الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
يدي، قال: فلَقِيَه وقال: يا محمد، إني أرقي من هذه [الريح، وإن الله يَشفي على يدي من شاء، فهل لك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِلْ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد". فقال: أَعِدْ عليَّ كلماتِك هؤلاء، فأعادهن عليه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم[ثلاثَ مراتٍ، قال: فقال: لقد سمعتُ قولَ الكهنةِ وقولَ السحرةِ وقولَ الشعراء، فما سمعتُ مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن ناعوسَ البحر. قال: فقال: هاتِ يَدَك أبايِعْك على الإسلام. قال: فبايعه]، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وعلى قومك"، قال: وعلى قومي، قال: فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سريةً فمرُّوا بقومِه، فقال صاحبُ السرِيَّة للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئًا؟ فقال رجلٌ من القوم: أصبتُ منهم مِطْهَرةً. فقال: رُدُّوها، فإن هؤلاء قومُ ضِماد.
ولهذا رجَّحتُ أن
الشهادة ركن في الخطب الواجبة
، كما دلَّتْ عليه هذه النصوص وغيرها، ومن العلماء من أصحابنا وغيرهم من يقول: الواجب الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنهم من خيَّر بين التشهُّد والصلاة. وكلا القولين ضعيف، فإن النصوص المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً تُبيِّنُ وجوبَ اشتمالِ الخطبة على الشهادتين، وأن الاكتفاء عن ذلك بمجرد الصلاة عليه لا يُجزِئ.
وأيضًا فإن الأذكار الواجبة كالأذان والتحية يجب اشتمالها على الشهادتين، ولو عُوِّض عن ذلك بالصلاة عليه لم يَجُزْ، فكذلك هذا
الذكر.
وأيضًا فإن الشهادتين أصل الإيمان وفرعه، وأول واجبات الدين وأعظمها، وأما الصلاة عليه فمن فروع الشريعة التي هي زيادة في حقّه، فكيف يُجزِئ الاقتصارُ على هذا الفرع أو يكون هو الواجب في أمر الرسول دونَ الأصل الذي لا يتمُّ الإيمان إلّا به ....... ؟ ولو صلَّى الرجل عليه ولم يَشهَدْ له بالرسالةِ لم يكن مؤمنًا، ولو شهد له بالرسالة [ولم يصلِّ عليه كان] مؤمنًا.
وأيضًا فالصلاة عليه من جنس الدعاء والأعمال، لا من جنس العقائد والأصول الخبرية، ولهذا كان شَرْعها مقرونًا بالدعاء، كما في الصلاة عليه أمام الدعاء في الصلاة وفي صلاة الجنازة ونحو ذلك. فأما أصول الكلام وقواعد الخطاب فإنما تُشرَع معها الشهادتان التي هي الفارقةُ بين أهلِ الإيمان وأهلِ الكفر، وأهل الجنة وأهل النار، وبين السُّعداء والأشقياء.
ثم هل تَجبُ الصلاةُ عليه في الخطبة كما تجب في الصلاة عند من يقول بذلك؟ هذا محلُّ اجتهاد، فيحتمل أن يقال به قياسًا على الصلاة، ويحتمل أن لا يقال به قياسًا على الأذان. مع أن الخطب المنقولة عنه لم تشتمل إلّا على الشهادتين، وكذلك الخطبة التي علَّمها لأصحابه خطبة ابن مسعود، وكذلك قوله:"كلُّ خطبةٍ ليس فيها تشهُّدٌ فهي كاليد الجذماء"
(1)
.
(1)
سبق تخريجه.
وهذا القول أقوى إن شاء الله، فإن الخطبة هي مخاطبة الخطيب للمخطوبين، ومقام المخاطبة للخلق لا يجب فيه الدعاء، وإنما يجب الدعاء في مقام مخاطبة الخالق ومناجاته، ولهذا شُرِعت الصلاةُ عليه في الصلاة دون الأذان. نعم إذا دعا الخطيب في خطبته فينبغي له أن يَقرِن دعاءه بالصلاة عليه، كما قيل بمثل ذلك في الجنازة، فتكون الصلاة عليه واجبةً مع الدعاء لا دونَه.
ولم يحضرني الساعةَ أثرٌ فيه اقترانُ الحمدِ بالصلاة عليه فقط إلّا في كتب المراسلات التي هي مأثورة عن الإمام أحمد وغيره، ففيها:"من فلانٍ إلى فلان، فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهلٌ وهو على كل شيء قدير، ونسألهُ أن يُصلِّي على محمد عبدِه ورسوله صلى الله عليه وسلم تسليمًا"
(1)
.
…
(2)
ففي هذه الرسائل ذكر الحمد لله والصلاة على رسول الله ...... وشهادة [أن لا إله إلا الله وأن] محمدًا عبده ورسوله، .... للشهادة بالرسالة، ويوافقه الحديث المرفوع في السنن
(3)
: "ما اجتمع قومٌ مجلسًا ثمَّ تفرَّقوا عنه، ولم يذكروا الله فيه، ولم يُصلُّوا على نبيِّهم،
(1)
انظر في موضوع كتابة الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم في أوائل الكتب: "صبح الأعشى"(6/ 227).
(2)
مواضع النقط كلمات مطموسة.
(3)
أخرجه الترمذي (3380) وأحمد (2/ 484) عن أبي هريرة. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.