الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
5 - التاريخ
نشطت مصر فى كتابة التاريخ منذ مطالع القرن الثالث للهجرة، وقد كتبت فى جميع ألوانه:
فى التاريخ العام أو تاريخ الدول العربية، وفى التاريخ الخاص تاريخ دولها وحكامها المختلفين.
وفى تاريخ المدن وخاصة القاهرة والإسكندرية، وتاريخ الرجال وتاريخ العلماء من كل صنف وتاريخ الشعراء والأدباء. وبجانب ذلك عنيت بكتابة السيرة. ولها فى كل ذلك نشاط واسع، ولعل من الخير أن نتعقبه على مر القرون.
وأول ما يلقانا من ذلك فى القرن الثالث للهجرة، السيرة النبوية لعبد (1) الملك بن هشام المتوفى سنة 218 وقد طبّقت شهرتها العالم الإسلامى، ولمصر فضل إهدائها إلى هذا العالم وتداولها فيه إلى اليوم، وإنها لتعد أوثق مصدر يرجع إليه مؤرخو السيرة المحمدية. ويلقانا بعدها كتاب فتوح مصر والمغرب لعبد (2) الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم المتوفى سنة 257. ويكتب محمد بن عبد الله بن الحكم المتوفى سنة 268 سيرة لعمر بن عبد العزيز، وهى مطبوعة بالقاهرة.
ويلقانا من المؤرخين المصريين فى القرن الرابع الهجرى مؤرخ قبطى هو سعيد (3) بن البطريق الذى تقلد منصب بطريرك الإسكندرية سنة 321 وظل يشغله حتى توفى سنة 328 وله تاريخ سماه نظم الجوهر، ويقول ابن أبى أصيبعة إنه ثلاث مقالات أو ثلاثة أبواب: باب عن النصارى وصومهم وإفطارهم وتاريخهم وأعيادهم، وباب أو مقالة عن تواريخ الخلفاء والملوك المتقدمين، ومقالة أو باب عن تاريخ البطاركة وأحوالهم وما جرى فى ولاياتهم. وكتاب سعيد
(1) انظر عبد الملك بن هشام فى ابن خلكان 3/ 177 وشرح سيرته للسهيلى المسمى الروض الألف: مقدمته، وعبر الذهبى 1/ 374 والسيوطى 1/ 531 وإنباه الرواة 2/ 211.
(2)
راجع عبد الرحمن فى ابن خلكان 3/ 35 والسيوطى 1/ 446، 553 والديباج لابن فرحون والميزان للذهبى 3/ 86.
(3)
انظر ابن البطريق فى ابن أبى أصيبعة ص 545 ودائرة المعارف الإسلامية وبروكلمان (الطبعة العربية) 3/ 77 وما بهما من مراجع وقد طبع كتاب ابن البطريق فى أكسفورد ونشره اليسوعيون فى بيروت ونشر ذيله روزن فى ليننجراد فى القرن الماضى.
