المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

فى الأرض فسادا، ولم تلبث جيوش المعز الفاطمى أن زحفت - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ٧

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدّمة

- ‌الفصل الأوّلالسياسة والمجتمع

- ‌1 - فتح العرب لمصر والحقب الأولى

- ‌(ا) فتح العرب لمصر

- ‌(ب) زمن الولاة

- ‌(ج) الطولونيون

- ‌(د) الإخشيديون

- ‌2 - الفاطميون-الأيوبيون

- ‌(ا) الفاطميون

- ‌3 - المماليك-العثمانيون

- ‌(ا) المماليك

- ‌(ب) العثمانيون

- ‌4 - المجتمع

- ‌الفصل الثانىالثقافة

- ‌1 - الحركة العلمية

- ‌2 - علوم الأوائل-علم الجغرافيا

- ‌(ا) علوم الأوائل

- ‌(ب) علم الجغرافيا

- ‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد

- ‌4 - علوم القراءات والتفسير والحديث والفقه والكلام

- ‌5 - التاريخ

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 - تعرب مصر

- ‌2 - كثرة الشعراء

- ‌3 - شعر دورى ورباعيات وموشحات وبديعيات

- ‌(ا) الشعر الدورى

- ‌(ب) الرباعيات

- ‌(ج) الموشحات

- ‌ العزازى

- ‌ابن الوكيل

- ‌(د) البديعيات

- ‌4 - شعراء المديح

- ‌«المهذب بن الزبير

- ‌ابن قلاقس

- ‌ ابن سناء الملك

- ‌ابن نباتة

- ‌5 - شعراء المراثى والشكوى

- ‌على بن النّضر

- ‌على بن عرّام

- ‌6 - شعراء الدعوة الإسماعيلية

- ‌ ابن هانئ

- ‌ظافر الحداد

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الغزل

- ‌ ابن النبيه

- ‌ البهاء زهير

- ‌ ابن مطروح

- ‌2 - شعراء الفخر والهجاء

- ‌ تميم بن المعز

- ‌ ابن الذروى

- ‌ أحمد بن عبد الدائم

- ‌ حسن البدرى الحجازى الأزهرى

- ‌3 - شعراء الطبيعة ومجالس اللهو

- ‌ الشريف العقيلى

- ‌ ابن قادوس

- ‌4 - شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية

- ‌ ابن الكيزانى

- ‌ ابن الفارض

- ‌البوصيرىّ

- ‌5 - شعراء الفكاهة

- ‌ ابن مكنسة

- ‌الجزّار

- ‌ السراج الوراق

- ‌ ابن دانيال

- ‌ عامر الأنبوطى

- ‌6 - شعراء شعبيون

- ‌الغبارى

- ‌ ابن سودون

- ‌الفصل الخامسالنّثر وكتّابه

- ‌1 - الرسائل الديوانية

- ‌ ابن الصيرفى

- ‌ القاضى الفاضل

- ‌ محيى الدين بن عبد الظاهر

- ‌2 - الرسائل الشخصية

- ‌ ابن أبى الشخباء

- ‌ ابن مماتى

- ‌3 - المقامات

- ‌ ابن أبى حجلة

- ‌القلقشندى

- ‌السيوطى

- ‌ الشهاب الخفاجى

- ‌4 - المواعظ والابتهالات

- ‌أبو الحسن الشاذلى

- ‌5 - كتب النوادر والسير والقصص الشعبية

- ‌(ا) كتب النوادر

- ‌كتاب المكافأة

- ‌أخبار سيبويه المصرى

- ‌كتاب الفاشوش فى حكم قراقوش

- ‌«هز القحوف»

- ‌(ب) كتب السير والقصص الشعبية

- ‌ سيرة عنترة

- ‌ السيرة الهلالية

- ‌سيرة الظاهر بيبرس

- ‌سيرة سيف بن ذى يزن

- ‌ ألف ليلة وليلة

- ‌خاتمة

الفصل: فى الأرض فسادا، ولم تلبث جيوش المعز الفاطمى أن زحفت

فى الأرض فسادا، ولم تلبث جيوش المعز الفاطمى أن زحفت من الغرب بقيادة جوهر الصقلى سنة 358 واستولت على البلاد وانقرضت الدولة الإخشيدية.

‌2 - الفاطميون-الأيوبيون

(ا) الفاطميون

(1)

تنتسب هذه الأسرة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق وقد تكونت حوله فرقة الإسماعيلية بينما تكونت حول أخيه موسى الكاظم الفرقة الاثنا عشرية، وكانت الفرقتان تعيشان على التقية والدعوة سرّا لأئمتهما العلويين من سلالة موسى وإسماعيل. وأتيح للإسماعيلية داع خطير هو عبد الله بن ميمون القداح، وهو فارسى من الأهواز، وكان ملما بالفلسفة والملل والأديان، فنظّم الدعوة الإسماعيلية ووضع مبادئها الشيعية الغالية. وبارح موطنه إلى البصرة ثم إلى سلمية بالقرب من اللاذقية فى الشام، ومن هناك اتخذ دعاة للنحلة الإسماعيلية فى العراق وغير العراق، مما هيأ لظهور القرامطة فى البحرين وجنوبى العراق، كما هيأ لظهور داع إسماعيلى من جنوبى الجزيرة يسمى أبا عبد الله، وتصادف أن التقى فى أثناء الحج بنفر من قبيلة كتامة المغربية، فارتضوا دعوته الإسماعيلية وأمّروه عليهم وسار معهم إلى موطنهم، فجمع حوله منهم جيشا قضى به على الأغالبة حكام تونس سنة 296 ويمضى إليه من سلمية عبيد الله الفاطمى ويسلمه مقاليد الأمر، وتدين له البلاد، فيتلقب بالمهدى ويعلن نفسه خليفة شرعيا، ويبنى عاصمة جديدة له بجوار القيروان يسميها المهدية نسبة إليه.

