الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ما يؤخذ هن الحديث:
1-
كون النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الوسطى، طلباً لليلة القدر، قبل علمه أن وقتها في العشر الأواخر.
2-
هذا الحديث من أدلة الذين يرونها في ليلة إحدى وعشرين.
3-
يدل هذا الحديث على أنها في العشر الأواخر، وفي أوتارها آكد.
4-
أن الرؤيا حق لا سيما رؤيا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
5-
صفة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم في زمنه، وكونه عريشاً قد سقف بالجريد الملبد بالطينِ، وحيطانه بعسبان النخل، وسواريه بجذوع النخل. فعمارتهم المساجد، بالطاعة فيها، لا بالتشييد والزخرفة.
بَاب الاعتِكَاف
الاعتكاف: في اللغة، لزوم الشيء وحبس النفس عليه، ومنه قوله تعالى:{يَعْكُفُوْنَ عَلَى أصْنَامٍ لَهُمْ} أي يلازمونها ويقيمون عليها.
وهو في الشرع: "المقام في المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة لطاعة الله".
أما حكمه: فقد أجمع العلماء على مشروعيته، وأجمعوا أيضاً على أنه مستحب ليس بواجب.
وأما حكمته وفائدته: - فقد قال "ابن القيم " في "الهدى" لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى متوقفاً على جمعيته على الله ولمِّ شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى، شرع الاعتكاف الذي مقصوده وروحه، عكوف القلب على الله تعالى وجمعيته عليه، والخلوة به، والانقطاع عن الاشتغال بالخلق والاشتغال به وحده سبحانه، بحيث يصير ذكره والإقبال عليه في محل هموم القلب وخطراته، فيستولي عليه بدلها ويصير الهم كله به، والخطرات كلها بذكره، والتفكر في تحصيل مراضيه وما يقرب منه، فيصير أنسه بالله، بدلاً عن أنسه بالخلق، فيعده بذلك لأنسه به يوم الوحشة في القبور، حين لا أنيس له ولا ما يفرح به سواه. فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم.
وذكر عقيب الصيام لمناسبتين:
الأولى: أن جملة الكلام على الصيام سيتناول صيام شهر رمضان، وهو الذي يتأكد استحباب الاعتكاف فيه، لما يرجى فيه من ليلة القدر.
الثانية: اتفاق العلماء على مشروعية الصيام مع الاعتكاف لأن تمام قطع العلائق عن الدنيا يكون بالصيام.
وقد اشترط الحنفية والمالكية لصحة الاعتكاف، الصيام. ورد عليهم الصنعاني بأنه لا دليل لهم إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعتكف إلا صائماً. والفعل المجرد لا يكون دالاً على الشرطية. وقد اعتكف في شوال ولم ينقل أنه صام أيام اعتكافه.
الحديث الأول
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أنَّ رَسُولَ اللَه صلى الله عليه وسلم كَانَ يَعْتَكِفُ في الْعَشْرِ
الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ حَتًى تَوَفَّاهُ الله تَعَالى. ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدَهُ.
وفي لفظٍ: "كَانَ رَسُولُ الله يَعْتَكِفُ في كلِّ رَمَضَانَ، فَإذَا صلَّى الْغَدَاةَ، جَاءَ مَكَانَهُ
الَّذِي اعْتَكَفَ فِيْهِ".
المعنى الإجمالي:
كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان، طلباً لليلة القدر، بعد أن علم أنها في تلك العشر، واستمر يعتكفهن كل سنة، حتى توفاه الله تعالى.
ثم اعتكف أزواجه رضي الله عنهن، من بعده يطلبن ما طلب.
وإذا صلى الصبح دخل معتكفه، وهو ما يحتجزه من المسجد للخلوة وقطع العلائق عن الخلائق.
ما يؤخذ من الحديث:
1-
مشروعية الاعتكاف، وأنه من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، التي يحرص عليها.
2-
فائدته وثمرته: هي أن يقطع المعتكِف علائقه عن الدنيا وما فيها، ويخلو بربه، ويتلذذ بمناجاته وجمعه نفسه وخواطره وأفكاره، عليه وعلى عبادته.
3-
أن اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم استقر- أخيراً- على العشر الأواخر من رمضان، لما يُرجَى فيهن من ليلة القدر.
4-
أن الاعتكاف سنة مستمرة لم تنسخ إذ اعتكف أزواجه صلى الله عليه وسلم بعده.
5-
أن وقت دخول المعتكِف مكان اعتكافه، يكون بعد صلاة الصبح.
6-
أنه لا بأس من أن يحتجز المعتكف ما يخلو به إذا لم يضيق على المصلين. لما أخرج الشيخانْ عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن يعتكف أمر بضرب خبائه فضرب.
7-
يؤخذ من معنى الاعتكاف، ومن مقصده أن المعتكف يجتنب الجماع ودواعيه، والخروج من معتكفه لغير حاجة، ويجتنب أعمال الدنيا من المعاوضات والصنائع ونحوها، وأن يُقِلَّ من مخالطة الناس لغير اجتماع في ذكر أو قرآن، لأن هذه الأشياء وأشباهها، منافية للاعتكاف.