إشارة قوية إلى تعرب القبط حينئذ واستيعابهم العربية. وذيّل على هذا الكتاب يحيى بن سعيد الأنطاكى بتكملة أرخ فيها من سنة 326 حتى سنة 425 وكان قد نزل أنطاكية سنة 403 ووجد بها من الوثائق عن الدولة البيزنطية وبطاركة أنطاكية والقسطنطينية فى تلك الحقبة ما ضمه إلى أخبار بطاركة الإسكندرية وأخبار الدولتين العباسية والفاطمية. وكان يعاصر سعيد بن البطريق أحمد (1) بن يوسف بن الداية المتوفى سنة 340 وله كتاب سيرة أحمد بن طولون، وضمن ابن سعيد فى كتابه المغرب-القسم الخاص بالفسطاط-أكثر هذه السيرة، وعليه اعتمد البلوى فيما كتبه عن ابن طولون وآله. ولابن الداية أيضا كتاب فى أخبار الأطباء مفقود، وكتاب فى السياسة نشر فى بيروت، وسنعرض فى حديثنا عن النثر لكتابه «المكافأة». وكان يعاصره عبد الرحمن (2) بن أحمد بن يونس الصدفى المتوفى سنة 347 وقد وضع فى التراجم كتابين: كتابا عن علماء مصر وكتابا عن الغرباء الواردين على مصر، وهما مفقودان مثل كتاب ثالث له ذكره صاحب كشف الظنون، وهو فى تاريخ الصعيد. ونلتقى بمحمد (3) بن يوسف الكندى المتوفى سنة 350 وله كتابان: ولاة مصر أو أمراؤها حتى سنة 335 وكذلك قضاتها، نشرهما جيست، وهما كتابان نفيسان. ونلتقى فى أوائل زمن الفاطميين بابن (4) زولاق الحسن بن إبراهيم المتوفى سنة 387 وله كتاب سيرة محمد بن طغج الإخشيد، احتفظ بأكثره ابن سعيد فى كتاب المغرب: قسم الفسطاط، وكانت له أيضا-وفقدت-سيرة جوهر وسيرة المعز وسيرة العزيز وتاريخ السنين، وتكملة لكتاب الولاة وكتاب القضاة للكندى وطبع له كتاب أخبار سيبويه المصرى. ويلقانا بعده الطحان أبو القاسم يحيى (5) بن على الحضرمى المتوفى سنة 416 وله ذيل على تاريخ ابن يونس الصدفى، كما يلقانا الروذ بارى أحمد (6) بن الحسين معاصره وله كتاب فى تاريخ خلفاء مصر حتى زمن الحاكم سماه «بلشكر الأدباء» وينقل ابن سعيد عنه فى قسم القاهرة من كتابه المغرب مرارا،
(1) انظر مصادر ابن الداية فى كتابه المكافأة فى الفصل الخامس من هذا الكتاب.
(2)
راجع ابن يونس فى السيوطى 1/ 351، 553 وابن خلكان 3/ 137 وفوات الوفيات 1/ 526 والشذرات 2/ 375 وعبر الذهبى 2/ 276.
(3)
انظر فى الكندى السيوطى 1/ 553 ودائرة المعارف الإسلامية. وبروكلمان 3/ 82.
(4)
انظر ابن زولاق فى السيوطى 1/ 553 وابن خلكان 2/ 91 ولسان الميزان 2/ 191.
(5)
انظر الطحان فى ابن خلكان 3/ 223 وانظر بروكلمان 6/ 84.
(6)
راجع الروذبارى فى المغرب لابن سعيد (قسم القاهرة) ص 363.
وعليه اعتمد فيما ذكره من أخبار الحاكم. وكان يعاصره هو والطحان المسبحى (1) الأمير المختار عز الملك محمد بن عبيد الله المتوفى سنة 420، وقد ترجم له ابن سعيد فى المغرب ترجمة ضافية ذكر فيها مصنفاته الكثيرة. وأهمها تاريخه الكبير عن مصر وولاتها وخلفائها الفاطميين، سماه «كتاب أخبار مصر وفضائلها وعجائبها وطرائفها وغرائبها وما بها من البقاع والآثار وسير من حلّها من الولاة والأمراء والأئمة الخلفاء آباء أمير المؤمنين» وقد نشرت منه هيئة الكتاب قطعة صغيرة تؤرخ سنتى 414 و 415 للهجرة. وتلقانا سيرتان إيام الفاطميين: سيرة جوذر الصقلى أحد رجال الدولة الفاطمية قبل استيلائها على مصر، وهى منشورة، وأهم منها السيرة المؤيدية للمؤيد الشيرازى داعى دعاة الفاطميين المار ذكره، وفيها يتحدث عن حياته من سنة 429 حتى سنة 450 ويذكر بعض رسائله ومناظراته العلمية.
ومن أهم المؤرخين فى زمن الفاطميين على (2) بن منجب الصيرفى المتوفى سنة 550 وله كتاب فى وزراء الفاطميين سماه الإشارة إلى من نال الوزارة ألفه للوزير الفاطمى البطائحى.
