الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تتمة:
عقد النكاح، كبير خطير، وضرره ونفعه عائد على الأسرة كلها. لذا أرى العمل بقوله تعالى {وأمرهم شورى بينهم} وهو أن يبحث من أطرافه، ويتدوال الرأي فيه بين جميع أفراد الأسرة المعتبرين، وأن يستخيروا الله تعالى، ويسألوه التسديد والتوفيق، ويعملوا بما يرون أنه الأحسن والأولى.
ويكون للزوجة الرأي الأخير بعد تعريفها وتفهيمها. وإذا تم على هذا، فهو أحرى أن يؤدم بين الزوجين والأسرتين.
بَابُ لا ينكح مطَلقته ثَلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره
عَن عَاِئشَةَ رضي الله عنها قَالَت: جَاءتِ امْرَأةُ رِفَاعَةَ القُرَظِي إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فَقَالَت: كُنْتُ عِندَ رِفَاعَةَ القُرَظِي فَطَلقني فَبَتَّ طلاقي فتزوَّجت بَعْدَهُ عَبْدَ الرحمن بنَ الزُّبير وإنَّمَا مَعَهُ مِثلُ هُدْبَةِ الثوبِ.
فَتَبَسَّمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: "أتريدين أنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟ لا، حَتَّى تَذوقي عُسيلَتَهُ وَيَذُوق عُسَيْلَتك".
فَقَالَت: وأبو بَكر عِنْدَه، وخالد بنُ سَعِيدٍ بالبابِ يَنتظِرُ أنْ يُؤذَنَ لَهُ، فنادى: "يَا أبَا بَكْر، ألا تَسْمَعُ إلى هذِهِ مَا تَجْهَرُ بهِ عِنْدَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم؟.
الغريب:
فبت طلاقي: بتشديد التاء المثناة. أصله: القطع، والمراد طلقها الطلقة الأخيرة من الطلقات الثلاث، كما في صحيح مسلم "فطلقها آخر ثلاث تطليقات (1) .
الزبيِر: بفتح الزاي، بعدها باء مكسورة، ثم ياء، ثم راء.
هُدْبة: بضم الهاء، وإسكان الدال. بعدها موحدة: هي طرف الثوب الذي لم ينسج، شبهوها بهدب العين. أرادت أن ذَكرَه، يشبه الهدبة في الاسترخاء وعدم الانتشار.
عسَيلته: بضم العين، وفتح السين. تصغير عسلة، وهي كناية عن الجماع. شبه لذته بلذة العسل وحلاوته.
(1) ذهل الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد عن هذه الرواية التي ساقها المصنف محتملة لإرسال الثلاث دفعة، ومحتملة لأن تكون آخر طلقة، ومحتملة لأن يكون بإحدى الكنايات التي تحمل على البينونة عند بعض الفقهاء. ولو فطن لهذه الرواية، لعلم أنها مفسرة لها، وأن المراد- هنا- طلقها الثالثة من التطليقات- اهـ. شارح.
المعنى الإجمالي:
جاءت امرأة رفاعة القرظي شاكية حالها إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فأخبرته أنها كانت زوجاً لرفاعة، فبتَّ طلاقها بالتطليقة الأخيرة، وهي الثالثة من طلقاتها، وأنها تزوجت بعده (عبد الرحمن بن الزبِير) فلم يستطع أن يمسها لأن ذكرَه ضعيف رِخْو، لا ينتشر.
فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم من جهرها وتصريحها بهذا الذي تستحي منه النساء عادة، وفهم أن مرادها، الحكم لها بالرجوع إلِى زوجها الأول رفاعة. حيث ظنت أنها بعقد النكاح من عبد الرحمن قد حلت له.
ولكن النبي صلى الله عليه وسلم أبى عليها ذلك، وأخبرها بأنه لابد- لحل رجوعها إلى رفاعة- من أن يطأها زوجها الأخير.
