المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

وقوله: يعانقها من دونى العقد وحده … فيا عجبا يا قوم - تاريخ الأدب العربي لشوقي ضيف - جـ ٧

[شوقي ضيف]

فهرس الكتاب

- ‌مقدّمة

- ‌الفصل الأوّلالسياسة والمجتمع

- ‌1 - فتح العرب لمصر والحقب الأولى

- ‌(ا) فتح العرب لمصر

- ‌(ب) زمن الولاة

- ‌(ج) الطولونيون

- ‌(د) الإخشيديون

- ‌2 - الفاطميون-الأيوبيون

- ‌(ا) الفاطميون

- ‌3 - المماليك-العثمانيون

- ‌(ا) المماليك

- ‌(ب) العثمانيون

- ‌4 - المجتمع

- ‌الفصل الثانىالثقافة

- ‌1 - الحركة العلمية

- ‌2 - علوم الأوائل-علم الجغرافيا

- ‌(ا) علوم الأوائل

- ‌(ب) علم الجغرافيا

- ‌3 - علوم اللغة والنحو والبلاغة والنقد

- ‌4 - علوم القراءات والتفسير والحديث والفقه والكلام

- ‌5 - التاريخ

- ‌الفصل الثالثنشاط الشعر والشعراء

- ‌1 - تعرب مصر

- ‌2 - كثرة الشعراء

- ‌3 - شعر دورى ورباعيات وموشحات وبديعيات

- ‌(ا) الشعر الدورى

- ‌(ب) الرباعيات

- ‌(ج) الموشحات

- ‌ العزازى

- ‌ابن الوكيل

- ‌(د) البديعيات

- ‌4 - شعراء المديح

- ‌«المهذب بن الزبير

- ‌ابن قلاقس

- ‌ ابن سناء الملك

- ‌ابن نباتة

- ‌5 - شعراء المراثى والشكوى

- ‌على بن النّضر

- ‌على بن عرّام

- ‌6 - شعراء الدعوة الإسماعيلية

- ‌ ابن هانئ

- ‌ظافر الحداد

- ‌الفصل الرّابعطوائف من الشعراء

- ‌1 - شعراء الغزل

- ‌ ابن النبيه

- ‌ البهاء زهير

- ‌ ابن مطروح

- ‌2 - شعراء الفخر والهجاء

- ‌ تميم بن المعز

- ‌ ابن الذروى

- ‌ أحمد بن عبد الدائم

- ‌ حسن البدرى الحجازى الأزهرى

- ‌3 - شعراء الطبيعة ومجالس اللهو

- ‌ الشريف العقيلى

- ‌ ابن قادوس

- ‌4 - شعراء الزهد والتصوف والمدائح النبوية

- ‌ ابن الكيزانى

- ‌ ابن الفارض

- ‌البوصيرىّ

- ‌5 - شعراء الفكاهة

- ‌ ابن مكنسة

- ‌الجزّار

- ‌ السراج الوراق

- ‌ ابن دانيال

- ‌ عامر الأنبوطى

- ‌6 - شعراء شعبيون

- ‌الغبارى

- ‌ ابن سودون

- ‌الفصل الخامسالنّثر وكتّابه

- ‌1 - الرسائل الديوانية

- ‌ ابن الصيرفى

- ‌ القاضى الفاضل

- ‌ محيى الدين بن عبد الظاهر

- ‌2 - الرسائل الشخصية

- ‌ ابن أبى الشخباء

- ‌ ابن مماتى

- ‌3 - المقامات

- ‌ ابن أبى حجلة

- ‌القلقشندى

- ‌السيوطى

- ‌ الشهاب الخفاجى

- ‌4 - المواعظ والابتهالات

- ‌أبو الحسن الشاذلى

- ‌5 - كتب النوادر والسير والقصص الشعبية

- ‌(ا) كتب النوادر

- ‌كتاب المكافأة

- ‌أخبار سيبويه المصرى

- ‌كتاب الفاشوش فى حكم قراقوش

- ‌«هز القحوف»

- ‌(ب) كتب السير والقصص الشعبية

- ‌ سيرة عنترة

- ‌ السيرة الهلالية

- ‌سيرة الظاهر بيبرس

- ‌سيرة سيف بن ذى يزن

- ‌ ألف ليلة وليلة

- ‌خاتمة

الفصل: وقوله: يعانقها من دونى العقد وحده … فيا عجبا يا قوم

وقوله:

