الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأجابوا عن حديث ابن عمر بأجوبة، أحسنها أنه منسوخ بحديث ابن عباس، الذي خطب به في عرفات بينما حديث ابن عمر قاله في المدينة قبل حجة الوداع.
وأيدوا قولهم في النسخ بما يأتي:
1-
أنه أطلق لبس الخفين بلا قطع بـ"عرفات"، على مشهد من أمم لم تحضر كلامه في المدينة، فليس عندهم علم من الحديث الأول ليحملوا هذا عليه، فما كان ليسكت عما يجهلون.
2-
أن حديث ابن عباس في عرفات وهو وقت الحاجة، وتأخير البيان عنها ممتنع.
3-
لم يذكر في حديث ابن عمر السراويل، وذكره في حديث ابن عباس ولم يأمر بفتقه مع أنه لا يوجد شيء يحمل عليه، مما دل على أنه أراد من الخفين والسراويل، مطلق اللبس بلا قطع ولا فتق.
4-
أن القطع نسخ تخفيفاً وإصلاحاً عن الإفساد بإتلاف المال.
ونظائر هذه التخفيفات كثيرة في الشرع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أولاً أمرهم بقطعهما ثم رخص لهم في لبسهما مطلقاً من غير قطع، وهذا هو الذي يجب حمل الحديث عليه. اهـ.
بَابُ التلبيَة
الحديث الأول
َعنْ عَبْدِ الله بْن عُمَرَ رضي الله عنهما: أنَّ تَلْبيَةَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم "لَبَّيْكَ
الّلهُمَّ لَبَّيْكَ. لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لبًّيْكَ. إنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ. لا شَرِيكَ لكَ".
قال: وَكَانَ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ (1) فيها: لَبَّيْكَ. لّبَّيْكَ وَسَعْدَيكَ وَالخَيْرُ بِيَدَيْكَ
وَالرَّغْبَاءُ إلَيْكَ وَالْعَمَلُ.
الغريب:
لبيك: مصدر محذوف العامل، جاء على صيغة التثنية، ولم يقصد به التثنية وإنما قصد به التكثير.
(1) زيادة (ابن عمر) ليست في البخاري، بل أخرجها مسلم خاصة كما نبه عليه ابن عبد الحق.
واختلفوا في معناه، لاختلافهم في مأخذه.
فهل هي الإجابة بعد الإجابة، أو الانقياد، أو الإقامة في المكان وملازمته أو الحب بعد الحب
…
الخ. ولا منافاة بينها بل هي متلازمة لأنها تفيد معنى الإقبال على الشيء والتوجه إليه، فمعنى ألبّ بالمكان: أقام فيه ولزمه.
إن الحمد: بكسر الهمزة وفتحها، والكسر أجود وأشمل معنى، لأن الفتح معناه تعليل الإجابة بسبب الحمد والنعمة فقط، والكسر للاستئناف، فيفيد الإجابة المطلقة عن الأسباب. قال ثعلب: من كسر (الهمزة) كان معناه: الحمد لك على كل حال، ومن فتح قال لبيك لهذا السبب.
سعديك، القول في تصريف لفظه، مثل القول في "لبيك" ومعناه مساعدة في طاعتك بعد مساعدة.
الرغباء: تقال بالمد والقصر، فإن مدت فُتِحَتِ الراء وإن قصرت ضُمَّتْ. وهما من الرغبة كالنعمى والنعماء من النعمة. وقيل: الرغباء: الضراعة والمسألة.
المعنى الإجمالي:
التلبية: شعار الحج وعنوان الطاعة والمحبة، والإقامة والاستجابة الدائمة إلى داعي الله تعالى.
وهي تحتوي على أفضل الذكر من التزام عبادة الله وإجابة دعوته، ومطاوعته في كل الأحوال مقترناً ذلك بمحبته، والخضوع والتذلُّل ببن يديه، ومن إفراده بالوحدانية المطلقة: عن كل شريك في إلهيته وربوبيته وسلطانه، كما تحتوي على إثبات كل المحامد له.
وبإثباتها تنتفي عنه النقائص مع إسناد النعم كلها إليه، دقيقها وجليلها، ظاهرها وباطنها، كما تحتوي على إثبات الملك المطلق.
فهو المتصرف القاهر الذي بقبضته كل شيء، ولا ينازعه أحد في ملكه، بل الجميع خاضع له، ذليل بين يديه.
وإثبات هذه الصفات العُلي، التي فيها الثناء على الله، وإثبات المحامد والوحدانية والتصرف، تفيد وصفه - جل وعلا - بها مفردة، كما أن اجتماعها يفيد معنى زائداً يليق بجلاله الذي هو أهله، وذلك كمال ناشئ عن اقتران صفة بصفة.
