الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلهى، بحق جمالك الذى فتتّ به أكباد المحبين، وبجلالك الذى تحيرت فى عظمته ألباب العارفين.
إلهى، بالنور المحمدى الذى رفعت على كل رفيع مقامه، وضربت فوق خزانة أسرار ألوهيّتك أعلامه، افتح لنا فتحا صمدانيا وعلما ربانيّا، وتجلّيا رحمانيا، وفيضا إحسانيا».
وعن هذا الشيخ أخذ الطريقة الخلوتية جمع من العلماء المصريين الأعلام فى مقدمتهم الشيخ الحفنى شيخ الجامع الأزهر وهو ملتقى أسانيد الطريقة بعده، وممن أخذها عنه الشيخ أحمد الدردير. وسنخصه بترجمة قصيرة بعد أبى الحسن الشاذلى وابن عطاء الله السكندرى.
أبو الحسن (1) الشاذلى
هو على بن عبد الله بن عبد الجبار، من سلالة الحسن بن على بن أبى طالب، ولد سنة 593 للهجرة بقرية تسمى غمارة بالقرب من سبتة فى المغرب الأقصى، وعلى عادة لداته فى النشأة بدأ حياته بحفظ القرآن الكريم وأكبّ على العلوم الاسلامية واللغوية حتى أتقنها. ولم يكد يبلغ نحو العشرين من عمره حتى أحسّ برغبة شديدة للنهل من معين الصوفية، فرحل إلى المشرق ليلقى العلماء النساك، ونزل تونس، ولقى فيها وفى المدن المغربية قبلها حملة طريقة الصوفى المغربى أبى مدين. ولم يلبث أن عزم على أداء فريضة الحج فزار مصر ودخل الحجاز، ثم زار فلسطين والشام والعراق، وتعرف فى بغداد على صوفى رفاعى هو أبو الفتح الواسطى، وكأنما كان باب سلوكه الصوفى. وعاد إلى المغرب، فكان من محاسن الصدف أن تعرف فى فاس على صوفى هو عبد السلام بن مشيش، فلزمه، واتخذه إماما وشيخا، وقد دفعه دفعا إلى أن يعيش للتصوف ومحبة الله، إذ كان يكرر عليه قوله:«أدمن على الشرب والمحبة وكأسهما مع السكر والصحو، كلما أفقت أو تيقظت شربت، حتى يكون سكرك به، وحتى تغيب بجماله عن المحبة وعن الشرب والشراب والكأس، بما يبدو لك من نور جماله، وقدس كما له وجلاله» . ولم يلبث شيخه أن أمره
(1) راجع ترجمة الشاذلى فى كتاب «لطائف المنن فى مناقب أبى العباس المرسى وشيخه أبى الحسن» وحسن المحاضرة 1/ 520 ونكت الهميان ص 313 والشعرانى فى الطبقات 2/ 4 والنجوم الزاهرة 7/ 69 وراجع المفاخر العلية فى المآثر الشاذلية لابن عياد وهو مطبوع، و
أبو الحسن الشاذلى
للدكتور عبد الحليم محمود، وأعلام الاسكندرية فى العصر الاسلامى للدكتور جمال الدين الشيال ص 161 والأدب فى التراث الصوفى للدكتور محمد عبد المنعم خفاجى ص 150.