يعانقها من دونى العقد وحده

فيا عجبا يا قوم هل يقلق العقد

وقوله:

سألتنى ما حال قلبك بعدى

ربّة البيت أنت بالبيت أخبر

وهو باب واسع عند ابن سناء الملك ويدل على شاعرية خصبة وأنه كان ما يزال يغوص وراء التصاوير حتى يأتى منها بفرائد عجيبة، مع حلاوة الأسلوب وعذوبته، مما يدل على أنه كان شاعرا مبدعا إلى أبعد حدود الإبداع. وسنعود إليه مرارا فى عرض موضوعات الشعر الأخرى سوى المديح.

‌ابن نباتة

(1)

هو جمال الدين محمد بن شمس الدين محمد بن شرف الدين محمد، من سلالة عبد الرحيم ابن نباتة خطيب سيف الدولة المشهور، وقد غلبت عليه نسبته إليه. كان أبوه وجده من شيوخ الحديث، وقد ولد لأبيه بزقاق القناديل فى القاهرة، واختلف من ترجموا له فى سنة ولادته هل كانت سنة 676 أو سنة 686 وجمهورهم يؤكد أنه ولد فى السنة الأخيرة، غير أن هناك نصّا عنه يذكر فيه أساتذته أو شيوخه فى الأدب، ويذكر من بينهم محيى الدين بن عبد الظاهر المتوفى سنة 692 وليس من المعقول أن يتتلمذ له ويأخذ عنه الأدب وهو فى الخامسة أو السادسة من عمره ولذلك كنا نرجح أنه ولد فى سنة 676 على الأقل إن لم يكن قبيل ذلك. ويذكر مترجموه كثرة من شيوخه فى الحديث من بينهم أبوه وجدّه. وتنقل فى حلقات شيوخ الأدب وتفتحت موهبته الأدبية فى الشعر والنثر مبكرة. وكان كثير من العلماء فى مصر يبرحونها إلى دمشق والشام فى تلك الحقب. وبالمثل كان كثير من علماء الشام يبرحونها إلى مصر والقاهرة، ويبرح أبوه مصر إلى الشام

(1) انظر فى ابن نباتة وشعره الدرر الكامنة 4/ 339 وحسن المحاضرة 1/ 571 وطبقات الشافعية للسبكى 9/ 273 والوافى بالوفيات للصفدى 1/ 311 والبداية والنهاية لابن كثير 14/ 322 والنجوم الزاهرة 11/ 95 وشذرات الذهب 6/ 212 والبدر الطالع 2/ 152 وخزانة الأدب للحموى فى مواضع متفرقة وكتاب ابن نباتة المصرى لعمر موسى (طبع دار المعارف) والأدب فى العصر المملوكى لمحمد زغلول سلام (طبع دار المعارف) 2/ 221 وطبع ديوانه قديما فى مصر وهو فى حاجة إلى طبعة محققة، ومنه مخطوطات كثيرة فى مكتبات العالم العربى والغربى

ص: 210

حوالى سنة 710 وينزل دمشق، ويأخذ الطلاب عنه الحديث (1)، ويستقر بها ويتولّى فيما بعد مشيخة الحديث بالمدرسة الظاهرية هناك. ولعل ارتحال أبيه عن مصر هو الذى حبّب إليه الرحلة وراءه إلى دمشق واتخاذها منذ سنة 716 دار مقام له، وظل بها مدة تقارب نصف قرن أو بعبارة أدق نحو خمسة وأربعين عاما، وقد ظل يحن إلى مصر حنينا متصلا بمثل قوله:

آه لمصر وأرض مصر وكيف لى

بديار مصر مراتعا وملاعبا

حيث الشبيبة والحبيبة والوفا

فى الأقربين مشاربا وأصاحبا

والدهر سلم كيفما حاولته

لا مثل دهرى فى دمشق محاربا

وفؤاده يهفو إلى مصر وتراب مصر ونيل مصر ورياض مصر ومراتع صباه بها وملاعبه، ويقول إنها ديار شبابه وحبه وديار الوفاء فى الأقرباء وغير الأقرباء وديار الأمن والسلام ونعيمه.

