الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كتاب الطلاق
الطلاق: في اللغة: حل الوثاق. مشتق من الإطلاق، وهو الترك والإرسال.
وفي الشرع: حَل عقدة التزويج، والتعريف الشرعي فَرْد من معناه اللغوي العام. قال إمام. الحرمين: هو لفظ جاهلي ورد الشرع بتقريره.
وحكمه ثابت في الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح.
فأما الكتاب فنحو {الطلاقُ مَرتَانِ} وعيرها من الآيات.
وأما السنة، فقوله صلى الله عليه وسلم:{أبغض الحلال إلى الله الطلاق} وغيره من فعله وتقريره صلى الله عليه وسلم.
والأمة مجمعة عليه، والقياس يقتضيه.
فإذا كان يتم النكاح بالعقد لمصالحه وأغراضه فإنه يفسخ ذلك العقد بالطلاق، للمقاصد الصحيحة.
والأصل في الطلاق، الكراهة، للحديث المتقدم، ولأنه حَل لِعُرى النكاح، الذي رغَّب فيه الشارع، وحث عليه، وجعله سبباً لكثير من مصالح الدين والدنيا.
لذا فإن الطلاق سبب في إبطال هذه المصالح وإفسادها، والله لا يحب الفساد.
فمن هنا كرهه الشارع، لكنه عند الحاجة إليه نعمة كبيرة، وفضل عظيم، إذ يحصل به الخلاص من العشرة المُرة، وفراق من لا خير في البقاء معه، إما لضعف في الدين، أو سوء في الأخلاق، أو غير ذلك مما يسبب قلق الحياة ونكد الاجتماع. والله حكيم عليم واسع الرحمة.
وبهذا تعرف جلال هذا الدين، وسُمُو تشريعاته، وأنها الموافقة للعقل الصحيح، والمتمشية مع مصالح الناس وبشرع الطلاق على الكيفية الآتية في وسط الأحكام وقوام للأمور، خلافا لليهود والمشركين، الذين يطلقون ويراجعون بلا عد، ولا حد.
وخلافا للنصارى، الذين لا يبيحون الطلاق، فتكون الزوجة غلا في عنق زوجها وإن لم توافقه، أو لم تحقق مصالح النكاح، ولذا أخذت به أوربا وأمريكا لما رأوا مصالحه، ومنافعه. والله حكيم عليم.
ولو قدم هذا الدين وتشريعاته السمحة إلى الناس كما هي، بعيدة عن أكاذيب المفترين، وخرافات المتنطعين، لأخذ به كل منصف، ولأصبح الدين هو النظام العام، وتحققت رسالته العامة
الحديث الأول
عنْ عَبْدِ الله بنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أنَهُ طَلق امْرَأتهُ وَهي حَاِئض، فَذَكرَ ذلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فتَغَيظ مِنْهُ رسُول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قالَ:"ليراجعها ثم يمسكها حَتى تَطْهرَ، ثم تَحِيض فَتَطْهُر، فَإن بَدَا له أن يُطلقَهَا فَليُطلقهَا قَبْل أن يمسها، فَتِلك العدة كمَا أمر الله عز وجل".
وفي لفظ " حَتى تحِيضَ حَيْضَةَ مستقبلة، سوى حيضتها الَّتي طَلقَهَا فِيهَا ".
وفي لفظ: فَحُسِبَتْ مِنْ طَلاقِهَا، وَرَجَعَهَا عَبْد الله كَمَا أمَرَهُ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المعنى الإجمالي:
طلق عبد الله بن عمر رضي الله عنهما امرأته وهي حائض، فذكر ذلك أبوه للنبي صلى الله عليه وسلم، فتغيظ غضبا، حيث طلقها طلاقا محرما، لم يوافق السنة.
ثم أمره بمراجعْتها وإمساكها حتى تطهر من تلك الحيضة ثم تحيض أخرى ثم تطهر منها.
وبعد ذلك- إن بدا له طلاقها ولم ير في نفسه رغبة في بقائها- فليطلقها قبل أن يطأها.
فتلك العدة، التي أمر الله بالطلاق فيها لمن شاء.
ومع أن الطلاق في الحيض محرم ليس على السنة، فقد حسبت عليه تلك الطلقة من طلاقها، فامتثل رضي الله عنه أمر نبيه، فراجعها.
