الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
(1)
* وأما
الكفار هل يُحاسبون يوم القيامة أم لا
؟
فالجواب: أن هذه المسألة تنازع فيها المتأخرون من أصحاب أحمد وغيرهم، فممن قال: إنهم لا يحاسبون: أبو بكر عبد العزيز، وأبو الحسن
(2)
، والقاضي أبو يعلى وغيرهم. وممن قال: إنهم يحاسبون: أبو حفص البرمكي ــ من أصحاب أحمد ــ، وأبو سليمان الدمشقي، وأبو طالب المكي.
وفَصْل الخطاب: أنّ الحساب يُراد به عرض أعمالهم عليهم وتوبيخهم عليها، أو يراد بالحساب موازنة الحسنات بالسيئات. فإن أُريد بالحساب المعنى الأول فلا ريب أنهم يُحاسبون بهذا الاعتبار. وإن أُريد المعنى الثاني، فإن قُصِدَ بذلك أن الكفار يبقى لهم حسنات يستحقّون بها الجنة، فهذا خطأ ظاهر، وإن أُريد أنهم يتفاوتون في العقاب، فعقاب
(3)
من كثرت سيئاته أعظم من عقاب من قلَّت سيئاته، ومن كان له حسنات خُفِّف عنه العذاب، كما أنَّ أبا طالب أخفّ عذابًا من أبي لهب.
(1)
هذا السؤال في «مجموع الفتاوى» : (4/ 305 - 306).
(2)
زاد في (ف): «التميمي» .
(3)
الأصل: «بعقاب» ، والمثبت من (ف).
[ق 36] وقال تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} [محمد: 1]. وقال تعالى: {زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ}
(1)
[النحل: 88]، وقال:{إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ} [التوبة: 37]. والنار دركات، فإذا كان بعضُ الكفار عذابه أشدّ من بعض ــ لكثرة سيئاته وقلّة حسناته ــ كان الحساب لبيان مراتب العذاب، لا لأجل دخول
(2)
الجنة.
فصل
(3)
* وأما ما شَجَر بين الصحابة، فقد ثبت بالنصوص الصحيحة أن عثمان وعليًّا
(4)
وطلحة والزبير وعائشة من أهل الجنة، بل ثبت في «الصحيح»
(5)
أنه «لا يدخل النارَ أحدٌ بايعَ تحت الشجرة» .
وأبو موسى الأشعري، وعَمْرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، هم من الصحابة ولهم فضائل ومحاسن.
وما يُحكَى عنهم فكثير منه كذبٌ، والصدق منه إن كانوا فيه مجتهدين، فالمجتهد إذا أصابَ فله أجران، وإن أخطأ فله أجرٌ، وخطؤه مغفورٌ له.
(1)
النص في (ف): «الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابًا فوق العذاب» .
(2)
(ف): «دخولهم» .
(3)
هذا السؤال في «مجموع الفتاوى» : (4/ 431 - 433).
(4)
ضبطت في الأصل «عليٌّ» بالرفع. خطأ.
(5)
أخرجه مسلم (2496) من حديث أم مبشر رضي الله عنها.
وإن قُدِّر أنّ لهم ذنوبًا فالذنوب لا توجبُ دخول النار مطلقًا إلا إذا انتفت
(1)
الأسباب المانعة من ذلك، وهي عشرةٌ: منها التوبة، ومنها الاستغفار، ومنها الحسنات الماحية، ومنها المصائب المكفِّرة، ومنها شفاعة النبيّ صلى الله عليه وسلم، ومنها شفاعة غيره، ومنها دعاء المؤمنين، ومنها ما يُهدى للميت من الثواب، كالصدقة والعتق عنهم، ومنها فتنة القبر، ومنها أهوال القيامة
(2)
.
وقد ثبت في «الصحيح»
(3)
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير القرون القرن الذي بُعثتُ فيه، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» . وحينئذٍ فمن جزم في أحدٍ من هؤلاء أنَّ له ذنوبًا يدخل بها النار قطعًا فهو كاذب مفترٍ
(4)
، فإنه لو قال مالا علم له به لكان مبطلًا، فكيف إذا قال ما دلت الدلائل الكثيرة على نقيضه؟ فمن تكلَّم فيما شَجَر بينهم بما
(5)
نهى الله عنه من ذمِّهم أو التعصّب لبعضهم بالباطل فهو ظالم معتد.
(1)
الأصل: «اتبعت» ، والمثبت من (ف).
(2)
توسّع المصنف في الكلام عليها في «مجموع الفتاوى» : (7/ 487 ــ 501)، و «منهاج السنة»:(6/ 205 ــ 238).
(3)
(ف): «الصحيحين» . والحديث أخرجه البخاري (2652)، ومسلم (2533) بلفظ: «خير الناس
…
» من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
(4)
الأصل: «مفتن» تحريف.
(5)
(ف): «وقد» .
قد ثبت في «الصحيح» عن النبي صلى الله عليه وسلم[ق 37] أنه قال: «يمرق مارقةٌ على حين فُرْقة من المسلمين يقتلهم
(1)
أولى الطائفتين بالحق»
(2)
. وثبت في «الصحيح» عنه أنه قال عن الحسن: «إن ابني هذا سيِّدٌ وسيصلحُ الله به بين فئتين عظيمتين [من المسلمين]»
(3)
. وفي «الصحيحين»
(4)
عن عمَّار أنه قال: «تقتله الفئة الباغية» .
وقد قال الله في القرآن: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9].
فثبت بالكتاب والسنة وإجماع السلف ما يدلّ على أنهم مؤمنون مسلمون، وأن
(5)
عليّ بن أبي طالب والذين معه كانوا أولى بالحقِّ من الطائفة المقابلة، والله أعلم.
(1)
الأصل: «يضلهم» تحريف.
(2)
أخرجه مسلم (1065) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(3)
أخرجه البخاري (2074)، من حديث من حديث أبي بكرة رضي الله عنه.
(4)
أخرجه البخاري (447)، ومسلم (2915) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
(5)
«ما يدل» سقطت من (ف)، وفي الأصل:«أن» بدون واو.