وفى أثناء مقامه بدمشق كان يتردد على حلب، وبالأخص على حماة وصاحبها المؤبد أبى الفداء الذى استقبله أروع استقبال، وقرر له راتبا سنويا: ستمائة درهم غير ما كان يسبغه عليه من العطاء كلما قدم عليه بمدحة من مدائحه، وظل يفد عليه حتى توفى سنة 732 فوفد على ابنه الأفضل من بعده.

وفى دمشق والشام تفجر ينبوع الأشعار عند ابن نباتة حتى أصبح-كما يقول ابن كثير والسبكى-حامل لواء الشعر فى زمانه، غير منازع ولا مدافع. وأروع أيامه حينئذ أيام اتصاله بالسلطان المؤيد، ونراه لا يكتفى بما يقدم إليه من مدائح، بل يؤلف الكتب باسمه ويهديها له مثل كتابه «سرح العيون فى شرح رسالة ابن زيدون» وهى الرسالة الهزلية، ومثل كتابه «مجمع الفوائد» . وكان قد قرظه كثيرون من فضلاء دمشق وعلمائها وأدبائها، مما جعله يؤلف فيهم كتابه «سجع المطوق» مترجما لهم، وهو كتاب نفيس لا يزال مخطوطا. ونراه فى هذه الفترة: فترة اتصاله بالسلطان المؤيد وثيق الصلة بشيوخ دمشق وأعلامها، من مثل ابن الزّملكانى وابن صصرى القاضى والشهاب محمود شاعر الشام وتقى الدين السبكى وابنه تاج الدين وابن فضل الله العمرى، وله فيهم جميعا مدائح بديعة. وكان ابن فضل الله يتولى كتابة السر فى دمشق، فكان

(1) انظر ترجمته فى الوافى بالوفيات 1/ 270 والدرر الكامنة 4/ 291

ص: 211

طبيعيا أن يقرب ابن نباتة ويعهد إليه بكتابة التوقيع. وكان أحيانا يعزل عنها وأحيانا يعود إليها حتى سنة 761. وفى هذه السنة استدعاه الناصر حسن سلطان مصر والشام إلى القاهرة فى ربيع الأول وأمر أن يصرف له ما يتجهّز به وأن يرد عليه ما انقطع عنه من الراتب، وعينه موقّعا للدّست وكانت قد تقدمت سنه، فلم يستطع القيام بتوقيع الدّست، فأعفاه السلطان حسن من الحضور وأمر بإجراء راتبه عليه، كما أمر بنسخ ديوانه وحفظ نسخ منه فى المكاتب السلطانية. وبذلك أمّره على الشعراء، مما جعله يلهج بمدحه والثناء عليه. ولم يلبث السلطان حسن أن توفى، وكان راتبه ربما صرف له وربما لم يصرف حتى توفى بمارستان قلاوون سنة 768 للهجرة.

وكان نبع الشعر عند ابن نباته فياضا، فله بجانب ديوانه الكبير ديوان سماه «القطر النباتى» وهو خاص يمقطوعاته الشعرية، والقطر السكر والتورية فى اسم الديوان واضحة، يريد السكر النبات. وله ديوان خاص بغزلياته سماه «سوق الرقيق» . وديوانه الكبير يكتظ بالمدائح، وعنى كثيرون من معاصريه بمعارضته فى بعض قصائده، واشتهر الصفدى بكثرة إغارته على معانيه، وخاصة على تورياته البديعة وكان مغرما بصنعها، وألف فى سرقات الصفدى منه كتابا سماه «خبز الشعير» يريد أن سرقاته كخبز الشعير المأكول المذموم، واستهلّ خطبة هذا الكتاب بالآية الكريمة:(ربّ اغفر لى ولوالدىّ ولمن دخل بيتى مؤمنا) ويورد دائما أبياته موضع السرقة، ثم يورد سرقة الصفدى مثل قوله فى الغزل موريا.

