الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
قاعدة: بعث الله محمدًا بالهدى ودين الحق ليُظهِره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا، إلى جميعِ الخلق: أهل العلم والعبادة، وأهل الولاية والإمارة من الخاصة، وأكملَ له ولأمته الدينَ، وأتمَّ عليهم النعمةَ، ورضي لهم الإسلامَ دينًا. ف
الهدى يدخل فيه العلم النافع، ودين الحق يدخل فيه العمل الصالح
، فعاش السلف في ذلك الهدى ودين الحق. ثم ظهرت البدع والفجور، فصار من الأمة من استمسك بالهدى ودين الحق، ومنهم من عَدلَ عن بعض ذلك، فاستمتعوا بخَلاقِهم كما استمتع الذين من قبلهم بخَلاقهم، وخاضوا كالذي خاضوا.
ف
المنحرف إما المبتدع في دينه، وإما الفاجر في دنياه
، كما قال الحسن البصري وسفيان الثوري وجماعات من السلف: إن من سَلِم من فتنة البدعة وفتنة الدنيا فقد سلم. وإن كانت
البدع أحبَّ إلى إبليس من المعصية
. ففتنة البدعة في أهل العلم والدين، وفتنة الدنيا في ذوي السلطان والمال. ولهذا قال بعض السلف
(1)
:
صنفانِ إذا صلحوا صلح الناس: العلماء والأمراء
. وقد قال أبو محمد الرملي
(2)
عن أحمد بن حنبل رحمة الله عليه: بالماضينَ ما كان أشبهَه، وعن الدنيا ما كان أصبرَه، أتتْه البدعةُ فنفاها، والدنيا فأباها.
(1)
هو سفيان الثوري، وقد أخرجه عنه أبو نعيم في الحلية (7/ 5).
(2)
في مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي (ص 173) وسير أعلام النبلاء (11/ 198) والبداية والنهاية (14/ 407): أبو عمير بن النحاس الرملي. وهو الصواب، واسمه عيسى بن محمد بن إسحاق، انظر: ترجمته في السير (12/ 52).
وقد قال الله تعالى: {إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34].
وقال ابن المبارك
(1)
:
وهل أفسدَ الدينَ إلا الملوك وأحبارُ سوءٍ ورُهْبانُها
فالأمراء من الملوك وأتباعهم يقولون لِما أَحدثوه: سياسة، ويقولون:«شرع وسياسة» . والعلماء المتكلمون يقولون: عقليات وكلام، ويقولون:«العقل والشرع» . والعبَّاد والفقراء والصوفية يقولون: «حقيقة وشريعة» . وسياسة هؤلاء وعقليات هؤلاء وحقيقة هؤلاء أعظم قدرًا في صدورهم من كتاب الله وسنة رسولِه حالًا أو حالاً واعتقادًا.
وبإزائهم قوم من الفقهاء والمحدثين والعبَّاد والعامّة ينتسبون إ لى الكتاب والسنة والشرع، وهم لا يعلمون من ذلك ما يُحتاج إليه، بل فيهم من الجهل بحقائق ذلك أو التقليد لبعض رؤسائهم ما أوجب نقصَ الكتاب والسنة والشريعة في قلوب أولئك. فتقصيرُ هؤلاء وعدوانُ أولئك كان سببًا لذهاب ما ذهبَ من الدين، وظهورِ ما ظهر من البدع. والله أعلم.
(1)
انظر: شعب الإيمان (7300) وجامع البيان العلم وفضله (1/ 638) والاستذكار (2/ 184) وتفسير القرطبي (8/ 120) وسير أعلام النبلاء (12/ 213). وتمثل به ضمن أبيات: إبراهيم بن أدهم كما في تاريخ دمشق (6/ 336، 337) والبداية والنهاية (13/ 509).
فصل جامع
قد كتبتُ فيما تقدم في مواضع مثل بعض القواعد وآخر مسودة الفقه أن جماع الحسنات العدلُ، وجماعَ السيئات الظلم، وهذا أصل جامع عظيم.
وتفصيل ذلك أن الله خلق الخلقَ لعبادته، فهذا هو المقصود المطلوب بجميع الحسنات، وهو إخلاص الدين كله لله، وما لم يحصل فيه هذا المقصود فليس حسنة مطلقة مستوجبة لثواب الله في الآخرة، وإن كان حسنةً من بعض الوجوه له ثواب في الدنيا، وكلّ ما نهي عنه فهو زيغٌ وانحراف عن الاستقامة، ووضع للشيء في غير موضعه، فهو ظلم، ولهذا جمع بينهما سبحانه في قوله:{قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [الأعراف: 29].
فهذه الآية في سورة الأعراف المشتملة على أصول الدين والاعتصام بالكتاب، وذم الذين شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله كالشرك وتحريم الطيبات، أو خالفوا ما شرعه الله من أمره ونهيه، كإبليس ومخالفي الرسل من قوم نوح إلى قوم فرعون والذين بدّلوا الكتاب من أهل الكتاب. فاشتملت السورة على ذمّ من أتى بدين باطل ككفار العرب، ومن خالف الدين الحق كله كالكفّار بالأنبياء، أو بعضه
ككفّار أهل الكتاب.
وقد جمع سبحانه في هذه السورة وفي الأنعام وفي غيرهما ذنوب المشركين في نوعين: أمْر بما لم يأمر الله به كالشرك، ونَهْي عما لم ينهَ الله عنه كتحريم الطيبات. فالأول شرْعٌ من الدين لما لم يأذن الله به، والثاني تحريمٌ لما لم يحرّمه الله.
وكذلك في الحديث الصحيح
(1)
حديث عياض بن حمار عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى: "إني خلقتُ عبادي حنفاءَ، فاجتالتْهم الشياطين، فحرَّمتْ عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتْهم أن يُشركوا بي ما لم أُنزِلْ به سلطانًا".
ولهذا كان ابتداع العبادات الباطلة من الشرك ونحوه هو الغالب على النصارى ومن ضاهاهم من منحرفة المتعبدة والمتصوفة، وابتداع التحريمات الباطلة هو الغالب على اليهود ومن ضاهاهم من منحرفة المتفقهة، بل أصل دين اليهود فيه آصارٌ وأغلالٌ من التحريمات. ولهذا قال لهم المسيح:{وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران: 50]. وأصل دين النصارى فيه تألُّهٌ بألفاظٍ متشابهة وبأفعالٍ مجملة. فالذين في قلوبهم زيغٌ اتبعوا ما تشابه منه ابتغاءَ الفتنة وابتغاءَ تأويله.
وما قررتُ في غير هذا الموضع ــ من أن توحيد الله الذي هو إخلاص الدين له، والعدل الذي نفعله نحن هو جماع الدين ــ يرجع إلى
(1)
أخرجه مسلم (2865).