الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهو طبعا يقصد نفرا من المتصوفة حادوا عن طريق التصوف وانحرفوا عن واجباته ومسئولياته، وتورطوا-كما يقول فى القصيدة-فى بعض الآثام، وكان يؤذيه منهم من يدعون الجنون وتظنهم العامّة أقطابا وأولياء، حتى إذا ماتوا شادوا لهم أضرحة وجعلوها مزارا، يقول:
ليتنا لم نعش إلى أن رأينا
…
كلّ ذى جنّة لدى الناس قطبا
علما هم به يلوذون بل قد
…
تخذوه من دون ذى العرش ربّا
إذ نسوا الله قائلين فلان
…
عن جميع الأنام يفرج كربا
وإذا مات يجعلوه مزارا
…
وله يهرعون عجما وعربا
وكأننا بإزاء داع مصرى يدعو ضد الصوفية ومن كانت تسميهم العامة بالمجذوبين وتقيم لهم الأضرحة والمزارات وتطلب منهم الدعاء أحياء وتقدم لهم النذور أمواتا. ومع كثرة أشعاره فى هذا الجانب لم تترك وراءها فى مصر أثرا. على أننا نجده يوجه ذمه وهجاءه-ظلما وعدوانا-لبعض رجال الدين كما وجهه إلى المتصوفة، وهو فى ذلك كله يسرف فى هجائه وذمه، فلا رجال الدين انصرفوا عن التقوى ولا المصريون اتخذوا أقطاب الصوفية أربابا.
3 - شعراء الطبيعة ومجالس اللهو
عاش شعراء مصر على ضفاف النيل وفى وديانه ورياضه، ينعمون بمياهه المتدفقة العذبة وبما ينشئ من غروس وزروع وثمار وأزهار، وهو يجرى نافثا لعابه من حوض إلى حوض، باثا الحياة والجمال فى كل ما يمسه، مما جعل العرب يلقبون مصر حين فتحوها بأنها فردوس الدنيا. وقد وصفها القرآن الكريم بأنها جنات وعيون وزروع ومقام كريم. وفى كل مكان نعم الشعراء بهذه الجنات يسرّحون الطرف فيها والخيال، فتتكون لديهم حاسة الجمال، ويتعمقهم الشعور بما خصّ الله ديارهم من هذا النعيم الذى يقصر أى وصف عن تصويره. وطبيعى أن يتردد ذكر النيل على ألسنة الشعراء وذكر مشاهد رياضه الفاتنة وقواربه وسفنه الشراعية. ويحدثنا ابن قيس الرقيات حين زار مصر لعهد واليها عبد العزيز بن مروان فى العصر الأموى عن رحلة نيلية له من الفسطاط إلى حلوان. وعنى شعراء مصر بعده بوصف مثل هذه الرحلة ووصف النيل وزوارقه وسفنه، غير أن الشعر المصرى فى عصر الولاة لم يبق منه القليل وإلا بقية تتصل بالأحداث والولاة والقضاة
احتفظ بها الكندى. وتبدو العناية بتدوين أشعار الشعراء منذ عهد الدولة الطولونية، ونجد المريمى القاسم بن يحيى شاعر خمارويه يخص النيل بقصيدة بديعة يصور فيها مراكبه بمثل قوله (1)
ومطايا لا يغتدين ولا يس
…
أمن كدّ البكور بعد الرّواح (2)
أصلها البرّ وهى ساكنة فى ال
…
بحر سكنى إقامة لا براح
وإذا أوقرت فذات وقار
…
وإذا أخليت فذات مراح (3)
جاريات مع الرياح وطورا
…
كاسرات بالجرى جدّ الرّياح
ساريات لا يشتكين سرى اللّي
…
ل ولا يرتقبن ضوء الصباح
لا يخفن الغمار يقذفن فيها
…
ويخفن المرور بالضّحضاح (4)
ويطنب فى تصوير المراكب، فهى فى الماء وهى خالية تماما من الماء، وهى ذات أجنحة بيضاء وإن لم يكن لها جناح حقيقى، وهى من البيض ويطلى شطرها الأسفل بالقار، فهى بيضاء سوداء من ذوات الألواح لا الأرواح، وتقرّ على الشاطئ فتسكن دون ذلة فى السكون، وتسير على صفحة النيل وتجدّ فى سيرها دون اعتزام جماح، وكأنها على الماء قصور متحركة، وتنساب فى النيل خفيفة خفة الأفاعى، وتتجمع أحيانا فتظنها كباشا سودا تقابلت للنطاح. ومع ضؤولة ملاّحها يحسن تدبير جريها مع الرياح مكافحا فى ذلك أشد الكفاح، وله مساعدون يكثرون من الصياح حتى كأن السفن تجرى خوفا من صياحهم. وهو تصوير بديع للسفن السابحة فى النيل من شاطئ إلى شاطئ ومن مكان إلى مكان. ويوجز تميم بن المعز القول فى وصف النيل وسفنه فيقول (5):
يوم لنا بالنيل مختصر
…
ولكل يوم مسرّة قصر
والسّفن تجرى كالخيول بنا
…
صعدا وجيش الماء منحدر
فكأنما أمواجه عكن
…
وكأنما داراته سرر (6)
(1) انظر مقالا عن المريمى لهلال ناجى بمجلة الكتاب العراقية فى العدد الثامن من السنة الثامنة
(2)
الرواح: الرجوع فى العشى.