ما يؤخذ من الحديث:
1-
تحريم الطلاق في الحيض، وأنه من الطلاق البِدعِي الذي ليس على أمر الشارع.
2-
أمره صلى الله عليه وسلم ابن عمر برجعتها، دليل على وقوعه.
ووجهته أن الرجعة لا تكون إلا بعد طلاق، ويأتي الخلاف في ذلك إن شاء الله. والأمر برجعتها يقتضي الوجوب، وإليه ذهب أبو حنيفة وأحمد والأوزاعي، وحمله بعضهم على الاستحباب وذهب إليه الشافعي ورواية عن أحمد واحتجوا بأن ابتداء النكاح ليس بواجب فاستدامته كذلك.
3-
الأمر بإرجاعها إذا طلقها في الحيض، وإمساكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر.
4-
قوله [قبل أن يمسها] دليل على أنه لا يجوز الطلاق في طُهْر جامعَ فيه.
5-
الحكمة في إمساكها حتى تطهر من الحيضة الثانية، هو أن الزوج ربما واقعها في ذلك الطهر، فيحصل دوام العشرة، ولذا جاء في بعض طرق الحديث [فإذا طهرت مسها] .
وقال (ابن عبد البر) الرجعة لا تكاد تعلم صحتها إلا بالوطء لأنه المقصود في النكاح.
وأما الحكمة في المنع من طلاق الحائض، فخشية طول العدة.
وأما الحكمة في المنع من الطلاق في الطهر المجامع فيه فخشية أن تكون حاملا، فيندم الزوجان أو أحدهما.
ولو علما بالحمل لأحسنا العشرة، وحصل الاجتماع بعد الفرقة والنفرة.
وكل هذا راجع إلى قوله تعالى {فَطَلقوهُن لعدتهن} ولله في شرعه حكم وأسرار، ظاهرة وخفية.
اختلاف العلماء:
ذهب جمهور العلماء- ومنهم الأئمة الأربعة رضي الله عنهم: إلى وقوع الطلاق في الحيض.
ودليلهم على ذلك أمره صلى الله عليه وسلم ابن عمر بارتجاع زوجته حين طلقها حائضاً.
ولا تكون الرجعة إلا بعد طلاق سابق لها، ولأن في بعض ألفاظ الحديث "فحسبت من طلاقها".
وذهب بعض العلماء- ومنهم شيخ الإسلام (ابن تيميه) وتلميذه (ابن القيم) إلى أن الطلاق لا يقع فهو لاغ.
واستدلوا على ذلك بما رواه أبو داود والنسائي [أن عبد الله بن عمر طلق امرأته وهى حائض، قال عبد الله: فردها علي ولم يرها شيئا] .
وهذا الحديث في (مسلم) بدون قوله: [ولم يرها شيئا] .
وقد استنكر العلماء هذا الحديث، لمخالفته الأحاديث كلها.
وأجاب (ابن القيم) عن أدلة الجمهور بأن الأمر برجعتها، معناه إمساكها على حالها الأولى، لأن الطلاق لم يقع في وقته المأذون فيه شرعا فهو ملغى، فيكون النكاح بحاله.
وأما الاستدلال بلفظ " فحسبت من طلاقها" فليس فيه دليل، لأنه غير مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
وأطال (ابن القيم) النقاش في هذا الموضع في كتاب [تهذيب السنن] على عادته في الصولات والجولات، ولكن الأرجح ما ذهب إليه جمهور العلماء. والله أعلم.
الحديث الثاني
عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قيْس: أنً أبَا عَمْرِو بْن حَفْص طَلقهَا ألبته وَهُو غَائِب.
وفي رواية: طلَقَهَا ثلاثا فأرسل إلَيْهَا وَكِيلَة بِشَعِير، فَسَخِطَته فَقَالَ: والله مَالَكِ عَلَينا منْ شيء.
فَجَاءت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم فَذَكرَتْ ذلِكَ لَهُ، فقالَ:" ليْسَ لكَ عَلَيْهِ نَفَقَة" وفي لفظ "وَلا سكْنَى".