وللرشيد (3) بن الزبير أحمد بن على المتوفى سنة 563 كتاب فى شعراء مصر سماه «جنان الجنان ورياض الأذهان» ألفه سنة 558 وهو أهم كتاب ألف عن الشعر الفاطمى وعليه اعتمد ابن سعيد فى جزأى الفسطاط والقاهرة من مصنفه «المغرب» فى كثير من تراجمه. وبجانب ذلك نجد فى أواخر زمن الفاطميين مصنفات فرعية مثل «الرسالة المصرية» لأمية بن عبد العزيز الأندلسى المعروف باسم أبى الصلت، وعداده فى الأندلسيين. ومن ذلك مصنّف للقاضى الجليس فى شعراء طلائع ابن رزيك، ورسالة لابن جبر يحيى بن حسن ألفها فى مدائح بنى أسامة سنة 525. ونلتقى بالقرطى محمد (4) بن سعد الذى ألف لشاور وزير الخليفة العاضد (555 - 567 هـ) كتابا فى تاريخ مصر، وتاريخ وفاته غير معروف. وعنه نقل ابن سعيد مقتطفات كثيرة فى قسمى الفسطاط والقاهرة من كتابه المغرب. وكان يعاصره على بن أبى السرور الرّوحى وله تحفة الظرفاء فى أخبار الأنبياء والخلفاء إلى الظاهر لإعزاز دين الله الفاطمى المتوفى سنة 427 ويظنّ أنه ألفه بالإسكندرية
(1) انظر فى المسبحى المغرب (قسم الفسطاط) ص 264 وابن خلكان 4/ 377 والسيوطى 1/ 544 والوافى للصفدى 4/ 7 والعبر 3/ 139 والشذرات 3/ 215 والنجوم الزاهرة 4/ 271.
(2)
راجع مصادر ترجمة ابن منجب فى ص 405.
(3)
انظر فى الرشيد ابن خلكان 1/ 160 ومعجم الأدباء 4/ 51 والطالع السعيد 52 والخريدة قسم مصر 1/ 200 والشذرات 4/ 197 والسيوطى 1/ 540.
(4)
انظر فى القرطى المغرب قسم الفسطاط ص 267.
سنة 567 وطبع فى القاهرة مع تكملة إلى العاضد آخر الخلفاء الفاطميين وتكملة ثانية إلى المستعصم سنة 640.
وفى أواخر زمن الفاطميين وأوائل عهد الأيوبيين نلتقى بأبى صالح الأرمنى، وله كتاب عن الكنائس والأديرة بمصر وما يجاورهما من البلاد ابتدأ تأليفه سنة 564 نشر الجزء الأول منه فى أكسفورد سنة 1895. ويلقانا فى زمن الأيوبيين أبو طاهر السّلفى المار ذكره وله معجم السفر لشيوخه ومن لقيهم. وتتكاثر هذه المعاجم فيما بعد، إذ تكثر ترجمة العلماء لشيوخهم، مما يلقى أضواء كثيرة على الحركة الثقافية لعهودهم. وكان يعاصره الشريف النسابة محمد (1) بن أسعد الجوّانىّ الحسينى، المتوفى سنة 588 وله كتاب طبقات الطالبيين وتاج الأنساب.
وكتب إبراهيم بن وصيف شاه قبل سنة 606 كتاب جواهر البحور ووقائع الأمور وعجائب الدهور وأخبار الديار المصرية. ولعلى بن ظافر الأزدى المتوفى سنة 623 كتاب الدول المنقطعة فى أربعة مجلدات وفيه يذكر تاريخ الطولونيين والإخشيديين والفاطميين والعباسيين حتى سنة 622.
ومرّ بنا ذكر الحافظ عبد الغنى بين الحنابلة وأن له كتاب الإكمال فى معرفة أسماء الرجال. وأكبر مؤرخ للرجال زمن الأيوبيين القفطى (2) على بن يوسف المتوفى سنة 646 وله كتاب إنباه الرواة على أنباه النحاة وكتاب المحمدين من الشعراء، وهما مطبوعان وله أيضا كتاب إخبار العلماء بأخبار الحكماء. اختصره الزوزنى محمد بن على المعاصر له وسمى مختصره «تاريخ الحكماء» طبع فى ليبزج والقاهرة، وهو مبثوث فى هوامش هذا الجزء.