ومولع بفخاخ

يمدّها وشباك

قالت لى العين ماذا

يصيد قلت كراكى

ويقول الصفدى:

أغار على سرح الكرى عند ما رمى ال

كراكى غزال للبدور يحاكى

فقلت ارجعى يا عين عن ورد حسنه

ألم تنظريه كيف صاد كراكى

والكرى: النوم، والكراكىّ طير مفرده كركىّ. والتورية واضحة عند ابن نباته وخفيفة رشيقة وقد أحالها الصفدى ثقيلة بما أضاف إليها من شرح وتطويل، ومن ذلك قول ابن نباتة متغزلا:

فديتك أيها الرّامى بقوس

ولحظ يا ضنا قلبى عليه

لقوسك نحو حاجبك انجذاب

وشبه الشى منجذب إليه

ص: 212

ويقول الصفدى:

تشرّط من أحبّ فذبت وجدا

فقال وقد رأى جزعى عليه

عقيق دمى جرى فأصاب خدّى

وشبه الشئ منجذب إليه

وتشبيه الحاجب بالقوس وانجذابه إليه طبيعى، أما انجذاب الدم إلى الخّد وتشبيهه به فنافر منه بعيد.

وابن نباتة فى شعره يمثل بحق ما تمتاز به الروح المصرية من الخفة والرشاقة. ويذكر السبكى فى كتابه طبقات الشافعية أنه مدح ابن الّزملكانى بتائية رائعة بدأها بالغزل ووصف الخمر، وأنشدها ثم قال:«حاول أدباء عصره معارضته فيها فلم يحسنوا إحسانه، بل قصّروا وتأخروا ولم يلحقوا شأوه» (1). وأروع مدائحه ما نظمه فى المؤيد صاحب حماة وابنه الأفضل ثم بعد ذلك فى السلطان حسن، وقد دبّح فى المؤيد نحو أربعين قصيدة ومقطوعة من مثل قوله:

لو أنّ للبحر جدواه لفاض على

وجه الثّرى بنفيس الدرّ منضود

ولو أمرّ على صلد الصّفا يده

لأنبت العشب منها كلّ جلمود

يا حبّذا الملك السارى على شيم

تروى وتنقل عن آبائه الصّيد

أغنى العفاة فلولا ناهيات تقى

-أستغفر الله-سمّوه بمعبود

وهو دائم الإشادة بجوده الفياض على العفاة والسائلين، ويكثر من مديح أسرته الأيوبية وآبائه الصيد الشجعان وما شادوا لأنفسهم من بيت فخار مدّوه فى أعلى السموات ولا يزال يتألق ويضئ بين الكواكب. وكان المؤيد مؤرخا كبيرا، وعالما فى العربية والفقه والأصول والطب والفلك والمنطق والفلسفة، وينوه ابن نباتة مرارا بعلمه من مثل قوله مشيرا إلى تصانيفه الكثيرة:

العالم الملك السيار سؤدده

فى الأرض سير الدّرارى بين أفلاك

وقوله:

وللعلوم تصانيف بدت فغدت

نعم السّوار على الإسلام والسّور

وكان مولعا بالتورية كما أسلفنا، وكان يدخلها فى مدائحه للمؤيد، وورّى كثيرا باسم مدينته حماة عن الحماة الحقيقية، ومن تورياته الطريفة فى مديحه قوله:

(1) طبقات الشافعية 9/ 200

ص: 213

أقسمت ما الملك المؤيّد فى الورى

إلا الحقيقة والكرام مجاز

هو كعبة للفضل، ما بين النّدى

منها وبين الطالبين حجاز

وواضح أنه ورّى فى كلمة «مجاز» فلم يرد بها المعنى القريب المقابل للحقيقة، وإنما أراد بها المعنى البعيد وهو المعبر، وورّى فى كلمة «حجاز» فلم يرد بها المعنى القريب الذى تشير إليه كلمة الكعبة وهو الحجاز إقليم الكعبة المعروف، وإنما أراد المعنى البعيد وهو الحاجز، ومن ذلك قوله فى مديح المؤيد:

يذكّرنا أخبار معن بجوده

وننشى له لفظا فينشى لنا معنا

ومعن بن أوس المزنى مشهور بجوده فى مفتتح العصر العباسى شهرة حاتم فى الجاهلية، وقد ورّى آخر البيت فى مدلول كلمة معنى، فلم يرد بها المعنى القريب المقابل للفظ وإنما أراد بها معنا المزنى.

