الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مسألة في العلو
الرَّحِيمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ بِسْمِ
صورة فتيا سُئل عنها شيخ الإسلام أبو العباس أحمد ابن تيمية الحراني رضي الله عنه:
ما تقول السادة أئمة الدين في رجلَين اختصما على مسألة العلو، قال أحدهما: إن الله عز وجل فوق العرش. وقال الآخر: مَن قال: إنّ الله في السماء، فقد كَفَر. بينوا لنا الصواب مع مَن هو؟ بكلام بسيط مفسّر بحجج وأدلة، وماذا يجب على كل واحدٍ منهما؟ الجواب يرحمكم الله.
الجواب: نقله الإمام شمس الدين محمد بن المحب من خط الشيخ تقي الدين
(1)
.
الحمد لله.
أما القائل الأول فقد أصاب فيما قال، ولا إنكار عليه باتفاق سلف الأمة وأئمتها، كأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وسفيان الثوري والأوزاعي والليث بن سعد، وشيوخ المسلمين، كالفُضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني والجُنيد بن محمد وسهل بن عبد الله التُّسْتَري وغيرهم.
اللهم إلا أن يقرن
(2)
بذلك مِنَ الاعتقاد أو القول ما لا يجوز؛ مثل
(1)
ديباجة السؤال والجواب من (ك)، ولم نشر إلى خلافها مع (ب).
(2)
(ب): "يقترن".
أن يعتقد أن الله مفتقر
(1)
إلى العرش ومحتاج إليه، أو يُمثِّل استواءَه باستواء المخلوقين، فمن قال ما يوجب افتقار الله إلى شيء من المخلوقات، فهو ضالٌّ مخطئ مخالفٌ للشرع والعقل.
والله سبحانه وتعالى قد خلق المخلوقات وجعل بعضَها فوق بعضٍ [ق 114] ولم يجعل عاليها مفتقرًا إلى سافلها، فإنه خلق السماء فوق الأرض، وليست السماء مفتقرة إلى الأرض، وخلق العرش فوق السموات، وليس هو مفتقرًا
(2)
إلى السموات، بل جعل العرش فوق الجنة كما ثبت في "الصحيح" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا سألتم
(3)
الله فسلوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة، وسقفها عرش الرحمن"
(4)
. فكيف يكون ربّ السموات ورب الأرض ربّ العرش مفتقرًا إلى العرش أو إلى السموات؟
بل قد جاء في الحديث: إن الله لما خلق العرش وأمر الملائكة بحمله، قالوا: ربنا كيف نحمل عرشَك وعليه عَظَمَتُك؟ فأمرهم أن يقولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فأطاقوا حمل العرش
(5)
.
(1)
(ب): "مفتقرًا". وسيأتي مثلها بعد أسطر.
(2)
(ب): "مفتقرٌ".
(3)
(ب): "سألتموا".
(4)
أخرجه البخاري (2790) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(5)
وهو أثر يرويه معاوية بن صالح. أخرجه الدارمي في "الرد على المريسي"(ص 253).
فالملائكة الذين أخبر الله عنهم أنهم يحملون العرش، كما قال سبحانه وتعالى:{الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [غافر: 7] وهم لا يطيقون حمله إلا بقوة الله سبحانه وتعالى، فهو سبحانه ربُّ كلّ شيء ومليكُه وخالقُه، وكلُّ ما سواه ــ العرش
(1)
فما دونه ــ مفتقر إليه. وهو سبحانه القيّوم الصمد، الغني
(2)
عن كلِّ ما سواه مع أنه بائنٌ عن مخلوقاته، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، بل هو فوق
(3)
سماواته على عرشه بائنٌ من خلقه.
ولذلك من قال: إن استواءه على العرش كاستواء المخلوق على المخلوق، فإنه بمنزلة من يقول: إن سمعه كسمع المخلوق، وبصره كبصر المخلوق، وكلامه مثل كلام المخلوق، ويده مثل يد المخلوق. وهذا كلام أهل التشبيه والتمثيل، ومن يقوله
(4)
أهل الأباطيل.
وأما الذي قال: من قال: "إن الله في السماء" فقد كفر. فقد أخطأ بإجماع سلف الأمة وأئمتها؛ فإنهم متفقون على أنه لا يُكَفَّر أحدٌ بإطلاق هذا القول. فإن هذا قد ثبت إطلاقه في الكتاب والسنة، واتفق على ذلك
(1)
تكررت في (ب).
(2)
في (ب): "القيوم".
(3)
(ب): "ليس هو في مخلوقاته، بل هو فوق
…
" وفيها سقط عدة كلمات.
(4)
(ب): "وهم من أهل
…
".
سلف الأمة، قال الله تعالى:{أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} [الملك: 16 - 17] وقد ثبت في الصحيح والسنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للجارية: "أين الله"؟ قالت: في السماء، قال:"مَنْ أنا"؟ قالت: رسول الله. قال: "أعتِقْها فإنها مؤمنة"
(1)
.
فالنبي صلى الله عليه وسلم لما قالت الجارية
(2)
: "إن الله في السماء"، شهد لها بالإيمان؛ فمَنْ شهد لقائل ذلك بالكفر، فقد شاقّ الرسولَ مِنْ بعد ما تبين له الهدى واتبع غير سبيل المؤمنين، كما قال تعالى:{وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}
(3)
[النساء: 115]. وثبت عنه في "الصحيح"
(4)
أنه قال: "ألا تأمنوني وأنا أمين مَنْ في السماء". وصحّ عنه أنه قال: "الرّاحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا مَنْ في الأرض يرحمكم مَنْ في السماء"
(5)
. ونظائر هذا كثير.