وكان القداح قد جعل أئمة الدعوة الإسماعيلية قسمين: أئمة حقيقيين مستورين أو مستقرّين، وأئمة بجانبهم مستودعين هم رءوس الدعاة المسمون بالحجج، وبذلك كان هو نفسه إماما

(1) انظر فى الفاطميين المنتظم لابن الجوزى وتاريخ مصر لابن ميسر وتاريخ ابن الأثير وابن خلدون والمغرب لابن سعيد (قسم القاهرة) طبع دار الكتب واتعاظ الحنفا بأخبار الخلفا للمقريزى وكتابه الخطط 2/ 21 وما بعدها وكتاب حسن المحاضرة والأجزاء: الثالث والرابع والخامس من النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى وابن خلكان فى تراجم الخلفاء وجوهر الصقلى والإشارة إلى من نال الوزارة لابن الصيرفى والنكت العصرية لعمارة اليمنى وصبح الأعشى فى مواضع متفرقة والفاطميون فى مصر للدكتور حسن إبراهيم حسن والحضارة الإسلامية فى القرن الرابع الهجرى لآدم ميتز.

ص: 21

مستودعا، ومن هنا جاء الشك فى نسب عبيد الله وأبنائه الفاطميين إلى السيدة فاطمة الزهراء، فقيل إنه فاطمى حقيقة وأنه ابن أئمة مستورين هم على الترتيب التقى والوفى والرضى بن محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق وإنما استتروا خوفا على أنفسهم من العباسيين، وأسماء الأولين على الترتيب الحسين وأحمد وعبيد الله، وقيل بل هو غير فاطمى من أبناء القداح الإمام المستودع أو أحفاده. ومما شكّك فى هذا النسب المحضر الذى كتبه الخليفة القادر العباسى سنة 402 بشهادة القضاة والأشراف العلويين بالطعن فى نسب الفاطميين. وقد رفض ابن خلدون فى تاريخه هذا الطعن وما يطوى فيه من شك فى نسب عبيد الله وأسرته الفاطمية وجزم بصحة نسبه إلى على رضوان الله عليه والسيدة فاطمة الزهراء.

ويتسع سلطان عبيد الله فى المغرب، ويضم إلى سلطانه ليبيا والجزائر، وتشنّ عساكره غارات على مصر، ويتوفّى سنة 322 فيخلفه ابنه القائم وتستولى جنوده على المغرب، ويثور عليه الخوارج فى جبل أوراس ثورة عنيفة، ويتوفى سنة 334 ويخلفه ابنه المنصور فيقضى نهائيا على ثورة الخوارج، ويتوفى سنة 341 فيعتلى ابنه المعز عرش الخلافة الفاطمية، وتدين له المغرب بالولاء ماعدا سجلماسة وفاس ويفتتحهما قائده جوهر الصقلى ويمهد له البلدان المغربية حتى المحيط الأطلسى ما عدا مدينة سبتة، فإنها ظلت لبنى أمية أصحاب الأندلس.

وكانت عين المعز على مصر، فلما وصله الخبر بموت كافور وشعر كأنما انهار السد الذى كان يحول بينه وبين الاستيلاء عليها أمر قائده جوهرا بالاستعداد لفتحها، وجهّزه بأكثر من مائة ألف فارس وبكل ما يلزمه من المال والسلاح. ولم يكد يشرف على الإسكندرية حتى لقيته جماعة من المصريين برسالة من الوزير جعفر بن الفرات بطلب الصلح والأمان. وتقدم جوهر حتى وصل بعسكره إلى الجيزة ودحل الفسطاط والبر الشرقى بجيشه دون مقاومة تذكر من الإخشيدية والكافورية. ونزل بالقرب من الجامع الأزهر، وأخذ توّا يختط مدينة القاهرة. وكتب جوهر إلى المعز يبشره بالفتح، وقطع الخطبة لبنى العباس ولبس السواد شعارهم، وأمر أن يلبس الخطباء البياض وأن يقال فى الخطبة:«اللهم صلّ على محمد المصطفى وعلى علىّ المرتضى وعلى فاطمة البتول وعلى الحسن والحسين سبطى الرسول الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيرا وصلّ على الأئمة الطاهرين آباء أمير المؤمنين المعز لدين الله» . وأخذ جوهر فى بناء الجامع الأزهر واستغرق ذلك ثلاث سنين. واختط قصر الخلافة، وحفر أساسه فى أول ليلة نزل فيها بالقاهرة، واختطّت

ص: 22

كل قبيلة-خطة عرفت بها وبنيت حاراتها من يومئذ، من مثل حارة الروم والحسينية والخرشتف.

ولم يلبث أن ضم الشام إلى مصر سنة 359 وخطب للمعز فيهما وفى الحرمين. وفى نفس السنة- 359 أمر المؤذنون أن يؤذنوا بحىّ على خير العمل. وظل جوهر مستقلا بتدبير مصر والشام أربع سنين وعشرين يوما إلى أن وصل المعز سنة 362 وكان عاقلا حازما أديبا، وتروى له بعض أشعار، وهو يعدّ المؤسس الحقيقى للدولة الفاطمية، ولم تبق بلد من الشام إلى فاس والمحيط الأطلسى إلا أقيمت فيه دعوته وخطب له فى جمعته وجماعته إلا «سبتة» فإنها كانت مع الأمويين أصحاب قرطبة كما ذكرنا. ولما استقرت له الأمور بمصر استخلف على إفريقية يوسف بلكّين بن زيرى الصّنهاجى. واستمر جوهر فى علو منزلته إلى سنة 364 إذ رأى المعز أن يعزله عن دواوين مصر وجباية أموالها، ورد إليه العزيز مكانته حتى وفاته سنة 381.

وتوفّى المعز سنة 365 بعد أن وطّد الملك العظيم لأبنائه وأحفاده يتوارثونه نحو مائتى عام، وخلفه ابنه العزيز نزار، وكان كريما شجاعا، يعفو عند المقدرة محبا للصيد وخاصة صيد السباع، وكان ينظم الشعر لكن لا يبلغ فيه مبلغ أخيه تميم. واتسعت مملكته بالقياس إلى مملكة أبيه ففتحت له بقية بلاد الشام: حمص وحماة وشيزر وحلب، وخطب له بالموصل وباليمن. وعهد إلى غير وزير بتدبير مملكته، منهم يعقوب بن كلّس وكان يهوديا وأسلم. وبنى قصر البحر، ولم يكن له مثيل شرقا ولا غربا، وقصر الذهب. وقال ابن الجوزى إنه ولّى عيسى بن نسطوروس النصرانى ومنشا اليهودى فكتبت إليه سيدة مصرية بالذى أعزّ اليهود بمنشا والنصارى بابن نسطوروس وأذلّ المسلمين بك إلا نظرت فى أمرى، فقبض عليهما وأخذ من ابن نسطوروس ثلاثمائة ألف دينار.

