المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ابن مماتى - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ٧

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدّمة

- ‌الفصل الأوّلالسياسة والمجتمع

- ‌1 - فتح العرب لمصر والحقب الأولى

- ‌(ا) فتح العرب لمصر

- ‌(ب) زمن الولاة

- ‌(ج) الطولونيون

- ‌(د) الإخشيديون

- ‌2 - الفاطميون-الأيوبيون

- ‌(ا) الفاطميون

- ‌3 - المماليك-العثمانيون

- ‌(ا) المماليك

- ‌(ب) العثمانيون

- ‌4 - المجتمع

- ‌الفصل الثانىالثقافة

- ‌1 - الحركة العلمية

- ‌2 - علوم الأوائل-علم الجغرافيا

- ‌(ا) علوم الأوائل

- ‌(ب) علم الجغرافيا

- ‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد

- ‌4 - علوم القراءات والتفسير والحديث والفقه والكلام

- ‌5 - التاريخ

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 - تعرب مصر

- ‌2 - كثرة الشعراء

- ‌3 - شعر دورى ورباعيات وموشحات وبديعيات

- ‌(ا) الشعر الدورى

- ‌(ب) الرباعيات

- ‌(ج) الموشحات

- ‌ العزازى

- ‌ابن الوكيل

- ‌(د) البديعيات

- ‌4 - شعراء المديح

- ‌«المهذب بن الزبير

- ‌ابن قلاقس

- ‌ ابن سناء الملك

- ‌ابن نباتة

- ‌5 - شعراء المراثى والشكوى

- ‌على بن النّضر

- ‌على بن عرّام

- ‌6 - شعراء الدعوة الإسماعيلية

- ‌ ابن هانئ

- ‌ظافر الحداد

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الغزل

- ‌ ابن النبيه

- ‌ البهاء زهير

- ‌ ابن مطروح

- ‌2 - شعراء الفخر والهجاء

- ‌ تميم بن المعز

- ‌ ابن الذروى

- ‌ أحمد بن عبد الدائم

- ‌ حسن البدرى الحجازى الأزهرى

- ‌3 - شعراء الطبيعة ومجالس اللهو

- ‌ الشريف العقيلى

- ‌ ابن قادوس

- ‌4 - شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية

- ‌ ابن الكيزانى

- ‌ ابن الفارض

- ‌البوصيرىّ

- ‌5 - شعراء الفكاهة

- ‌ ابن مكنسة

- ‌الجزّار

- ‌ السراج الوراق

- ‌ ابن دانيال

- ‌ عامر الأنبوطى

- ‌6 - شعراء شعبيون

- ‌الغبارى

- ‌ ابن سودون

- ‌الفصل الخامسالنّثر وكتّابه

- ‌1 - الرسائل الديوانية

- ‌ ابن الصيرفى

- ‌ القاضى الفاضل

- ‌ محيى الدين بن عبد الظاهر

- ‌2 - الرسائل الشخصية

- ‌ ابن أبى الشخباء

- ‌ ابن مماتى

- ‌3 - المقامات

- ‌ ابن أبى حجلة

- ‌القلقشندى

- ‌السيوطى

- ‌ الشهاب الخفاجى

- ‌4 - المواعظ والابتهالات

- ‌أبو الحسن الشاذلى

- ‌5 - كتب النوادر والسير والقصص الشعبية

- ‌(ا) كتب النوادر

- ‌كتاب المكافأة

- ‌أخبار سيبويه المصرى

- ‌كتاب الفاشوش فى حكم قراقوش

- ‌«هز القحوف»

- ‌(ب) كتب السير والقصص الشعبية

- ‌ سيرة عنترة

- ‌ السيرة الهلالية

- ‌سيرة الظاهر بيبرس

- ‌سيرة سيف بن ذى يزن

- ‌ ألف ليلة وليلة

- ‌خاتمة

الفصل: ‌ ابن مماتى

الخوان (1)، فرأيت أرغفة قد أحكمت فى الصغر والإلطاف، ولم تتعوّذ (2) قط من الأضياف. .