ونمضى إلى زمن المماليك وفى عهدهم تزدهر كتابة التاريخ العام والخاص وتاريخ التراجم والسير، ويلقانا المكين (3) بن العميد، وهو جرجيس (أو عبد الله) بن أبى اليسيرين أبى المكارم المولود بالقاهرة سنة 602 والمتوفى بدمشق سنة 672 وله كتاب المجموع المبارك وهو تاريخ عام للعالم فى قسمين: القسم الأول من بداية الخلق إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والقسم الثانى من الرسول إلى سنة 658 وقد نقل إلى اللاتينية وطبع مع الأصل العربى فى ليدن سنة 1625 للميلاد وترجم إلى الانجليزية وطبع فى لندن ثم إلى الفرنسية وطبع فى باريس. وكان يعاصره ابن ميسر (4) تاج الدين محمد بن على بن يوسف المتوفى سنة 677 مصنف تاريخ مصر وهو ذيل أو تكملة لكتاب المسبّحى
(1) انظر فى الجوانى الخريدة (قسم مصر) 1/ 117 ولسان الميزان 5/ 74.
(2)
انظر القفطى فى معجم الأدباء 15/ 175 والطالع السعيد ص 237 والشذرات 5/ 237 وفوات الوفيات 2/ 191 والسيوطى 1/ 554.
(3)
انظر المكين فى بروكلمان 6/ 144 ودائرة المعارف الإسلامية.
(4)
انظر ابن ميسر فى بروكلمان 6/ 90.
آنف الذكر. وللشاعر المعروف باسم الجزار المتوفى سنة 679 قصيدة تاريخية سماها العقود الدرية فى الأمراء المصرية حتى الملك الظاهر بيبرس احتفظ بها السيوطى فى كتابه حسن المحاضرة. ولابن (1) الراهب القبطى أبى شكر بطرس المتوفى سنة 681 كتاب فى التاريخ العام يشتمل على تاريخ ملوك الروم والبطاركة والخلفاء والأمراء إلى سنة 657 ترجم إلى اللاتينية سنة 1651 وعنى به اليسوعيون ببيروت ونشروه سنة 1903. وحرى بنا أن نذكر هنا ابن (2) خلكان أكبر كتاب التراجم وأوثقهم المتوفى سنة 681 وحقا نشأ بالموصل، ولكنه أقام فترات طويلة بالقاهرة وفيها بدأ تأليف كتابه النفيس: وفيات الأعيان سنة 654 وأتمّه بها سنة 672. ويلقانا محيى (3) الدين بن عبد الظاهر المتوفى سنة 692 وله سيرة نفيسة فى السلطان قلاوون» باسم: تشريف الأيام والعصور فى سيرة الملك المنصور قلاوون وهى منشورة، وله أيضا سيرة فى السلطان الظاهر بيبرس وسيرة ثالثة فى الأشرف خليل بن قلاوون، وأيضا له خطط القاهرة.
ونلتقى فى القرن الثامن بالدوادار (4) ركن الدين بيبرس المنصورى المتوفى سنة 725 وله زيدة الفكرة من تاريخ الهجرة، وهو تاريخ عام للدولة الإسلامية حتى سنة 724 مرتب على السنين فى أحد عشر مجلدا، وفى مكتبة جامعة القاهرة مصورات لبعض أجزائه. وكان يعاصره النويرى الذى تحدثنا عنه بين الجغرافيين مشيرين إلى موسوعته الكبرى نهاية الأرب. وبها سيرة نبوية مطولة وتاريخ عام للدولة الإسلامية، وأشرنا هناك أيضا إلى ابن فضل الله العمرى وموسوعته مسالك الأبصار، وبها مجلدات ضخمة لتراجم الأطباء والفقهاء والعلماء من كل صنف والشعراء والكتاب لا فى مصر وحدها بل فى العالم العربى جميعه. ونلتقى بالحافظ ابن (5) سيد الناس المتوفى سنة 734 وسيرته النبوية:«عيون الأثر فى فنون المغازى والشمائل والسير» . وبها إضافة مهمة إذ لا تكتفى بما فى كتب السيرة كسيرة ابن هشام، بل تضيف إلى ذلك المراجعة على كتب الحديث مثل صحيح البخارى. ويلقانا الإدفوى (6) جعفر بن ثعلب المتوفى سنة 748 مصنف الطالع
(1) انظر ابن الراهب فى بروكلمان 6/ 146.