ويروى أنه كان يقول: «أحب أن أرى النعم عند الناس ظاهرة وأرى عليهم الذهب والفضة والجوهر ولهم الخيل واللباس والضياع والعقار وأن يكون ذلك كله من عندى» .

ومازال العزيز رفيقا برعيته حتى توفى سنة 386 وخلفه ابنه الحاكم، وكان فى الحادية عشرة من عمره ولم يكن سوىّ العقل ولا النفس، فاضطرب سلوكه واضطرب حكمه بين جبن وشجاعة وبخل وسخاء، وتارة يجلس فى الشمع ليلا ونهارا، وتارة يجلس فى الظلام الدامس، وحينا يحبّ العلماء والصلحاء، وحينا يفتك بهم فى غير رحمة، وقتل كثيرين من قادة دولته وأصحاب مناصبها الرفيعة. وتارة يأمر بأن يكتب على المساجد والجوامع سبّ أبى بكر وعمر وعثمان وعائشة وطلحة والزبير ومعاوية وعمرو بن العاص وتارة ينهى عن ذلك. وتارة يمنع من صلاة التراويح

ص: 23

وتارة يبيحها، وكان ينهى عن بعض المأكولات مثل الملوخيا والترمس والجرجير والسمك لا قشر له والزبيب. وحرّم الخمر وشدّد فى تحريمها، ورأى لذلك منع بيع العنب وقطع كرومها، وأراق فى النيل خمسة آلاف جرّة عسل خشية أن تصير نبيذا. وفى سنة 404 منع النساء من الخروج إلى الطرقات ليلا ونهارا، ومنع لذلك الأساكفة من صنع الأحذية والخفاف لهن وظل ذلك حتى نهاية حكمه. وحرّم-فيما حرّم-الغناء ولعب الشطرنج والنزهة على ضفاف النيل، إلى غير ذلك مما يصور خبله وشذوذه وفساد عقله. وكان دعاة عقيدته الإسماعيلية لا يزالون يشيعون-مستضيئين بنظرية الفيض الأفلاطونية-أن للإمام الفاطمى نسبتين نسبة إلى عالم القدس ونسبة إلى عالم الطبيعة، مما أدى بالحاكم إلى أن يظن أنه تجسد للذات الإلهية وأغراه بذلك دعاته، وفى مقدمتهم داع درزى من جبال لبنان، ويقال بل هو أعجمى دعا فى تلك الجبال بربوبيته وتبعه الناس هناك. وانسابت من هذه العقيدة عقيدة التجسد للذات الإلهية شعبة إلى النّصيرية فى سوريا، إذ يؤمنون بربوبية على بن أبى طالب. ولما لم يعد فى قوس الصبر منزع حيكت مؤامرة لقتله وتخليص البلاد من شره وخبله، فقتل فى شوال من سنة 411 ويقال إن أخته ست الملك هى التى دبّرت قتله.

وولى الخلافة الفاطمية بعد الحاكم ابنه الظاهر، وله ست عشرة سنة، وقامت عمته ست الملك بتدبير دولته أحسن قيام وبذلت الأموال الكثيرة فى الجند وساست الناس سياسة حسنة، واستقام الأمر للظاهر، وعدل فى الرعية، وأعلن البراءة من عقيدة النّصيرية والدّرزيّة جميعا.

وحوالى سنة 420 خرج عليه صالح بن مرداس الكلابى واستولى على حلب، كما خرج حسان بن المفرج البدوى والى مدينة الرّملة وتغلب على أكثر الشام، وجمع هو وصالح بن مرداس الجموع لحرب الظاهر ولقيتهما جيوشه عند غزة، فانهزم حسان وقتل صالح، وعادت الشام إلى الطاعة.

وبنى الظاهر قصر اللؤلؤة وكان جوادا سمحا حليما محبّبا للرعية.

وتوفى الظاهر سنة 427 وخلفه ابنه المستنصر وهو فى السابعة من عمره، وظل فى الخلافة ستين سنة وأربعة أشهر، واستوزر كثيرين كان من بينهم صدقة بن يوسف الفلاحى استوزره سنة 436، وكان يدبّر له الدولة أبو سعد التسترى اليهودى، وقتلا فى سنة 439. ويؤسس محمد بن على الصليحى دولته الصليحية فى اليمن ويعلن ولاءه للمستنصر، ويدعو له على المنابر هناك، ونتقدم حتى سنة 443 وإذا المعز بن باديس يعلن العصيان فى المغرب، ويقطع الخطبة للمستنصر ويخطب لبنى العباس، وبذلك تخرج المغرب من طاعة الفاطميين. وما توافى سنة 450 حتى يعظم شأن