وممدوحه الثانى فى الديوان بعد المؤيد ابنه السلطان الأفضل، وقد أنشده حين تولى إمارة حماة بعد أبيه تهنئة بسلطنته وتعزية له عن أبيه، تعدّ من فرائد الشعر العربى، وفيها يقول:

هناء محا ذاك العزاء المقدّما

فما عبس المحزون حتى تبسّما

ثغور ابتسام فى ثغور مدامع

شبيهان لا يمتاز ذو السّبق منهما

مليكان هذا قد هوى لضريحه

برغمى وهذا للأسرّة قد سما

كأنّ ديار الملك غاب إذا انقضى

به ضيغم أنشا به الدهر ضيغما

فإن يك من أيوب نجم قد انقضى

فقد أطلعت أوصافك الغرّ أنجما

وإن تك أيام المؤيد قد مضت

فقد جدّدت علياك وقتا وموسما

هو الغيث ولّى بالثّناء مشيّعا

وأبقاك بحرا بالمواهب منعما

وعلى هذا النحو تمضى تهنئة الأفضل جامعة بين النقيضين فى كل بيت: بين المدح والرثاء، وفى ذلك ما يصور براعة ابن نباتة وحدة ذهنه وذكائه وخصب شاعريته وسهولة أسلوبه، وهى سهولة تتمم سهولة أشعار ابن سناء الملك، بل سهولة أشعار المصريين عامة، سهولة تقترن بعذوبة، وكأنها نفس عذوبة مياه النيل، وكان يحس ذلك معاصروه إزاء أشعاره وما تقترن به من حلاوة، فقالوا إن أشعاره سكر نبات أو قطر نبات. وله فى مديح الأفضل وآبائه الأيوبيين:

ص: 214

قوم لذكراهم على صحف العلا

أصل الفخار وكلّ ذكر ملحق

الملك بعض ديارهم فلينزلوا

والنجم بعض جدودهم فليرتقوا

إن يبق ماضيهم على سنن الوفا

فلأنهم ببقاء أفضلهم بقوا

ملأت مواهبه القلوب مهابة

فالقلب قبل الطّرف فيها مطرق

وكأنما أقلامه بسوادها

غربان بين فى الخزائن تنعق

لا عيب فيه سوى العزائم قصرّت

عنها الكواكب وهى بعد تحلّق

وواضح أنه مع سهولة الأسلوب فى القصيدة نحس كأن الألفاظ يستدعى بعضها بعضا مع جمال التصاوير فالقلب مطرق قبل العين هيبة، والأقلام كأنها غربان فراق لخزائن الأمير ما تزال تنعق فى أموالها بالبين والبعد إلى غير مآب، وعزائم الأفضل ماتنى محلقة فى السموات البعيدة، حتى لتعلو الكواكب فى تحليقها المتغلغل فى الفضاء، وإن قومه لأصل الفخار وكل فخر لغيرهم إنما هو ملحق بفخرهم. وكان قد خرج مع الأفضل فى رحلة صيد، فوصفها فى أرجوزة طويلة نيفت على مائة وستين بيتا، وصف فيها رياض حماة ثم أطنب فى وصف القنص بالشواهين والصقور والكلاب والبندق بمثل قوله:

وكلّ شاهين شهىّ المرتمى

كبارق طار وصوب قد هما (1)

بينا تراه ذاهبا لصيدو

معتصما بأيدو وكيدو (2)

حتى تراه عائدا من أفقه

ملتزما طائره فى عنقه

وكلّ صقر مسبل الجناح

مواصل الغدوّ والرّواح (3)

ذو مقلة لها ضرام واقد

يكاد يشوى ما يصيد الصائد

كأنما المخلب منه منجل

لحصد أعمار الطيور مرسل

وكل منسوب إلى سلوق

أهرت وثاب الخطا ممشوق (4)

طاوى الفؤاد ناشر الأظافر

يا عجبا منه لطاو ناشر

يعضّ بالبيض ويخطو بالقنا

ويسبق الوهم لإدراك المنى

(1) الصوب: المطر. هما: سال

(2)

الأيد: القوة

(3)

مسبل: مرسل

(4)

سلوق تنسب إليها كلاب الصيد السلوقية. أهرت: واسع الشدق.