(3)
أوقرت: حملت حملا ثقيلا. المراح: المرح والنشاط.
(4)
الغمار: جمع غمر وهو الماء الكثير العميق الضحضاح: الماء القليل لا عمق فيه.
(5)
ديوان تميم ص 241.
(6)
العكن: جمع عكنة وهى ما تثنى من ظاهر البطن وطياتها.
والصورة الأخيرة للنيل بديعة، فكأن أمواجه عكن أو تثنّيات أمامية لأجساد عارية وكأنما فوّاراته أو داراته فى فيضانه السّرر أو النقر الصغيرة أو النكت فى بطون من كن يهدين إلى النيل من عرائسه. ولتميم أشعار كثيرة فى وصف الحدائق والأزهار والثمار. ومن أوصافه الطريفة قوله فى الناعورة (1):
تئنّ وليست بمحزونة
…
أنين المحبّ الكئيب الحزين
فتنطق بالصوت لا من فم
…
وتقذف بالدمع لا من جفون
كأن لها ميّتا فى الثّرى
…
فأدمعها همّع كلّ حين (2)
إذا زمرت أطربت نفسها
…
فغنّت بمختلفات اللحون
غناء يرقّص كيزانها
…
ويظهر فيهن وثب المجون
فتهوى فوارغ فى بئرها
…
وتصعد منها ملاء العيون
والناعورة تئن أنين المحب اليائس الحزين وتشكو لا بفم وتبكى لا من عين، وتلحّن مختلف اللحون وكيزانها ترقص هاوية فارغة وصاعدة ممتلئة، لا تلتقى أبدا. ولظافر الحداد أشعار كثيرة فى الرياض والثمار والأزهار، ومن قوله فى النخل وبسره أو بلحه (3):
النّخل كالهيف الحسان تزيّنت
…
فلبسن من أثمارهنّ قلائدا
وكأنها فى خياله فاتنات تتزين حول جيدها بعقود البسر الزمردية والياقوتية، ويشبه طلعها الأخضر وهو لا يزال مغلقا على سنابل البلح البيضاء فى أول تكونها بسلاسل من فضة يضمها حق من خشب الصندل طيب الرائحة. أما حين يتفتح الطلع ويظهر بلحه الأخضر المتصل بسنابله الصفراء فمكاحل من زبرجد رءوسها مسّها الذهب. وأما الخوص الأخضر وتحته البلح الأحمر فزبرجد يثمر عقيقا» وكأنما الطبيعة جميعها من حول الشاعر جواهر نفيسة.
ويتغنى ظافر ببركة الحبش فى مصر القديمة وكانت تشرف عليها قصور تميم، كما يتغنى بجزيرة الروضة التى يفترق النيل عندها أمام القاهرة وسرعان ما يجتمع، ويجعلها منه هى وأختا لها بجوارها بمنزلة السراويل، ويعجب ابن قلاقس بغروب الشمس وراء النيل فيقول (4):
(1) الديوان ص 424.
(2)
همع: سوائل.
(3)
حسن المحاضرة 2/ 435.
(4)
الديوان ص 75.