وثلاثة صحاف، واسعة الأكناف، بعيدة الأوساط من الأطراف، قد جعل فى قرارة كل منها ما لا يدفع السّغب (3)، ولا تجده اليد إلا بالتعب، فجلنا جولة وعينه تطرف علينا شمالا ويمينا، وتتفقد منا حركة وسكونا، وقمنا ولم نقارب الكفاف، وقد ظنّ بنا الإسراف».

والسجع يطرد دائما عنده على هذا النحو من صفاء اللفظ ورصانته والقدرة البارعة على الملاءمة بين السجعات فى الجرس، مع الانطلاق والسهولة، وكأنه يصدر عن النيل العذب وسلاسته. وهو بحق جدير بما أسبغ عليه الأسلاف من ثناء وإطراء.

ابن (4) ممّاتى

هو أسعد بن الخطير مهذب بن مينا بن أبى المليح زكريا بن ممّاتى، سليل أسرة قبطية من أسيوط، هاجرت منها إلى القاهرة فى القرن الخامس الهجرى، وكان جده ممّاتى جوهريا واشتهر بأنه كان يصبغ البلّور صبغة الياقوت فلا يعرفه إلا الخبير بالجواهر. ويقال إن الفصّ من عمله كان إذا نودى عليه فى سوق الصاغة تشوفت نحوه العيون لجودته وحسن منظره. واتصل ابنه أبو المليح بوزير المستنصر بدر الجمالى أمير الجيوش، ووظفه بديوان الإقطاعات وشئون المال، وكتب بعده لابنه الأفضل، وظل هذا العمل الديوانى فى بيته، يتولون ديوان الإقطاعات أو ديوان الجيش أو ديوان المال، ولعلها جميعا كانت ديوانا واحدا متداخلا. وتولّى هذا الديوان لآخر أيام الدولة الفاطمية الخطير مهذب، حتى إذا أسندت الوزارة فى آخر أيام العاضد الفاطمى إلى أسد الدين شير كوه نراه يسلم هو وأولاده على يده. وأقره أسد الدين على ما بيده من ديوان الإقطاعات، وقيل بل ديوان الجيش. وكانا متداخلين كما ذكرنا. ومعروف أن أسد الدين شير كوه ولى الوزارة المصرية

(1) الخوان: المائدة عليها الطعام

(2)

كناية عن أن الأضياف لم يلمسوها

(3)

السغب: الجوع الشديد

(4)

انظر فى‌

‌ ابن مماتى

وترجمته ورسائله الخريدة (قسم مصر) 1/ 100 ومعجم الأدباء 6/ 100 والمغرب (قسم القاهرة) ص 269 وابن خلكان 1/ 210 وإنباه الرواة للقفطى 1/ 231 وخطط المقريزى 2/ 577 والنجوم الزاهرة 6/ 178 والبداية والنهاية لابن كثير 13/ 52 وشذرات الذهب 5/ 20 وحسن المحاضرة 1/ 565 وطبقات الشافعية للسبكى 8/ 243 ولأبيه الخطير ترجمة بعده فى الخريدة وقبله فى المغرب.

ص: 433

سنة 564 وكان أسعد فى العشرين من عمره فأسلم وحسن إسلامه وهو لا يزال فى ريعان شبابه، وكان ساعد أبيه وعونه طوال عمله الديوانى إلى وفاته سنة 577.

وكان القاضى الفاضل يعجب بابن مماتى ويسميه بلبل المجلس لظرفه، مما جعله يعينه ناظر الدواوين بمصر مع إسناد ديوانى الجيش والمال إليه، وظل له هذا العمل بقية مدة صلاح الدين وابنه العزيز والأفضل، حتى إذا ولى السلطان العادل بن أيوب سنة 596 واستوزر الصفى بن شكر أخذ الجو يكفهر بينه وبين الوزير، بسبب ما كان يصدر منه فى حقه أيام عمله فى الديوان معه، فلم تمض مدة طويلة حتى أخذ يدبر عليه المؤامرات، وصودرت أمواله. واستتر فترة نحو عام ثم احتال فى الفرار إلى الشام، وأبعد فى فراره حتى نزل حلب سنة 604 على سلطانها الظاهر بن صلاح الدين فأحسن استقباله، وجعل له راتبا معلوما وظل يسبغ عليه عطاياه حتى توفى هناك سنة 606.