ص: 215

وإنما تمثلنا بهذه الأبيات جميعها من الأرجوزة لندل على أن أرجوزة الطرد والصيد المليئة بالألفاظ الغريبة عند أبى نواس ومن جاءوا بعده استحالت إلى هذه اللغة السهلة عند ابن نباتة بفضل مهارته الأسلوبية، والأبيات محملّه بصور بديعة، فمقلة الصقر كأنها شعلة نار ومخلبه كمنجل يحصد من الطير الأعمار، وكل كلب سلوقى يعض بأسنانه الحادّة ويخطو بسيقان كأنها القنا أو الرماح القاتلة. وختم الأرجوزة بمديح الأفضل وبحق سماها:«نظم السلوك فى مصايد الملوك» .

وممدوحه الثالث السلطان الناصر حسن، مدحه بأخرة من حياته حين ألقى عصاه بالقاهرة، وليس فى مديحه له الحرارة التى ألفناها فى مديح الأفضل وأبيه المؤيد، وقد يكون ذلك لتقدم سنه، وله بقول:

يا ناصر الدين والدنيا لقد نفذت

أقلام مدحك فى الدنيا بسلطان

دانت لك الخلق من بدو ومن حضر

وفاض جودك فى قاص وفى دانى

هذى المدائن من أقصى مشارقها

لمنتهى الغرب فى طوع وإذعان

وله وراء مديح السلاطين والأمراء والعلماء والكتّاب مديح نبوى رائع. وبينه وبين صلاح الدين الصفدى محاورات ومراسلات ومعاتبات، وأرسل إليه الصفدى قصيدة عتاب جعل شطورها الثانية أعجاز معلقة امرئ القيس، مفتتحالها بقوله:

أفى كل يوم منك عتب يسوءنى

كجلمود صخر حطّه السّيل من عل

ولعله كان يعاتبه لتسجيله عليه سرقاته منه فى كتابه «خبز الشعير» السالف. وصنع ابن نباتة صنيعه فرد عليه بقصيدة من نفس الطراز شطورها الثانية مقتبسة من نفس الشطور فى معلقة امرئ القيس استهلّها بقوله:

فطمت ولائى ثم أقبلت عاتبا

أفاطم مهلا بعض هذا التدلّل

وابن نباتة كثير الشكوى فى شعره من بؤسه ورقة حاله، وربما صدق ذلك على أيامه قبل لقاء السلطان المؤيد الذى غمره بنواله، وربما كان لكثرة عياله أثر فى ذلك، بل إنه يعلن هذه الكثرة فى مثل قوله:

لقد أصبحت ذا عمر عجيب

أقضّى فيه بالأنكاد وقتى

من الأولاد خمس حول أمّ

فواحرباه من خمس وستّ

ص: 216

وكلمة ست لا يريد بها العدد كما يتبادر، وإنما يريد أم عياله، ويسميها ستّه أو سيدته. وكان مرزّأ، حتى ليقول ابن تغرى بردى فى ترجمته بالمنهل الصافى إن كثيرين من أولاده توفّوا فى سن الخامسة والسادسة والسابعة، فكان يألم لهم ويرثيهم مراثى كثيرة، وله رثاء حار فى السلطان المؤيد وابنه الأفضل. ويقول الشوكانى: هو أشعر المتأخرين ولا سيما فى الغزليات.

عبد الله (1) الشبراوى

من بيت علم وجلالة، كما يقول الجبرتى، ولد فى سنة 1092 ومضى فى نعومة أظفاره يحفظ القرآن الكريم، ثم اختلف إلى الشيوخ بالأزهر يأخذ عنهم الفقه الشافعى، وسرعان ما ظهرت براعته، فأملى وحاضر الطلاب. واعترف له الجميع بالفضل والتعمق فى الشريعة والعلوم الدينية، مما أتاح له أن يتولى مشيخة الأزهر فى سنة 1137. وكان له جاه رفيع ومنزلة عظمى عند الأمراء ورجال الدولة، وكانت كلمته لديهم نافذة وشفاعته مقبولة. وصار لأهل العلم فى مدة مشيخته للأزهر مقام علىّ وهيبة وتجلّة عند الخاص والعام، ومن مؤلفاته عنوان البيان وبستان الأذهان فى الأدب والسلوك والأخلاق وشرح الصدور بغزوة بدر والإتحاف بحب الأشراف وديوان منائح الألطاف فى مدائح الأشراف، وكلها مطبوعة بالقاهرة من قديم. يقول الجبرتى:«وله ديوان يحتوى على غزليات وأشعار ومقاطيع مشهور بأيدى الناس» . ومازال يتولى مشيخة الأزهر حتى وفاته سنة 1171 عن نحو ثمانين سنة.