انظر إلى الشمس فوق النيل غاربة
…
واعجب لما بعدها من حمرة الشّفق
غابت وأبدت شعاعا فيه يخلفها
…
كأنما احترقت بالماء فى الغرق
وللهلال فهل وافى لينقذها
…
فى إثرها زورق قد صيغ من ورق (1)
وهى صورة خيالية بديعة، فقد غابت الشمس بل احترقت فى النيل وخلّفت فيه شعاعا، كما خلفت على صفحة الأفق حمرة الشفق، ويتسع به الخيال فيتصور الهلال زورقا من فضة جاء لإنقاذها من الغرق. ويموج بصدر البهاء زهير الحنين إلى مصر وهو مع الملك الصالح فى الديار الشرقية نواحى الفرات، فيتشوق إلى النيل ورحلاته النيلية فيه، وينشد (2):
حبذا النيل والمراكب فيه
…
مصعدات بنا ومنحدرات
وليالىّ بالجزيرة والج
…
يزة فيما اشتهيت من لذّاتى
بين روض حكى ظهور الطواوي
…
س وجوّ حكى بطون البزاة (3)
حيث مجرى الخليج كالحيّة الرّق
…
طاء بين الرياض والجنّات
هات زدنى من الحديث عن النّي
…
ل ودعنى من دجلة والفرات
إنه يذكر ذكرى عطرة رحلاته النيلية وامواج النيل تصعد بقاربه وغيره من القوارب وتنحدر، وماتنى صاعدة منحدرة، كما يذكر ذكرى عطرة مجالس أنسه فى الجيزة وجزيرة الروضة والطبيعة متبرجة بأزهارها وورودها من حوله وهى مختلفة الألوان البهيجة كأنها ألوان الطواويس فى جو صاف صفاء بطون البزاة الطائرة، والنيل يجرى فى خلجانه وبين رياضه كأنه حيات تسعى، حيات لا تنفث السم بل تنفث الحياة فى الوديان والسهول الخضراء الجميلة، ويخفق قلب البهاء مرارا بهذا الحنين فى أشعاره. وتظلّ مصر أيام المماليك ويظلّ الشعراء يتغنون بالطبيعة المصرية ومفاتنها الرائعة من النيل وقواربه ونزهاته وأشجاره وأزهاره، ولابن مكانس المتوفى سنة 794 وصف لشجرة سرو باسقة قصد موضعها مع بعض رفاقه، ووصف معها القارب المطلى بالقار الذى ركبوه، يقول (4)
مالت على النّهر إذ جاش الخرير به
…
كأنها أذن مالت لإصغاء
(1) ورق: فضة.
(2)
البهاء زهير ص 2.
(3)
البزاة: جمع بازى وهى جنس من الصقور الصغيرة طويلة الساق والذنب.
(4)
خزانة الأدب للحموى ص 424.
كأن صمغتها الحمرا بقشرتها ال
…
دّكناء قرص على أعكان سمراء
نسعى إليها على جرداء جارية
…
من آلة كهلال الأفق حدباء
سوداء تحكى على الماء المصندل شا
…
مة على شفة كالشّهد لعساء
والتصوير فى الأبيات بديع، فشجرة السرو المائلة على النيل كأنها أذن مالت لتصغى إلى خريره، ويتخيلها بلونها الأحمر الداكن وهى منحنية على أمواج النيل فى فيضانه كأنها قرص ملتصق بطيات بطن لسمراء عارية. ويقول ابن مكانس إنهم سعوا إليها فى سفينة حدباء كهلال الأفق سوداء، ويتخيلها على ماء النيل الداكن المعطّر عطر خشب الصندل شامة مطبوعة لا على خدّ، وإنما على شفة ضاربة إلى السواد تقطر شهدا وعسلا مصفى.
وبجانب شعر الطبيعة المصرية ومفاتنها الجميلة نجد شعراء يتغنون بمجالس الأنس والشراب، وقد زار مصر-كما مر بنا-أبو نواس أكبر من تغنوا بالخمر وكئوسها وسقاتها وندمائها، ولكن يبدو أنه لم يخلف من مجونه أثرا أو آثارا واضحة، لأن الشعب المصرى بطبيعته معتدل ولا يجترئ على ما حرّمه الدين، وفى رأيى أن المصريين إنما كانوا يحاكون شعراء العصر العباسى فى المديح وغير المديح ودفعتهم هذه المحاكاة أو قل دفعت نفرا منهم نلتقى به منذ أيام الطولونيين إلى التغنى بالخمر، إما إدمانا عليها وإما محاكاة وتقليدا لأبى نواس وأضرابه. وكان أول ما ساعد على ظهور هذا النفر أن أحمد بن طولون مع تمسكه بالدين كان لا يتحرج من معاقرة الخمر ومثله ابنه خمارويه، ويقال إنه كان يشرب أربعين رطلا من النبيذ (1). فحاكاهما بعض الشعراء فى احتساء الخمر، وأخذوا يقصدون لها الأديرة، واشتهرت منذ هذا الحين أربعة أديرة ذكرها الشابشتى فى كتابه الديارات، وهى دير القصير على قمة الجبل الشرقى ويشرف على طرة والنيل، وكان خمارويه كثيرا ما يزوره، ودير مرحنّا بمصر القديمة على شاطئ بركة الحبش، ودير نهيا بالجيزة، ودير طمويه بجوار حلوان.
