الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَابُ قضَاء الصَّلاة الفائتة وتعجيلها
عَنْ أنَس بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم:
" مَنْ نَسىَ صَلاةً فَلْيصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا، لا كَفَّارَةَ لَهَا إِلاّ ذلكَ وَتَلا قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِى} ولـ" مسلم" "من نَسىَ صَلاةً أوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا ذَكَرَهَا".
المعنى الإجمالي:
الصلاة لها وقت محدد في أوله وآخره، لا يجوز تقديم الصلاة قبله، كما لا يجوز تأخيرها عنه في حق العامد.
فإذا نام عن الصلاة، أو نسيها حتى خرج وقتها، فقد سقط عنه الإثم لعذره.
وعليه أن يبادر إلى قضائها عند ذكره لها ولا يجوز تأخيرها فإن كفارة ما وقع لها من التأخير، المبادرة في قضائها ولذا قال تعالى:{وَأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِى} فتلاوة النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية عند ذكر هذا الحكم، يفيد أن المراد من معناها أن تقام الصلاة عند تذكرها (1) .
ختلاف العلماء:
اختلف العلماء: هل تجب المبادرة إلى فعلها عند ذكرها، أو يجوز تأخيرها؟ فذهب الجمهور من العلماء: إلى وجوب المبادرة ومنهم الأئمة الثلاثة، أبو حنيفة، ومالك، وأحمد، وأتباعهم.
وذهب الشافعي إلى استحباب قضائها على الفور ويجوز تأخيرها.
واستدل الشافعي بأنه صلى الله عليه وسلم -حين نام هو وأصحابه- لم يصلوها في المكان الذي ناموا فيه، بل أمرهم، فاقتادوا رواحلهم إلى مكان آخر، فصلَّى فيه، ولو كان القضاء واجبا على الفور، لصلوه في مكانهم.
واحتج الجمهور بحديث الباب، حيث رتب الصلاة على الذكر.
وأجابوا عن استدلال الشافعي بأنه ليس معنى الفورية عدم التأخر قليلا لبعض الأغراض التي تكمل الصلاة وتزكيها، فإنه يجوز التأخير اليسير لانتظار الجماعة، أو تكثيرها ونحو ذلك.
هذا وقد أطال في هذا " ابن القيم " رحمه الله في كتاب " الصلاة " وفنَّد الرأي القائل بجواز التأخير.
واختلفوا في تاركها عمداً حتى خرج وقتها: هل يقضيها أو لا؟
(1) وهذا وجه مناسبة تلاوة الآية بعد ذكر هذه الحال.
وسألخص هذا الموضوع من كلام " ابن القيم " في كتاب " الصلاة " فقد أطال الكلام فيه.
قد اتفق العلماء على حصول الإثم العظيم الذي يلحق من أخرها لغير عذر حتى خرج وقتها.
ولكن ذهب الأئمة الأربعة إلى وجوب القضاء عليه مع استحقاقه العقوبة إلا أن يعفو الله عنه.
وقالت طائفة من السلف والخلف: من تعمد تأخير الصلاة عن وقتها من غير عذر، فلا سبيل له إلى قضائها أبداً، ولا يقبل منه، وعليه أن يتوب توبة نصوحا، فيكثر من الاستغفار ونوافل الصلوات.
استدل موجبو القضاء، بأنه إذا كان القضاء واجبا على الناسي والنائم، وهما معذوران، فإيجابه على غير المعذور العاصي من باب أولى.
وأيضاً، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى العصر بعد المغرب يوم الخندق هو وأصحابه، ومعلوم أنهم كانوا غير نائمين لا ساهين، ولو حصل السهو من بعضهم، ما حصل منهم جميعاً.
وانتصر لوجوب القضاء أبو عمر بن عبد البر.
ومن الذاهبين إلى عدم القضاء، الظاهرية، وشيخ الإسلام "ابن تيمية "و" ابن القيم" وقد أطال في كتاب " الصلاة " في سَوْق الأدلة، وردّ حجج المخالفين.
ومن تلك الأدلة، المفهوم من هذا الحديث، فإن منطوقه وجوب القضاء على النائم والناسي، ومفهومه أنه لا يجب على غيرهما، وأن أوامر الشرع على قسمين: 1- مطلقة. 2- ومؤقتة، كالجمعة، ويوم عرفة.
فمثل هذه العبادات، لا تقبل إلا في أوقاتها، ومنها: الصلاة المؤخرة عن وقتها بلا عذر.
وقوله صلى الله عليه وسلم" مَنْ أدرَكَ ركعةً مِنَ العَصرِ قَبْلَ أنْ تَغْرُبَ الشمسُ فَقَدْ أدرَكَ العَصرَ" ولو كان فعلها بعد المغرب صحيحاً مطلقاً، لكان مُدرِكاً، سواء أدرك ركعة أو أقل من ركعة، أم لم يدرك شيئاً، والمقاتلون أُمِرُوا بالصلاة في شدة القتال، كل ذلك حرصا على فعلها في وقتها، ولو كان هناك رخصة لأخرُوها، ليؤدوها بشروطها وأركانها، التي لا يمكن القيام بها مع قيام القتال، مما دل على تقديم الوقت على جميع ما يجب للصلاة، وما يشترط فيها.