بالهجرة إلى شاذلة بالقرب من تونس فى إفريقية الوسطى، فهاجر إليها، وهناك أخذ ينشر فى الناس الدعوة إلى التصوف، ولصقت البلدة باسمه حتى اشتهر باسم الشاذلى وكان يتركها أحيانا إلى تونس وفيها تعرّف بتلميذه أبى العباس المرسى وتوثقت الصلة بينهما فى الله ومحبته حتى قال له الشاذلى يوما:«ما صحبتك إلا لتكون أنت أنا»
وهاجر الشاذلى وتلميذه أبو العباس وجمع من مريديه إلى الاسكندرية فى سنة 642 وبها ألقى عصا تسياره، وذاع صيته لا فى الإسكندرية وحدها، بل أيضا فى القاهرة، إذ كان يتردد عليها لنشر طريقته الصوفية، وكان يحضر مجالسه فى مدرسة الحديث الكاملية شيوخ الإسلام حينئذ وأكابر العلماء من الفقهاء والمحدثين والمفسرين. . وكان يلقى دروسه ومواعظه فى الاسكندرية بجامع العطارين. وطار صيته فيها وفى القاهرة والمدن المصرية، فانهال المصريون عليه، يطلبون القرب من الله على يديه، وفى هذه الأثناء أصاب عينيه رمد أفقده بصره. وكان يعجب بأبى العباس المرسى منذ لقائه به فأعلن فى أتباعه-كما مر بنا-أنه خليفته على طريقته، وهى تقوم على التمسك بالكتاب والسنة والشريعة المحمدية بجانب النسك والعبادة وصدق القلب. والشعور الباطنى الصوفى.
وهاجم الشاذلى بقوة حياة الخانقاهات والتسول التى كان يعيشها الدراويش الرحّل، فعنده أن الصوفى الحقيقى لا يكون سائلا ولا طفيليا يمد يده للغير، بل لا بد أن يعتمد على نفسه فى كسب قوته، فتصوّفه أو طريقته الصوفية كانت طريقة سنية. وكان يدعو مريديه لحمل السلاح ضد أعداء الإسلام الصليبيين، وكان يرحل معهم إلى ميادين الحرب كما حدث فى موقعة المنصورة المشهورة لعهد السلطان نجم الدين أيوب وابنه توران شاه حين اقتحم لويس التاسع ملك فرنسا دمياط وتقدم منها سنة 647 بجيشه نحو المنصورة إذ نجده مع مريديه هناك، ونجد معه شيوخ الدين وعلماءه الكبار من مثل العز بن عبد السلام وابن دقيق العيد ومحيى الدين بن سراقة وغيرهم من جلّة الشيوخ. وحدث أن تكلموا يوما واعظين، وجاء الدور فى الكلام والخطابة على أبى الحسن، فتكلم-كما يقول الرواة-بالأسرار العجيبة والعلوم الجليلة، وانبهر الشيخ العز بن عبد السلام، فقام هاتفا منبهرا قائلا: اسمعوا هذا الكلام الغريب القريب العهد من الله». وأنزل الجيش المصرى بالصليبيين هزيمة ساحقة، واستسلم ملكهم لويس التاسع ذليلا كسيرا، وارتحلوا عن دمياط خاسئين مدحورين إلى البحر المتوسط وماوراءه.
وعاد أبو الحسن الشاذلى إلى الاسكندرية والعلماء والناس يكبّون عليه للاستزادة من علمه وطريقته وتعاليمه. حتى إذا كانت سنة 656 خرج إلى الحج عن طريق القصير ومعه أبو العباس وبعض مريديه، وفى صحراء عيذاب بين قنا والقصير أحسّ بدنو أجله فأعلن إلى أتباعه استخلافه عليهم أبا العباس المرسى، ولم يلبث أن أسلم روحه إلى بارئه. وتدل أقواله وأدعيته وابتهالاته ومناجياته لربه فى أوراده على أنه كان يملك ناصية العربية مصرّفا أزمتها كيف شاء، وله أوراد كثيرة، وقد ساق ابن عطاء الله منها فى كتابه لطائف المنن أربعة أوراد له أو أحزاب، لعل أهمها الحزب المسمى بالحزب الكبير وهو يستهله ويتخلّله بآيات قرآنية كثيرة، ويناجى ربه فيه بمثل قوله:
«أللهم إنك تعلم أنى بالجهالة معروف، وأنت بالعلم موصوف، وقد وسعت كل شئ من جهالتى بعلمك فسع ذلك برحمتك كما وسعته بعلمك واغفرلى إنك على كل شئ قدير.