ويلقانا فى أيام الإخشيديين غير شاعر يعكف على كئوس الخمر حتى الثمالة، يتقدمهم أحمد بن محمد بن طباطبا نقيب الأشراف العلويين بمصر، وفيها يقول:(2)
أأترك الشّرب والأمطار دائمة
…
والطّلّ منها على الأشجار منثور
والغصن يهتزّ كالنّشوان من طرب
…
والورد فى العود مطوىّ ومنشور
(1) النجوم الزاهرة 3/ 63.
(2)
المغرب (قسم الفسطاط) ص 203.
وإذا كان نقيب الأشراف يشربها حتى الثمالة فقد حاكاه غير شاعر من مثل سعيد المنبوز باسم قاضى البقر وصالح بن مؤنس ومحمد بن عاصم وابن أبى العصام، وكان الأخيران يلمان بالأديرة، وكان ثانيهما خاصة يتهتك فى شربها ويجترئ على الدين فى غير استحياء حتى ليقول فى وصف مجلس آثم من مجالسه (1):
مجلس لا يرى الإله به غي
…
ر مصلّ بلا وضوء وطهر
سجّد للكئوس من دون تسبي
…
ح سوى نعمة لعود وزمر
فهو يعيش معيشة مزرية ماجنة أشد ما يكون المجون مستهترة أسوأ ما يكون الاستهتار.
ونلتقى بتميم بن المعز، ومر بنا أن أباه حرمه من ولاية العهد لا نحرافه وسوء سلوكه وما سمعه عن مجونه، وله فى الخمر أشعار كثيرة، وقد يسوق الحديث فيها منفردة، وقد يجمع بينها وبين جمال الطبيعة أو بينها وبين بعض صواحبه، ومن قوله فيها وفى الورد (2):
وورد أعارته الغوانى خدودها
…
وأهدى إليه المسك أنفاس مفتوقه
كأن النّدى فيه مدامع عاشق
…
أريقت غداة البين فى خدّ معشوقه
أدرنا كئوس الرّاح فى جنباته
…
على حسن مرآه ورقّة توريقه
وواضح أنه يحسن التصوير، فالورد خدود الغوانى وهو عبق بشذا المسك، وكأن الندى فيه دموع عاشق تناثرت على خد معشوقه يوم الفراق، وهو يشرب على حسنه ورقة أوراقه. ومن طريف ماله فى المزج بين الخمر وصاحبته قوله (3):
ناولتها مثل خدّيها مشعشعة
…
صرفا كأن سناها ضوء مقباس (4)
فقبلتها وقالت وهى ضاحكة
…
وكيف تسقى خدود الناس للناس
إذا تناولت خدّى كنت نائلة
…
نفسى وهذا لعمرى غير منقاس
والفكرة بديعة، فالخمر تشبه خديها بلونهما ووهجهما، وتناولت كأسها منه وقبلته مازحة قائلة له: كيف تسقى خدود الناس للناس؟ وكأنه قدّم لها خدودها لتشريها، بل كأنه قدم لها نفسها،
(1) المغرب (قسم الفسطاط) ص 273.
(2)
الديوان ص 298.
(3)
الديوان ص 249.
(4)
المقباس: شعلة النار.
وهل من أحد يشرب نفسه، وإنه لقياس غريب، بل لا ينقاس. وقبس منه الفكرة ابن هانئ الصغير المتوفى لأواخر العهد الفاطمى، إذ يقول فى خمرية له (1):
ومهفهف أبدى الشباب بخدّه
…
صدغا فرقرق ورده فى آسه (2)
تتلهّب الصّهباء فى وجناته
…
فتسير من عينيه فى جلاّسه
حتى إذا ملأ الزجاجة خدّه
…
نورا وفاح الخمر من أنفاسه
خال الزجاجة أفعمت بمدامة
…
فدنا ليشرب نوره من كاسه
وهو يقول إن صدغ الشعر أو خصلته تمتزج بخده كما يمتزج الآس الأبيض بالورد، ويتسع به الخيال فيقول إن الخمر تتلهب فى خده فتلهب السحر فى عينيه فيسير منهما إلى جلاسه، حتى إذا ملأ خده الكأس نورا ظنها ملئت خمرا، واستحال ظنه يقينا ودنا من الكأس يريد أن يحتسيها.
ولابن سناء الملك خمريات مرحة فى لغة سهلة سلسة من مثل قوله (3):
أين كئوسى وأين أكوابى
…
فهى وحقّ المجون أولى بى
يبدو عليها الحباب إن مزجت
…
مثل عيون بغير أهداب
تأتى ويأتى السرور يتبعها
…
كأنه واقف على الباب
أسجد شكرا لها إذا طلعت
…
كأن كأسى لدىّ محرابى
وهو يصور فى خمرياته مرحا وابتهاجا، ومرّ بنا أنه كان يعيش فى بلهنية ونعيم، وقلما كان يعترضه فى حباته شوك يؤذيه، فهى ورد عطر، وهى ترف، وكل وسائل الترف مهيأة له، لذلك لا نعجب إذا رأيناه مرحا فى خمرياته.