فَأمَرَهَا أن تَعتَدً في بَيْتِ أم شَريكٍ، ثم قالَ:" تِلكَ امرَأة يَغشَاهَا أصحابي، اعتدي عنْدَ ابنِ أم َمكتوم، فَإنَهُ رَجُل أعمَى، تَضَعِينَ ثِيابَكِ عِنْدَهُ، فَإذا حللتِ فآذنيني ".
قَالتْ: فَلَمَا حلَلتُ ذكرت لَهُ أن مُعَاوِيَةَ بنَ أبي سُفْيَانَ وأبَا جَهْم خَطَبَاني.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أما أبو جَهْم فلا يَضَعَُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهٍ، وأما مُعَاوِيَة فصعلوك لا مَالَ له، انكحِي أسامة بنَ زَيد " فَكَرِهَتْهُ.
ثم قَالَ: " انكحِي أسامة بنَ زيد " فنكحته، فَجَعَلَ الله فِيهِ خيْرا وَاغْتَبَطْتُ بهِ (1) .
الغريب:
ألبتة: البت: القطع. قال في (المصباح)(بت الرجل طلاق امرأته، فهي مبتوتة، والأصل مبتوت طلاقها) والمراد- هنا- أنه طلقها طلاقا بائنا لا رجعة فيه.
فسخطته: السخط: ضد الرضا، قال في (مختار الصحاح) : أسخطه: أغضبه، وتسخط عطاءه، استقله. فالمراد -هنا- أنها استقلت النفقة.
"أم شريك: بفتح الشين وكسر الراء، بعدها ياء، ثم كاف: إحدى فضليات نساء الصحابة رضي الله عنهم.
يغشاها أصحابي: يراد بغشيانهم، كثرة ترددهم إلا، لصلاحها وفضلها.
فآذنيني: بمد الهمزة، أي أعلميني.
فلا يضع عصاه عن عاتقه: العاتق ما بين العنق والمنكب، وهو مكان وضع العصا.
وهذا التعبير، كناية عن شدته على النساء، وكثرة ضربه لهن ويفسر هذا المعنى روايتا (مسلم) .
الأولى: "وأما أبو جهم فرجل ضَراب للنساء".
والثانية: "وأبو جهم فيه شدة على النساء".
و"جهم" مفتوح الجيم، ساكن الهاء.
فصعلوك: بضم الماد، التصعلك، هو الفقر، والصعلوك هو الفقير.
انكحي أسامة: بكسر الهمزة، ضبطه المطرزي.
(1) الحديث بهذا السياق من أفراد (مسلم) وأما البخاري، فذكر فيه قصة نتقالها وذكر بن حجر أن صاحب العمدة قد وهم فأورد حديث فاطمة مع المتفق عليه.
المعنى الإجمالي:
بَت أبو عمرو بن حفص طلاق زوجته فاطمة بنت قيس.
والمبتوتة ليس لها نفقة على زوجها، ولكنه أرسل إليها بشعير، فظنت أن نفقتها واجبة عليه ما دامت في العدة، فاستقلت الشعير وكرهته، فأقسم أنه ليس لها عليه شيء.
فشكته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرها أنه ليس لها نفقة عليه ولا سكنى، وأمرها أن تعتد في بيت أم شريك.
ولما ذكر صلى الله عليه وسلم أن أم شريك يكثر على بيتها تردد الصحابة، أمرها أن تعتد عند ابن أم مكتوم لكونه رجلا أعمى، فلا يبصرها إذا وضعت ثيابها، وأمرها أن تخبره بانتهاء عدتها.
ولعله أرادها لأسامة بن زيد، فخشى أن تعتد فتتزوج قبل أن يعلم.
فلما اعتدت خطبها (معاوية) و (أبو جهم) فاستشارت النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
بما أن النصح واجب -لا سيما للمستشير- فإنه لم يُشرْ عليها بواحد منهما. ولم يرده لها لأن أبا جهم شديد على النساء وسيئ الخلق، ومعاوية فقير ليس عنده مال، وأمرها بنكاح أسامة، فكرهته لكونه مَوْلَى.
ولكنها امتثلت أمر النبي صلى الله عليه وسلم، فقبلته، فاغتبطت به، وجعل الله فيه خيراً كثيراً.
ما يؤخذ من الحديث:
1-
قوله: "طلقها ثلاثا" ليس معناه، تكلم بهن دفعة واحدة، فهذا محرم غضب منه النبي صلى الله عليه وسلم وقال:" أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ ".