يا رزاق يا قوى يا عزيز! لك مقاليد السموات والأرض تبسط الرزق لمن تشاء وتقدر فابسط لنا من الرزق ما توصّلنا به إلى رحمتك، ومن رحمتك ما تحول به بيينا وبين نقمتك، ومن حلمك ما يسعنا به عفوك، واختم لنا بالسعادة التى ختمت بها لأوليائك، واجعل خير أيامنا وأسعدها يوم لقائك، وزحزحنا عن حب الدنيا وعن نار الشهوة وأدخلنا بفضلك فى ميادين الرحمة، واكسنا من نورك جلابيب العصمة، واجعل لنا ظهيرا من عقولنا، ومهيمنا من أرواحنا، ومسخرا من أنفسنا (كى نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا)».
اللهم إنا نسألك إيمانا دائما، ونسألك قلبا خاشعا، ونسألك علما نافعا، ونسألك يقينا صادقا، ونسألك دينا قيّما، ونسألك العافية من كل بليّة، ونسألك الشكر على العافية، ونسألك الغنى عن الناس».
والمناجاة طويلة، وهو يلم فيها-كما نرى-بطلب المغفرة والرحمة من ربه وأن يكون خير أيامه وأسعدها يوم لقائه وأن ينفّره من حب الدنيا ويعصمه من شهواتها وأن يجعل حياته نسكا وعبادة له. وما يزال فى الورد يتمنى أن يهبه الله رضاه وحبّه وأن يدفع عه كل ضر وأذى وأن يغنيه عن السؤال وأن ينعم عليه بعزّ الدنيا من الإيمان والمعرفة وبعز الآخرة من اللقاء والمشاهدة. ولم يكن يطلب إلى أصحابه أن يشقوا على أنفسهم فى العبادة والنسك وأن يلبسوا الخرق والمرقّعات بل كان يطلب إليهم الرفق بأنفسهم فى التقوى والعبادة، وأن يشتركوا فى الحياة مع مجتمعهم تجارا وزراعا وأصحاب حرف، فإن العمل نفسه يعد عبادة. وبذلك كان يدعو أتباعه أن لا يكونوا عالة على
المجتمع بل يعملوا ويجدوا مع صفاء النفس وسمو الروح، ومع التقوى والعمل الصالح. وشاعت طريقته فى الديار المصرية وفى شمال أفريقيا وخاصة فى الشمال الغربى، وتفرعت منها أكثر من عشرة طرق من أهمها الطريقتان الوفائية والخلوتية.
ابن عطاء (1) الله السكندرى
هو تاج الدين أحمد بن محمد بن عبد الكريم بن عطاء الله السكندرى، ولد بالإسكندرية فى أواخر العقد السادس من القرن السابع، واستهل حياته بحفظ القرآن الكريم، ثم أخذ يعكف على دراسة. العلوم الدينية واللغوية حتى برع فيها، يقول السيوطى:«كان جامعا لأنواع العلوم من تفسير وحديث ونحو وأصول وفقه على مذهب مالك» . ويبدو أنه جمع إلى مذهب مالك دراسة مذهب الشافعى مما جعل السبكى يترجم له فى طبقات الشافعية، وله فى مذهب مالك مختصر تهذيب المدونة للبرادعى. وكان فى أول أمره منصرفا عن التصوف والصوفية. بل كان ينكر عليهم طريقتهم، حتى تصادف أن استمع إلى أبى العباس المرسى تلميذ أبى الحسن الشاذلى، فأعجب به، وأخذ يقتنع بطريقة القوم، حتى أصبح أكبر مريد لأبى العباس وآثر تلاميذه عنده، ولما توفى سنة 685 خلفه على رياسة الطريقة الشاذلية. وله فضل كبير فى نشرها، فقد كان فقيها كبيرا، كما كان صوفيا شاذليا لسنا، فجلس مجلس أستاذه يدرّس للناس الفقه والتفسير ويعظهم، فيبلغ كل ما يريد من التأثير فيهم.