وكانت حياة ابن النبيه هنيئة لينة ناعمة مثله، مما جعل خمرياته تطفح بالمرح والابتهاج والشعور بأن كل ما فى الكون والطبيعة رائق شائق، ومن طريف خمرياته قوله (4):
باكر صبوحك أهنا العيش باكره
…
فقد ترنّم فوق الأيك طائره (5)
واللّيل تجرى الدرارى فى مجرّته
…
كالّروض تطفو على نهر أزاهره (6)
(1) الخريدة (قسم مصر) 1/ 270.
(2)
رقرق: مزج.
(3)
الديوان ص 34
(4)
الديوان ص 91
(5)
الأيك: الشجر الملتف.
(6)
الدرارى: الكواكب المتلألئة. المجرة: مجموعة من النجوم تبدو كوشاح أبيض.
فانهض إلى ذوب ياقوت لها حبب
…
تنوب عن ثغر من تهوى جواهره
حمراء فى وجنة الساقى لها شبه
…
فهل جناها مع العنقود عاصره
ساق تكوّن من صبح ومن غسق
…
فابيضّ خدّاه واسودّت غدائره (1)
تعلّمت بانة الوادى شمائله
…
وزوّرت سحر عينيه جاذره (2)
فلو رأت مقلتا هاروت آيته ال
…
كبرى لآمن بعد الكفر ساحره
والفرحة تسرى فى الخمرية، وتلف كل شئ فيها، فالطير يتغنى فرحا على الغصون، والسماء منوّرة بكواكبها الساطعة، وحباب الكأس كأنه ثغر الحبيبة، والخمر حمراء كخدها وكأنما الجانى اقتطف خمرته مع عنقودها وما أجمل بياض خديها المشرقين وسواد ضفائرها البهيجة، وكأنما قبست بانة الوادى رشاقتها، وزوّرت جآذره سحر عينيها الخلابتين، ولو رآه هاروت لآمن بربه وكفّ عن سحره.
ويكثر من الخمريات شعراء اللهو والخمر فى أوائل عصر المماليك مثل الجزار والوراق وابن دانيال وسنتحدث عنهم بين شعراء الفكاهة. ولعل مما يشهد بأن كثيرين ممن كانوا ينظمون الخمريات إنما كانوا ينظمونها محاكاة وتقليدا ولم يكونوا يتعاطون الخمر ولا تورطوا فى إثمها أن نجد فقيها كبيرا من فقهاء زمن المماليك هو صدر الدين محمد بن عمر المشهور باسم ابن المرحّل وابن الوكيل المتوفى سنة 716 ينظم فيها خمرية تداولها الرواة فى عصره وبعد عصره استهلها على هذا النمط (3).
ليذهبوا فى ملامى أية ذهبوا
…
فى الخمر لا فضّة تبقى ولا ذهب
لا تأسفنّ على مال تمزّقه
…
أيدى سقاة الطّلا والخّرد العرب (4)
فما كسوا راحتى من راحها حللا
…
إلا وعرّوا فؤادى الهمّ واستلبوا
وقد مضى يحبّب فيها ويغرى بها على عادة المجان، مما جعل بعض الناس يتهمه بمعاقرتها، وقدّم للقضاء وثبتت براءته من وزرها الآثم، وعاد إلى دروسه وعاد إليه طلابه. وللشيخ برهان الدين القيراطى الذى مرت ترجمته بين شعراء الغزل خمريات بدوره، وكان فقيها ومحدثا، وكأنه
(1) الغسق: الظلام. الغدائر: الضفائر
(2)
الجآذر: جمع جؤذر وهو ولد البقرة الوحشية المعروفة بجمال عينيها.
(3)
الفوات 2/ 502.
(4)
الطلا: الخمر. الخرد: جمع خريدة وهى البكر الحييّة.
ينطق بلسان شاعر ما جن كبير، إذ يقول (1):
كم ليلة نادمت بدر سمائها
…
والشمس تشرق فى أكفّ سقاتها
والبدر يستر بالغيوم وينجلى
…
كتنفّس الحسناء فى مرآتها
خالفت فى الصّهباء كلّ مقلّد
…
وسعيت مجتهدا إلى حاناتها
أمحرّك الأوتار إن نفوسنا
…
سكناتها وقف على حركاتها
ومليحة أرغمت فيها عاذلى
…
قامت إلى وصلى برغم وشاتها
يا خجلة الأغصان من خطراتها
…
وفضيحة الغزلان من لفتاتها
والقيراطى إنما يستخدم مهارته الفنية التى صوّرناها فى غير هذا الموضع، ليدل على براعته فى محاكاة المجان لزمنه، بل لعل أحدا من معاصريه لا يستطيع اللحاق به فى مثل هذه الأبيات، وهو يجمع فيها بين جمال الطبيعة فى الليالى القمرية وبين الصبهباء أو الخمر وصاحبته أو الغزل، وهى طويلة، وقد نوّه بها الأسلاف طويلا لروعتها الموسيقية والتصويرية.