ص: 24

أرسلان البساسيرى فى بغداد فيقطع خطبة الخليفة العباسى فى عاصمته ويخطب للمستنصر ويدعو له على المنابر نحو عام إلى أن قضى عليه وعلى فتنته أو دعوته السلطان طغرلبك السلجوقى. ويحدث فى أيام المستنصر غلاء عظيم تظل مصر تعانيه سبع سنوات كسنى يوسف المهلكة، بدأت فى سنة 457 وظلت حتى سنة 464 وفيها اشتد القحط بالبلاد واستولى عليها الخراب والوباء وكان الناس إذا مشوا تساقطوا فى الطرقات من الجوع، ويقال إن الرغيف بيع بخمسين دينارا وإن البيضة بيعت بدينار وتوجهت أم المستنصر وبناتها فى سنة 462 إلى بغداد من فرط الجوع. وزاد طين هذا الغلاء بلّة نشوب حرب فى الجيش بين الترك والسودان، وكادت لا تبقى فى قصر الخليفة تحفة نفيسة إلا بيعت بأرخص الأثمان. وبدا من الصعب إنقاذ مصر من كل هذا البلاد لولا أن استنجد المستنصر فى سنة 468 ببدر الجمالى، وكان قد تولى الشام والسواحل للمستنصر، فاستدعاه وفوّض الأمور إليه، فاستقامت بحسن تدبيره وهدأت الفتن وأصبح الحكم والأمر كله له وليس للمستنصر إلا الاسم ومات قبله بأشهر، فعهد إلى ابنه الأفضل بالقيام مكانه، ويتلقب شاهنشاه أو ملك الملوك ولا يلبث المستنصر أن يتوفى سنة 487. ويقال إنه قد عهد من بعده إلى ابنه الأكبر نزار، غير أن الأفضل الجمالى كان يكرهه، فلما اجتمع الأمراء والخواص بعد وفاة المستنصر حبّبهم فى أن يخلفه ابنه أحمد، فبايعوه بالخلافة وجعلوا أو جعل الأفضل لقبه المستعلى. وأحدث ذلك انقساما بين إسماعيلية مصر وإسماعيلية إيران فبينما كان الأولون يعترفون بإمامة المستعلى كان الأخيرون لا يعترفون بإمامته إنما يعترفون بإمامة نزار ويرون أن سلالته هم الأئمة الحقيقيون، وحاول نزار أن يسترد الخلافة فثار بالإسكندرية وقضى الأفضل على ثورته. ولا يزال هذا الخلاف قائما بين الإسماعيلية فى الهند إلى اليوم، فالبهرة مستعلية وشيعة أغاخان نزارية. ولم يكن للمستعلى مع الأفضل حكم، كما كان حال أبيه المستنصر مع بدر الجمالى، وظل ذلك حال الخلفاء مع الوزراء إلى نهاية دولتهم الفاطمية، فقد أصبح الخلفاء الفاطميون وراء الحجاب ولا أمر لهم ولا نهى إلا أن يخرجوا فى مواكب أول العام الهجرى ولصلاة الجمعة فى رمضان وصلاة العيدين.

ولعل الحكم الوراثى لم يتضح شره ولا عواقبه الوخيمة كما اتضح فى عهد الفاطميين بمصر، فقد كان الخليفة الثالث وهو الحاكم-مجنونا أو مخبولا، وتولى المستنصر وهو فى السابعة من عمره كما مرّ بنا، وكأنما جئ بالخلافة أرجوحة للصبى، وتوفى المستعلى سريعا سنة 495 فأقام الأفضل ابنه الآمر مقامه وهو فى الخامسة من عمره، والبلاد فى أشد الحاجة إلى حاكم حازم، فالسلاجقة

ص: 25

يستولون على كثير من مدن الشام وما تلبث طامّة الصليبيين أن تجثم على ديار الشام والموصل، وتتعاقب الكوارث والخطوب منذ سنة 490 إذ تقدم جموعهم من آسيا الصغرى، ويتسلل بلدوين إلى الرّها بالموصل ويستولى عليها ويكون بها أولى إماراتهم واستولت جموع أخرى على أنطاكية وكوّنوا بها إمارتهم الصليبية الثانية. ويأخذون المعرّة فى سنة 492 ويستولى جودفرى فى نفس السنة على بيت المقدس وتكون بها إمارتهم الصليبية الثالثة ويستولى ريموند على طرابلس سنة 502 وتكون بها إمارتهم الصليبية الرابعة، ويستولون على مدن لبنان وكثير من مدن فلسطين مثل الرملة وعكا، ولا يبقى لمصر فى الشام سوى عسقلان. وكل ذلك يحدث والأفضل سادر فى غفلته والجيش المصرى غائب عن حماه إلا بعض تجريدات برية وبحرية لا تغنى شيئا. ويقتل الأفضل سنة 515 ويقتل الخليفة الآمر سنة 524 ويتولى عرش الخلافة الحافظ، ويستوزر أحمد بن الأفضل الجمالى وكان هو وأبوه وجده سنيين، فيأمر خطباء المساجد أن لا يدعوا فى خطبهم للحافظ كما يأمر المؤذنين أن يسقطوا من أذانهم «حىّ على خير العمل» أحد شعارات الفاطميين، وكأنه أراد أن يزيل الخلافة الفاطمية من مصر، غير أن أنصارها من حواشيها وشيعتها أسرعوا فقتلوه. ويتولى الخلافة بعد الحافظ ابنه الظافر سنة 544 ولا يلبث أن يتوفّى فيخلفه ابنه الفائز وهو فى الخامسة من عمره سنة 549 ويتوفى سنة 555 فيخلفه العاضد آخر خلفائهم وهو فى الحادية عشرة من عمره.

وكأن الخلافة أصبحت أرجوحة حقيقية للصبية والغلمان، ونظل نرى مع كل خليفة وزراء، وغالبا يسقطون مقتولين. ولم يكن لكل منهم من شاغل سوى أن يجمع أكثر ما يمكن من الأموال لنفسه، مثقلا فى أثناء ذلك على المصريين بالضرائب الفادحة، بينما يعيش هو ومن وراءه من الخلفاء للهو والقصف.

وتفسد فى أثناء ذلك التدهور والانحلال أداة الحكم فى مصر فسادا شديدا. ومع ذلك لا تزال ترسل إلى الشام بعض تجريدات ذرّا للرماد فى العيون، وحتى عسقلان يحتلها الصليبيون ويطمحون إلى احتلال وادى النيل. وبأخرة من أيام هذه الدولة يقتتل ضرغام وشاور على الوزارة ويفزع شاور إلى البطل المغوار نور الدين صاحب حلب مستنجدا به ويهجم حينئذ أملريك الصليبى صاحب بيت المقدس على مصر ويتقدم حتى بلبيس، ويقطع المصريون عليه الجسور والسدود فيضطر إلى العودة. ويقدم سنة 559 شاور ومعه عساكر نور الدين بقيادة شيركوه وابن أخيه صلاح الدين، ويمكّنان لشاور فى الوزارة، وسرعان ما يقلب ظهر المجن لشيركوه وجنوده،