واستوطن ابن عطاء الله القاهرة، واتخذ له حلقة فى الجامع الأزهر تارة وفى المدرسة المنصورية تارة أخرى يعظ الناس ويرشدهم، وأكبّ عليه الفقهاء وفى مقدمتهم تقى الدين السبكى، وأكبّت عليه العامة، ودخل كثيرون فى طريقته لروعة وعظه وحسن بيانه، وخاصة أنه كان يمزج مواعظه بالقرآن الكريم والحديث النبوى وأقوال السلف. فكثر أتباعه، وأصبح لطريقته الشاذلية شأن عظيم، وكان يكرر ويردد دائما مبدأها الأساسى وهو أن الصوفى الحقيقى من يجمع بين علوم الشريعة وعلوم الصوفية، وأنه لا تصوف بدون أداء الفرائض والنوافل، وأن على المتصوف أن يكتسب قوته وما يقيم به أوده، وأما من يسألون الناس ويتضرعون إليهم طالبين ما يسدّون به رمقهم
(1) انظر فى ابن عطاء الله النجوم الزاهرة 8/ 280 وطبقات الشافعية 9/ 23 والدرر الكامنة 1/ 291 وحسن المحاضرة 1/ 424 وطبقات الشعرانى 2/ 14 والبدر الطالع 1/ 107 والديباج المذهب لابن فرحون (طبع القاهرة 1351 هـ.) ص 70 والوافى 8/ 57 وشذرات الذهب 6/ 19 وكتابا عنه للدكتور التفتازانى وأعلام الاسكندرية للدكتور الشيال ص 214.
فليسوا من التصوف فى شئ. فالصوفى يعمل ويحنى ثمرة عمله ولا يسأل سوى ربه راضيا برزقه ونصيبه من دنياه، ويقول ابن حجر:«كان المتكلم على لسان الصوفية فى زمانه» والّف فى مناقب شيخه أبى العباس المرسى وأبى الحسن الشاذلى كتابه «لطائف المنن» فأرسى به الطريقة وتعاليمها وكتب لها الذيوع. ويقول الذهبى: «كانت له جلالة عجيبة ووقع فى النفوس ومشاركة فى الفضائل» ويقول السبكى: «كان إماما عارفا صاحب إشارات وكرامات وقدم راسخ فى التصوف» ويقول صاحب النجوم الزاهرة فى التعريف به «الشيخ القدوة العارف بالله تعالى الصوفى الواعظ المذكّر المسلّك، وكان يحضر حلقة وعظه خلق كثير، وكان لوعظه تأثير فى القلوب وكان له معرفة تامة بكلام أهل الحقائق وأرباب الطريق» . وصنّف ابن عطاء الله «لطائف المنن فى مناقب أبى العباس المرسى وشيخه أبى الحسن والتنوير فى إسقاط التدبير، والمرقى إلى القدس الأبقى، وتاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس، ومفتاح (1) الفلاح ومصباح الأرواح» . وواضح من عنوانات هذه المصنفات أنها كتب صوفية. وله أقوال وكلمات بليغة دوّنها أصحابه فى كتاب باسم «حكم ابن عطاء الله السكندرى» وهى منشورة. وله أشعار على طريقة الصوفية. أنشدنا منها مقطوعة فى غير هذا الموضع. وتوفى بالمدرسة المنصورية كهلا سنة 709 ودفن بجبانة (2) آل أبى الوفا شرقى جبانة الإمام الليث، وكانت جنازته-كما يقول مترجموه- حفلة لكثرة أتباعه من الفقهاء والعلماء والعامة.
