الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَابُ العِدَّة
العدة: بكسر العين المهملة مأخوذ من "العدد" بفتح الدال، لأن أزمنة العدة محصورِة.
وهي تربص المرأة المحدود شرعا، عن التزويج، بعد فراق زوجها. والأصَل فيه، الكتاب والسنة، والإجماع.
فأما الكتاب، فمثل قوله تعالى:{والمُطَلقَاتُ يتربصن بِأنفُسِهِنَّ} الآية وغيرها.
وأما السنة، فكثيرة جدا، منها ما تقدم، من أمره صلى الله عليه وسلم فاطمة "أن تعتد في بيت أم شريك".
وأجمع العلماء عليها، استنادا إلى نصوص الكتاب والسنة الكثيرة.
وقد جعل الله تبارك وتعالى هذه العدة تتربص فيها المفارقة لحكم وأسرار عظيمة. وهذه الحكم، تختلف باختلاف حال المفارقة.
فمنها، العلم ببراءة الرحم، لئلا يجتمع ماء الواطئين في رحم واحد، فتختلط الأنساب، وفى اختلاطها، الشر والفساد.
ومنها، تعظيم خطر عقد النكاح، ورفع قدره، وإظهار شرفه.
ومنها، تطويل زمن الرجعة للمطلق، إذ لعله يندم، فيكون عنده زمن يتمكن فيه من الرجعة.
وهذه الحكمة ظاهرة في عدة الرجعية وأشار إليها القرآن: {لا تدري لَعَل اللَه يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِك أمرا} .
وفيه قضاء حق الزوج، وإظهار التأثر لفقده، وهذا في حق المتوفى عنها.
ولها حكم كثيرة، لحق الزوج والزوجة، وحق الولد، وحق الله قبل ذلك كله بامتثال أمره.
فمجرد اتباع أوامره، سر عظيم من أسرار شرعه، والله الموفق.
عَنْ سُبَيِعَة الأسلمية: أنهَا كَانَتْ تَحْتَ سعد بن خَوَلَةَ وهُوَ مِنْ بنى عامِرِ بْنِ لؤَي، وكانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدراً، فتوُفِّى عنها في حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهِي حَامِل، فَلَمْ تنشَبْ (تَلبث) أن وَضَعَت حملها بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَا تجمَّلت مِنْ نِفَاسِهَا، تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ.
فَدَخل عليها أبو السنابل بن بعكك- رجل من بني عبد الدار- فَقَالَ لَهَا: مَالي أراك مُتَجَمِّلة، لَعَلكِ تُرَجَّين للنكَاح؟ والله مَا أنت بِنَاكحٍ حَتَى تَمُر عَلَيْكِ أربَعَةُ أشْهُر وَعَشر.
قَالَت سُبَيْعَةُ: فَلَمَا قَالَ لي ذلِكَ جمعت عَلَىَّ ثِيَابي حِين أمسيْتُ فَأتَيْتُ رسول اللَه صلى الله عليه وسلم فَسَألتُهُ عن ذلِكَ، فأفتاني بِأني قَدْ حَلَلتُ حين وَضَعْتُ حَمْلي، وأمرني بالتَّزوِيج إن بَدَا لي.
وقال ابنُ شِهَاب: وَلا أرى بِأساً أنْ تَتَزوجَ حِينَ وضعت، وإن كَانَت في دمِهَا، غَير لا يقربها زوجُهَا حَتى تَطهُرَ.
الغريب:
سُبَيْعَة: بضم السين، وفتح الباء الموحدة.
فلم تنشب: بفتح الشين، أي لم تمكث طويلا.
تعلت من نفاسها: بفتح العين وتشديد اللام. معناه، ارتفع نفاسها وطهرت من دمها.
بعكك: بفتح الباء الموحدة، ثم عين ساكنة، ثم كافين الأولى مفتوحة.
المعنى الإجمالي:
توفي سعد بن خولة عن زوجته سبيعة الأسلمية وهي حامل. فلم تمكث طويلا حتى وضعت حملها.
