الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وروى أحمد أيضا عن مُحَيصَة بن مسعود: " أنه كان له غلام حجام، فزجره النبي صلى الله عليه وسلم عن كسبه فقال: ألا أطعمه أيتاما لي؟ قال: لا. قال: أفلا أتصدق به؟ قال: لا فرخص له أن يعلفه ناضحه "(1)
ذهب بعض العلماء: إلى أنه حلال، لأن أحاديث النهى منسوخة بإعطاء النبي صلى الله عليه وسلم أجره، ولكن النسخ يحتاج إلى معرفة المتأخر من الأدلة. وأحسن ما يجمع به أدلة الفريقين، أن يقال: إن لفظ " الخبيث " كما يطلق على المحرم، يطلق أيضا على الشيء الرديء والكسب الدنيء، كقوله تعالى:{ولا تَيَمّموا الخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقون} وسمى الشارع الثوم والبصل خبيثين. فتسمية كسب الحجام خبيثا من هذا الباب، لأنه مكسب دنيء، من مهنة زرية.
والشارع يرغب في معالي الأمور، والمكاسب الطيبة الشريفة. فيكون كسب الحجام خبيثا من جانب الآخذ، مع أنه حلال له.
باَب الْعرَايا
(2)
هذا الباب يذكر فيه ما جاء في جواز بيع العارية- ويأتي تعريفها-: وهى مسألة مستثناة من تحريم "بيع المزابنة " الذي تقدم الكلام عليه في الحديث رقم [257] ، ويأتي توضيح ذلك وتوجيهه إن شاء الله تعالى.
الحديث الأول
عَنْ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه: أن رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم رَخَصَ لصاَحب الْعَريَّةِ أنْ يَبيعَها بخَرْصِهَا.
ولـ " مسلم " بِخَرْصِهَا تمْراً، يَأكُلُونَهَا رُطباً.
الغريب:
العرية: فعيلة بمعنى مفعولة. وجمعها عرايا مثل مطية ومطايا. قال في مختار الصحاح:
(1) ورد في رواية " اعلفه نضاحك " والناضحة هي الناقة التي تخرج الماء من البئر، والنضاح: الرقيق الذي يعملون في ذلك.
(2)
كانت ترجمة المؤلف [باب العرايا وغير ذلك] فرأيت أن أجعل العرايا في باب، وباقي أحاديث الباب في ثلاثة أبواب تناسبها للأحكام. ا. هـ شارح
وإنما أدخلت فيها الهاء، لأنها أفردت فصارت في عداد الأسماء، كالنطيحة، والأكيلة. وسميت " عرية " لانفرادها بالرخصة عن أخواتها.
المعنى الإجمالي:
تقدم أن بيع التمر على رؤوس النخيل بتمر مثله محرم، لأنه بيع المزابنة
المنهي عنه، لما فيه من الجهل بتساوي النوعين الربويين.
وأشد حالاته إذا باعه على رؤوسه وهو رطب، بتمر جاف، فقد خفى تساويه من وجهتين 1:- كونهما بيعاً خرصا 2: - وكون أحدهما رطبا، والآخر جافاً، فهذا البيع أحد صور " ربا الفضل ".
كانت الأثمان قليلة في الزمن الأول، فيأتي الرطب في المدينة والتفكه به، والناس محتاجون إليه، وليس عند بعضهم ما يشترى به من النقود، فرخص لهم أن يشتروا مايتفكهون به من الرطب بالتمر الجاف ليأكلوها رطبة مراعين في ذلك تساويهما لو آلت ثمار النخل إلى الجفاف.
ما يستفاد من الحديث:
1-
تحريم بيع التمر على النخل بتمر مثله، لأنه بيع المزابنة المنهي عنه، ومأخذه في هذا الحديث لفظ " رخص ".
2-
جواز بيع العرية- وتقدم شرحها لغة وشرعا-: هو مستثنى من التحريم السابق في المزابنة.
3-
أن الرخصة لمن احتاج إلى أكل الرطب خاصة.
4-
أن يقدر الرطب على النخلة تمرا بقدر التمر الذي جعل ثمنا له.
فائدتان:
الأولى: تقدم التحريم في بيع المزابنة الذي هو إحدى صور الربا المحرم، واستثنى من هذا التحريم مسألة " العرايا ".
فلما جاءت على خلاف الأصل، اشترط العلماء للرخصة فيها شروطا، بعضها مأخوذ من أحاديثها، وبعضها باق على أصل معاملة الربا.
1-
أن تخرص النخلة بما تؤول إليه تمراً لطلب المماثلة.
2-
أن تكون لمحتاج إلى الرطب ليأكله رطبا.
والمشهور من مذهبنا المنع في عكس هذه المسألة: وهو أن يشترى المحتاج إلى التمر برطبة تمراً وفى وجه يجوز، لأنه إذا جاز لمن يريد التفكه بالرطب، فكيف لا يجوز لمن احتاج إلى التمر ليأكل؟!
3-
أن لا يكون معه نقود يشترى بها.
4-
أن يتقابضا قبل التفرق، فالتمر بكيله، والنخلة بتخليتها.
5-
أن لا تزيد عن خمسة أوسق، ويأتي في الحديث الذي بعد هذا.
6-
إذا اشترى اثنان فأكثر من الرطب لكل واحد خمسة أوسق من رجل واحد صح، ولو اشترى شخص من بائعين فأكثر خمسة أوسق صح أيضاً. أما إذا اشترى من اثنين فأكثر أزيد من خمسة أوسق فلا يصح.
الفائدة الثانية:
الجمهور من العلماء يقصرون الجواز على النخل خاصة، ورخص به طائفة من العلماء ومنهم شيخ الإسلام في سائر الثمار، لأن الرطب فاكهة المدينة ولكل بلد فاكهة، والحكمة المرخصة موجودة فيها كلها، والرخصة عامة.
الحديث الثاني
عَنْ أبي هريرةَ رضي الله عنه: أنَ النبي صلى الله عليه وسلم رَخَّصَ في بَيْع العَرَايَا في خَمْسَةِ أوْسُق، أو دون خَمْسَةِ أوْسقٍ.
المعنى الإجمالي:
لما كانت مسألة "العرايا" مباحة للحاجة من أصل محرم، اقتصر على القدر المحتاج إليه غالباً، فرخص فيما قدره خمسة أوسق فقط أو ما دون ذلك، لأنه في هذا القدر تحصل الكفاية للتفكه بالرطب.
ما يستفاد من الحديث:
1-
الرخصة في بيع العرايا للحاجة إلى التفكه بالرطب.
2-
أن تكون الرخصة بقدر الكفاية، لأن الرخصة لا يتجاوز بها قدر الحاجة.
3-
الوسق بسكون السين- ستون صاعا نبويا، فيكون ثلاثمائة صاع. وتقدم أن الصاع النبوي، ينقص عن صاعنا الحاضر (وكيلتنا) الخمس وخمس الخمس، وهذا هو الحد الأعلى للجواز.