتهم، أما عبد شمس وبنوه فأصحاب أباطيل مزورة، وقد هدم الله دولتهم فى المشرق، وإنها لقبيلة آثمة إثما فظيعا، وإنها لتصم كل من شايعها وصمة شنيعة. ويستمر فيذكر سفكهم لدم الحسين وسبيهم لمن كن معه من النساء، مسجلا بذلك عارا عليهم لا يماثله عار.

(1) ابن خلكان 5/ 372

(2)

عقوة: ساحة. عريس: غيل الأسد.

(3)

الضغابيس: جمع ضغبوس: الضعيف الذميم.

ص: 311

طلائع (1) بن رزّيك

أرمنى الأصل قدم إلى زيارة مشهد الإمام على بن أبى طالب بالنجف، وكان لا يزال شابا واعتنق مذهب الشيعة الإمامية، وتعرّف فى أثناء زيارته له على شخص يسمى ابن معصوم يبدو أنه كان من دعاة الفاطميين، فحبّب إليه زيارة القاهرة والانتظام فى خدمة القوم، ولقيت دعوة الرجل من نفسه قبولا حسنا، فسار إلى مصر، وترقى فى خدمة الفاطميين حتى ولّوه حاكما لمنية الخصيب بالصعيد (المنيا الآن) وحدث أن تآمر عباس الصنهاجى وزير الخليفة الظافر مع ابنه نصر على قتل الخليفة سنة 549 وتمت المؤامرة، فاستغاث بيت الفاطميين بطلائع ضد عباس، فأقبل يريد محاربته حتى إذا قرب من القاهرة فر عباس بما نهب من أموال القصر الفاطمى إلى الشام، وقتله الصليبيون فى الطريق. ودخل طلائع القاهرة فخلعت عليه الخلع الخاصة بالوزارة ونعت بالملك الصالح فارس المسلمين نصير الدين. وكان قد ولى الخلافة الفاطمية ابن للظافر تلقب بالفائز (549 - 555 هـ) وكان صبيا لا يعدو خمس سنوات، فدبّر الدولة طلائع وأحسن تدبيرها، حتى إذا توفى الفائز بعد نحو ست سنوات اختار للخلافة بعده طفلا لم يبلغ الحلم من الأسرة هو عبد الله بن محمد الملقب بالعاضد، وزوّجه ابنته، وأصبح صاحب الأمر كله فى الدولة. وأخطأ إذ قطع رواتب الخاصة، فلم يدر عام فى خلافة العاضد حتى دبّرت له مؤامرة لقتله، فقتل سنة 556 ويقال إن العاضد نفسه هو الذى أعمل الحيلة فى قتله لاستبداده بالأمر من دونه، وخاصة أنه كان شيعيّا لا على مذهب الفاطميين الإسماعيلى ولكن على مذهب الإمامية.

ويقول المقريزى: «كان رجل وقته فضلا وعقلا وسياسة وتدبيرا» . ولم يكن يستر عقيدته الإمامية بل كان يعلنها ويجادل فيها الفقهاء الإسماعيليين، وصنف فى ذلك كتابا سماه «الاعتماد فى الرد على أهل العناد» ويقول المقريزى إنه جمع له الفقهاء وناظرهم عليه. وكان يجادل أيضا بقوة عن مذهب المعتزلة فى القدر وأن الإنسان حر الإرادة لا مجبر كما يقول القدرية، وله فى ذلك قصيدة سماها:«الجوهرية فى الرد على القدرية» ومن قوله فى الرد عليهم:

(1) انظر فى طلائع وترجمته وأشعاره الخريدة 1/ 173 والمغرب (قسم القاهرة) ص 217 وابن خلكان 2/ 526 والجزء الخامس من النجوم الزاهرة فى مواضع مختلفة (انظر الفهرس) وخطط المقريزى 3/ 192 وبنى عمارة اليمنى كتابه النكت العصرية عليه وعلى حياته وأمجاده ومدائحه ومدائح غيره فيه، ونشر محمد هادى الأمينى ديوانه فى النجف، وأودع فى مقدمته ثبتا مفصلا بمصادر ترجمته.