وللشيراوى مدائح فى ولاة مصر العثمانيين، وأهم وال دبّج فيه مدائحه عبد الله الكبورلى أو الكبورى لأوائل العقد الخامس من القرن، وكان جديرا حقّا بمديحه له، إذ يقول الجبرتى عنه:

«كان خيّرا صالحا منقادا إلى الشريعة أبطل الخمارات والمنكرات» ويقول «إنه كان من أرباب الفضائل وله ديوان شعر جيد على حروف المعجم ومدحه شعراء مصر لفضله وميله إلى الأدب» ويذكر أن للشبراوى فيه مدائح طنانة، وفيه يقول:

سليل المكرمات ابن الكبورى

كريم الطبع والأصل الشّهير

أقام العدل فى مصر وأحيا

معالمه بها بعد الدّثور

(1) انظر فى ترجمة الشبراوى سلك الدرر 2/ 107 وتاريخ الجبرتى 1/ 208 وراجع فى أشعاره الجبرتى 1/ 71، 144، 176، 211.

ص: 217

وإن لمعت صوارمه بأرض

تسارعت العصاة إلى القبور

وإن حادثته فى العلم تلقى

بحورا موجها درّ النّحور

وإن ساومته شعرا فحدّث

عن ابن أبى ربيعة أو جرير

وإن تسمع تلاوته تجده

حكى داود يلهج بالزّبور

أدام الله دولته بمصر

ومتّعنا به دهر الدهور

وأنقذنا به من كلّ كرب

وكفّ بعزمه أهل الفجور

ونسيج القصيدة جيد، والشبراوى يمدح الكبورى بقضائه على أهل الفجور وإشاعته للعدل الذى لا تصلح حياة الأمة بدونه، وينوّه بعلمه وحسن تلاوته للذكر الحكيم كما ينوه بشعره ونثره.

وقد مضى فى القصيدة يمدحه ببلاغته وتفوقه على نوابغ الشعراء من أمثال ابن هانى الأندلسى ونوابغ الكتّاب من أمثال الحريرى. وكثرت منذ زمن المماليك تقاريظ الكتب والمصنفات الأدبية والبلاغية، وللشبراوى من تقريظ لبديعية وشرحها لعلى بن تاج الدين:

أذاك ثغر تبسّم

أم ذاك لطف تجسّم

أم روضة قد تغنّى

شحرورها وترنّم

أم الصّبا حين هبّت

أزالت الهمّ والغمّ

قد كنت أعتب دهرى

وأحسب الدهر أعقم

حتى رأيت عجيبا

من فضلك الباهر الجم

فكلّ لفظك لطف

وكلّ معناك محكم

والتقريظ طويل إذ تحوّل به الشبراوى إلى مدحة يشيد فيها بعلم على بن تاج الدين وحفظه وفهمه كما يشيد بنثره وشعره وذكائه وبراعته. وكان من عادة الشعراء حين يتولى أمير أو يتوفّى هو أو بعض العلماء أو الأدباء أن ينظموا أبياتا فى تلك المناسبة، إذا حسبت حروف الكلمات فى شطرها الأخير بحساب الجمّل أرّخت لسنة الوفاة أو الولاية ونحو ذلك. وكان الشبراوى يشارك فى هذا الصنيع، من ذلك تأريخه لوفاة الشيخ أحمد الدلنجاوى شاعر وقته المتوفى سنة 1123 للهجرة:

سألت الشعر هل لك من صديق

وقد سكن الدّلنجاوىّ لحده

فصاح وخرّ مغشيّا عليه

وأصبح ساكنا فى القبر عنده

فقلت لمن أراد الشّعر أقصر

فقد أرخّت: مات الشّعر بعده

ص: 218