8-
أن شرط الاعتكاف أن يكون في مسجد تقام فيه الجماعة لقوله تعالى: {وأنتم عاكفون في المساجد} لئلا يفضي اعتكافه إلى ترك الجماعة، أو إلى تكرار الخروج إليها كثيراً.
الحديث الثاني
عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أنَّها كَانَتْ ترَجِّلُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَهِيَ حَائِضٌ،
وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ، وهِيَ فِي حُجْرَتِهَا، يُنَاوِلُهَا رَأسَهُ.
وفي رواية: "وَكَانَ لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَاّ لِحَاجَةِ الإنْسَانِ".
وفي رواية: " أنَ عَائِشَةَ قَالَتْ: إني كُنْت لا أدْخُلُ الْبَيْتَ إلَاّ لِلْحَاجَةِ والْمَرِيضُ فِيهِ، فَمَا
أَسْأَلُ عَنْهُ إلَاّ وَأَنَا مَارَّة.
الترجيل: تسريح الشعر.
المعنى الإجمالي:
اليهود يتشددون في أمر الحائض فيجتنبون منها ما أباحه الله، من المباشرة والمضاجعة، بل يعتزلونها ويرونها رجساً نجساً.
والنصارى على نقيضيهم، فلا يتحاشون عنها، بل يعاملونها معاملة الطاهرة.
أما الإسلام دين السماح واليسر، ودين العدل والتوسط، فيراها طاهرة في بدنها وعرقها وثوبها. فالمؤمن لا ينجس، لا حيا ولا ميتاً
فلا بأس من مباشرتها للأشياء الرطبة واليابسة. بل لا بأس من أن يباشرها زوجها بما دون الفرج.
أما الجماع فيحرمه لما فيه من الخبث، الذي يعود بالضرر على المجامع وعلى الولد إن قُدِّر في ذاك الجماع.
لذا كانت عائشة رضي الله عنها تصلح رأس النبي صلى الله عليه وسلم وهى حائض.
فكان اعتكافه لا يمنعه من ترجيل شعره، وتنظيف بدنه، وكان لا يخرج من المسجد لذلك،
بل يناولها رأسه وهو في المسجد وهي في بيتها.
فقد كان اعتكافه يمنعه من الخروج إلا لما فيه حاجته من طعام أو شراب، أو قضاء حاجة ونحو ذلك.
فالاعتكاف لزوم المسجد. والخروج ينافيه، لذا حكت عائشة عن نفسها أنها لا تدخل البيت إلا لحاجةٍ إذا اعتكفت.
ومن اهتمامها بسرعة الرجوع، يكون المريض في طريقها فلا تقف لتواسيه، بل تسأل عنه وهي في طريقها بالذهاب أو الإياب إلى المسجد.
ما يؤخذ من الحديث:
1-
أن الاعتكاف لا يمنع من ترجيل الشعر وغسله وأنواع التنظيف.
2-
أنه لا بأس من ملامسة الحائض ومباشرتها للأشياء.
3-
أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد.
4-
أن المعتكف لا يخرج من المسجد إلا لحاجة، كالطعام والشراب.
5-
أن إخراج بعض البدن من المسجد، لا يعد خروجا.
6-
أن الحائض لا تمكث في المسجد، لئلا تلوثه.
7-
أن من خرج لقضاء حاجة فَلْيَعُدْ إليه سريعاً، ولا يشتغل بغير حاجته التي أباحت له الخروج.
8-
أن لمس المرأة لغير شهوة، لا يضر في الاعتكاف.
الحديث الثالث
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطًابِ رضي الله عنه قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله إنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ في الجَاهِلية
ِ أَنْ أعْتَكِفََ لَيْلَةً "وفي رواية: يَوْمَاً فِي المَسْجِدِ الْحَرَامِ".
قال: " فَأوْفِ بِنَذْرِكَ " ولم يذكر بعض الرواة "يوماً" ولا "ليلة".
المعنى الإجمالي:
نذر عمر بن الخطاب في الجاهلية أن يعتكف يوماً وليلة في المسجد الحرام، فسأل النبي عن حكم نذره.
فلما كان مطالباً بوفائه، سواء عقده في حال كفره أو إسلامه، أمره أن يوفي بنذره، لأنه وإن كان عقده مكروهاً إلا أن الوفاء به واجب.
ما يؤخذ من الحديث:
1-
وجوب الوفاء بالنذر، ولو عقد في حال الكفر.
2-
إذا عيَّن لاعتكافه المسجد الحرام تعيَّن، فإن عيَّن ما دونه من المساجد أجزأه عنها، وكل مسجد فاضل يجزئ عما دونه بالفضل.
3-
أن الاعتكاف يجب بالنذر، ويلزم الوفاء به.
4-
ورد في الحديث نذر " ليلة " وورد "يوماً" وورد مطلقاً. فمن أخذ برواية الليل أجزأه الاعتكاف بدون صوم.
ومن جعل المراد بالليل أو اليوم ما يشملهما جميعاً، اشترط الصوم في الاعتكاف، وهما قولان للعلماء، والأحوط الصيام معه.