وصنف ابن مماتى مصنفات كثيرة عدّ له ياقوت فى معجمه منها أكثر من عشرين مصنفا، منها مؤلفات ومنها مختارات شعرية من بعض الدواوين أو من كتب الموسوعات الشعرية مثل الذخيرة لابن بسام. ومن مصنفاته «الشئ بالشئ يذكر» ويقال إن القاضى الفاضل أعجب به حين عرضه عليه وسماه سلاسل الذهب. ومن أهم مؤلفاته كتاب قوانين الدواوين الذى نشره بمصر عزيز سوريال عطية فى جزء واحد، ويبدو أنه مختصر للكتاب إذ يقول المقريزى فى خططه.

«كتابه قوانين الدواوين صنفه للملك العزيز فيما يتعلق بدواوين مصر ورسومها وأصولها وأحوالها وما يجرى فيها، وهو أربعة أجزاء ضخمة، والذى يقع فى أيدى الناس جزء واحد اختصره منها غير المصنف، فإن ابن مماتى ذكر فيه أربعة آلاف ضيعة من أعمال مصر ومساحة كل ضيعة وقانون ريّها ومتحصّلها من عين (نقد) وغلّة» . ومن أهم مؤلفاته تهذيب أفعال ابن طريف فى اللغة، ويقول القفطى فى إنباه الرواة:«أجاده، وأتى فيه بالحسنى وزيادة» ومن أجله ترجم له بين اللغويين والنحاة. وله كتاب اختار العامية لغة له، هو كتاب الفاشوش فى حكم قراقوش، وسنعرض له فى غير هذا الموضع. وكان له ديوان شعرى سقط من يد الزمن. ونظم سيرة صلاح الدين كما نظم كتاب كليلة ودمنة شعرا. وكان أبوه الخطير شاعرا كما تدل على ذلك ترجمته عند العماد وفى المغرب.

وكان ابن مماتى يحسن الكتابة كما يحسن الشعر، وفيه يقول العماد: «أحد الكتاب فى الديوان الفاضلى، ذو الفضل الجلىّ، والشعر العلىّ، والنظم السّوىّ، والخاطر القوىّ، والسحر

ص: 434

المانوى (1)، والروىّ الروىّ (2)، والقافية القافية (3) أثر الحسن، والقريحة المقترحة صورة اليمن، والفكرة المستقيمة على جدد (4) البراعة، والفطنة المستمدة من مدد الصناعة». وبعد أن أنشد العماد طائفة من أشعاره روى فصولا من رسائله الشخصية تدل على براعته الكتابية بجانب براعته الشعرية مستهلا لها بقوله:«ومن نور (5) نثره البديع، ونور فجره الصّديع (6) وغرر درره النّصيعة (7) ودرر غرره الصّنيعة (8)، ما تحذى (9) له بهائم التمائم. وتحدى (10) به كرائم المكارم، ويرتع الحسن فى روضه، وتكرع الحسناء من حوضه، وتغتبط الآداب بدابه (11)، وترتبط الألباب ببابه» .

ومن طريف مادوّنه له العماد فصل من رسالة شخصية يصور فيها فراقه لصديق فى إحدى الأمسيات قائلا:

«فصلت عنه فى أخريات النهار، وقد ظهر فى أطراف الجدران لفرق (12) فراق الشمس اصفرار، فلما ذهب ذهب الأصيل بنار الشّفق، ولبست المشارق السّواد لما تمّ فى المغارب على الشمس من الغرق، وأقبلت مواكب الكواكب فى طلب الثار، كدراهم النّثار (13) وتشابهته زواهرها-وإن اختلفت فى الأسحار-بالأزهار فى الأشجار، وتكلف القمر الموافقة فظهر على وجهه الكلف (14)، ومرت به طوالع النجوم فلم يستخبرها حسدا فأعرب عن غدر الخلف بالسّلف، وظهر الوجوم، فى وجوه النجوم، وعيل صبر النّسرين (15) فواحد طائر يحوم، وآخر واقع لا يقوم. ولم تزل متلاحقة متسابقة لتقفو الأثر وتسمع الخبر، إلى أن بدا سوسن الفجر ولاح، وابتسم ثغر الصباح عن الأقاح (16)، وكاد ثعلبه يأكل عنقود الثريا، وبرزت الغزالة من أسّ الكناس (17) طلقة المحيّا» .

