الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وقد كانت تستميل الرؤساء والامراء بالاموال وتتقرب اليهم بالمصاهرة، لا لأن تخدعهم في استقلالهم بل ليكفوا عنها هجومات قومهم ورعاياهم أو تستعين بهم في حروبها.
أملقار برقة أعظم قواد قرطاجنة وعد نارفاس من رؤساء البربر بابنته لاعانته له على اخماد ثورة المرتزقة، وحنبعل الشهير كانت له ابنة أخ تزوجت من اصالساس بن نارفاس، وصفر نيسب الشهيرة بنت صدر بعل كانت تحت صيفاقس، ومصينيسا كانت له بنت تزوجت باحد سراة قرطاجنة وكان منها صدر بعل حامل راية الدفاع عن المحصورين بقرطاجنة.
وكان لقرطاجنة منذ أواخر القرن الخامس (ق. م) جنود مرتزقة من نوميديا وموريطانيا. والنوميديون هم الذين أعانوا حنبعل بأوربا. وإليهم يرجع الفضل في انتصاراته الكثيرة الباهرة.
وكانت بين قرطاجنة وبعض أمراء البربر بالوطن الجزائري معاهدات تقضي بإعانة أولئك الامراء لقرطاجنة أيام الحرب.
فانت ترى أن بين قرطاجنة وبربر الجزائر روابط بالمصاهرة والمعاهدة، واختلاط في الجندية.
2 - الحضارة القرطاجنية بالجزائر
كان البربر قد اجتازوا العصر الحجري وعرفوا الزراعة قبل تأسيس قرطانجه. ولكنهم استفادوا من القرطاجنيين فوائد كثيرة وجليلة بحيث يصدق عليهم أنهم تلاميذهم في العمران والحضارة.
كان شجر الكروم والزيتون بأرض البربر من النباتات الطبيعية ولم يهتدوا الى وجه استثماره. فلما جاورهم القرطاجنيون أخذوا
عنهم صناعة عصر العنب للخمر وحب الزيتون للزيت. وكانوا قد عرفوا الفلاحة. فاستفادوا من القرطاجنيين ضروبا أخر من البذور لم تكن بوطنهم، وأخذوا عنهم أيضا آلة لدرس الحبوب. ولم تكن للبربر دراية بالغراسة. فاستفادوا من القرطاجنيين غراسة الاشجار على اختلافها. وتعلموا منهم تربية الحيوانات. وعرفوا منهم المعادن فاستخرجوها. من ذلك النحاس. استخرجوه قبل الفتح الروماني. ويظن بعض الباحثين أن ذلك كان بناحية تنس. وتعلموا منهم صنع الرصاص والحلي ونحت الحجارة النفيسة. ولم ترج صناعة الحديد بين البربر إلا على يد القرطاجنيين (1). وتعلموا منهم صناعة الاواني المطلية وفنهم في البناء. فكانوا يبنون القباب على شكل الاهرام. وعرفوا الفن الاغريقي أيضا في البناء. ولكن بواسطة القرطاجنيين.
وقد عثر الباحثون في الوطن الجزائري على اطلال من بناءات البربر حكوا فيها الفن الفينيقي. وكثيرا ما يجدون أطلالا مركبة من الفنين الفينيقي والاغريقي.
وليس لقرطاجنة من حيث أنها حكومة يد في انتشار هذه الحضارة لأنها كانت في نواح لم تكن لقرطاجنة عليها سلطة. وانما كان انتشارها ناشئا عن أسباب مرجعها الى ما كان بين الامتين من الروابط. وهاك أهمها:
1 -
المدن البونيقية: ذلك أن البربر كانوا يقصدون تلك المدن
(1) تأخر رواج صناعة الحديد بين البربر الى ذلك العهد لا يدل على بعدهم عن الحضارة لأن مجيئ القرطاجنيين كان لاول العصر الحديدي فيما يظهر. فقد قال تعالى في شأن داوود: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} وذلك بدل على أن عصر داوود هو بداية العصر الحديدي. وقد علمنا الخلاف في تأسيس قرطاجنة هل كان في عصر داوود او بعده، وان تأسيسها كان بعد تعرفهم بهذا الوطن على كل حال.
يشترون منها بضائع بونيقية ويشاهدون بها حضارة بونيقية. فينقلونها داخل وطنهم باختيارهم. وما أسرع البربري الى الاخذ بالجميل إذا لم يكن مبغضا لأهله.
2 -
الجنود المرتزقة: ذلك أن قرطاجنة كان لها من البربر جنود مرتزقة. وهؤلاء الجنود يختلطون بالبونيقيين ويتأثرون بحضارتهم. فبعد أن يقضوا بينهم زمنا يعودون إلى أوطانهم ناشرين لتلك الحضارة.
3 -
أمراء البربر: ذلك أن الكثير من أمراء البربر ولوعا بترقية وطنهم. فكانوا يقتبسون من جيرانهم البونيقيين ما يبلغون به أمنيتهم. فيأخذون من مدنيتهم وحضارتهم أمثلة صالحة ينشرونها بين رعاياهم بهمة وعناية، ويسيون بها في مساكنهم واداراتهم شوطا بعيدا. والناس- كما قيل- على دين ملوكهم.
ولكون البربر هم الذين جلبوا الى وطنهم الحضارة القرطاجنية ونشروها بينهم باختيارهم لم تسقط هذه الحضارة بسقوط قرطاجنة بل عاشت في العصر الروماني، ولم يضرها جوار الحضارة الرومانية.
قال بيروني: بدلا من أن يقضي الرومان على حضارة قرطاجنة نشروها ومدوا في عمرها، مع عدم المناسبة بين الفينيقيين والرومان أصلا وحضارة. ولكن طول مكث الفينيقيين بأفريقية غرس حضارتهم في نفوس البربر غرسا لا يزول بزوال ملكها. حتى أن الرومان لما صاروا يملكون وينشرون حضارتهم لم يفهم ذلك البربر إلا أنها حضارة قرطاجنية. ولم يزل ذلك من أفكارهم إلا الفتح العربي. فكان عمر هذه الحضارة (17) قرنا.
هذا كلام بيروني سقناه لما فيه من الشهادات العادلة. وفيه