وكان عند النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر، وخالد بن سعيد، بالباب ينتظر الإذن بالدخول فنادى خالد أبا بكر، متذمرا من هذه المرأة التي تجهر بمثل هذا الكلام عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، كل هذا، لما له في صدورهْم من الهيبة والإجلال. صلى الله عليه وسلم ورضي اللَه عنهم وأرضاهم، ورزقنا الأدب معه، والإتباع له.
ما يؤخذ من الحديث:
1-
أن المراد ببَت الطلاق هنا، الطلقة الأخيرة من الثلاث، كما بينته الرواية الأخرى كما تقدم في شرح [الغريب] .
2-
أنه لا يحل بعد هذا البت المذكور هنا أن ينكحها زوجها، الذي بت طلاقها إلا بعد أن تتزوج غيره، ويطأها الزوج الثاني، فيكون المراد بقوله تعالى:{حَتى تَنكِح زوجا غَيْرَهُ} الوطء، لا مجرد العقد قال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول، فلا تحل له حتى يجامعها الثاني.
3-
المراد بالعسيلية، اللذة الحاصلة بتغيب الحشفة ولو لم يحصل إنزال مَني، وعليه إجماع العلماء، فلابد من الإيلاج لأنه مظنة اللذة.
4-
أنه لابد من الانتشار، وإلا لم تحصل اللذة المشترطة.
5-
أنه لا بأس من التصريح بالأشياء التي يستحي منها للحاجة، فقد أقرها النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وتبسم من كلامها.
6-
حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم، وطيب نفسه. اللهم ارزقنا اتباعه، والإقتداء به. آمين.
اختلاف العلماء:
موضع ذكر هذا الخلاف هو (باب الطلاق) وبما أن المؤلف لم يأت هناك بما يشير إليه
وجاءت مناسبته هنا، فإني أذكره لقوته، وللحاجة إليه.
فقد اختلف العلماء فيمن أوقع الطلاق الثلاث دفعة واحدة، أو أوقعها بكلمات ثلاث لم يتخللها رجعة، فهل تلزمه الطلقات الثلاث، فلا تحل له زوجته إلا بعد أن تنكح زوجا غيره، وتعتد منه، أم أنها تكون طلقة واحدة، له رجعتها مادات في العدة، وبعد العدة يعقد عليها ولو لم تنكح زوجاً غيره؟.
اختلف العلماء في ذلك اختلافا طويلا عريضا، وعُذب من أجْل القول بالرجعة بها جماعة من الأئمة والعلماء، منهم شيخ الإسلام، ابن تيميه، وبعض أتباعه.
وما ذلك إلا لأن القول بوقوعها، هو المشهور من المذاهب الأربعة. وكأن من خرج عنها لقوة دليل أو لاتباع إمام من سَلَفِ الأمة ليس على الحق. قاتل الله التعصب والهوى، وهى مسألة طويلة.
ولكننا -نسوق- هنا- ملخصا فيه الكفاية.
ذهب جمهور العلماء، ومنهم الأئمة الأربعة، وجمهور الصحابة والتابعين: إلى وقوع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة إذا قال (أنت طالق ثلاثا) ونحوه أو (بكلمات) ولو لم يكن بينهن رجعة.
ودليلهم حديث ركانة بن عبد الله (أنه طلق امرأته البتة) فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: " والله ما أردتَ إلا واحدة؟ ".
قال ركانة: (والله ما أردتُ إلا واحدة) يستحلفه ثلاثا.
وهذا الحديث أخرجه الشافعي، وأبو داود، والترمذي وصححه، وابن حبان، والحاكم.
ووجه الدلالة من الحديث، استحلافه صلى الله عليه وسلم للمطلق أنه لم يرد بالبتة إلا واحدة، فدل على أنه لو أراد بها أكثر، لوقع ما أراده.
واستدلوا أيضا بما في صحيح البخاري عن عائشة " أن رجلا طلق امرأته ثلاثا، فتزوجت فطلقت".
فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتحل للأول؟.
