الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
باَبُ عشرَة النسَاء
في هذا الباب يتكلم العلماء على معاشرة كل واحد من الزوجين لصاحبه.
فيبينون شيئا من حقوق الرجل، وبعضا من حقوق المرأة على زوجها، وقد تقدمت الإشارة إلى شيء من ذلك في مقدمة [كتاب النكاح] .
وخلاصة ما نقوله هنا: أن لكل من الزوجين على صاحبه حقوقا، فليحرص كل منهما على أداء ما عليه، تاما غير منقوص.
ومع هذا فالأولى أن لا يشدد صاحبها باستيفائها واستقصائها.
فإذا راعى كل واحد منهما هذه المعاملة الرشيدة الحكيمة، استقامت أمورهم وصلحت أحوالهم.
وإن تشدد كل منهما في طلب حقه كاملا، وتساهل من عليه الحق في أدائه، فثمرة ذلك العيش النكد، والعشرة المُرة، التي يعقبها الفراق، وتفكك الأسر، وينزع عنهم الرحمة، التي سألها النبي صلى الله عليه وسلم لمن هو (سمح إذا قضى، سمح إذا اقتضى) .
الحديث الأول
عَنْ أنَس بن مالك رضي الله عنه قَالَ: مِن السنةِ إذَا تزَوَّجَ البِكْرَ عَلى الثيب أقَامَ عِنْدَهَا سبعا ثم قَسَمَ. وإذَا تَزَوج الثيبَ أقام عِنْدَهَا ثَلاثاً ثُم قَسَم. قَالَ أبو قِلابَة: ولَو شئتُ لقُلْتُ: إنَ أنَسا رفَعَهُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
المعنى الإجمالي:
العدل في القسم بين الزوجات واجب، والميل إلى إحداهن ظلم. ومن مال جاء يوم القيامة وشِقه مائل، وذلك من جنس عمله.
فيجب العدل بينهن فيها هو من مُكْنة الإنسان وطاقته.
وما لا يقدر عليه -مما هو في غير استطاعته كالوطء ودواعيه مما يكون أثر المحبة- فهذا خارج عن طوقه، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
ومن القَسْمِ الواجب، ما ذكر في هذا الحديث، من أنه إذا تزوج البكر على الثيب، أقام عندها سبعا يؤنسها، ويزيل وحشتها وخجلها، لكونها حديثة عهد بالزواج، ثم قسم لنسائه بالسوية.
وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا، لكونها أقل حاجة إلى هذا من الأولى.
وهذا الحكم الرشيد، جَاء في هذا الحديث الذي له حكم الرفع، لأن الرواة إذا قالوا: من السنة، فلا يقصدون إلا سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
الحديث الثاني
عَنِ ابنِ عباس رضي الله عنهما قَال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو أن أحَدَكُم إذَا أرَادَ أن يأتي أهْلَهُ قَال: بسْمِ الله، اللَّهمَّ جنبنا الشيطان وجَنبِ الشيطَانَ ما رزقتنا فَإنهُ إن يقدر بَينهُمَا وَلَدْ في ذلك لم يضره الشيطان أبَدَاً".
المعنى الإجمالي:
يبين النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الشريف شيئا من آداب الجماع، وهو أنه ينبغي للرجل إذا أراد جماع زوجته أو أمته أن يقول:"بسم الله" فإن كل أمر لا يبدأ فيه بـ "بسم الله" فهو أبتر.
وأن يقول الدعاء النافع "اللَّهُم جَنبْنَا الشيطان وَجَنب الشيطان مَا رَزَقْتَنَا" فإن قدر الله تعالى لهما ولدا من ذلك الجماع، فسَيكون -ببركة اسم الله تعالى وهذا الدعاء المبارك- في عصمة، فلا يضره الشيطان.
وبمثل هذه الآداب الشريفة تكون عادات الإنسان عبادات، حينما تقترن بالآداب الشرعية، والنية الصالحة في إتيان هذه الأعمال.
تنبيه:
ذكر القاضي عياض: أنه لم يحمل هذا الحديث على العموم في جميع الضرر والوسوسة والإغواء. ذكر (ابن دقيق العيد) أنه يحتمل حمله على عموم الضرر، حتى الديني، ويحتمل أن يؤخذ خاصا بالنسبة للضرر البَدَني، وقال: هذا أقرب، وإن كان التخصيص على خلاف الأصل، لأننا لو حملناه على العموم، اقتضى ذلك أن يكون. معصوما من المعاصي كلها، وقد لا يتفق ذلك، ولابد من وقوع ما أخبر به صلى الله عليه وسلم.
وأحسن ما يقال في هذا المقام وأمثاله: أن الشارع جعل لكل شيء أسبابا ومواقع.
فإن وُجِدَت الأسباب، وانتفت الموانع، وُجدَ المسبب الذي رتب عليه.
وإن لم توجد الأسباب، أو وجِدَتْ، ولكن حصلت معها الموانع، لم يقع.
فهنا قد يُسَمي المجامع، ويستعيذ، ولكن توجد موانع تقتضي إبطال السبب أو ضعفه، فلا تحقق المطلوب.
وبهذا يندفع الإشكال الذي تحير فيه (تقي الدين بن دقيق العيد) في هذه المسألة.