وأخذ يزاحم الخمر فى عصر المماليك تعاطى الحشيش، وحين أمر الظاهر بيبرس سنة 666 هـ.
بإغلاق حانات الخمور وحطم دنانها أمر بحرق الحشيش، وأشار إلى ذلك ابن دانيال فى بعض شعره ويقول حين أبطلت المنكرات فى أيام السلطان لاجين سنة 696 وفى مقدمتها الخمر والحشيشة (2):
احذر نديمى أن تذوق المسكرا
…
أو أن تحاول قطّ أمرا منكرا
ذى دولة المنصور لاجين الذى
…
قهر الملوك وكان سلطان الورى
إياك تأكل أخضرا فى عصره
…
ياذا الفقير يصير جسمك أحمرا
والأخضر: الحشيش. ويشير إلى العقاب الشديد الذى سينزل بمتعاطيه، ونهى ابن دانيال بالمثل عن تعاطى الخمر. وسرعان ما يذهب عصر لاجين كما ذهب عصر الظاهر بيبرس، ويعود نفر من الناس إلى الحشيشة والخمر، وممن تعلق بها ابن الصائغ، وله فيها عدة (3) مقطوعات من مثل قوله:
(1) المنهل الصافى 1/ 72
(2)
فوات الوفيات 2/ 388
(3)
انظر فى هذه المقطوعات كتاب دراسات فى الشعر فى عصر الأيوبيين للدكتور محمد كامل حسين ص 107 وما بعدها.
قم عاطنى خضراء كافوريّة
…
قامت مقام سلافة الصّهياء
يغدو الفقير إذا تناول درهما
…
منها له تيه على الأمراء
ووصفها بأنها كافورية لأنه كان يزرع منها كثير ببستان كافور فى القاهرة، ويلقانا كثيرون يفضلون عليها الخمر لمجالسها وكئوسها ودنانها وقيانها.
وتظل الحشيشة والخمر على ألسنة الشعراء فى الحقبة العثمانية، ومما نقرأ لهم قول أبى المواهب (1) البكرى المتوفى سنة 1037 للهجرة:
وقهوة تنضح مسكا ولا
…
بدع ففى الفنجان شكل الغزال (2)
تديرها هيفاء ممشوقة
…
خود تثّنت فى برود الدّلال (3)
بغرّة أو طرّة وزّعت
…
أفكارنا بين الهدى والضّلال
تقول للشمس وقد أقبلت
…
تلثّمى ما أنت إلا خيال
وربما كان من أسباب شيوع الخمريات على ألسنة بعض الشيوخ أيام المماليك والعثمانيين أنها كانت قد شاعت على ألسنة الصوفية من أمثال ابن الفارض وابن عربى متخذين من نشوئها رمزا لنشوة الحب الإلهى، فلم يجد كثيرون حرجا فى نظمها ومحاولة التفنن فيه. ونقف عند نفر من شعراء الطبيعة ومجالس اللهو، وكلهم من الشعراء أيام الفاطميين، أما من جاءوا بعدهم فقد مزجوا بين المجون والفكاهة الشعبية وسنخصهم ببعض الحديث.
ابن (4) وكيع التنيّسى
يسوق ابن خلكان لابن وكيع نسبا طويلا، فيقول هو الحسن بن على بن أحمد بن محمد بن خلف الضبى، ووكيع لقب جده محمد بن خلف، ويذكر أنه كان من أهل القرآن والفقه والنحو والسير وأيام الناس وأخبارهم، وله مصنفات كثيرة، ويقول إنه كان نائبا فى الحكم بالأهواز فى إيران لعبدان الجواليقى وإنه توفى سنة 306 ببغداد، ويذكر عن الشاعر أنه بغدادى ومولده
(1) ريحانة الألبا 2/ 226
(2)
قهوة: خمر.
(3)
خود: الشابة الحسنة.
(4)
انظر فى ابن وكيع وترجمته وأشعاره اليتيمة 1/ 356 وتتمة اليتيمة 1/ 29 وحلبة الكميت فى مواضع مختلفة والعمدة لابن رشيق (طبعة أمين هندية) 2/ 216 وابن خلكان 2/ 104.