ص: 312

يا أمة سلكت ضلالا بيّنا

حتى استوى إقرارها وجحودها

ملتم إلى أنّ المعاصى لم يكن

إلا بتقدير الإله وجودها

لو صحّ ذا كان الإله بزعمكم

منع الشريعة أن تقام حدودها

وقد فتح أبوابه للشعراء، وكثير منهم كانوا يختلفون إلى مجلسه فى منزله وخاصة الجليس بن الحباب والمهذب بن الزبير وابن قادوس، وأصبحت القاهرة لعهده كعبة للقصاد من شعراء البلاد العربية أمثال ابن الدهان الموصلى وعمارة اليمنى، ولكل هؤلاء الشعراء فيه قصائد طنانة، وفيه يقول العماد:«نفق فى زمانه النظم والنثر واسترقّ بإحسانه الحمد والشكر وقرّب الفضلاء، واتخذهم لنفسه جلساء، ورحل إليه ذوو الرجاء، وأفاض على الدانى والقاصى بالعطاء» . وقد أدار العماد كثيرا من تراجمه فى القسم المصرى من كتابه الخريدة عليه وعلى مدائحه. وألف فى أيامه الرشيد بن الزبير كتابه «جنان الجنان ورياض الأذهان» فى معاصريه من الشعراء ومادحيه وافتتحه بترجمته، كما ألف شاعره الجليس بن الحباب كتابا قصره على مدائح الشعراء فيه.

وقد حقق محمد هادى الأمينى ديوانه ونشره بالنجف فى نحو مائة وخمس وعشرين صحيفة، ويقول ابن خلكان إنه رأى ديوانه وإنه كان يقع فى جزءين، وكأن ديوانه المنشور إنما هو مقتطفات من ديوانه الأصلى، واتهمه بعض معاصريه بأن كثيرا من أشعاره ليس له وإنما هو من صنع شاعريه: الجليس بن الحباب والمهذب بن الزبير، ويبدو أنها تهمة غير صحيحة، وأنه ربما كان يرجع إليهما لتصحيح بعض أشعاره إن صح ما قيل من أنهما كانا يصلحان له شعره. وأكثر الديوان المنشور فى مديح آل البيت ورثائهم ورثاء الحسين خاصة، ولعل هذا هو سبب النغم الحزين الكثير فى شعره، إذ الشيعة دائما محزونون منذ مقتل الحسين وقد اتخذوا يوما يندبونه فيه هو يوم عاشوراء، وجعلوا شعارهم السواد، وهو سواد يطبع كثيرا من أشعار طلائع بالتشاؤم والتفكير الكثير فى الموت، حتى فى يومه البهيج يوم جلوسه فى الوزارة إذ نرى الدنيا تتحول بهجتها أمام عينيه حزنا وشؤما وموتا، وإذا هو ينشد حين تربعه فى دست الوزارة:

انظر إلى ذى الدار كم

قد حلّ ساحتها وزير

ولكم تبختر آمنا

وسط الصفوف بها أمير

ذهبوا فلا والله ما

بقى الصغير ولا الكبير

ولمثل ما صاروا إلي

هـ من الفناء غدا نصير

ص: 313

وكان طلائع شجاعا بل مثالا عاليا من الشجاعة والبطولة، فمضى يعدّ الجيش المصرى لحرب الصليبيين ونازلهم مرارا برّا وبحرا، وظل ينازلهم ويقاتلهم طوال أيامه، حتى لقبه معاصروه بأبى الغارات، فقد كان جيشه لاينى آيبا ذاهبا إلى مواقعة الصليبيين وسحق جموعهم فى جنوبى فلسطين ودقّ أعناقهم وسفك دمائهم فى حزونها وسهولها وعلى سفوح جبالها، وله فى تصوير ذلك قصائد كثيرة من مثل قوله:

توالت علينا فى الكتائب والكتب

بشائر من شرق البلاد ومن غرب

جعلنا جبال القدس فيها وقد جرت

عليها عتاق الخيل كالنّفنف السّهب (1)

وقد أصبحت أو عارها وحزونها

سهولا توطّا للفوارس والرّكب

ولما غدت لا ماء فى جنباتها

صببنا عليها وابلا من دم سكب (2)