(1)
أخرجه مسلم (537)، وأبو داود (931). من حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه.
(2)
من (ب).
(3)
في (ك) بدلًا من الآية: "فيوله الله ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيرًا" ..
(4)
أخرجه البخاري (4351)، ومسلم (1064) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(5)
أخرجه أحمد (6494)، وأبو داود (4943)، والترمذي (1924)، والحاكم:(4/ 159) وغيرهم. قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه الحاكم.
ولكن إن كان مَن قال: "إن الله في السماء"، ويَقْرِن
(1)
بذلك اعتقادًا فاسدًا أو قولًا باطلًا أنكر ذلك
(2)
، مثل أن يظن أن معنى ذلك أن الله في السماء كما أن الشمسَ والقمر في السماء والأفلاك تحيط به وتحوزه
(3)
، فمن اعتقد أن معنى قول الله ورسوله والمؤمنين:"إن الله في السماء" أنه في جوف الأفلاك= فهو ضالٌّ مخطئٌ؛ فإنه قد ثبت بالمنصوص والمعقول أن الله فوق العرش، فكيف تكون السماء التي تحت العرش تحيط به وتحويه؟
وقد قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يقبض الله الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يهزهنَّ ويقول: أنا الملك أنا الملك أين ملوك الأرض؟ "
(4)
. وفي رواية: " أنه يدحوها كما تُدْحى الكُرة"
(5)
.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ما السموات السبع والأرضون
(1)
(ب): "يقترن".
(2)
"أنكر ذلك" ليست في (ب).
(3)
(ب): "محيطة به ونحوه".
(4)
أخرجه البخاري (4812)، ومسلم (2787) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وسقط من (م) من قوله: "وثبت في
…
بيمينه".
(5)
أخرجه بنحوه ابن جرير: (20/ 247)، وابن منده في "الرد على الجهمية"(57) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.
السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلةٍ في يد أحدكم
(1)
. وقد قال تعالى: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا} [البقرة: 255] أي: لا يُثْقِله ولا يُكْرِثُه
(2)
.
فإذا كان الكرسيُّ قد وَسِع السموات والأرض ــ وقد جاء في الحديث: أن الكرسي في العرش كحَلْقةٍ ملقاةٍ بأرض فلاة، والله فوق العرش
(3)
ــ فكيف تحويه السموات وتحصره وتحوزه!؟
وقد قال تعالى: {فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} [آل عمران: 137] وقال: {وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} [طه: 71] وقال: {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ} [المائدة: 26] ومع هذا فهؤلاء ليسوا في جوف الأرض ولا جوف الجذوع، بل هم عليها وفوقها.
ولفظ "السماء" يراد به العلوّ مطلقًا، ويراد به الأجسام المخلوقة، والله تعالى فوق المخلوقات. فقول المسلمين
(4)
: "إن الله في السماء"، أي في العلوّ فوق العرش، ليس معناه أن المخلوقات تحوزه وتحيط به، بل هو العليُّ الأعلى، وهو العليّ العظيم، وهو أعظم من كل شيء، وأكبر
(1)
أخرجه ابن جرير: (20/ 246).
(2)
تحرفت في (ب): "يُكرهه" وينظر "تفسير الطبري": (4/ 543) فقد أخرج نحوه عن مجاهد. و"الفتاوى": (2/ 187، 3/ 36).
(3)
أخرجه ابن حبان (361) من حديث أبي ذر رضي الله عنه في حديث طويل.
(4)
(ب): "يقول المسلمون" تصحيف.
من كل شيء، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
ومن كَفَّر مَن قال: "إن الله في السماء" من غير أن يقرن هذا القائل بقوله كفرًا؛ فهذا المكفِّر أحقّ بالتكفير؛ فقد نصَّ الأئمةُ الكبار على كفر من أنكر ذلك، كما قد نصّ على ذلك أبو
(1)
حنيفة في كتاب "الفقه الأكبر"
(2)
، وقال:"من أنكر أن الله في السماء فقد كفر".
وقال الإمام أبو بكر بن خزيمة ــ وهو أجَلُّ من يَعْتَمد عليه أصحابُ الشافعي في السنّة والحديث ــ قال: من لم يقل: إن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، فإنه يُستتاب فإن تاب وإلا قُتِل، وألقي على مزبلةٍ؛ لئلا يتأذَّى بِنَتَن رِيحِه أهلُ القبلة ولا أهلُ الذمة
(3)
.
وكلامُ السلف والأئمة في تكفير من ينكر أن الله فوقَ العرش ونحو ذلك، كثير مشهورٌ منتشر، ولم ينكر أحدٌ منهم ذلك فضلًا عن تكفير قائله.
لكن إذا كان المُنكِر لذلك أو المكفِّر لقائله ممن يُعذَر بالجهل لعدم علمه بما في ذلك من النصوص والإجماع وكلام السلف والأئمة، أو كونه ظنّ أن ذلك يقتضي نقصًا في حق الله لاحتياجه إلى المخلوقات،
(1)
الأصل: "أبي".
(2)
(ص 25 ــ مع شرح السمرقندي).
(3)
أسنده عن ابن خزيمة أبو عبد الله الحاكم في "معرفة علوم الحديث"(ص 285 - 286 - ابن حزم).
وكونها أعظم منه وأكبر ونحو ذلك، فلا يكَفَّر مثل هذا حتى تُبيَّن له الحُجّة التي يَكْفُر مخالفها، فإنّ المسلم قد يخطئ ويغلط في فهم القرآن والسنة، أو في إنكار ما لم يبلغه من ذلك، وليس كلُّ من أخطأ وغلط بكافرٍ. والله سبحانه أعلم.
صورة خطه رضي الله عنه: كتبه أحمد بن تيمية