(1) المانوى نسبة إلى مانى مؤسس مذهب المانوية الفارسى قبل الإسلام

(2)

الروى الأولى: الحرف الذى تبنى عليه القصيدة والروى الثانية من الماء أى شافى الغلة.

(3)

القافية الأولى: نهاية البيت فى القصيدة، والقافية الثانية من قفا الشئ أى تبعه.

(4)

جدد: نهج مستو

(5)

نور: زهر

(6)

الصديع: المنشق نورا

(7)

النصيعة. الناصعة

(8)

الصنيعة: البديعة.

(9)

تحذى: تقطع. بهائم: مبهمات. التمائم: التعاويذ

(10)

تحدى: تساق بالأراجيز والأشعار.

(11)

دابه: تسهيل دأبه أى نمطه

(12)

فرق: جزء

(13)

النثار: ما ينثر على العروس فى الزفة من الدراهم

(14)

الكلف: ما يعلو وجه القمر أحيانا من كدرة

(15)

النسران: نجمان أحدهما يسمى النسر الطائر ويسمى الثانى النسر الواقع

(16)

أقاح: جمع أقحوان وهو نبت زهره أبيض وورقه كأسنان المنشار وهو الأراولة ويشبه به الاسنان.

(17)

الغزالة: الشمس. الكناس: بيت الغزال فى الشجر يستتر به. طلقة المحيا: بشة الوجه.

ص: 435

ويدل هذا الفصل على أن العماد الأصبهانى كان محقا كل الحق فى التنويه ببراعة ابن مماتى الكتابية، وهى براعة تكاد تبدو فى كل سجعة من سجعات هذا الفصل، فأضواء الشمس فى الأصيل تعكس بصفرتها على أطراف الجدران فرقا وفزعا لهول الفراق. وتوارى ذهب الأصيل وراء نار الشفق الملتاع، ولبست المشارق السواد على الشمس الغريقة فى المغارب. وأقبلت مواكب الكواكب، وجيوشها تطالب للشمس بالثأر، متفرقة ومتجمعة وكأنها نثار الدراهم فى الأعراس، أو كأنها الأزهار على الأشجار فى الأسحار، وتكلف القمر أن يظهر وحده لغياب الشمس أخته فظهر الكلف على وجهه، ومرت به الكواكب وطوالعها فلم يسألها ما الخبر، حسدا وغدرا كما يغدر الخلف بالسلف. وبدأ الوجوم فى وجوه النجوم، وكاد النسران أن يفقدا صبرهما فواحد طائر يحوم وآخر واقع لا يقوم. ولم تزل النجوم متلاحقة، إلى أن بدا سوسن الفجر وزهره الأبيض المشرق ولاح ضياؤه، وابتسم ثغر الصباح عن أضواء كالأقاح. وطالما شبّه الشعراء مجموعة نجوم الثريا بالعنقود. ويستغل ذلك ابن مماتى، كما يستغل تسمية الشعراء للشمس الغزالة فجعلها تستتر ليلا وراء الأفق فى كناس ككناس الغزال والظباء فى الشجر. ومراعاة النظير واضحة فى السجعات الأخيرة. ويشيع فى الفصل كله حسن التعليل، كتعليل ابن مماتى الرائع لصفرة الأصيل على أطراف الجدران، وتعليله لانتشار الظلام فى بواكير الليل على المشارق حزنا على غرق الشمس، وهو حزن تبعه لبس السواد، ومن هذا اللون أيضا تعليله لكلف القمر لتكلفه الحزن على غرق الشمس. ويتمادى ابن مماتى مع مراعاة النظير، فيجعل القمر لا يسأل الكواكب عن مصير الشمس حسدا يستشعر فيه من تلقاء نفسه غدر الخلف المعروف بالسلف. ومن هذا اللون أيضا ما علل به طيران أحد النسرين ووقوع صاحبه لما فقدا من صبرهما. وتتلاحق فى تضاعيف ذلك الاستعارات، وما يوشى به سجعاته من الجناسات والطباقات. وله من صدر مكاتبة:

«لم يزل العبد لما عرض من إعراض المجلس. . ذا زفرات سوام تتضرّم (1)، وعبرات هوام تتصرّم (2)، وعبارات عن بسط عذره تعثر بالكلام عيّا فيتذمّم (3)، بالصمت عن أن يتحرّز ويتحرّم (4)، وأفكار تتنزّه عن إساءة الظن بمودته فما يتكدّر حتى يتكرم، فكم تناول القلب جلده، فجلده بالقلق لما تجاوز حدّه وحدّه (5)، وأجرى من سوابق دموعه عسكرا أجرى فشق

(1) سوام: لازمة لا تبرح. تتضرم: تشتغل

(2)

هوام: سائلة. تتصرم: تتقطع

(3)

يتذمم: يتوسل

(4)

يتحرم: يجده حراما

(5)

حده: ضربه بالسياط

ص: 436

خدّه وخدّه (1). . إلى أن بدت صحيفة وجه صبره مسودّة، وتمنى لو كان الموت قبل إخلافه وعده، وإخلافه ودّه (2) ودّه (3)، حتى جنى ورد ورود كتابه الكريم من انتظام شوك انتظاره، ورفع ناظره بقدومه عليه على كافّة أمثاله وأنظاره، فعلم أن علم المودة قد رفع، وموصول حبل الجفوة قد قطع، وكاد القلب يخرج لمصافحته لو استطاع نفاذا، واجتمعت فيه أمانى النفس، فاتخذته دون جميع الملاذّ ملاذا (4). وتناوله بيد الإجلال، وفضّه بيد الإدلال، فوجده منظوما على خطّ كالكئوس المرصّعة لما لاح مداده مداما ونقطه حببا. وألفاظ تتيح للخواطر طربا، وتعريضات لو كان التصريح فضة لكانت ذهبا، ومنن مالاحت سحائبها حتى وكفت (5) وأياد ما استكفت فواضلها حتى عمّت وكفت».

ووشى الجناسات والاستعارات واضح فى هذا الفصل، فالزفرات تتضرّم والعبرات تتصرّم بينما يتذمم بالصمت ويتحرم. ولا تلبث أن تلقانا جناساته التامة. فالقلب يلوذ إزاء إعراض صاحبه عنه فى مجلسه بجلده فيضربه بأسواط القلق، حين تجاوز حدّه ومنتهاه، ويحدّه كما يحدّ الجناة، وتجرى سوابق دموعه فتشق خده وتخدّه أى تشقه وتؤثر فيه، وتخلق وتبلى مودة صاحبه فيتمنّى لو كان الموت ودّه وزاره. ويعود ابن مماتى إلى هذا الجناس التام بين «الملاذّ وملاذا، كما يعود إليه فى نهاية الفصل حين وكفت السحب أى أمطرت وعمت فواضل صاحبه وكفت من الكفاية. وتلقانا فى الفصل مراعاة النظير والطباق، وكأنما كان ذلك شعارا له فى نثره. ومن طريف ما أثر عنه من تصويره لوفاء النيل قوله.

«وأما النيل المبارك فإنه عمّ اليفاع (6)، وطبّق (7)، البقاع، وانتقل من الإصبع للذراع، حتى لم يلف بمصر قاطع طريق سواه، ولا موهوب مرهوب إلا إياه» .

وهو يصور فى هذه الكلمات القليلة فيضان النيل بل طوفانه الذى لا يقاس بالإصبع وإنما بالذراع والذى علا موجه مرتفعات الوادى وجميع البقاع، حتى قطع الطرق وأخذ بخناق الدور والسكان، ورهبه الناس وطلبوا منه الأمان. ولعل فى كل ما قدمنا ما يصور قدرة ابن مماتى البيانية

(1) خده: شقّه وأثر فيه

(2)

إخلاق الشئ: جعله بالبا

(3)

وده: زاره

(4)

ملاذا: ملجأ

(5)

وكفت: أمطرت، وكفت فى آخر الفصل من الكفاية

(6)

اليفاع هنا: مرتفعات وادى النيل

(7)

طبق: عمّ

ص: 437

وأنه كان جديرا بأن تعنى كتب الأدب والتراجم. بشعره ونثره، وتحمل إلينا باقات كثيرة من رسائله.