الحديث الرابع
عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُييٍّ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُوْل الله صلى الله عليه وسلم مُعْتَكِفاً
في المَسْجِدِ، فَأَتَيْتُهُ أَزُورَهُ لَيْلاً، فَحَدَّثْتُهُ. ثُمَّ قُمْتُ لأَنْقَلِبَ فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي - وَكَانَ
مَسْكَنُهَا فِي بَيْتِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.
فَمَرّ رَجُلانِ مِنَ الأنْصَارِ، فَلَمَّا رأَيَا رَسُوْلَ الله صلى الله عليه وسلم أسْرَعَا في المَشْي.
فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: (عَلَى رِسْلِكُمَا، إنًهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ) .
فَقَالا: سُبْحَانَ الله يَا رَسُولَ الله.
فَقَالَ: "إنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِن ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ وَإنِّي خِفْتُ أَنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِكُمَا
شَرَّاً (أو قال: شَيْئاً) .
وفي رواية: أنَّهَا جَاءَتْ تَزُورُهُ في اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ، فِي العَشْرِ الأوَاخِرِ مِنْ
رَمَضَانَ، فتَحدََّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً ثُمَّ قَامَتْ تَنقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم مَعَهَا
يَقْلِبُهَا. حَتَّى إذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عَنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَة" ثُمَّ ذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ.
الغريب:
حُيي: بضم الحاء. هو ابن أخطب اليهودي زعيم بني النضير قتل مع بني قريظة صبراً.
ليقلبني: بفتح الياء وسكون القاف، ليردني ويرجعني إلى منزلي.
في بيت أسامة: نسب البيت إلى أسامة بن زيد، فإنه صار له بعد ذلك.
على رسلكما: بكسر الراء: أي على هينتكما، أي تمهلا ولا تسرعا.
فقالا: سبحان الله، تسبيحٌ وردَ مورد التعجب.
المعنى الإجمالي:
كان النبي صلى الله عليه وسلم معتكفاً في العشر الأواخر من رمضان.
وكان ينقطع في معتكفه عن الناس إلا قليلاً للمصلحة.
ولذا فإن زوجه صفية رضي الله عنها زارته في إحدى الليالي فحدثته ساعة، ثم قامت إلى بيتها.
فلِمَا جبله الله عليه من كرم الأخلاق واللطف العظيم، وجبر القلوب، قام
معها ليشيعها ويؤنسها من وحشة الليل.
وفي أثناء سيره معها، مرَّ رجلان من الأنصار، فاستحييا أن يسايرا النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أهله، فأسرعا في مشيهما.
فقال لهما: تمهلا ولا تسرعا، فإن التي معي زوجي صفية.
فتعجبا وكبر عليهما ذلك وقالا: سبحان الله! كيف تظن يا رسول الله أننا نظن شيئاً؟!
فأخبرهما أنه لم يظن بهما ذلك، وإنما أخبرهما أن الشيطان حريص على إغواء بني آدم، وله قدرة عليهم عظيمة فإنه يجري منهم مجرى الدم من لطف مداخله، وخَفِيِّ مسالكه. أعاذنا الله منه، بحمايته آمين.
ما يؤخذ من الحديث:
1-
مشروعية الاعتكاف، لاسيما في العشر الأواخر من رمضان.
2-
أن المحادثة اليسيرة لا تنافي الاعتكاف، خصوصاً لمصلحة، كمؤانسة الأهل مثلاً.
3-
وفيه حسن خلقه ولطفه صلى الله عليه وسلم، إذ آنسها، ثم قام ليشيعها إلى بيتها.
فكذا ينبغي أن يتحلَّى المسلمون بمثل هذه الأخلاق النبوية الكريمة.
4-
وفيه أنه ينبغي أن يريل الإنسان ما يلحقه من تهمة، لئلا يظن به شيء هو بريء منه، أي ينبغي التحرز مما يسبب التهمة.
5-
أن الشيطان له قدرة وتمكن قَوِيٌّ من إغواء بني آدم، فهو يجري منهم مجرى الدم.
قال "ابن دقيق العيد": وهذا متأكد في حق العلماء، ومن يقتدى بهم.
6-
وفيه شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته:
فإنه يعلم من ظاهر الحال أن الرجلين لم يظنا شيئا، وإنما علم كيد الشيطان الشديد، فخاف عليهما أن يوسوس لهما بشيء يكون سبب هلاكهما
7-
قال بعض العلماء: ومنه ينبغي للحاكم أن يبيِّن للمحكوم عليه وجه الحكم، إذا كان خافياً عليه، نفياً للتهمة.
8-
جواز خلوة المعتكف بزوجه ومحادثتها، إذا لم يُثِرْ ذلك شهوته المنافية للاعتكاف.
9-
قال ابن دقيق العيد: وفي الحديث دليل على هجوم خواطر الشيطان على النفس. وما كان من ذلك غير مقدور على دفعه لا يؤاخذ به لقوله تعالى {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} . قال الصنعاني: الوساوس تطرق القلب، فإن استرسل العبد معها قادته إلى الشك، وإن قطعها بالذكر والاستعاذة ذهبت عنه.