(2)
انظر مصادر ترجمة ابن خلكان وأخباره فى الجزء الخامس من هذه السلسلة بقسم العراق.
(3)
راجع مصادر ترجمة محيى الدين بن عبد الظاهر فى ص 415.
(4)
انظر فى الدوادار الدرر الكامنة 2/ 43 والشذرات 6/ 66 ودائرة المعارف الإسلامية.
(5)
راجع فى ابن سيد الناس السيوطى 1/ 358، 425 والبدر الطالع 2/ 249 والنجوم 7/ 356 وطبقات القراء 1/ 386 والدرر الكامنة 4/ 330 والسبكى 9/ 468.
(6)
راجع فى الإدفوى السيوطى 1/ 556 والشذرات 6/ 153 والدرر الكامنة 2/ 72 والبدر الطالع 1/ 182
السعيد الجامع لأسماء نجباء الصعيد. وكان يعاصره المفضل بن أبى الفضائل القبطى وله ذيل على تاريخ المكين بن العميد باسم «النهج السديد والدر الفريد فيما يعد تاريخ ابن العميد» ويشمل تاريخ سلاطين المماليك من الظاهر بيبرس إلى الناصر بن قلاوون وتاريخ بطاركة الإسكندرية والمسلمين فى اليمن والهند وتاريخ التتار، نشر منه القسم الخاص بسلاطين (1) المماليك. ونلتقى بالحافظ مغلطاى المار ذكره بين المحدثين، وله سيرة نبوية باسم «الزهر الباسم فى سيرة أبى القاسم» ومنها مخطوطة فى دار الكتب المصرية.
ويلقانا بهاء الدين السبكى الذى ذكرناه بين فقهاء الشافعية، وله كتابه النفيس «طبقات الشافعية» . ونراه يصل التاريخ بالمجتمع فى كتابه «معيد النعم» وهو يلتقى بكتاب الجمهورية لأفلاطون وكتاب آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابى، والكتابان إنما يعرضان للحياة السياسية والاجتماعية فى المدينة عرضا مثاليا، والسبكى يتجه فى «معيد النعم» نفس الوجهة فى المجتمع المصرى، فيصور المثالية، ولا يكتفى بذلك، بل يعمد إلى تصوير الواقع مقابلا بينه وبين المثال، ولكى يصل إلى ذلك استعرض عناصر المجتمع، وهى تبلغ عنده مائة واثنى عشر عنصرا: من السلطان ونوابه وموظفى الدولة وقواد الجيش والقائمين على الضرائب والأسواق والقضاة والعلماء والوعاظ والصوفية وخزنة الكتب ومعلمى الكتاتيب والوراقين وأصحاب الصيد والزراعة والصناعة والتجارة وأصحاب الحرف المختلفة، وحتى البوابين والقائمين على إصطبلات الخيول والشحاذين. كل هؤلاء يستعرض حياتهم بواقعها وما ينبغى أن تكون عليه من صورة مثالية.
وبذلك رسم المجتمع المصرى بكل معايبه وما ينبغى أن يكون عليه من هيئة فاضلة.
ويلقانا فى مطالع القرن التاسع ابن (2) الفرات ناصر الدين محمد بن عبد الرحيم المتوفى سنة 807 وله كتاب «تاريخ الدول والملوك» بلغ فيه نهاية سنة 803 وكان فى عشرين مجلدا. وكان يعاصره ابن دقماق (3) صارم الدين إبراهيم بن محمد المذكور بين الجغرافيين والمتوفى سنة 809 وله كتاب الانتصار لواسطات عقد الأمصار، خص كل جزء منه بمدينة، وقد نشر فولرز منه الجزءين الخاصين بالقاهرة والإسكندرية، وله كتاب فى تراجم الصوفية، وله فى تاريخ مصر كتاب نزهة الأنام فى اثنى عشر مجلدا وتاريخ لحكام مصر حتى سنة 805 صنفه للسلطان برقوق وله فيه سيرة
(1) بروكلمان 6/ 146.
(2)
انظر ابن الفرات فى السيوطى 1/ 556 والضوء اللامع 8/ 51.