ص: 26

ويدفعه شيطانه إلى الاستعانة ضده بأملريك والصليبيين، ويحاصرون شيركوه فى بلبيس يضطرون إلى رفع الحصار عائدين إلى بيت المقدس. ويخرج شيركوه من مصر، فيعظم بغى شاور وطغيانه، فيستنجد العاضد بنور الدين سنة 562، ويرسل ثانية شيركوه وصلاح الدين، فيستنجد شاور بأملريك، ويلبّيه، وتدور عليه الدوائر، ويخرج على وجهه هو وجنوده من القاهرة، ويخرج أيضا شيركوه وصلاح الدين إلى الشام. ولا يلبث الصليبيون أن يعودوا لامتلاك مصر ويقدم أسطول صليبى إلى تنّيس ويعظم الخطب. ويستصرخ العاضد وشاور نور الدين، فيرسل إليهما عسكرا بقيادة شيركوه وصلاح الدين سنة 564 ويستنقذان مصر من الصليبيين وشاور جميعا. ويتولى شيركوه الوزارة للعاضد شهورا، ويتوفى فيخلفه صلاح الدين، ويكتب إليه نور الدين مرارا يأمره بتحويل الخلافة فى مصر من الفاطميين إلى العباسيين. وتصادف أن مرض العاضد مرض الوفاة، وفى أثناء ذلك صدع صلاح الدين بمشيئة نور الدين، فأقام الخطبة لبنى العباس فى أول المحرم سنة 567 ولم تمض إلا أيام حتى توفى العاضد فى يوم عاشوراء. وبذلك انتهى أمر الفاطميين وحكمهم للديار المصرية.

(ب) الأيوبيون (1)(صلاح الدين)

اتفق المؤرخون على أن الأيوبيين أسرة كردية أصلها من بلدة دوين فى آخر إقليم أذربيجان وبها ولد شاذى جد صلاح الدين وأبوه أيوب وعمه شيركوه، وقد هاجروا منها إلى بغداد، ولم يلبث أيوب أن أصبح حافظا لقلعة تكريت، والتحق شيركوه بعماد الدين زنكى، وتحول أيوب إلى العمل مع حاكم دمشق، بينما ظل شيركوه عند زنكى ولما توفى عمل مع ابنه نور الدين وحدث أن حاصر عسكر نور الدين دمشق بقيادة شيركوه بينما كان أخوه أيوب على رأس حاميتها، واتفق الأخوان على تسليمها لنور الدين، فعين أيوب حاكما عليها، وأقطع شيركوه حمصا، وقربه منه. فلما استنجد شاور والعاضد بنور الدين أرسل إليهما عسكرا بقيادة شيركوه

(1) انظر فى الأيوبيين وصلاح الدين تاريخ ابن الأثير وابن خلدون ومفرج الكروب لابن واصل والروضتين وذيل الروضتين لأبى شامة وخطط المقريزى والسلوك الجزء الأول ومرآة الزمان لسبط ابن الجوزى والجزءين السادس والسابع من النجوم الزاهرة وبدائع الزهور لابن إياس وسيرة صلاح الدين لابن شداد والفيح القسى فى الفتح القدسى والبرق الشامى للعماد الأصبهانى وابن خلكان فى تراجم صلاح الدين وسلاطين الدولة وتاريخ الشعوب الاسلامية لبروكلمان ص 350 عدا ما كتب عن صلاح الدين والحروب الصليبية حديثا فى العربية واللغات الأجنبية.

ص: 27

وابن أخيه صلاح الدين بن أيوب، وتطورت الظروف كما مرّبنا، فقضى صلاح الدين نهائيا على الدولة الفاطمية، وردّ مصر إلى الخلافة العباسية، واستولى على قصر الفاطميين وما كان به من أموال وكنوز. وجدّ فى إصلاح أحوال مصر، فحطّ عن كواهل المصريين أثقال الضرائب الباهظة التى كان يتنافس وزراء الفاطميين فى فرضها، وبذل الأموال، وملك قلوب الرجال، وطمحت نفسه إلى أن يصبح واليا للخلافة العباسية بمصر، إذ نراه يلمّح فى الرسالة التى كتب بها إلى وزير بغداد، ينبئه فيها بإزالة الدعوة الفاطمية وإقامة الدعوة العباسية، إلى ما يدور بخلده قائلا عن نفسه:«إنه مفتقر إلى أن. . يقلّد ما فتح، ويبلغ ما اقترح، ويقدّم حقه ولا يطّرح، ويقرب مكانه وإن نزح، وتأتيه التشريفات الشريفة» . ويأخذ فى إعداد جيش قوى للقاء الصليبيين وينحّى منه العناصر الزنجية والأرمنية التى كانت تعمل فى جيش الفاطميين.

ويطمح إلى الاستيلاء على فلسطين باب مصر الشرقى، ويحاصر الشوبك فى سنة 567 ويرفع الحصار عنها حين علم أن نور الدين يجهّز الجيوش لحرب الصليبيين وكأنه خشى لقاءه، ومع ذلك كان يعدّ نفسه تابعا له، وكان الخطباء فى مصر يدعون فى آخر خطبهم لنور الدين. وعاد صلاح الدين فى السنة التالية إلى حصار الشوبك والكرك، ثم رفع الحصار، وإن كان قد استولى على أيلة (العقبة). وفى سنة 569 يستأذن نور الدين فى إنفاذ أخيه توران شاه على رأس جيش إلى اليمن للقضاء على خارجى هناك استفحل شأنه وكذلك على بقية الدعاة للفاطميين، ويذهب إليها ويستولى عليها. وفى هذه السنة قبض على جماعة من شيعة الفاطميين كانوا يدبرون مؤامرة لقتله وكان من بينهم داعى دعاة الفاطميين وعمارة اليمنى الشاعر، وقتل داعى الدعاة وصلب عمارة.

