الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولما كان في الصوفية والفقراء عيسويةٌ مشروعة أو منحرفة، كان فيهم من الشهوات ووقع فيهم من الميل إلى النساء والصبيان والأصوات المُطرِبة ما يُذَمُّون به.
ولما كان في الفقهاء موسويةٌ مشروعة أو منحرفة، كان فيهم من الغضب ووقع فيهم من القسوة والكِبر ونحو ذلك ما يُذَمُّون به.
فصل
جنس القوة الشهوية: الحبُّ، وجنس القوة الغضبية: البغض
، والغضبُ والبغضُ متفقان في الاشتقاق الأكبر، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:«أوثق عرى الإيمان: الحبُّ في الله والبغضُ في الله»
(1)
. فإن هاتين القوتين هي الأصل، وقال:«من أحبَّ لله وأبغضَ لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان»
(2)
.
ف
الحبُّ والبغض هما الأصل
، والعطاء عن الحبّ، وهو السخاء، والمنع عن البغض، وهو الشجاعة. فأما الغضب فقد يقال: هو خصوص في البغض، وهو الشدَّة التي تقوم في النفس التي يقترن بها غَلَيَانُ دمِ القلب لطلب الانتقام، وهذا هو الغضب الخاص ولهذا تَعدِلُ طائفة من
(1)
أخرجه أحمد (4/ 286) عن البراء بن عازب، وفي إسناده ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف. ولكن الحديث له شواهد يرتقي بها إلى درجة الحسن، انظر تعليق المحققين على المسند (18524).
(2)
أخرجه أبو داود (4681) عن أبي أمامة الباهلي. وإسناده حسن.
المتكلمين عن مقابلة الشهوة بالغضب إلى مقابلتها بالنفرة، ومن قابل الشهوة بالغضب فيجب أن لا يريد الغضب الخاص، فإن نسبة هذا إلى النفرة نسبة الطمع إلى الشهوة، فأما الغضب العام فهو القوة الدافعة البغضية المقابلة للقوة الجاذبة الحبيّة.
فصل
فعلُ المأمورِ به صادر عن القوة الإرادية الحبّية الشهوية، وتركُ المنهيِّ عنه صادرٌ عن القوة الكراهية البغضية الغضبية النفرية، والأمر بالمعروف صادرٌ عن المحبة والإرادة، والنهي عن المنكر صادرٌ عن البغض والكراهة، وكذلك الترغيب في المعروف والترهيب من المنكر والحضُّ على هذا والزجر عن هذا. ولهذا لا تكفُّ النفوس عن الظلم إلا بالقوة الغضبية الدفعية، وبذلك يقوم العدل والقسط في الحكم والقَسْمِ وغير ذلك، كما أن الإحسان يقوم بالقوة الجذبية الشَهوية.
فصل
قد عرف
…
(1)
.
(1)
هنا توقف المؤلف. وفي مجموع الفتاوى (15/ 436 ــ 439) تتمة لهذا الكلام بعد قوله: «الشهوية» .
فصل
المشهور عند أهل السنة القائلين بعدم تخليد الفاسق ورجاء الشفاعة له والرحمة: أنه لا يُحبِطُ العملَ إلّا الكفرُ؛ فإن نصوص القرآن تقتضي حُبُوطَ العمل بالكفر في مثل البقرة والمائدة والأنعام والزمر و ق وغير ذلك. وهذا لأن ما سوى الكفر من المعاصي يثبت معه أصلُ الإيمان، ولابدَّ أن يخرج من النار من كان في قلبه ذرةٌ من إيمان. وأما الكفر فينتفي معه الإيمان الذي لا يُقبَل العملُ إلّا به، كما قال:{وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [النساء: 124]، {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} [الإسراء: 19]، إلى نصوص متعددة يصف فيها بطلان عمل الكافر وتحريم الجنة عليه.
وأما المعتزلة فإنهم يقولون بتخليد الفاسق الملّي، وأنه لا ينعم أبدًا، وأن من استحق العقابَ لا يستحقُّ ثوابًا بحالٍ، ومن استحقَّ الثوابَ لا يستحق العقاب؛ فالتزموا لذلك أن تَحبَطَ جميعُ الأعمال الصالحة بالفسق، كما تَحبَطُ الأعمالُ بالكفر. ثم أكثرهم يُفسِّقون بالكبيرة، فيقولون: تحبط الأعمال بالكبيرة، ومنهم من لا يُفسِّق إلا برجحان السيئات، وهي التي تُحبِط الأعمال. وهذا أقرب.
قلت: الذي يُنفَى من الإحباط على أصول أهل السنة هو حُبوط جميع الأعمال؛ فإنه لا يَحبَطُ جميعُها إلا بالكفر. وأما الفسق فلا يُحبِط
جميعَها، سواء فُسِّر بالكبيرة أو برجحان السيئات؛ لأنه لابدَّ أن يُثابَ على إيمانه فلم يحبط.
وأما حبوط بعضها وبطلانه إما بما يُفسِده بعد فراغه، وإما بسيئاتٍ يقوم عقابُها بثوابه، فهذا حقٌّ دلَّ عليه الكتاب والسنة، كقوله:{لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} [البقرة: 264]، فأخبر أن المنَّ والأذى يُبطِل الصدقة، كما أن الرياء المقترن بها يُبطِلها، وإن كان كلٌّ منهما لا يُبطِل الإيمان، بل يُبطِله ورودُ الكفر عليه أو اقترانُ النفاقِ به.
