الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وينادى آملا راجيا ويردد ماردده ابن الفارض وغيره من الصوفية قبله. من الحديث عن مدامة الحب الإلهى ورحيقه المسكر للصوفية.
وللبكرى استغاثات كثيرة بالرسول صلى الله عليه وسلم حبيب الله خير مبعوث قرّبه الله إليه، وسره الأعلى الذى لا يخيب أمله، والذى ينال سؤله اللائذ. ومن قوله فى إحدى استغاثاته:
يا أكرم الخلق على ربّه
…
وخير من فيهم به يسأل
قد مسّنى الكرب وكم مرة
…
فرّجت كربا بعضه يذهل
وأنت باب الله أىّ امرئ
…
أتاه من غيرك لا يدخل
ويضيف فى استغاثاته بالرسول إلى تفريج الكرب عنه وإقالته من عثراته الشفاعة له من ذنبه يوم المحشر بما أوتى من محبة الله ورؤيته له فى عروجه إلى السموات.
5 - شعراء الفكاهة
من أهم ما يميز مصر قديما وحديثا ميل أهلها إلى الفكاهة والتندير والدعابة، وقد صورنا ذلك تصويرا جامعا فى كتابنا «الفكاهة فى مصر» مستعرضين هذه الخصلة فى مزاج المصريين من عصر الفراعنة حتى العصر الحديث. ونراها واضحة طوال هذا العصر. بل منذ أن وجدت مصر شخصيتها الأدبية زمن الدولة الطولونية على نحو ما يتضح من نبز شاعر بلقب الجمل الأكبر، وخلفه شاعر كان يلقّب بالجمل الأصغر، ويقول ابن سعيد. «كان ينحو فى الظرافة والتطايب منحى الجمل الأكبر (1)». ولا يلبث أن يقول فى سعيد القاص شاعر الإخشيد الملقب هو الآخر بقاضى البقر:«من شعراء الإخشيد وزاد اختصاصه لديه بما كان فيه من الحلاوة والتندبير والهزل (2)» . وإذا مضينا إلى زمن الدولة الفاطمية وجدنا ظاهرة النبز بالألقاب دعابة للشعراء
(1) المغرب لابن سعيد (قسم الفسطاط) ص 270
(2)
المصدر نفسه ص 271.
تتسع، إذ ينبز غير شاعر بلقب غريب كما يوضح ذلك كتاب الخريدة للعماد الأصبهانى إذ يلقانا فيه شاعر لقّب بشلعلع وثان بالوضيع وثالث بالكاسات ورابع بالجهجهان وخامس بالنسناس إلى غير ذلك من ألقاب.
ومن أوائل الشعراء فى هذا العصر ابن وكيع التنيسى ومرت فى الفصل الماضى مربعة مزدوجة له، جعل موضوعها غزله بغلام مسيحى، وقد مضى فيها يداعبه، منذرا له، إن ظل هاجرا، أن يشكوه إلى القساوسة ويتسع فى ذلك محتجا بتعاليم المسيح ووصايا متى ولوقا ومرقص ويوحنا، ويقول إنه سيشكوه إلى الأسقف فإن لم يقلع عن هجره شكاه إلى المطران، فإن لم يكف شكاه إلى البطريرك. وكانت تقترن بهذه الفكاهة سخرية شديدة بالفاطميين ووزرائهم عرضنا لها فى حديثنا عن الهجاء. وأدى هذا الميل إلى السخرية والفكاهة والرغبة فى التندير بالمصريين إلى الاتساع فى القذف بسهام التورية، وهى تكثر فى سماء أشعارهم طوال هذا العصر حتى لتشبه النيازك التى يكثر إلقاؤها إلى الفضاء فى الأعياد، فلا تزال النيازك تلقى ليلة العيد، ولا يزال الشعراء المصريون يرمون بتورياتهم قدحا ومدحا وغزلا على كل لون من مثل قول الشريف العقيلى مثنيا على زامر ونايه أو ناياته (1):
وزامر يكذب فيه عائبه
…
تكثر فى صنعته عجائبه
يحجب صبر المرء عنه حاجبه
…
كأنما ناياته ذوائبه
والتورية واضحة فى حاجب وذوائب. وممن تعلقوا بصنع التورية فى الحقبة الفاطمية ابن قادوس-كما مر فى غير هذا الموضع-ومثله قمر الدولة جعفر بن دوّاس، وله يقول فى ابن أفلح أحد الكتاب الشعراء وكان شديد السواد (2):
هذا ابن أفلح كاتب
…
متفرّد بصفاته
أقلامه من غيره
…
ودواته من ذاته
وتلقانا بجانب التورية دعابات كثيرة للشعراء فى زمن الفاطميين، يداعبون بها زملاءهم من الشعراء وأصدقاءهم من الكتاب والعلماء والأطباء، من ذلك دعابة مشهورة للقاضى الجليس
(1) الخريدة (قسم شعراء مصر) 2/ 63.