وفى هذه السنة توفى نور الدين، وخلفه ابنه الملك الصالح إسماعيل، وكان فى الحادية عشرة من عمره، وبدا فى وضوح أنه لا يصلح للنهوض بأعباء الحكم وجهاد الصليبيين. واعترف صلاح الدين بسلطانه، وأمر بالدعاء له فى خطبة الجمعة وسكّ النقود باسمه. ولم يبادر بالتجهيز إلى الشام لانشغاله بأسطول لنورمانديى صقلية هاجم الإسكندرية وحاقت بالأسطول الهزيمة، وأيضا لانشغاله بثورة فى جنوبى بلاد الصعيد أشعلها موال للفاطميين يسمى الكنز ودارت عليه الدوائر. ومرّ بنا آنفا أنه أرسل أخاه توران شاه للاستيلاء على اليمن ومفاتيح البحر الأحمر، ونراه يسيّر عسكرا بعد عسكر إلى بلاد المغرب الأفريقى ودانت له بالطاعة برقة وقسطيلية وقفصة وتوزر مما يدل على أنه فكر مبكرا فى وحدة البلاد العربية التى أرادها نور الدين. وها هو مبكرا قد أصبح

ص: 28

يضم سلطانه جزءا من الشمال الإفريقى المغربى والحجاز واليمن. وجاءته الأخبار بأن نواب الملك الصالح إسماعيل يستقلون بالحكم ويتنازعون تنازعا مريرا مستعينين بالصليبيين، فاستقر فى نفسه أنه لا بد أن يفرض سلطانه على ديار الشام والموصل قبل أن يسدد للصليبيين ضرباته. وخرج من مصر فى سنة 570 بجيش كثيف، وقصد دمشق واستولى عليها، كما استولى على كثير من المدن الشامية. وتقاومه جنود الملك الصالح إسماعيل وابن عمه سيف الدين غازى صاحب الموصل ويكتب له النصر، ويعقد صلحا مع الملك الصالح يبقى له فيها حلب وحدها، بينما تدخل الديار الشامية جميعها فى سلطانه. ويعود إلى مصر سنة 572 ويأمر قراقوش ببناء سور ضخم حول القاهرة والفسطاط حماية لهما، ويبطل المكوس التى كانت تؤخذ من الحجاج بجدّة ويعوّض صاحب مكة عنها آلاف الأرادب قمحا تفرّق فى أهل الحرمين، ويأخذ فى إنشاء المدارس والرباطات بالقاهرة منذ هذا التاريخ. ويعود إلى الشام فى سنة 573 ويواقع الصليبيين فى غير معركة وترجح كفته رجحانا واضحا، ويمضى إلى الشمال وديار الموصل ويستولى على كثير منها:

ويعود إلى مصر ويضبط الأمور فيها ويأمر ببناء قلعة الجبل. ويأتيه الخبر بموت الملك الصالح إسماعيل، فيخرج فى أول سنة 578 ويتم له الاستيلاء على حلب وبعض بلدان الجزيرة والموصل.

وتسوّل لرايجنالد نفسه أن يهاجم مكة والمدينة من حصنه الكرك واستولى على أيلة وشحن سفنا بالرجال وآلات الحرب، وعاثوا فى البحر الأحمر وموانيه الحجازية والمصرية، وتعقّبه العادل نائب أخيه صلاح الدين فى مصر بأسطول مصرى فتك بسفنه ورجاله.

ونصل إلى سنة 583 فيعدّ صلاح الدين جيشا ضخما لمنازلة الصليبيين الجنوبيين وينفخ فى نفير الحرب فيأتيه المجاهدون من كل حدب، ويتجه نحو طبرية، وتلتقى إحدى سراياه فى شرقى حيفا بجماعة من الداويّة والإسبتارية الطائفتين اللتين نذرتا أنفسهما لحرب المسلمين، وتسحقهما السرية ويقتل قائد الطائفة الثانية. ويتجمع الصليبيون من كل مكان بقيادة جاى لوزيجنان صاحب بيت المقدس، وتنشب بينهم وبين صلاح الدين موقعة حطّين المشهورة فى غربى طبرية، ويمحق جيشهم محقا، ويولى هاربا ريموند صاحب طرابلس ورينالد صاحب صيداء، ويأخذ المسلمون الصليب الأعظم صليب الصلبوت، ويقع فى الأسر قادتهم وزعماؤهم جاى لوزيجنان صاحب بيت المقدس وهيو صاحب جبيل شمالى بيروت وهمفرى صاحب تبنين إلى الجنوب الشرقى من صور وجيرار مقدم الداوية ورايجنالد صاحب الكرك، وبلغ من كثرة القتلى والأسرى أن قال

ص: 29

أبو شامة فى كتابه الروضتين: «من شاهد القتلى قال ما هناك أسير، ومن عاين الأسرى قال ما هناك قتيل» . واستعرض صلاح الدين كبار الأسرى، ولم يكن همه إلا رايجنالد صاحب الكرك لما مر من محاولته غزو مكة والمدينة، ولما مثل بين يديه قال له: ها أنا أنتصر منك لمحمد صلى الله عليه وسلم، وعرض عليه الإسلام، فلم يسلم، فسلّ خنجره وضربه ضربة قاتلة ورميت جثته على باب الخيمة.

وطمأن بقية زعمائهم، غير أنه أمر بقتل من أسروا من الداويّة والإسبتاريّة لحبسهم أنفسهم على قتال المسلمين. وغصّت حينئذ أسواق دمشق بأسرى الصليبيين المسترقين، وبلغ من كثرتهم أن كان يباع الأسير منهم بثلاثة دنانير.

وعلى أثر هذه الموقعة العظيمة فتحت القلاع والمدن فى فلسطين وجنوبى لبنان أبوابها لصلاح الدين الأيوبى، فاستولى على عكا وحيفا ونابلس وبيت جبريل (بئر سبع) وغزة والرملة وبيروت وصيداء. ولم يبق فى الجنوب سوى الكرك والشوبك، وبقيت صور التى لجأت إليها فلول الصليبيين. وعزم صلاح الدين على فتح بيت المقدس، فحاصرها وضايقها بالزحف والقتال والمنجنيقات، حتى أسلمها من كان بها من الصليبيين راغمين خاسئين فى السابع والعشرين من رجب سنة 583 ونكّس الصليب الضخم الذى كانوا قد أقاموه على قبة الصخرة، وأزيلت كل آثار الصليبيين من المسجد الأقصى وأقيمت به صلاة الجمعة بين التهليل والتكبير والضجيج بالدعاء، وأمر صلاح الدين أن يزيّن المسجد بالفسيفساء والرخام، ونقل إليه منبرا فخما من حلب لا يزال به إلى اليوم. وظن أنه لم يعد فى حاجة إلى جيوش ضخمة بعد انزواء الصليبيين فى صور وطرابلس وأنطاكية، فتخفف من جيوشه وعاد كثير من عساكره إلى بلادهم، وظلت البلاد المتبقية من فلسطين تدخل فى حوزته، مثل صفد والكرك والشّوبك وحصن كوكب. واستولت عساكره على بعض الحصون فى لبنان وشمالى أنطاكية، كما استولت على اللاذقية.