وأما عدم قبول قضائها من المفرط في تأخيرها بعد الوقت، فليس لأنه أخف من المعذورين، فإن المعذورين ليس عليهم لائمة.
وإنما لم تقبل منه، عقوبة وتغليظاً عليه.
قد بسط رحمه الله القول فيها، فمن أراد استقصاء ذلك، فَلْيَرْجعْ إليه.
وأما كلام شيخ الإسلام في الموضوع، فقد قال في " الاختيارات ": (وتارك الصلاة عمداً، لا يشرع له قضائها، ولاتصح منه، بل يكثر من التطوع وهو قول طائفة من السلف كأبي عبد الرحمن صاحب الشافعي، وداود وأتباعه، وليس في الأدلة ما يخالف هذا بل يوافقه. وقد مال إلى هذا القول الشيخ صديق حسن في كتابه " الروضة الندية ".
وهذا ما أردت تلخيصه في هذه المسألة والله أعلم بالصواب.
ما يؤخذ من الحديث من الأحكام
1-
وجوب قضاء الصلاة على الناسي والنائم عند ذكرها.
2-
وجوب المبادرة إلى فعلها، لأن تأخيرها بعد تذكرها، تفريط فيها.
3-
عدم الإثم على من أخرها لعذر من نحو نسيان ونوم، ما لم يفرط في ذلك
بأن ينام بعد دخول الوقت، أو أن يعلم من نفسه عدم الانتباه في الوقت فلا يتخذ له سبباً يوقظه في وقتها.
والكفارة المذكورة، ليست عن ذنب ارتكب، وإنما معنى هذه الكفارة أنه لا يجْزىء عن تركها فعل غيرها، من إطعام، وعتق ونحو ذلك، فلابد من الإتيان بها.
بَابُ جَواز إمَامة (1) المتنفّل بالمفترض
عن جَابِر ِبن عَبْدِ الله رضي الله عنهما: أنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَل كَانَ يُصَلِّي مَعَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم الْعشَاءَ الآَخِرَةَ. ثم يَرْجِعُ إِلَى قَوْمِهِ فيُصلي بهم تِلْكَ الصلاةَ.
المعنى الإجمالي:
كانت منازل بني سلمة، جماعة معاذ بن جبل الأنصاري خارج المدينة.
وكان معاذ رضي الله عنه شديد الرغبة في الخير، فكان يحرص على شهود الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعد أن يؤدي الفريضة خلف النبي صلى الله عليه وسلم، يَخرج إلى قومه فيصلي- بهم تلك الصلاة، فتكون نافلة بحقه، فريضة بحق قومه، وكان ذلك بعلم النبي صلى الله عليه وسلم، فيقره عليه.
اختلاف العلماء:
اختلف في صحة إمامة المتنفل بالمفترض.
فذهب الزهري، ومالك، والحنفية، إلى عدم صحة ذلك، وهو المشهور عن الإمام أحمد، واختاره أكثر أصحابه، مستدلين بقوله صلى الله عليه وسلم:" إنَّمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيؤتمّ بِهِ فَلا تَختلِفُوا عَلَيهِ" متفق عليه، واختلاف نية المأموم عنه، اختلاف عليه.
وذهب عطاء، والأوزاعي، والشافعي، وأبو ثور، وهو رواية قوية عن الإمام أحمد: أنها تصح، واختارها شيخ الإسلام " ابن تيمية "، مستدلين بحديث معاذ الذي معنا، فإنه كان يصلى الفريضة خلف النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده، ثم يخرج إلى قومه فيصلى بهم.
ومن المعلوم أن إحدى صلاتيه نفل، فلا بد أن تكون الأخيرة لوجوه كثيرة.
منها أن الأولى التي برئت بها الذمة، هي صلاته مع النبي صلى الله عليه وسلم
ومنها: أنه ما كان ليجعل صلاته مع النبي صلى الله عليه وسلم وفي مسجده هي النافلة، وصلاته مع قومه في مسجدهم هي الفريضة.
وقد أطال " ابن حزم " في نصر هذا القول، ودحض حجج أصحاب الرأي الأول بما ليس عليه من مزيد.
(1) هذه الترجمة من وضعي: شارح.
ومن أدلة مصححي صلاة المفترض خلف المتنفل: أن النبي صلى الله عليه وسلم " صلى بطائفة من أصحابه في صلاة الخوف ركعتين، ثم سلم، ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين، ثم سلم ". رواه أبو داود. وهو في صلاته الثانية متنفل.
وليس في هذا مخالفة للإمام، لأن المخالفة المنهي عنها في الحديث، أن لا يقتدي به في تنقلاته ورفعه وخفضه، فإنه- بعد أن قال:" إنما جعل الإمام ليؤتم به "- قال: " فإذا كبر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر. إلخ".
ومن المؤيدين لهذا القول، شيخنا عبد الرحمن بن ناصر بن سعدي، رحمه الله..
ما يؤخذ من الحديث:
1-
جواز إمامة المتنفل بالمفترض، وأنه ليس من المخالفة المنهي عنها.
2-
جواز إمامة المفترض بالمتنفل بطريق الأولى.
3-
جواز إعادة الصلاة المكتوبة، لاسيما إذا كان هناك مصلحة، بأن يكون قارئاً فيؤم غير قارىء، أو يدخل المسجد بعد أن صلى منفرداً فيجد جماعة فصلاته معهم تكمل نقص صلاته الأولى وحده.