فكونه مالكاً، كمال، وكونه الحمد له، كمال. واجتماعهما، كمال زائد على الكمالين. فله الصفات العلي والمحامد الكاملة.
وإثبات هذه الصفات، يوجب للعبد إفراده بالعبادة والمحبة، والتوجه والإقبال، والخوف والرجاء، وغير ذلك من متعلقات العبد بربه ومولاه.
ما يؤخذ من الحديث:
1-
مشروعية التلبية في الحج والعمرة، وتأكدها فيه لأنها شعاره الخاص ويأتي الخلاف: هل هي واجبة أو مستحبة؟ إن شاء الله.
2-
الأفضل أن تكون بهذه الصيغة فقط للاتِّباع، ولما تحتويه هذه الجمل من المعاني العظيمة، ولما فيها من صفات الله تعالى الجليلة. فإن زاد فلا بأس.
3-
أن التلبية شعار الحج كالتكبير شعار الصلاة فيستحب الإكثار منها، لاسيما عند الانتقال من منسك إلى آخر، وارتفاع على نشز، أو هبوط في منخفض، أو التقاء الحجيج، أو فعل محظور. لأن فيها التذكير على الإقامة على طاعة الله والاستجابة لداعيه. قال شيخ الإسلام: لا يزال يلبي في ذهابه من مشعر إلى مشعر حتى يرمي جمرة العقبة، فإذا شرع في الرمي قطع التلبية فإنه حينئذ يشرع في التحلل.
4-
تقدم في المعنى الإجمالي ما تحتويه التلبية من أنواع الذكر، من الإقامة على طاعته، وإثبات الوحدانية المطلقة له، وإثبات المحامد وإسناد النعم إليه،
والإقرار بملكه وقهره وسلطانه المطلق. فهي محتوية على توحيد الإلهية والربوبية، والأسماء والصفات.
5-
مادامت التلبية شعار الحج، فينبغي رفع الصوت بها للرجال.
أما المرأة فتخفض صوتها خشية الفتنة بهذه العبادة الجليلة.
اختلاف العلماء:
أجمع العلماء على مشروعية التلبية في الحج، لأنها شعاره.
واختلفوا هل هي ركن، أو واجب، أو سنة؟.
فذهب إلى أنها سنة، الإمامان، الشافعي، وأحمد. ودليلهم أنها ذكر كسائر الأذكار، لا يجب بتركها شيء.
وذهب مالك وأصحابه، إلى أنها واجبة، يأثم تاركها، ويصح حجه، وعليه دم لتركه إياها.
وذهب أبو حنيفة، والثوري، وأهل الظاهر، وعطاء، وطاوس، وعكرمة إلى أنها رُكْن، لا يصح الحج بدونها.
ودليل هؤلاء، أنها شعار الحج، كما أن تكبيرة الإحرام، وتكبير الانتقالات، شعار الصلاة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُخِلَّ بها، وكان يقول:" خذوا عني مناسككم"، وهى من أعظم المناسك،
وفي الحديث: "أتَانِي جِبْرِيلُ فَأَمَرَنِي أن آمُرَ أَصْحَابِي أَنْ يَرْفَعوا أَصْوَاتَهُمْ بالإهْلالِ" وهي التلبية. والأمر يقتضي الوجوب.
قلت: وهذا قول جيد، وحجته قوية، وقد التزمها – ولله الحمد - المسلمون جميعاً، فلا تجد محرماً إلا وهو يقولها في نسكه مرات، فمِنْ مُقِلٍ وَمُكثِرِ.
فائدة:
قال شيخ الإسلام ما خلاصته: النية في الحج والعمرة: لا خلاف بين المسلمين في أن الحج والعمرة لا يصحان بدونها. وأصل ذلك أن النية المعهودة في العبادات تشتمل على أمرين هما: قصد العبادة وقصد المعبود، وهو الأصل الذي دل عليه قوله تعالى:{وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} وأما قصد العبادة فهو قصد عمل خاص يرضي به ربَّه من صيام أو حج أو غيرهما، وهذه النية التي تذكر في كتب الفقه المتأخرة، فالنية الأولى يتميز بها من يريد حرث الآخرة ممن يريد حرث الدنيا ويتميز بها المسلم من الكافر أما الثانية فهي تميز أنواع العبادات.
وقال رحمه الله: ولا يكون الرجل محرماً بمجرد ما في قلبه من قصد الحج ونيته فإن القصد مازال في القلب منذ خرج من بلده، ولا بد من قول أو عمل يصير به محرماً، والتجرد من الثياب واجب في الإحرام وليس شرطاً فيه، فلو أحرم وعليه ثيابه صح ذلك بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وباتفاق أئمة أهل العلم وعليه أن ينزع اللباس المحظور.