(3)
انظر ابن دقماق فى السيوطى 1/ 556 والشذرات 7/ 80 والضوء اللامع 1/ 145.
سماها «عقد الجواهر فى سيرة الملك الظاهر برقوق» وتكثر فى هذا العصر كتابة سير السلاطين. وقد ذكرنا بين الجغرافيين القلقشندى المتوفى سنة 821 وكتابه صبح الأعشى، وهو سجل تاريخى حافل بمعلومات نفيسة عن مكاتبات الحكام فى العالم العربى على مر العصور بجانب أنه معلمة جغرافية رائعة. وله مصنفات مختلفة.
ونلتقى بالمقريزى المتوفى سنة 845 وقد مر ذكره بين الجغرافيين مع الإشارة إلى كتابه «الخطط» وفيه يتحدث عن البيئة الطبيعية-كما أسلفنا-لمصر، ويفيض فى الحديث عن القاهرة وآثارها وأحيائها ومساجدها ومدارسها وحماماتها ومارستانها ومصانعها وخزائن كتبها وما كان بها من حركة علمية، ويتحدث عن الدول التى أظلتها، وبذلك يلتقى فى الكتاب تاريخ مصر الفكرى بتاريخها السياسى والاجتماعى والروحى والحضارى، إذ حوّل المقريزى التاريخ إلى دراسة اجتماعية وعقلية وسياسية مع تصوير عادات السكان وتقاليدهم ومستوى معيشتهم ونزعتهم الصوفية وكل ما اختلف على أهل مصر والقاهرة من صور الحياة. وله سيرة نبوية فى ستة مجلدات باسم «إمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأموال والحفدة والمتاع» وله اتعاظ الحنفا بأخبار الفاطميين الخلفا فى تاريخ الدولة الفاطمية وهو مطبوع وكتاب المقفى فى تراجم أمراء مصر وأعيانها رتبه على الحروف الأبجدية، وكتاب السلوك لمعرفة دول الملوك فى تاريخ مصر من سنة 577 - 844 وكتاب درر العصور الفريدة فى تراجم الأعيان المفيدة، وكتاب البيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب إلى غير ذلك من كتب تاريخية نفيسة. وكان يعاصره ابن حجر (1) الذى مر ذكره بين المحدثين، وعنى بالتأليف فى التراجم، وله كتاب الإصابة فى تراجم الصحابة وكتاب رفع الإصر عن قضاة مصر وكتاب تهذيب التهذيب فى اثنى عشر مجلدا وكتاب لسان الميزان وكتاب الدرر الكامنة فى أعيان المائة الثامنة، وكل هذه الكتب مطبوعة، وله أنباء الغمر بأبناء العمر، وعنى المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بطبعه.
ويلقانا أبو المحاسن جمال الدين يوسف بن تغرى (2) بردى المتوفى سنة 874، وله كتابه النفيس «النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة» يؤرخ فيه لمصر منذ دخلها عمرو بن العاص وأضاءت فيها
(1) انظر ابن حجر فى السيوطى 1/ 363 والشذرات 7/ 270 والضوء اللامع ج 2 رقم 104 والفوائد البهية للكنوى ص 100 والبدر الطالع 1/ 87 والمؤرخون فى مصر فى القرن الخامس عشر الميلادى لمحمد مصطفى زيادة ص 17.
(2)
انظر ابن تغرى بردى فى الضوء اللامع ج 10 رقم 178 والشذرات 7/ 317 والبدر الطالع 2/ 351 ومقدمة كتابه النجوم الزاهرة طبع دار الكتب المصرية ودائرة المعارف الإسلامية فى أبى المحاسن، وزيادة ص 26.