وأشعل سقوط القدس الحرب الصليبية من جديد، إذ أخذ البابا يصرخ فى الملوك، وحمل الصليب لحرب المسلمين فى فلسطين سنة 587 فردريك الأول إمبراطور ألمانيا وفيليب ملك فرنسا وريتشارد «قلب الأسد» ملك إنجلترا، ومنيت حملة فردريك فى أثناء اجتيازها آسيا الصغرى بخسائر لا تكاد تحصى فى الأرواح، ولم يبق منها إلا فلول، أما حملتا فيليب وريتشارد فقدمتا من البحر، وحاصرتا عكا وسقطت فى أيدى الصليبيين بعد دفاع مستميت من حاميتها، وعاد فيليب إلى فرنسا، وظل ريتشارد حتى سنة 588 يقود الجيوش الصليبية وينازل صلاح الدين. واستولى على

ص: 30

بعض البلاد الساحلية، واضطرّ إلى الصلح مع صلاح الدين على أن تظل للصليبيين المدن الساحلية من صور إلى يافا، وسمح صلاح الدين للنصارى أن يزوروا القدس حجّاجا عزّلا من السلاح. وسار صلاح الدين إلى دمشق ولم يلبث أن لبّى بها نداء ربه فى صفر سنة 589 فبكاه الناس وذرفوا عليه الدموع الغزار. وسنقف فى غير هذا الموضع عند عنايته بالعمارة والبيمارستانات والمدارس، وقد أشاع الرخاء فى مصر بما أسقط عن كواهل الناس من المكوس والضرائب الباهظة. وكان محبا للعدل، وكانت سماحته فى معاملة الصليبيين مضرب الأمثال بينهم، ولا يزال مؤلفو الغرب ينوّهون بها إلى اليوم، وكان رفيقا برعيته عطوفا على أهل العبادة والصلاح.

وكان قد قسم فى سنة 582 البلاد بين أبنائه وأهله، فأعطى ابنه العزيز عثمان مصر وجعل أخاه العادل أتابكا له (مدّبرا لدولته) وأعطى ابنه الأفضل دمشق وأعطى ابنه الظاهر حلب، وأعطى ابن أخيه تقى الدين عمر بلدانا فى شمالى الشام وميافارقين بديار بكر، وعاد صلاح الدين قبل وفاته فجعل للعادل الموصل وديار بكر والكرك والشوبك. وتوفى فخلقه على مصر العزيز عثمان سنة 589 وكان بارّا بالرعية عادلا منصفا، بينما كان أخوه الأفضل فى دمشق يسير فى الناس هو ووزيره ضياء الدين بن الأثير سيرة سيئة، فرأى أن يأخذها منه، وجهز لذلك جيشا ساربه إلى دمشق، غير أن أخاه الأفضل استنجد بعمه العادل فأصلح بين الأخوين، وانصرف العزيز عثمان إلى مصر، وظل الأفضل ووزيره سادرين فى غيّهما، مما جعل العادل يكتب إلى العزيز بوجوب أخذ دمشق، والتقيا بها سنة 592 وأرغما الأفضل على تركها إلى صرخد سنة 594 واستخلف العزيز عثمان على دمشق المعظم عيسى ابن عمه العادل. وعاد إلى مصر يحكمها حكما رشيدا حتى توفى سنة 595. وخلفه ابنه المنصور وكان صبيّا فى العاشرة من عمره، فاستقدم الجند الأفضل ليدبر له الحكم، وما إن وضع قدمه فى مصر حتى كاتب أخاه الظاهر فى حلب، مزينا له الهجوم معه على دمشق وأخذها من ابن عمهما المعظم عيسى، والتقى جيشاهما هناك، ولكن العادل عرف كيف يوقع بينهما، وعاد الأفضل بجنوده إلى مصر، فتبعه عمه العادل، وعرض عليه أن يترك القاهرة ويأخذ ميافارقين وديار بكر، ولم يجد بدّا من القبول، وسرعان ما أخذ العادل فتوى من الفقهاء بأنه لا تجوز ولاية الصغير على الكبير، وعند ذلك قطع فى سنة 596 الدعاء فى خطبة الجمعة للمنصور، وأمر بالدعاء له ولابنه الكامل من بعده.

وأصبح العادل منذ هذا التاريخ حتى سنة 615 سلطانا لمصر، مع ما كان بيده من فلسطين ودمشق والجزيرة وديار بكر والموصل. ولما استقامت له الأمور فى كل تلك الدولة قسمها بين

ص: 31

أولاده، فأعطى ابنه الكامل محمدا الديار المصرية، وأعطى ابنه موسى البلاد الشرقية وراء الشام وشركه فيها إلى وفاته أخوه الأوحد. وأعطى ابنه المعظم عيسى دمشق. وسيّر السلطان الكامل من مصر ابنه المسعود إلى اليمن سنة 612 فملكها. وبذلك دخلت فى حوزة العادل الحجاز واليمن وكل البلاد التى أظلها لواء صلاح الدين، وكان محنّكا محسنا لتدبير الحكم وسياسة الملك، وكان فارسا مجاهدا أبلى بلاء حسنا مع أخيه صلاح الدين فى الحروب الصليبية، وكان تقيا وقد طهّر ولاياته من الخمور وكل ما يجر إلى الفسق والإثم. وسار سيرة أخيه فى رفع المكوس والمظالم، وله صنف فخر الدين الرازى كتابه «تأسيس التقديس» وسيّره إليه من خراسان. وتضاءلت فى أيامه الحروب الصليبية، وفى سنة 609 يغزو الصليبيون دمياط ويرّدون على أعقابهم. ويعيدون الكرّة فى سنة 615 ويتفق أن يتوفى العادل ويخلفه الكامل فى مصر نهائيا ويشغل من بعض الوجوه بتدبير الحكم، ويظل الصليبيون بدمياط نحو ثلاث سنوات يعيثون فسادا، وتسوّل لهم شياطينهم أن يتقدموا فى البلاد مع فرع دمياط نحو المنصورة، وكان النيل فى قمة فيضانه، فسلّط المصريّون مياهه عليهم، وأيقنوا الهلاك فراسلوا السلطان الكامل طالبين منه الأمان حتى يرحلوا عن دمياط مدحورين، وتسلم منهم دمياط فى رجب سنة 618 وكان يوما مشهودا، تغنّى به الشعراء طويلا.