فخر الدين (1) بن مكانس

هو أبو الفرج عبد الرحمن بن عبد الرزاق بن إبراهيم بن مكانس، من سلالة أسرة قيطية، ولد لأبيه سنة 745 بالقاهرة. وكان الأب مسلما كما يتضح من اسمه، وكان من الكتاب فى الدواوين، فنشأ ابنه على غراره، وكان ذكيا ذا ملكة خصبة، فسال الشعر مبكرا على لسانه.

وصحب برهان الدين القيراطى وبدر الدين البشتكى الشاعر أحد تلاميذ ابن نباتة، وعنه روى شعره ونثره. وكان حنفى المذهب. واحتل سريعا مكانة أدبية بين أقرانه فى القاهرة ودواوينها السلطانية، ورقى بها إلى منصب ناظر الدولة، وغيره من المناصب الرفيعة. وغضب عليه السلطان برقوق (783 - 801) ذات مرة فأمر بمصادرته وتأديبه على خشبة السّرياق منكّسا على رأسه، فقال:

وما تعلّقت بالسّرياق منتكسا

لجرمة أوجبت تعذيب ناسوتى (2)

لكننى مذ نفثت السّحر من أدبى

علّقت تعليق هاروت وماروت

ويدل البيتان على ظرفه. وعفا عنه السلطان برقوق وأعاده إلى العمل، ثم عينه وزير دمشق، فأقام بها مدة. وفى صحبة السلطان برقوق دخل حلب، وطارح فضلاءها كما طارح فضلاء دمشق. وطلبه السلطان برقوق بعد عودته إلى القاهرة ليلى الوزارة بالديار المصرية، غير أنه توفى قبل دخوله القاهرة، ودفن بها سنة 794 قبل أن يكمل سنته الخمسين. وخلف ديوان شعر كبير، وفى دار الكتب المصرية مخطوطتان منه إحداهما بخط ابنه مجد الدين وكان شاعرا بارعا على شاكلة أبيه، وقد أنشدنا بعض شعره البديع فى غير هذا الموضع.

وأشاد بفخر الدين كل من ترجموا له، فيقول ابن حجر فى الدر الكامنة:«كان قوى الذهن حسن الذوق حاد النادرة يتوقد ذكاء» ويقول صاحب النجوم الزاهرة: «كان أديبا فاضلا شاعرا

(1) انظر فى ابن مكانس وترجمته ونثره وشعره الدرر الكامنة 2/ 438 والنجوم الزاهرة 12/ 131 وصبح الأعشى 14/ 267 وخزانة الأدب للحموى ص 19، 224، 319، 330، 411، 547

(2)

لجرمة: لجرم أى لذنب. ناسوتى: جسدى

ص: 438

فصيحا بليغا. . وهو أحد فحولة الشعراء بالديار المصرية فى عصره، وشعره فى غاية الحسن والرقة والانسجام، وديوان شعره مشهور كثير الوقوع بأيدى الناس» وكان كثير التورية فيه على نحو ما يتضح مما رواه له مترجموه وخاصة الحموى صاحب خزانة الأدب. وله رسائل شخصية تدل على روعته البيانية، من ذلك رسالة احتفظ بها القلقشندى فى صبحه كتب بها إلى بدر الدين البشتكى فى غيبته عن مصر بدمشق سنة 784 وتصادف أن كان فيضان النيل عاليا وزاد زيادة مفرطة، فرأى أن يصور له ذلك قائلا:

«ربّنا اجعلنا فى هذا الطوفان من الآمنين، وسلام على نوح فى العالمين. ما تأخير مولانا بحر العلم وشيخه عن رؤية هذا الماء؟ . . فإنه قارب النيل أن يمتزج بنهر المجرّة بل وصل وامتزج، وأرانا من عجائبه ما حقق أنه المعنىّ بقول القائل: حدّث عن البحر ولا حرج. . وسقى الناس من ماء حياته المعهودة كما شربوا من الموت أصعب كاس، وسئل ابن أبى الرّدّاد عن قياس الزيادة فقال:

زاد بلا قياس، امتلأ اليباب (1)، وهال العباب، كال فطفّف، وزار فما خفّف، جمع فى صعوده إلى الجبال بين الحادى والملاّح، ودخل الناس إلى أسواق مصر وخصوصا سوق الرقيق على كل جارية ذات ألواح (2)، وغدا التيّار ينساب فى كل يم كالأيم (3)، وأصبحت هضاب الموج فى سماء البحر وكأنماهى قطع الغيم، واستحالت الأفلاك فكل برج مائىّ، وتغيّرت الألوان فكل ما فى الأرض سمائى. . وتحالى إلى أن أقرف (4) الليمون الأخضر، واحمرّت (5) عينه على الناس فأذاقهم الموت الأحمر، ولقد صعب سلوكه وكيف لا وهو البحر المديد، وأصبح كل جدول منه جعفرا (6) ويزيد. . ولكم قال الهرم للسّارين، يا سارية الجبل، وأنشد وقد شمرّ ساقه للخوض: أنا الغريق فما خوفى من البلل، وكم قال أبو الهول: لا هول إلاّ هول هذا البحر، وقال المسافرون: ما رأينا مثل هذا النيل من هنا إلى ما وراء (7) النهر. . ولو رآه مولانا وقد هجم على مصر فجاس خلال الديار، ودخل إلى المعشوق فتركه كالعاشق المهجور لم ير منه غير الآثار، لبكى بعينى عروة (8)، وأوى من الرّصد إلى ربوة. . وكل سفينة قد علت على وجه الماء، وارتقت لارتقاء البحر إلى أن اختلطت بالسماء، وقد قالت لها أترابها عند الفراق إلاّ ترجعى،

(1) اليباب: القفر والخراب.

(2)

يريد السفن

(3)

اليم: البحر. الأيم: الحية الذكر

(4)

أقرف هنا: عطّر، من القرفة المعروفة طيبة الرائحة

(5)

احمرت عينه: كناية عن الحمرة فى طمى النيل

(6)

الجعفر: النهر الصغير.

(7)

ما وراء النهر: ماوراء خراسان فى شماليها الشرقى

(8)

عروة هو عروة بن حزام العاشق المشهور فى صدر الإسلام

ص: 439

وقلنا لها نحن على سبيل التفاؤل: (يا سماء أقلعى (1)). . ولقد طار النّسر مبلول الجناح، ودنا نهر المجرة من السّكارى بالشخاتيت (2) إلى أن كاد يدفعه من قام بالرّاح، ونرجس البساتين وقد ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم. . والورد وقيل له مالك من آس، وغصن البان وقد قيل له طوبى لمن عانقك ولا باس».

ونكتفى بهذه المقتطفات من الرسالة فإنها طويلة، وهى رسالة بديعة فى وصف فيضان النيل وسمو أمواجه وارتفاعها إلى أعلى الأعالى فى شواطئ النيل حتى كادت أن تمتزج بالمجرة فى السماء كما يقول ابن مكانس، فإذا الحادى للإبل يلتقى بالملاح، وإذا الناس يدخلون إلى أسواق مصر والفسطاط على سفن ذات ألواح. فقد انسابت غدرانه وأمواجه إلى الطرقات والشوارع وتعالت هضاب أمواجه إلى السماء حتى لكأنها قطع السحاب. ولم تعد هناك أرض وسماء ولا أفلاك ووهاد، وحلا النيل وتظرف حتى عطّر الليمون الأخضر، واحمرت عينه إشارة إلى طميه الأحمر، فأغرق الناس وأذاقهم الموت الزّؤام. ويستمر ابن مكانس فى هذه الاستعارات، فيخلط بين النيل وبين وزن المديد الصعب فى الشعر وبحره وكذلك بين جداوله والجعفر أى النهر الصغير. ويستعير الكلمة المأثورة عن عمر بن الخطاب وهو على المنبر حين هتف بقائده سارية وهو يحارب فى الشام فقال له يا سارية الجبل أى الزمه ويقال أن الريح حملت الكلمة إلى سارية.

وما أروع تصويره لهرم الجيزة وقد شمر ساقه للفيضان حين علا إلى جدرانه فقال متمثلا بشطر من الشعر: أنا الغريق فما خوفى من البلل. وقد ورّى بكلمة ماوراء النهر فهو لا يريد ماوراء النيل من بلاد السودان وإنما يريد ماوراء خراسان فى أوزبكستان الحالية وكانت تسمى بلاد ماوراء النهر.