أنوار الدين الحنيف حتى سنة 872 وهو تاريخ على السنوات. وعادة يقدم لسنوات كل وال أو خليفة أو حاكم أو سلطان بكلمة عامة عن حكمه وما وقع فيه من أحداث مهمة وما يداخل زمنه من بعض الشئون الاجتماعية مع الاهتمام بالنواحى العلمية. وهو فيه لا يؤرخ لمصر وحدها، بل يذكر مع سنواتها دائما تاريخ الدول العربية، ومع كل سنة وفيات الأمراء والعلماء والأدباء فى العالم العربى، وأيضا مع تصوير الحياة العربية فى جميع مناحيها. وكانت له عقلية فذة استطاع بها أن يبرز الأحداث السياسية فى وطنه والأوطان العربية مع سوق كثير من الطرائف الأدبية والاجتماعية. والكتاب مطبوع فى ستة عشر مجلدا. وله مصنفات تاريخية مختلفة بجانبه أهمها كتابه المنهل الصافى وهو معجم نفيس لمشاهير الرجال الذين توفوا من سنة 648 حتى أيامه، ويشمل نحو ثلاثة آلاف ترجمة لمن عاشوا فى مصر والشام فى تلك المدة ومن عاصروهم من أهل العراق والحجاز واليمن والتتار وبلاد المغرب والأندلس من الملوك والسلاطين والأمراء والوزراء والقواد والعلماء والكتاب والشعراء والمؤرخين والأطباء والمهندسين والتجار وأرباب المهن وغيرهم، وصنع له مختصرا باسم الدليل الشافى على المنهل الصافى وهو منشور فى مجلدين.
وكان يعاصره ابن قطلوبغا الذى مرّ ذكره بين الأحناف، وقد أشرنا هناك إلى أن له كتابا فى تراجم الحنفية سماه «تاج التراجم» وهو مبثوث فى هوامش هذا الجزء. ونلتقى بشمس (1) الدين السخاوى محمد بن عبد الرحمن المتوفى سنة 902 وله كتاب الضوء اللامع فى أعيان القرن التاسع وهو معجم بديع لتراجم هذا القرن، وقد عدنا إليه مرارا فيما أسلفنا من حديث، وله ذيل على كتاب السلوك لمعرفة دول الملوك لأستاذه المقريزى، وذيل آخر لكتاب أستاذه الثانى ابن حجر:
رفع الإصر عن قضاة مصر، وقد خصبه بترجمة لحياته.
ويتوج السخاوى هذا النشاط التاريخى العظيم بكتابه: «الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ» وهو محاولة رائعة لوضع علم التاريخ الإسلامى العربى. واسم الكتاب يوحى بأنه دفاع عن التاريخ، وقد بدأ ببيان معنى كلمة التاريخ لغة واصطلاحا وبيان موضوعه وأنه الزمان والإنسان، وأخذ يصور فوائده فى التربية الدينية والخلقية والشئون الاقتصادية وأيضا الشئون السياسية بما يدفع إليه الحكام من العدل فى الرعية والقواد من تدبير شئون الجيش، وبالمثل الشئون الاجتماعية وما يتصل بها من الكمالات والنواقص فى المجتمعات. ويعرض بالتفصيل لما ينبغى أن يتوفر فى
(1) انظر فى السخاوى مقدمة كتابه الضوء اللامع وكذلك ج 8 رقم 1 والكواكب السائرة للغزى 1/ 53 والشذرات 8/ 15 والبدر الطالع 2/ 184 والنور السافر للعيدروسى ص 16 والمؤرخون فى مصر لزيادة ص 39.
المؤرخ من شروط العدالة والتحرى والتدقيق فى الأخبار مما ينبغى معه رفض الإسرائيليات والأساطير. ويطيل فى بيان أنه ينبغى على المؤرخ أن لا يستشعر عداوة من يعاديهم لأسباب عقيدية أو مذهبية أو شخصية، ويصور الاختلاف العنيف بين المتصوفة وأهل السنة وكذلك بين الشيعة وخصومهم. وينحى باللائمة على الذهبى فى تراجمه لاستطالته على المتصوفة وكثيرين من أئمة الشافعية والحنفية والأشاعرة لمخالفتهم له فى العقيدة الحنبلية. وينقل عن السبكى أنه ينبغى أن لا يؤخذ بكلامه فى ذم أشعرى والثناء على حنبلى. ويفيض فى بيان التحرى فى الروايات والرواة ويبسط الحديث فى نقد المؤرخين وكتاباتهم التاريخية. والكتاب بالغ الروعة والنفاسة.