وقوله في الحديث الصحيح: «إن الذي تفوتُه صلاة العصر فقد حَبِطَ عملُه»
(1)
. وقول .........
(2)
: «الحسد يأكلُ الحسنَاتِ كما يأكل الماء البقل»
(3)
. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من كانت عنده لأخيه مظلمةٌ في عِرضٍ أو مالٍ فليأتِه، فليستحلَّ منه قبلَ أن يأتي يومٌ ليس فيه درهم ولا دينار، وإنما فيه الحسنات والسيئات»
(4)
. وقوله: «ما تَعدُّون المفلسَ
(1)
أخرجه البخاري (552) ومسلم (626) عن عبد الله بن عمر، وأخرجه البخاري (553) عن بريدة.
(2)
هنا بياض في الأصل بقدر كلمتين.
(3)
أخرجه أبو داود (4903) من طريق إبراهيم بن أسيد عن جده عن أبي هريرة، وذكر البخاري في التاريخ الكبير (1/ 272) إبراهيم هذا، وذكر له هذا الحديث وقال: لا يصح. وأخرجه ابن ماجه (4210) عن أنس. وفي إسناده عيسى بن أبي عيسى الحناط، وهو متروك.
(4)
أخرجه البخاري (6534) عن أبي هريرة.
فيكم؟»، قالوا: المفلس من ليس له درهم ولا دينار. قال: «ليس ذلك بالمفلس، وإنما المفلس الذي يأتي بحسناتٍ أمثال الجبال، قد أخذ مالَ هذا، وأخذ عِرضَ هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإذا لم يبقَ له حسنةٌ أُخِذَ من سيئاتهم، فأُلقِي في النار»
(1)
.
(1)
أخرجه مسلم (2581) عن أبي هريرة.
فصل
قوله: {ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ} [المائدة: 108]، وهو ــ والله أعلم ــ من الردِّ بمعنى الترديد والتكرير، كقول النبي صلى الله عليه وسلم في القرآن:«لا يَخْلَقُ عن كثرة الردّ»
(1)
. أي تُردَّد أيمانٌ بعد أيمانهم، ليس هو من الردّ الذي هو ردُّ اليمين، كردّ النبي صلى الله عليه وسلم اليمينَ على المدَّعَى عليهم في القسامة لما امتنع المدَّعون من الأنصار، وكالردِّ المختلف فيه، لأنه هنا لم يحلف الأول فردّت اليمين على الثاني، فهو رجع لليمين الأول إلى الثاني، وفي مسألة المحايدة قد حلف الأولون عند ظهور اللَّوث وحلف المدعون يمينًا ثانيةً، فهنا تكرير وهناك تحويل، لكن يشتركان في معنى الرد الأصل.
فإنه كما أن الاشتقاق بحسب الحروف ينقسم إلى أكبر وأوسط وأصغر، وهو ما اتحد فيه الحروف .......
(2)
، فكذلك ينقسم بحسب المعاني إلى ما يتحد فيه المعنيان من كل وجه، أعني في القدر المشترك، كما في ضرب وضارب، وإلى ما يتحدانِ في الأصل دون
(1)
أخرجه الترمذي (2906) والدارمي (3331) عن الحارث الأعور عن علي. قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلّا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفي الحارث مقال. وانظر علل الدارقطني (3/ 137). ورجَّح ابن كثير في تفسيره (1/ 21) وقفه.
(2)
هنا كلمة مطموسة.
الوصف، وإلى ما يتحدانِ في الجنس دون النوع. وهذا كثير لمن تأمله، وعليه تنبني مسائل «الخصائص» و «ألفاظ القرآن» للراغب وغير ذلك ممن يحوم على أن يجعل أصل معنى الحروف شيئًا واحدًا ثمَّ يُفصِّله في تصاريفه.
فأصل «الردّ» الرَّجْع، والرجع يقتضي تصييَره إلى حالٍ ثانية كان عليها، فصار فيه معنى التثنية، وصار الترديد والترجيع يُعبَّر به عن التثنية، كما في قوله:{ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ} [الملك: 4]. فصارت
(1)
الرجوع تارةً يُعتبر في ذات فقط وإن اختلفت
(2)
محالُّه، كرد اليمين وردّ الفاضل عن الفروض. وتارةً يُعتَبر فيه المحل وهو الأصل والأول إنما يُسمَّى ردًّا بالتقييد، كقوله: ردّه على هذا. ثم تارةً يكون ردُّه ثانيًا مع بقاء الحال الأولى، وتارةً يكون مع بطلانِ الحالِ الأولى، إما الموجودة وإما المقدرة، فيكون الردّ الذي هو خلاف القول من هذا الوجه؛ لأن العمل كان قد ذهب إلى محلّ، فردَّ عن ذلك المحلّ إلى صاحبه، فمن يفهم هذا الباب يكون قد فهِمَ ارتباطَ المعاني والحقائق التي هي مدلول الألفاظ وتناسبها، كما أن فهم الأول يكون من معرفة ارتباط الحروف بعضها ببعض.
(1)
كذا في الأصل.
(2)
في الأصل: «ختلفت» .