(2)
الخريدة 2/ 219
شاعر الفاطميين ووزيرهم طلائع ابن رزيك وجّه بها إلى طبيب تعهّده وكان محموما، فلم يبرأ على يديه وفيها يقول (1):
وأصل بليّتى من قد غزانى
…
من السّقم الملحّ بعسكرين
طبيب طبّه كغراب بين
…
يفرّق بين عافيتى وبينى
أتى الحمّى وقد شاخت وباخت
…
فردّ لها الشباب بنسختين
ودبّرها بتدبير لطيف
…
حكاه عن سنان أو حنين (2)
وكانت نوبة فى كلّ يوم
…
فصيرّها بحذق نوبتين
والجليس يداعب الطبيب فبدلا من أن يصله بعافيته فرق بينهما، ويقول إنه جاء فى أواخر الحمى وقد شاخت وباخت أو فترت فإذا هو يردّ لها الشباب بورقتين من سفوف الدواء أو كما يقول بنسختين، وكأنما أحكم تدبيره فى ردّ قوة الحمى إليها فإذا هى لا تعاوده فى اليوم نوبة بل نوبتين.
ولعل القارئ لم ينس ابن الذّروى فى الحقبة الأيوبية ووصفه لحدبة ابن أبى حصينة وصفا ساخرا لاذعا. ومن طريف ما نقرأ من دعابات فى هذه الحقب دعابة البهاء زهير مع أحد أصدقائه، وقد جعل موضوعها بغلته، يقول (3):
لك يا صديقى بغلة
…
ليست تساوى خردله
تمشى فتحسبها العيو
…
ن على الطريق مشكّله (4)
وتخال مدبرة إذا
…
ما أقبلت مستعجله
مقدار خطوتها الطو
…
يلة حين تسرع أنمله
تهتزّ وهى مكانها
…
فكأنما هى زلزله
ويريد البهاء زهير بالخردلة أقل شئ فى الصغر، ويقول إنها حين تمشى يظّن أنها مقيدة لبطئها الشديد، ويجعلها مدبرة حين تقبل ومقدار خطوتها الطويلة أنملة فما بالنا بخطوتها القصيرة، وإنها لتهتز واقفة لا تسير ولا تتحرك كأنما هى زلزلة.
(1) الخريدة 1/ 192.
(2)
سنان هو سنان بن ثابت بن قرة من أطباء القرن الثالث ومثله حنين بن إسحق.
(3)
كتاب البهاء زهير للشيخ مصطفى عبد الرازق ص 54.
(4)
مشكلة: مقيدة.
وتكثر التورية فى شعر القاضى الفاضل وزير صلاح الدين كثرة مفرطة من مثل قوله متشوقا إلى مصر وإلى شربة من ماء النيل (1):
بالله قل للنيل عنى إننى
…
لم أشف من ماء الفرات غليلا
وسل الفؤاد فإنه لى شاهد
…
أن كان طرفى بالبكاء بخيلا
يا قلب كم خلّفت ثمّ بثينة
…
وأظن صبرك أن يكون جميلا
فقد غاب عن مصر مع صلاح الدين فى بعض رحلاته وحملاته إلى الموصل، وهو يعلن أن ماء الفرات لن يشفى غليله، ولن يكف بكاؤه شوقا إلى مصر ورياضها ونيلها. والتورية واضحة فى كلمة جميل بعد ذكره لبثينة صاحبة جميل الشاعر الغزل القديم.
ويتوقف ابن حجة الحموى بكتابه خزانة الأدب فى حديثه عن التورية ملاحظا أنه خلفت القاضى الفاضل شعبتان (2): شعبة مبكرة وشعبة لا حقة، أما المبكرة فجميعها مصريون وجميع اللاحقة شاميون، ويعدّد المبكرة ومن قاموا عليها من المصريين فى القرنين السادس والسابع للهجرة مسميا لهم، وهم ابن سناء الملك من مثل قوله فى بعض غزله (3):
ملكت الخافقين فتهت عجبا
…
وليس هما سوى قلبى وقرطك
فهى لا تمتلك قرطها الخافق المهتز وحده بل تمتلك أيضا قلبه الخافق، والتورية فى كلمة الخافقين وهما الشرق والغرب. ويذكر ابن حجة بعد ابن سناء الملك شعراء القرن السابع المصريين: الجزار والوراق وابن النقيب والحمّامى وابن دانيال ومحيى الدين بن عبد الظاهر، وسنلم ببعض توريات من سنترجم لهم منهم، ومن توريات ابن النقيب قوله المشهور (4):
أقول وقد شنوا إلى الحرب غارة
…
دعونى فإنى آكل الخبز بالجبن
والتورية فى الجبن واضحة. ومن توريات النصير الحمامى قوله فى بعض غزله (5):
ويظننى حيّا رويت بريقه
…
فإذا دعا قلبى يجاوبه الصّدى
(1) خزانة الأدب للحموى (طبع مطبعة بولاق) ص 300
(2)
خزانة الأدب ص 298.
(3)
الديوان ص 463 والخزانة ص 300
(4)
خزانة الأدب ص 308
(5)
نفس المصدر ص 308