فلما طِهرت من نفاسها، وكانت عالمة أنها بوضع حملها قد خرجت من عدتها وحلَّت للأزواج، تجملَت.
فدخل عليها أبو السنابل، وهى متجملة، فعرف أنها متهيئة للخطاب.
فأقسم -على غلبة ظنه- أنه لا يحل لها النكاح حتى يمر عليها أربعة أشهر وعشر، أخذا من قوله تعالى:{والذِين يُتَوَفوْن منكم ويذرون أزْواجاً يتَرَبصْنَ بِأنفُسِهن أربعة أشهُر وعشراً} وكانت غير متيقنة من صحة ما عندها من العلم، والداخل أكَد الحكم بالقسم.
فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فسألته عن ذلك، فأفتاها بحلها للأزواج حين وضعت الحمل، فإن أحبت الزواج، فلها ذلك، عملا بقوله تعالى {وَأولاتُ الأحمال أجلُهُن أن يضَعْنَ حَمْلَهُن} .
ما يؤخذ من الحديث:
1-
وجوب العدة على المتوفى. عنها زوجها.
2-
أن عدة الحامل، تنتهي بوضع حملها.
3-
عموم إطلاق الحمل، يشمل ما وضع، وفيه خلق إنسان.
4-
أن عدة المتوفى عنها -غير حامل- أربعة أشهر وعشر للحرة وشهران وخمسة أيام للأمة.
5-
يباح لها التزويج، ولو لم تطهر من نفاسها، لما روت (فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي.. الخ) رواه ابن شهاب الزهري.
6-
قال شيخ الإسلام: والقرآن ليس فيه إيجاب العدة بثلاثة قروء إلا على المطلقات، لا على من فارقها زوجها بغير طلاق، ولا على من وطئت بشبهة، ولا على المزني بها.
توفيق بين آيتين:
عموم قوله تعالى: {وَأوَلاتُ الأحْمَال أجلهن أنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} يفيد أن كل معتدة بطلاق أو موت، تنتهي عدتها، بوضع حملها.
وعموم ِقوله تعالى: {والَذِينَ يُتَوَفَوْنَ منكم ويذرون أزواجا يَتَربصْنَ بأنفُسِهِن أربعَةَ أشْهر وَعَشْر} يفيد أن عدة كل متوفًّى عنها، أربعة أشهر وعشر، سواء كانت حاملا، أو حائلا.
ولهذا التعارض، ذهب بعض العلماء- وهم قلة- إلى أن عدة المتوفى عنها أبعد الأجلين، بالأشهر أو الحمل.
فإن كان حملها أكثر من أربعة أشهر وعشر، اعتدت به.
وإن وضعت قبلهن، اعتدت بالأشهر، خروجا من التعارض.
ولكن جمهور العلماء، ومنهم الأئِمة الأربعة، ذوو المذاهب الخالدة- ذهبوا إلى تخصيص آية {والَّذِينَ يُتَوَفْوْنَ منكم} الآية. بحديث سُبَيْعة، الذي معنا، فتكون الآية هذه، خاصة في غير ذوات الأحمال، وأبقوا الآية الأولى على عمومها بأن وضع الحمل غاية كل عدة في حياة أو وفاة.
وبهذا التخصيص، تجتمع الأدلة، ويزول الإشكال.
ويقصد هذا التخصيص، أن أكبر حكم العدة، هو العلم ببراءة الرحم، وهو ظاهر بوضع الحمل.
فائدة:
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن رجل ترك زوجته ست سنين ولم يترك لها نفقة، ثم بعد ذلك تزوجت رجلا ودخل بها، ثم حضر الزوج.
فأجاب: إن النكاح الأول فسد لتعذر النفقة من جهة الزوج، وانقضت عدتها، ثم تزوجت الثاني فنكاحه صحيح، وإن كانت تزوجت الثاني قبل فسخ نكاح الأول فنكاحه باطل.