والمعشوق بستان ورباط عظيمان كانا بظاهر القاهرة. وقد اقتبس من الحديث عن الطوفان فى القرآن الكريم: (ويا سماء أقلعى). وتلقانا فى الرسالة آيات أخرى وأشعار كثيرة منثورة. وما أسرع ما جاء باقتباس من سورة يوسف عن أبيه وقد أسف عليه: (وابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم). وورّى فى كلمة آس فهى تحمل معنيين: الآس زهر وردى أو أبيض، والآسى الطبيب المداوى. والاستعارات بديعة هى وما تتحلّى به من زخارف البديع وحلاه ومحسناته من جناس وطباقات ومراعاة نظير وحسن تعليل.

ووشى شخص قيروانى ضرير إلى أبى بكر بن العجمى أحد الكتاب النابهين فى ديوان الإنشاء

(1) أقلعى: أمسكى عن الماء

(2)

الشخاتيت: لعلها القوارب.

ص: 440

بأن صديقه ابن مكانس يقول عنه إنه يستعين بكلام غيره، فتأذى ابن العجمى من ذلك، وتأذى ابن مكانس من كذب الناقل فكتب إليه من رسالة:

«(ليس على الأعمى حرج) بلغنى-ما بلغ سيدنا ومولانا الإمام العالم العلامة الأديب الشاعر الناظم الناثر المحقق الأمة الكاتب الحجة زين الدنيا والدين، قرة عين الكرام الكاتبين، لا زال زينة يحلى به العاطل، ويظلّ تحت جناح أدبه القائل (1) -من غيبة ذلك الضرير، ما لا خشى الله فيه بظهر الغيب، ونقل إلى المسامع الكريمة ما لا يحتاج للاعتذار عنه لما فيه من الرّيب، ولكن لا غناء لسيف ذهن المملوك الكليل من التنصل، (2) ولا بد من نهلة اعتذار على سبيل التعلل. . ولو اختلف الأدباء على إمام لأهل هذه الصناعة مطهّر من الأرجاس (3)، لقال لهم لسان البلاغة مروا أبا بكر فليصلّ بالناس. . والمسئول من إحسانه أمران: أحدهما الجواب فإنه يقوم عند المملوك مقام الفرج من هذه الشدة، والآخر ردّ كل فاسق عن الباب العالى فن أبا بكر أول من تصلّب (4) فى الردة، وبلغ المملوك أن هذا الضرير قصد بعض الأصحاب برمية كهذه فأصمى (5)، وتردّد إليه مرة أخرى ف (عبس وتولّى أن جاءه الأعمى)» . .

والسجعات خفيفة رشيقة مع ما يزينها من الاستعارات والجناسات، وفى كلمة «القائل» تورية واضحة، إذ لا يريد أن ابن العجمى يظل تحت جناح أدبه الأديب المتكلم القائل، وإنما يريد القائل من القيلولة ووقتها الحار فى الظهيرة، فهو غوث العائذين وملاذ المعوذين المحتاجين.

واستغل اسمه أبا بكر فى التورية باسم أبى بكر الصديق متلطفا بذكر حادث صلاته بالمسلمين نزولا على أمر الرسول صلى الله عليه وسلم له حين اشتد به المرض إذ قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» . وعاد ابن مكانس إلى التورية بأبى بكر الصديق حين طلب من ابن العجمى أن لا يفتح بابه للواشى مقتديا فى ذلك بالصديق حين تشدد فى حروب الردة على نحو ما هو معروف. ولم يلبث أن اقتبس من الذكر الحكيم آية تصور ما ينبغى على ابن العجمى من لقاء الواشى لقاء متجهما على نحو ما تصور ذلك الآية: (عبس وتولّى أن جاءه الأعمى). ولعل فى كل ما قدمت ما يصور خفة روح ابن مكانس وعذوبة سجعه وما يشيع فيه من سلاسة.

(1) القائل: المتعب من القيلولة وهى وسط النهار

(2)

التنصل: التبرء

(3)

الأرجاس: جمع رجس وهو الإثم

(4)

تصلب: تشدد.

(5)

أصمى السهم: أصاب إصابة نافذة

ص: 441