ولكنه -كما قال النووي-: (كان قد طلقها قبل هذا اثنتين) .
وكما ورد في بعض ألفاظ هذا الحديث في (مسلم)[أنه طلقها طلقة كانت بقيت لها من طلاقها] .
2-
أن المطلقة طلاقاً باتا، ليس لها نفقة ولا سكنى في عدتها، ما لم تكن حاملا.
3-
جواز التعريض بخطبة المعتدة البائن، حيث قال:" فإذا حللت فآذنيني".
4-
ذكر الغائب بما يكره على وجه النصح، ولا يكون- حينئذ- غيبة محرمة.
5-
جواز نكاح غير المكافئ في النسب، إذا رضيت به الزوجة والأولياء فـ (أسامة) قد مسه الرق، وفاطمة قرشية.
6-
وجوب النصح لكل أحد لا سيما المستشير.
فمن استشارك فقد ائتمنك، وأداء الأمانة واجب.
7-
تستر المرأة عن الرجال، وابتعادها عن أمكنتهم ومجتمعاتهم.
8-
ليس في أمرها بالاعتداد في بيت ابن أم مكتوم دليل على جواز نظر المرأة إلى الرجل، فقد أمرها بالابتعاد عن الرجال عند هذا الأعمى مع أمرها يغض بصرها عنه؟ قال الله تعالى:{وقلْ لِلْمُؤمنَاتِ يغضضن من أبصارهِن} .
وكما أمر صلى الله عليه وسلم أم سلمة وميمونة بالاحتجاب حين دخل ابن أم مكتوم، فقالتا: إنه أعمى.
فقال: "أفعمياوان أنتما فليس تبصرانه؟ " حديث حسن في السنن. قال النووي: الصحيح الذي عليه الجمهور وأكثر أصحابنا أنه يحرم على المرأة النظر إلى الأجنبي، كما يحرم نظره إليها. ثم استدل بالآية وقال: إن الفتنة مشتركة، كما يخاف الافتتان بها، يخاف الافتتان به. ويدل عليه من السنة حديث أم سلمة.
9-
جواز الخطبة على خطبة الغيرِ إذا لم يعلم بالخاطب، وعلم أنه لم يُجب
10-
أن امتثال أمر النبي صلى الله عليه وسلم خير وبركة، سواء أحبه الإنسان أو لا.
اختلاف العلماء:
اختلف العلماء هل للبائن نفقة وسكنى، زمن العدة، أو لا؟
فذهب الإمام أحمد: إلى أنه ليس لها نفقة، ولا سكنى، وهو قول علي، وابن عباس، وجابر.
وبه قال عطاء، وطاوس، والحسن، وعكرمة، وإسحاق، وأبو ثور وداود، مستدلين بحديث الباب.
وذهب الحنفية إلى أن لها النفقة والسكنى، وهو مروى عن عمر، وابن مسعود وقال به ابن أبى ليلى، وسفيان الثوري، مستدلين بما روى عن عمر:(لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة) .
وذهب مالك، والشافعي، إلى أن لها السكنى دون النفقة، وهو مذهب عائشة، وفقهاء المدينة السبعة، ورواية عن أحمد، مستدلين بقوله تعالى:{أسكنوهن مِنْ حَيثُ سكنتم مِنْ وجدكم} .
والصحيح، هو القول الأول، لقوة الدليل وعدم المعارض.
فأما القول الثاني فضعيف، لأن هذه الكلمة التي استدلوا بها، لم تثبت عن عمر.
فقد سئل الإمام أحمد: أيصح هذا عن عمر؟ قال: لا.
وعلى فرض صحتها، فصريح كلام النبي صلى الله عليه وسلم مقدم كل اجتهاد كل أحد.
وأما أصحاب القول الثالث، فلا يستقيم لهم الاستدلال بالآية، لأنها جاءت في حكم الرجعية، لا في حكم البائن.
ويوضح ذلك قوله تعالى: {لا تَدري لَعَل الله يحدث بَعدَ ذلِكَ أمرا} .
وإحداث الأمر، معناه تغيره نحو الزوجة ورغبته فيها في زمن العدة، وهو مستحيل في البائن.