قال: " لا، حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول" ولو لم تقع الثلاث لم يمنع رجوعها إلى الأول إلا بعد ذوق الثاني عسيلتها.
واستدلوا أيضا بعمل الصحابة، ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنهم على إيقاع الثلاث بكلمة واحدة ثلاثا، كما نطق بها المطلق. وكفى بهم قدوة وأسوة.
ولهم أدلة غير ما سقْنَا، ولكن ما ذكرنا، هو الصريح الواضح لهم.
وذهب جماعة من العلماء: إلى أن موقع الطلاق الثلاث بكلمة واحدة، أو بكلمات لم يتخللها رجعة، لا يقع عليه إلا طلقة واحدة. وهو مروي عن الصحابة، والتابعين، وأرباب المذاهب.
فمن الصحابة القائلين بهذا القول، أبو موسى الأشعري، وابن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام.
ومن التابعين، طاوس، وعطاء، وجابر بن زيد، وغالب أتباع ابن عباس، وعبد الله بن موسى، ومحمد بن إسحاق.
ومن أرباب المذاهب، داود وأكثر أصحابه، وبعض أصحاب أبي حنيفة، وبعض أصحاب مالك، وبعض أصحاب أحمد، منهم المجد عبد السلام بن تيميه، وكان يفتي بها سرا، وحفيده شيخ الإسلام (ابن تيميه) يجهر بها ويفتي بها في مجالسه، وقد عذِّبَ من أجل القول بها، هو وكثير من أتباعه.
ومنهم ابن القيم الذي نصرها نصرا مؤزرا في كتابيه [الهدى] و [أعلام الموقعين] فقد أطال البحث فيها، واستعرض نصوصها، وردَ على المخالفين بما يكفى ويشفى.
واستدل هؤلاء بالنص، والقياس.
فأما النص، فما رواه مسلم في صحيحة [أن أبا الصهباء قال لابن عباس: ألم تعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وفي صدر من إمارة عمر؟ قال: نعم] وفي لفظ [ترد إلى واحدة؟ قال: نعم] .
فهذا نص صحيح صريح، لا يقبل التأويل والتحويل.
وأما القياس، فإن جَمْعَ الثلاث محرم وبدعة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:[من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد] وإيقاع الثلاث دفعة واحدة ليس من أمر الرسول، فهو مردود مسدود.
وأجاب هؤلاء عن أدلة الجمهور بما يأتي.
أما حديث ركانة، فقد ورد في بعض ألفاظه (أنه طلقها ثلاثا) وفى لفظ (واحدة) وفى لفظ (البتة) ولذا قال البخاري: إنه مضطرب.
وقال الإمام أحمد: طرقه كلها ضعيفة، وقال بعضهم: في سنده مجهول، وفيه من هو ضعيف متروك.
قال شيخ الإسلام: وحديث ركانة ضعيف عند أئمة الحديث، ضعفه أحمد والبخاري وأبو عبيد وابن حزم بأن رواته ليسوا موصوفين بالعدل والضبط. وأما حديث عائشة فالاستدلال به غير وجيه، إذ من المحتمل مرادها بالثلاث نهاية ما للمطلق من الطلقات الثلاث، وإذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال، وهو مجمل يحمل على حديث ابن عباس المبين كما جاء في الأصول.
وأما الاستدلال بعمل الصحابة، فما أولاهم بالاقتداء والاتباع.
ونحن نقول: إنهم يزيدون عن مائة ألف، وكل هذا الجمع الغفير- وأولهم نبيهم- يعدون الثلاث واحدة حتى إذا توفى صلى الله عليه وسلم وهي على ذلك، وجاء خليفته الصديق فاستمرت الحال على ذلك حتى توفى، وخلفه عمر رضي الله عنه، فمضى صدر خلافته والأمر كما هو على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الصديق، بعد ذلك جعلت الثلاث واحدة كما بَينا سببه وبيانه.
فصار جمهور الصحابة ممن قضى نحبه قبل خلافة عمر، أو نزحت به الفتوحات فبل مجلسه الذي عقده لبقية الصحابة المقيمين عنده في المدينة.