ودانت للكامل دمشق سنة 626 وكذلك البلاد الشامية والشرقية وكان ابنه المسعود قد استولى على الحجاز واليمن. ويروى بعض من حضروا الحج بمكة سنة 620 أن الخطيب هناك دعا للملك الكامل، فقال:«صاحب مكة وعبيدها واليمن وزبيدها ومصر وصعيدها والجزيرة ووليدها» .

ومازال نجمه متألقا حتى توفى سنة 635.

وكان الكامل قد جعل ابنه الأكبر نجم الدين أيوب على الشرق وإقليم ديار بكر، وجعل ابنه الأصغر العادل على مصر والديار الشامية، وكان فى الثامنة عشرة من عمره، فلم ير الأمراء بدّا من توليته حسب رغبة أبيه، وعظم ذلك على نجم الدين أيوب، فزحف بجيشه إلى دمشق واستولى عليها، ثم سار متجها إلى الديار المصرية، وحفلت رحلته بأحداث كثيرة، حتى إذا وصل إلى مصر قبض على أخيه العادل وأعلن نفسه سلطانا على مصر سنة 637. وكان قد أكثر من شراء المماليك. وبنى لهم قلعة الروضة فى سنة 638 وأنشأ فيها دورا وقصورا كثيرة وعمل لها ستين برجا وبنى بها مسجدا واتخذها دار ملكه وسكنها بأهله وأسكن معه فيها مماليكه البحرية. وكان أبناء عمومته وإخوته قد خرجوا عليه فى الشام واستولى عمه الصالح إسماعيل على دمشق واستعان بالصليبيين وسلم إليهم القدس وطبريّة وعسقلان. فزحف السلطان نجم الدين أيوب بجيش كثيف

ص: 32

إلى الشام فى سنة 642 واستولى على بيت المقدس من الصليبيين وأفناهم قتلا وأسرا، واسترد دمشق، وعادت له مملكة جده العادل بكاملها حتى حلب والموصل والجزيرة. وبينما كان فى دمشق سنة 647 مرض فى أولها، وبينما هو مريض علم بغزو الصليبيين لدمياط بقيادة لويس التاسع ملك فرنسا الملقب بالقديس، وأنهم أحاطوا بدمياط من جميع جوانبها وسقطت فى أيديهم وأنهم خرجوا منها فى اتجاه مدينة المنصورة، فصمم على لقائهم والمرض يثقل عليه وحمل إلى مصر فى محفّة، وزحف بجيشه مسرعا إلى تلك المدينة ولم يمهله المرض بها، فمات ميتة الشهداء مجاهدا فى سبيل الله. وأخفت زوجته شجرة الدر وفاته حتى يحضر ابنه الملك المعظم توران شاه من الجزيرة شرقى الشام، وأخذت له البيعة بالسلطنة وهو غائب، وقدم إلى المنصورة وأدار بمجرد قدومه فى أول المحرم لسنة 648 معركة حاسمة مع الصليبيين مزّقهم فيها شر ممزق، وكانوا بوسط الطريق بين دمياط والمنصورة، فقتل منهم بضعة آلاف وأسر أكثر من عشرين ألفا بينهم لويس التاسع، وحملته إلى المنصورة مركب فى النيل تضرب فيها الصنوج والطبول بينما الأسرى يجرّون بالحبال على ضفتى النهر والمصريون يهللون ويكبرون من حولهم. ويسجن لويس فى المنصورة بدار ابن لقمان كاتب الإنشاء. ومن عجب أن يكافأ توران شاه على هذه الموقعة الباسلة التى قضى فيها قضاء مبرما على أكبر حملة صليبية وجّهت إلى مصر باغتيال مماليك أبيه له، وكان لويس لا يزال فى الاعتقال فافتدى نفسه وفلول حملته بأموال وفيرة، وعاد إلى بلاده خاسئا ذليلا.

واجتمع رأى المماليك على تولية شجرة الدر الملك بعد توران شاه، وكانت جارية تركية اشتراها السلطان نجم الدين أيوب وأعتقها وتزوجها، وكانت راجحة العقل حسنة السيرة جيدة التدبير، فاتفق المماليك على أن تلى شئون السلطنة، وتم أمرها، غير أن الأيوبيين فى الشام سرعان ما خرجوا عليها، فانتقضت الوحدة التى انعقدت بين الشام ومصر منذ انقرض الحكم الفاطمى ولم يمض على سلطنتها نحو ثمانين يوما، وأحسّت بحرج الموقف، فرأت التزوج من عز الدين أيبك أتابك العسكر وأن تتحول مقاليد السلطنة إليه. وحاول-خداعا للأيوبيين فى الشام-أن يشرك معه فى الحكم صبيّا أيوبيّا هو الملك الأشرف موسى، وكان فى السادسة من عمره، ولكنه عاد فتخلص منه. وعلى هذا النحو تحول ملك الديار المصرية فى سنة 648 من الأيوبيين إلى المماليك وقائدهم أيبك، ولا ريب فى أن عهد الأيوبيين كان من أعظم العهود بمصر، فقد نهضوا بها نهضة عظيمة واستطاعوا بجنودها أن يقهروا الصليبيين ويزيحوهم عن صدر الشام، ويردوهم عن ثراها وحماها إلى البحر المتوسط وما وراءه.

ص: 33