بتنّيس، وهى مدينة كانت بقرب بور سعيد الحالية، وتمتد فى بحيرة المنزلة، واشتهر أهلها (1) بصناعة النسيج والتفوق فى صنع الثياب الشفافة والملونة، ويذكر المؤرخون والجغرافيون أنها كانت تكتظ بالجنان والكروم والفواكه والأشجار والأزهار والطيور من كل لون، وأكثر أغذية أهلها السمك، وهم مياسير أصحاب ثراء، وأكثرهم حاكة، وهم يحبون النظافة والدماثة والغناء واللذة وأكثرهم يبيتون سكارى. ويبالغ الأسلاف فى وصف ما كان بهذه المدينة أو الجزيرة التى اندثرت من مشاهد طبيعية ومن جنات ورياض. وفيها ولد ابن وكيع كما يقول ابن خلكان ولا نعرف تاريخ مولده، أما وفاته فمعروف تاريخها وهو سنة 393 وكذلك مكانها وهو مسقط رأسه تنّيس. ولا نعرف الأسباب التى دفعت أباه إلى اتخاذ تنيس دار مقام له ولأسرته، وقد نشأ فيها الشاعر وتثقف. ويبدو أنه طلب المزيد من الثقافة والتعرف على أدباء القاهرة فرحل إليها، وكانت شاعريته تفتحت فلفت إليه الأنظار، ولا ندرى متى كان ذلك تماما، غير أن من المؤكد وجوده فى القاهرة حين نزلها المتنبى سنة 346 ويبدو أن صلة انعقدت بينه وبين ابن حنزابة وزير كافور، وكانت العلاقات قد ساءت بينه وبين المتنبى، حينئذ رأينا ابن وكيع يؤلف كتابا فى سرقات المتنبى سماه المنصف إرضاء للوزير، ويقول ابن رشيق فى العمدة:«سماه كتاب المنصف، مثل ما سمّى اللديغ سليما، وما أبعده عن الإنصاف» . ولم يكن المتنبى من ذوق ابن وكيع، وبون بعيد بين ذوقيهما، فالمتنبى شاعر جاد منتهى الجد، لا يعرف اللهو ولا الخمر ولا المجون، وابن وكيع شاعر ماجن منتهى المجون، فاندفع يريد أن يسقط المتنبى من عليائه وأنّى له ذلك؟ ! ويبدو أنه كان ثريا، فأعانه ثراؤه على انغماسه فى المجون، ويدل على هذا الثراء أننا لا نجد رواة شعره يذكرون له قصائد فى ابن حنزابة ولا فى الخلفاء الفاطميين وقد عاصر منهم المعز والعزيز والحاكم، فحسبه دائما كأس وطاس، حتى ليؤثرهما على تولى منصب الخلافة الرفيع يقول:
وإن أتوك فقالوا كن خليفتنا
…
فقل لهم إننى عن ذاك مشغول
وارض الخمول فلا يحظى بلذّته
…
إلا امرؤ خامل فى الناس مجهول
واسفك دم القهوة الصّهباء تحى به
…
روحى فإن دم الصّهباء مطلول (2)
فهو يؤثر حياة الخمول والمجون على حياة العزة حتى لو كانت الخلافة، ويبدو أنه تمثل كل
(1) انظر فيهم نقول المقريزى عنهم فى كتابه الخطط 1/ 331 وما بعدها.
(2)
مطلول: مهدر لا يطلب ثأره.
ما فى ديوان أبى نواس من مجون حتى الجانب السيئ عنده جانب الغلمان، إذ نراه يداعب غلاما نصرانيا فى مربعة مزدوجة طويلة أشرنا إليها فى الفصل الماضى، شكا له فيها من حبه وعذابه فيه، ومضى يتوعده تظرفا إن لجّ فى هجره أن يشكوه إلى القساوسة والرهبان والأسقف والمطران والبطرك، ويقول له كيف تحل قتل الروح وهو ما لم يأت به المسيح ولا أخبر به يوحنا ومتى ولوقا ومرقص.