وكان يعاصره السيوطى الذى مر ذكره بين اللغويين والنحاة والمحدثين وفقهاء الشافعية، وله طبقات الحفاظ وهو مختصر من طبقات الحفاظ للذهبى، وطبقات المفسرين وبغية الوعاة فى طبقات اللغويين والنحاة، وحسن المحاضرة وهو مبثوث فى الهوامش، وتاريخ الخلفاء والسلاطين من عهد أبى بكر الصديق إلى زمن السلطان قايتباى، ومسالك الحنفا فى والدى المصطفى، ولب اللباب هذب فيه اللباب لابن الأثير ويشتمل على نحو تسعة آلاف اسم وكل هذه الكتب منشورة.
وله وراءها مصنفات أخرى منها سيرة للإمام مالك وسيرة للنووى. ويحتم زمن المماليك بابن إياس محمد بن أحمد الذى عرضنا له بين الجغرافيين، وله تاريخ مفصل عن مصر سماه «بدائع الزهور فى وقائع الدهور، وهو يتناول فيه باختصار تاريخ مصر، حتى إذا وصل إلى زمن قايتباى (874 - 903 هـ) أفاض فى التاريخ إفاضة واسعة، حتى ليذكر وفيات كل شهر، ومن أهم ما كتبه وصفه لاحتلال العثمانيين مصر مبينا ما ألحقوه بها من دمار ونهب لكنوزها وصناعاتها وعلمائها وصناعها المهرة، حتى ليقول إنهم أبطلوا من مصر خمسين صنعة.
وتظل للتاريخ بقية من النشاط فى زمن العثمانيين، وأول مؤرخ نلتقى به فى عهدهم ابن زنبل الرمال أحمد بن على المتوفى سنة 960 وقد مر ذكره بين الجغرافيين وكان موظفا فى ديوان الجيش العثمانى، وله كتاب فتح مصر أو أخذها من الجراكسة على يد السلطان سليم. ويصف معاركه مع الجراكسة فى شمالى الشام وفى القاهرة وعودته إلى عاصمته إستانبول. ويلقانا عبد الوهاب الشعرانى المتوفى سنة 973 وقد ألممنا به فى حديثنا عن المتصوفة فى الفصل الماضى، وله طبقاته الكبرى فى تراجم الصوفية على مر السنين حتى زمنه، وهى مطبوعة مرارا. ويلقانا فى القرن الحادى عشر الهجرى زين الدين بن أبى السرور البكرى محمد الصديقى وابنه شمس الدين محمد ولهما كتب
مختلفة فى العثمانيين، وأهم منهما عبد (1) الرءوف المناوى المتوفى سنة 1031 وله الكواكب الدرية فى تراجم السادة الصوفية، وصنف كتابا فى الأحكام السلطانية وكتابا فى معجم الحديث سماه كنوز الحقائق. وكان يعاصره الإسحاق محمد بن عبد المعطى المتوفى سنة 1032 وله لطائف أخبار الأول فيمن تصرف فى مصر من أرباب الدول» وهو مطبوع. ونلتقى بنور (2) الدين الحلبى على بن إبراهيم المولود بمصر المتوفى سنة 1044 وله السيرة النبوية الحلبية المشهورة، وهى مطبوعة مرارا. ويلقانا شهاب (3) الدين الخفاجى أحمد بن محمد المتوفى سنة 1069 وله ريحانة الألبّا ترجم فيها لشعراء الشام والمغرب والحجاز ومصر أيام العثمانيين وهو مطبوع مرارا. وألفت كتب كثيرة فى السيرة النبوية، منها سيرة خير البرية للصبان المذكور بين النحاة والمتوفى بأخرة من زمن العثمانيين سنة 1206. وظلت مصر موئلا للعلماء-مؤرخين وغير مؤرخين-فى زمنهم كما كانت فى الأزمنة السابقة. ومن كبار المؤرخين الذين نزلوها حينئذ المقرى المتوفى سنة 1041 مؤلف كتابى نفح الطيب وأزهار الرياض الموسوعتين الأندلسيتين المشهورتين.
(1) راجع المناوى فى خلاصة الأثر 2/ 412 والبدر الطالع 1/ 357.
(2)
راجع نور الدين الحلبى فى خلاصة الأثر 3/ 122.
(3)
انظر مصادر ترجمة الخفاجى فى ص 459