فعلمنا -حينئذ- أن الاستدلال بعمل الصحابة منقوض بما يشبه إجماعهم في عهد الصديق على خلافه.
وعمل عمر بن الخطاب رضي اللَهْ تعالى عنه حاشاه وحاشا من معه أن يعملوا عملا يخالف ما كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وإنما رأى أن الناس تعجلوا، وأكثروا من إيقاع الطلاق الثلاث وهو بدعة محرمة، فرأى أن يلزمهم بما قالوه، تأديبا وتعزيرا على ما ارتكبوا من إثم، وما أتوه عن ضيق هم في غنى عنه ويسر وسعة.
وهذا العمل من عمر رضي الله عنه اجتهاد من اجتهاد الأًئمة، وهو يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، ولا يستقر تشريعاً لازما لا يتغير، بل المستقر اللازم هو التشريع الأصلي لهذه المسألة.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: وإن طلقها ثلاثا في طهر واحد بكلمة واحدة أو كلمات،
مثل (أنت طالق ثلاثا) أو (أنت طالق وطالق وطالق) أو (أنت طالق ثم طالق ثم طالق) أو يقول: أنت طالق، ثم يقول: أنت طالق، ثم يقول: أنت طالق. أو عشر طلقات، أو مائة طلقة، ونحو ذلك من العبارات. فهذا للعلماء من السلف والخلف فيه ثلاثة أقوال، سواء كانت مد خولا بها أو غير مدخول بها.
أحدها: أنه طلاق مباح لازم، وهو قول الشافعي وأحمد في الرواية القديمة عنه، اختارها الخرقي.
الثاني: أنه طلاق محرم لازم، وهو. قول مالك وأبي حنيفة وأحمد، اختارها أكثر أصحابه، وهذا القول منقول عن كثير من السلف والخلف من الصحابة والتابعين.
الثالث: أنه محرم ولا يلزم منه إلا طلقة واحدة، وهذا القول منقول عن طائفة من السلف والخلف من الصحابة، وهو قول كثير من التابعين ومن بعدهم، وهو قول بعض أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد.
وهذا القول (الثالث) هو الذي يدل عليه الكتاب والسنة. وليس في الكتاب والسنة مايو جب الإلزام بالثلاث بمن أوقعها جملة بكلمة أو كلمات بدون رجعة أو عقد. بل إنما في الكتاب والسنة الإلزام بذلك من طلق الطلاق الذي أباحه الله ورسوله. وعلى هذا يدل القياس والاعتبار بسائر أصول الشرع
…
(و) لا نزاع بين المسلمين أن الرسول صلى الله عليه وسلم معصوم فيما يبلغه عن الله تعالى، فهو معصوم فيما شرعه للأمة بإجماع المسلمين، وكذلك الأمة أيضا معصومة أن تجتمع على ضلالة.
وقال رحمه الله تعالى في موضع آخر: والفرق ظاهر بين الطلاق والحلف به، وبين النذر والحلف بالنذر، فإذا كان الرجل يطلب من الله حاجة فقال: إن شفى الله مريضي أو قضى دينيٍ أو خلصني من هذه الشدة فلله علي أن أتصدق بألف درهم أو أصوم شهرا أو أعتق رقبة، فهذا تعليق نذر يجب عليه الوفاء به بالكتاب والسنة والإجماع. وإذا علق النذر على وجه اليمين فقال: إن سافرت معكم أو إن زوجت فلانا فعلي الحج، أو فمالي صدقة، فهذا عند الصحابة وجمهور العلماء هو حالف بالنذر ليس بناذر، فإذا لم يف بما الزمه أجزأه كفارة يمين.
هذه خلاصة سقناها في بيان هذه المسألة الشهيرة الطويلة الأطراف.
وعلى كلا القولين، فالقول به لا يوجب هذه الثورات التي قسمت المسلمين طالما أنها مسألة فرعية خلافية. والله أعلم.