وكان ابن عطاء الله إذا وعظ استرسل فى وعظه، وقد يذكر آية قرآنية أو حديثا نبويّا فتتوالى سيول القول، من ذلك ما جاء فى وصفه للرسول صلى الله عليه وسلم فى كتابه «لطائف المنن» إذ يقول:
(1) انظره مطبوعا مع لطائف المنن على هامش كتاب لطائف المنن والأخلاق فى بيان وجوب التحدث بنعمة الله على الاطلاق للشعرانى (طبع المطبعة الميمنية)
(2)
فى الإسكندرية مسجد منسوب إليه، ولعله كان يلقى فيه أحيانا بعض مواعظه
وتكثر عنده مثل هذه التفريعات والتوليدات فى الكلام، وكأنما يستمد من معين ذهنى وروحى لا ينضب، مع التنويع الدائم فى الأفكار وتشعيبها شعبا وفروعا لا تكاد تقف عند حد، وكأنما يريد أن يشيد منها طبقات، بعضها فوق بعض، أو كأنما يريد أن يرفع منها صروحا شاهقة. وقد يستعين بالتكرار مع تلوين الأسلوب ألوانا مختلفة على شاكلة قوله واعظا:
«كيف يتصوّر أن يحجب الله شئ وهو الذى أظهر كل شئ؟
كيف يتصوّر أن يحجبه شئ وهو الذى ظهر بكل شئ؟
كيف يتصوّر أن يحجبه شئ وهو الذى ظهر فى كل شئ؟
كيف يتصوّر أن يحجبه شئ وهو الذى ظهر لكل شئ؟
كيف يتصوّر أن يحجبه شئ وهو الظاهر قبل وجود كل شئ؟
كيف يتصوّر أن يحجبه شئ وهو الواحد الذى ليس معه شئ؟
كيف يتصوّر أن يحجبه شئ وهو أقرب إليك من كل شئ؟
يا عجبا كيف يظهر الوجود فى العدم، أم كيف يثبت الحادث مع من له وصف القدم؟ »
والعظة تدور على أن لا حجاب بين العبد ومولاه إذ هو مظهر الكائنات جميعا وموجدها، وجميعها تشهد بوجوده، وإنه ليتجلى فيها جميعا. وقد ظهر لها وعرفته وسبّحته، وإن وجوده لأبدى أزلىّ، وإنه لواجب الوجود وحده دون سواه، وإنه لأقرب إلى الإنسان من كل شئ، أقرب إليه من حبل الوريد. ويا عجبا كيف يحجبه الفانى الحادث، وهو القديم الأزلى. وهو يسر فى العرض وروعة بيان وبلاغة. ويروى أن السلطان لاجين طلبه ليعظه، وسأله فى أثناء وعظه عن الشكر، فأجابه توا:
أحمد (1) الدردير
هو أحمد بن محمد العدوى المالكى الأزهرى الشهير بالدردير، ولد ببنى عدى سنة 1127 للهجرة وحفظ القرآن الكريم وجوّده وشغف بطلب العلم، فورد القاهرة، وأكبّ على حلقات العلماء يأخذ كل ما عندهم من حديث وفقه وتفسير وعلم كلام ولغة ونحو وبلاغة. وشغف بدروس الشيخ الحفنى شيخ الجامع الأزهر حينذاك، وكان قد انتظم فى سلك الخلوتية-كما مرّ بنا-عن طريق الشيخ الخلوتى الكبير مصطفى بن كمال الدين البكرى، فأخذ الدردير عنه الطريقة فيمن أخذوها عنه من العلماء والأجلاء وكان زاهدا عفيفا تقيا ورعاسليم الباطن مهذبا كريم الخلق، فقربه منه الشيخ الحفنى وشيوخه بعامة. وسرعان ما أذنوا له بالإفتاء فى حضرتهم، وأجازوا له التدريس، فكان يدرس للطلاب المذهب المالكى، وله فيه شرح «مختصر خليل» اقتصر فيه على الراجح من أقوال أئمة المذهب المالكى. ولما توفى شيخ المالكية: الشيخ الصعيدى شغل مكانه فى المشيخة والإفتاء، وعيّن ناظرا على وقف الصعايدة وشيخا لطائفته الخلوتية الصوفية.