وكل ذلك على سبيل الدعابة، ونظن ظنا أنه لم يكن متورطا فى هذا الإثم، وكل ما فى الأمر أنه هو ومن نظموا فيه بعده على مر السنين. إنما كانوا يحاكون فيه مجان بغداد تظرفا ودعابة على نحو ما يتضح فى مربعة ابن وكيع المزدوجة. وربما كان من أسباب ذلك كثرة النصارى فى تنيس كما يقول المقريزى وكثرة حاناتهم فيها ومن بها من السقاة والغلمان. ومن المؤكد أنه كان لا يطيل مكثه فى القاهرة فهو دائم الرجوع إلى بلدته ناعما بثرائه فيها وبمشاهدها الطبيعية. وله بجانب هذه المزدوجة المربعة مزدوجة ثانية فى وصف فصول السنة يبدؤها بوصف فصل الصيف وحره وغباره وما يجلب لشارب الخمر من الصداع، ويتلوه بفصل الخريف وأهويته واختلاف برده وحرّه، ويتبعه بفصل الشتاء وما فيه من برد وأمطار وزكام وحاجة مدمنى الخمر فيه إلى الدفء وإيقاد النار ثم يفيض فى بيان محاسن الربيع المنتشرة فى كل عناصر الطبيعة من شمس وقمر وطيور ورياض وأزهار وثمار، مما ينعم به شارب الخمر ويجد فيه هناءه. ونقتطف الأبيات التالية من خمرية له جمع فيها بين وصف الخمر ووصف الطبيعة فى الربيع وصف مشغوف بها مفتون، يقول:
أبدى لنا فصل الرّبيع منظرا
…
بمثله تفتن ألباب البشر
فالأرض فى زىّ عروس فوقها
…
من أدمع القطر نثار من درر (1)
أما ترى الورد كخدّى كاعب
…
راودها، فامتنعت منه بشر
كأنما الخمر عليه نفضت
…
صباغها أو هى منه تعتصر (2)
أخجله النّرجس إذ جادله
…
فاحمرّ من فرط حياء وخفر
وانظر إلى الأطيار فى أرجائه
…
إذا دعا الثاكل فيها وصفر (3)
كأنها-تصفر فى رياضها-
…
سرب قيان فوق بسط من حبر (4)
(1) النثار: ما ينثر على العروس ليلة الزفاف من الدراهم الفضية
(2)
صباغها: لونها.
(3)
الثاكل: من فقدت ابنا لها.
(4)
حبر: جمع حبرة، وهى القطعة من نسيج الحرير.
والنّسك فى عصر الصّبا كأنه
…
من قبحه خلع عذار فى الكبر (1)
فاشرب عقارا لو أصابت حجرا
…
لطار من خفّته ذاك الحجر
كأنما الأوطار فيها جمّعت
…
فليس فى العيش لجافيها وطر (2)
وإنما أطلنا فى اقتطاف هذه الأبيات لندل على براعة ابن وكيع فى تصوير الطبيعة تصوير الصب المفتون بها، فهى عروس جميلة موشاة بألوان زاهية، ورأتها السماء فعشقتها وأخذت تبكى بأجفان المطر، وما أروع الورد، إنه كوجنتى فتاة راودها ولهان بها، فانثنت حياء وتضرجت وجنتاها خفرا. ويعجب ابن وكيع أشد العجب هل الخمر نفضت لونها القانى على الورد أو هى معصورة منه ومستخرجة، أو لعل النرجس جاد له فاحمرّ لقوة حجته خجلا. وفى أرجاء هذا الروض البديع يغنى الطير غناء شجيا مؤثرا، وكأنه أسراب قيان تغنى فوق بسط من سندس وحرير. ويدعو إلى اللهو واللذة فى زمن الصبا والشباب، ويزعم أن النسك وهجران المتاع فى بواكير الحياة ذميم مثل خلع العذار والمجون فى الكبر. وكأنه نظم هذه الخمرية فى شبابه.
ويزعم ما زعمه أبو نواس قبله من أن الخمر لو مست حجرا لمسّه السرور، وأنها مجمع الأوطار والمنى. ودائما يقول إنه عاكف على شرب الخمر وسط مباهج الطبيعة، غير مرعو ولا مزدجر على شاكلة قوله:
جانبت بعدك عفّتى ووقارى
…
وخلعت فى طرق المجون عذارى
خوّفتنى بالنار جهدك دائبا
…
ولججت فى الإرهاب والإنذار
خوفى كخوفك غير أنى واثق
…
بجميل عفو الواحد القهار
انظر إلى زهر الربيع وما جلت
…
فيه عليك طرائف الأنوار
ناحت لنا الأطيار فيه فأرهجت
…
عرس السرور ومأتم الأطيار (3)
فاشرب معتّقة كأن نسيمها
…
مسك تضوّعه يد العطّار (4)
مع مسمع حلفت له أوتاره
…
أن لا تنافر رنّة المزمار
فطن يحرّك كلّ عضو ساكن
…
تحريكه لسواكن الأوتار
وهو يعلن لصاحبه أنه انغمس فى المجون غير مصغ لتخويفه له من عذاب النار، إذ يأمل فى
(1) خلع العذار: كتابة عن التهتك والإغراق فى المجنون.
(2)
الوطر: الأمنية.
(3)
أرهجت: أتارت.
(4)
تضوعه: تذكى رائحته وتنشرها.