وهو فرح مبتهج بنصر جيشه على حملة الصليب وما أذاقهم من التقتيل ونثر دمائهم على جنبات فلسطين حتى سالت هناك أنهارا. وكثيرا ما كان يرسل ببشائر انتصاراته على الصليبيين إلى صديقه أسامة بن منقذ الشّيزرىّ وكان قد زار مصر وأقام فيها مدة أيام عباس الصهاجى وانعقدت بينه وبين طلائع صداقة فكان يخبره بانتصاراته حتى يستثير نور الدين صاحب حلب لتضييق الخناق على حملة الصليب، وكانت فرحته بالغة حين انتصر الجيش المصرى بقيادة ضرغام عليهم فى سنة 553 نصرا عظيما، وصور ذلك لأسامة فى ميمية استهلها بقوله:

ألا هكذا فى الله تمضى العزائم

وتمضى لدى الحرب السيوف الصّوارم (3)

وتغزى جيوش الكفر فى عقر دارها

ويوطا حماها والأنوف رواغم (4)

خيول إذا ما فارقت مصر تبتغى

عدا فلها النّصر المبين ملازم

يسير بها ضرغام فى كلّ مأزق

وما يصحب الضّرغام إلا الضراغم (5)

فقولوا لنور الدين لا فلّ حدّه

ولا حكمت فيه الليالى الغواشم (6)

تجهّز إلى أرض العدوّ ولا تهن

وتظهر فتورا أن مضت منك حارم

(1) عتاق الخيل: كرامها. النفنف: الفلاة. السهب: المستوى.

(2)

وابلا: مطرا شديدا. السكب: الهاطل السائل.

(3)

الصوارم: جمع صارم وهو السيف القاطع.

(4)

عقر: وسط.

(5)

الضراغم: جمع ضرغام وهو الأسد.

(6)

الغواشم: الشديدة الظلم.

ص: 314

وهو يشيد يجيش مصر الباسل وانتصاره المدمر للصليبيين: انتصار أسده الهادرة، ويدعو أسامة إلى إبلاغ نور الدين هذا الانتصار، وكان حملة الصليب قد استولوا منه على حصن حارم تجاه أنطاكية وعقدوا معه هدنة، ويدعوه إلى نقض ما أبرم معهم والاستعداد لحربهم حتى يضيّق عليهم فى الأطراف الشمالية كما يضيق الجيش المصرى فى الأطراف الجنوبية.

وكان الأسطول المصرى لا يزال يجوب سواحل الشام ويفتك بسفن الصليبيين وأغار على عكا وثغر بالقرب من حمص يسمى أنطرطوس ونكّل فى الثغرين بحملة الصليب وسفنهم فكتب طلائع إلى أسامة قصيدة يسأله فيها أن يبشر الملك العادل نور الدين بذلك ويستنهضه لفتح القدس يقول:

إن بعض الأسطول نال من الإف

رنج مالا يناله التأميل

فحوى من عكّا وأنطرطوس

عدّة لم يحط بها التحصيل

أبلغن قولنا إلى الملك العا

دل فهو المرجوّ والمأمول

قل له كم تماطل الدّين فى الكف

ار فاحذر أن يغضب الممطول

سر إلى القدس واحتسب ذاك فى الل

هـ فبالسّير منك يشفى الغليل

وواضح أن جيوش مصر وأساطيلها لعهد طلائع كانت ما تزال تغدو وتروح إلى حملة الصليب منزلة بهم الهزائم تلو الهزائم. ودائما يستحث طلائع فى حماسيّاته إلى أسامة صاحب نور الدين أن يزحف إلى حملة الصليب شمالا، بينما يزحف هو إليهم جنوبا، حتى يقعوا بين شقى الرحا فتدور عليهم الدوائر. ولعل فى ذلك ما يشير بوضوح إلى أن مصر لم تقصر فى واجبها إزاء حملة الصليب لعهد طلائع، وكانت تعدّ حتى أيامه مقصرة فى القيام بهذا الواجب، قصّرت أيام الأفضل بن بدر الجمالى ومن جاء فى إثره من الوزراء، فلما ألقيت مقاليد الأمور إلى طلائع وضع نصب عينيه أن تنهض بواجبها، فجهّز الجيوش والأساطيل وأمدّها بالرجال والعتاد. ودائما يهيب فى كثير من حماسياته بنور الدين أن يهجم عليهم شمالا بينما يهجم هو عليهم جنوبا، حتى يمزّقوا كل ممزّق، غير أن يدا آثمة امتدت إليه، فحالت دون أمانيه فى الانتصار الحاسم على حملة الصليب إذ قضت عليه، ورثاه عمارة وغيره من الشعراء مراثى حارة.

ص: 315