وعدّد الجبرتى فى تاريخه مؤلفات الدردير فى الفقه المالكى وفى علم التوحيد وفى متشابهات القرآن وفى علوم البلاغة. وذكر له بجانب ذلك مؤلفات فى التصوف منها تحفة الإخوان فى آداب أهل العرفان، وشرح على ورد الشيخ كريم الدين الخلوتى، وشرح على صلوات السيد أحمد البدوى وهى صلوات نبوية. ومازال الدردير يتولى مشيخة المالكية بالجامع الأزهر ومشيخة الطائفة الخلوتية الصوفية حتى توفى سنة 1201 للهجرة، وصلّى عليه بالأزهر فى مشهد عظيم، ودفن بزاويته التى بناها بحى الكعكيين. وله ورد أو حزب مشهور باسم المسبعات (2) والصلوات، والمسبعات أدعية وابتهالات عشر، وتليها صلوات عطرة على الرسول صلى الله عليه وسلم، وله معها منظومة لأسماء الله الحسنى، تشتمل فى نهايتها على صلوات وتسليمات على الرسول صلى الله عليه وسلم وأدعية له ولشيوخه فى الطريقة الخلوتية، ومما يقول فى مسبعاته داعيا ربه متبتلا إليه.
«اللهم إنى أعوذ بك من الفقر إلا إليك ومن الذل إلا لك ومن الخوف إلا منك، وأعوذ بك أن أقول زورا، أو أغشى فجورا، أو أكون بك مغرورا. وأعوذ بك من شماتة الأعداء،
(1) انظر فى الدردير تاريخ الجبرتى 2/ 147
(2)
انظر فى هذه المسبعات والصلوات مجموع الأوراد الكبير (طبع مكتبة النصر) ص 13
وعضال الداء، وخيبة الرجاء، وزوال النعمة، وفجاءة النقمة.
اللهم إنى أعوذ بك من شر الخلق وهمّ الرّزق، وسوء الخلق.
اللهم إنى أعوذ بك من الزّيغ والجزع، وأعوذ بك من الطمع فى غير مطمع».
ويظل يستعيذ من الهم والحزن ومن شر ما خلق الله ومن أن يظلم أو يظلم أو يبغى على إنسان أو يبغى عليه ذو سلطان أو يطغى أو يطغى عليه. ويستعيذ من الشرك الظاهر والخفى، ويتوسل إلى الله أن يكون دائما فى حرز منيع من جميع خلقه، وأن يظل معافى فى بدنه ودينه ودنياه.
وننتقل معه إلى الصلوات على الرسول، وتتضح فيها نظرية الحقيقة المحمدية التى مر بنا حديث عنها عند البوصيرى، إذ يقول:
«اللهم اجعل أفضل صلواتك أبدا، وأنمى بركتك سرمدا، وأزكى تحيّاتك فضلا وعددا، على أشرف الخلائق الإنسانية، ومجمع الحقائق الإيمانية. . شاهد أسرار الأزل، وترجمان لسان القدم. . وإنسان عين الوجود العلوى والسّفلى، روح جسد الكونين، وعين حياة الدارين.
اللهم صلّ على من منه انشقّت الأسرار، وانفلقت الأنوار، وفيه ارتقت الحقائق، ونزلت علوم آدم فأعجز الخلائق، وله تضاءلت الفهوم فلم يدركه مناسابق ولا لاحق، فرياض الملكوت بزهر جماله مونقة، وحياض الجبروت بفيض أنواره متدفقة.
اللهم صلّ على الذات المحمدية، اللطيفة الأحدية، شمس سماء الأسرار، ومظهر الأنوار.
ومركز مدار الجلال، وقطب فلك الجمال».
ونظرية الحقيقة المحمدية وما يطوى فيها من قدم الوجود المحمدى وأن وجود الكائنات مستعار منه واضحة فى قول الدردير عن الرسول عليه السلام إنه ترجمان لسان القدم، وإنسان عين الوجود العلوى والسفلى وروح جسد الكونين وأن الأنوار منه انشقت، فنوره هو المرئىّ فى كل نور، ووجوده هو المشاهد فى كل وجود. وكل ذلك يعنى أزلية النور المحمدى أو قل أزلية الحقيقة المحمدية. ويوزع الدردير صلواته على الحروف الهجائية فلكل حرف سجعاته الخاصة، ومع الصلوات أدعية وابتهالات شتى من مثل قوله فى الصلوات على حرف الدال:
«اللهم صلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد واسلك بنا طريق الرشاد.
وصلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد واخلع علينا خلع الرّضوان والوداد،
وصلّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد وتوّجنا بتاج القبول بين العباد.