المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ تلازم العلم التام والعمل - جامع المسائل - ابن تيمية - ط عطاءات العلم - جـ ٨

[ابن تيمية]

فهرس الكتاب

- ‌فصول وقواعد(من مسوّدات شيخ الإسلام ابن تيمية)

- ‌الفاتحة نصفها ثناء وذكر، ونصفها دعاء ومسألة

- ‌كل واحدٍ من اسمي الذكر والدعاء يتناول الآخر

- ‌ الدعاء يُراد به دعاء العبادة ودعاء المسألة

- ‌الناطق بلفظ الثناء والذكر له ثلاثة أحوال:

- ‌ الشهادةَ على الناس مختصةً بهذه الأمة

- ‌ أخذ المال وصرفَه في مواضعه خيرٌ من تركه حيث لا ينفع

- ‌عمدتهم إما شبه قياسية أو ذوقية

- ‌ حجتهم تقليد كبيرٍ في أنفسهم

- ‌التلاوة تجمع معنى التدبر والاتباع ومعنى السماع

- ‌ جماع الخير في القرآن والإيمان

- ‌الهدى يدخل فيه العلم النافع، ودين الحق يدخل فيه العمل الصالح

- ‌المنحرف إما المبتدع في دينه، وإما الفاجر في دنياه

- ‌ البدع أحبَّ إلى إبليس من المعصية

- ‌ صنفانِ إذا صلحوا صلح الناس: العلماء والأمراء

- ‌ الدينُ كلُّه: العلم والعدل. وضدُّ ذلك: الظلم والجهل

- ‌ تحريم المضارَّة مطلقًا

- ‌ ترجيح جانب الحسنات

- ‌ ليس في أسماء الله الحسنى اسمٌ يتضمن صفة الغضب والعذاب

- ‌ جانب الحسنات هو الراجح في خلقه وأمرِه

- ‌ الجزاء في الحسنات بأفضل أنواعها وصفاتها، بخلاف السيئات

- ‌ الهمَّ بالحسنة يُثَابُ عليه، والهمّ بالسيئة لا يُعاقَب عليه

- ‌ الإرادة الجازمة مشروطة بالعلم المفصل

- ‌الإرادة تقوى وتضعف بحسب القدرة والعجز

- ‌ الحسنات يتعدى ثوابُها فاعلَها، وأما السيئة فلا يُعاقَبُ عليها إلا فاعلُها

- ‌ التفاوت في الحسنات والسيئات يقع من ثلاثة أوجه:

- ‌ وصف المختال الفخور بأنه يبخل ويأمر الناس بالبخل

- ‌ المسالمة لمن أمر الله بمسالمتِه، والمحاربة لمن أمر الله بمحاربته

- ‌فصلُ الخطاب(4): أن "الحدَّ" له عدة معانٍ تَرجِع إلى أصلين:

- ‌أما الحدُّ المركب من الجنس والفصل فلا يجوز في حق الله

- ‌أحدهما: اشتمال ذلك على أداء الواجبات وترك المحرَّمات

- ‌ الثاني: تضمُّنُها نهي المهجور وتعزيره وعقوبته

- ‌ أيهما أفضل؟ كثرة الركوع والسجود أو طول القيام

- ‌ فعلَ الإنسانِ وسائرِ الحيوان إما حركةٌ وإما صوتٌ

- ‌السماع الشرعي

- ‌كل وعد ووعيدٍ في القرآن فهو ترغيب وترهيب

- ‌ لا يتم ذلك إلّا بدفع المكروه

- ‌باعتبار القوى الثلاث كانت الأمم الثلاث المسلمون واليهود والنصارى

- ‌جنس القوة الشهوية: الحبُّ، وجنس القوة الغضبية: البغض

- ‌الحبُّ والبغض هما الأصل

- ‌الربيع هو المطر المُنبِت للربيع

- ‌الحياةُ والنورُ جماعُ الكمال

- ‌ المقصود هو العلم، وطريقه هو الدليل

- ‌الأنبياء جاءوا بالإثبات المفصل والنفي المجمل

- ‌ العلم بالعدم يحصل بواسطة العلم بالموجود

- ‌ العلم بالموجود وصفاته هو الأصل

- ‌ العلم بالسلوب لا يَستقلُّ في المسائل والأحكام، ولا في الوسائل والأدلة

- ‌ المطلوب بالنهي: هل هو نفسُ العدم أو الامتناع الذي هو أمر وجودي

- ‌معاد الأرواح والأبدان جميعًا

- ‌الأول كلام الله وكلام رسله وأنبيائه وخلفائهم

- ‌ الأصوات المثيرة للوجد والطرب

- ‌ أصل الصابئة الحروف والأصوات المجملة المشتركة

- ‌الأصل فيها أنها غير مشروعة ولا مأمور بها

- ‌ هذه الهداية والرئاسة كاملة العلم، ليس فيها نقص علمي

- ‌ أنها كاملة الرحمة

- ‌ أنها كاملة القدرة والسلطان، فإن ناصرها ومؤيدها هو الله

- ‌ تلازمَ العلم التام والعمل

- ‌ الأجسام ليست متماثلةً

- ‌لا يجوز حملُ نصوص الكتاب والسنة وكلام السلف على اصطلاحٍ حادثٍ

- ‌ الشهادة ركن في الخطب الواجبة

- ‌ لابُدَّ في الخطبة من ذكرِ الله وذكرِ رسوله

- ‌ المقصود بالشهادة سلبَ ألوهيةِ ما سوى الله عن القلب

- ‌من بدع ضلالهم وكفرهم

- ‌منشأ التلبيس

- ‌حكاية المناظرة في الواسطية

- ‌الإيمان قولٌ وعمل

- ‌ صفة العلو هل هي صفة كمال

- ‌فصلأصل الإيمان والهدى ودين الحقهو الإيمان بالله ورسوله

- ‌سورة البقرة جماعها في تقرير الرسالة

- ‌الإيمان بالله ورسوله هما المقصود والوسيلة

- ‌الإيمان بالله وباليوم الآخر غايتانِ، والإيمان بالرسل والعمل الصالح وسيلتان

- ‌يجبُ ردُّ جميع ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول

- ‌فصلوصف الله أفضلَ أهل السعادة بالإيمانوالهجرة والجهاد

- ‌فصلفي الكلام على النِّعم، وهل هي للكفار أيضًا

- ‌ هذه اللذات تارةً تكون بمعصيةٍ

- ‌ الأعمال بخواتيمها

- ‌ التنعُّم العاجل ليس بنعمةٍ في الحقيقة

- ‌ وصف المؤمنين بأنهم صابرون في البأساء والضراء وحين البأس

- ‌من لم يتصف بحقيقة الإيمان هو إما قادرٌ وإمّا عاجز

- ‌ حال كثير ممن يُشبِه اليهودَ من المتفقهة والمتكلمة

- ‌فصل في آية الربا

- ‌ حكم الخطاب هل يثبت في حق المسلم قبل بلوغ الخطاب

- ‌ أصل الربا هو الإنْسَاء

- ‌ الربا نوعان: جلي وخفي

- ‌ربا النَّسَاء من الجليّ

- ‌ تنازع السلف والخلف في ربا الفضل

- ‌ما حرم لسدِّ الذريعة أبيح للمصلحة الراجحة

- ‌أواني الذهب والفضة وصيغتها محرمة

- ‌ مسألة «عَجِّلْ لي وأَضَعُ عنك»

- ‌الربا البيّن الذي لا ريب فيه هو ربا النسيئة

- ‌ إذا اجتمع ربا الفضل والنَّساء في جنس واحدٍ حرم

- ‌الفرق بين الحيل وسدّ الذرائع

- ‌النظر إلى الأجنبية

- ‌فصلفي أنه ليس في القرآن لفظة زائدة لا تفيد معنى

- ‌فصلفي توبة قوم يونس

- ‌هل هي مختصة بالقبول دون سائر من يتوب

- ‌ العذاب نوعان: عذابٌ يتيقن معه الموت، وعذاب لا يتيقن معه الموت

- ‌عذابُ الله ثلاثة أنواع:

- ‌المفسرون من السلف يُفسِّرون المعنى، لا يتكلمون في دلالة العربية؛ لأن العربية عادتهم وطبعُهم

- ‌ كل مَنْ تابَ قبلَ الرفع إلى الإمام لم يقم عليه [الحدّ]

- ‌ البدعة أحبُّ إلى إبليس من المعصية

- ‌مسألةعن رجل يزعم أنه شيخٌ ويتوِّب الناسويأمرهم بأكل الحيَّة

- ‌ من أمرَ مُريديه بدخول النار فهو شيخٌ ضالٌّ مبتدع

- ‌ لا يوجد من هؤلاء إلا من هو خارجٌ عن الكتاب والسنة

- ‌ لا يجوز طاعة مخلوق في معصية الخالق، والويل لمن اتبع الأكابر فيما خرج عن سنن المرسلين

- ‌مسألة في الحضانة

- ‌ الحضانة للأم ما لم تتزوج

- ‌ تصرف الولي في بُضْع وليته كتصرفه في مالها

- ‌مسائل مختلفة

الفصل: ‌ تلازم العلم التام والعمل

فهؤلاء المؤمنون لما سمعوا وأطاعوا خفَّف عنهم وحَطَّ عنهم الإصرَ الذي حمل على من كان قبلهم، وأولئك لما عَصَوا واعتدَوا وقالوا: قلوبنا غُلْف، قال تعالى:{فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ} [النساء: 160]، وقال تعالى:{ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ} [الأنعام: 146]، ثم قال:{لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} [النساء: 162]. إذ قد أخبر أن منهم من لا يعلم الكتاب إلا أمانيَّ، ومنهم من يحرِّفه من بعد ما عقلَه، ومنهم من يكذّب ويكتُم ويَلوِي لسانَه ويكتُب بيده، وأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، وهؤلاء وإن ذُكِر لهم علم فليسوا براسخين في العلم، إذ الرسوخ في العلم يقتضي الثبات والاستقرار فيه، وذلك مستلزمٌ لاتباعِه والعمل به، كما قيل: العلمُ يَهتِفُ بالعمل، فإن أجابَه وإلّا ارتحلَ

(1)

.

وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع وبيَّنّا‌

‌ تلازمَ العلم التام والعمل

، وأنهما حيث لم يتلازما فلضعف العلم، مثل علم الرواية باللسان. وفي مراسيل الحسن

(2)

: "العلم علمان، علم في القلب وعلم على اللسان، فعلمُ القلب العلم النافع، وعلم اللسان حجة الله على عباده".

(1)

أخرجه الخطيب البغدادي في اقتضاء العلمِ العملَ (40، 41) عن علي رضي الله عنه ومحمد بن المنكدر.

(2)

أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (13/ 235) وابن عبد البر في جامع بيان العلم (1/ 661) وهو مرسل كما ذكره المؤلف.

ص: 150

وقال تعالى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} [آل عمران: 7]. وقد يحتج من يقف عند قوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} كمجاهد وابن قتيبة، ويذكر رواية عن ابن عباس

(1)

، على ذلك بأنه سبحانه لم يقل هنا:"والمؤمنون والراسخون في العلم يقولون آمنا به" كما قال في تلك الآية: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ} الآية. فلو لم يكن المقصود بالآية إلّا الخبر عنهم بأنهم قالوا: آمنا به، لأخبرَ بذلك عن جميع المؤمنين كما في نظائره، مثل قوله:{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الإسراء: 82]، وقوله:{فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ} [التوبة: 124 ــ 125].

وقد يُجيب الجمهور الذين يقفون عند قوله: {إِلَّا اللَّهُ} وقد نُقِل هذا المعنى عن أُبيّ وابن مسعود وابن عباس وعائشة

(2)

والجمهور، بأن هذا الموضع كقوله في سورة الحج: {فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ

(1)

أخرجه الطبري في تفسيره (5/ 220).

(2)

انظر تفسير الطبري (5/ 218، 219).

ص: 151

بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الحج: 52 ــ 54]، فإنه ذكر الذين أوتوا العلم هنا فقط، كما قال هناك:{وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} .

وإنما ذكر أهل العلم في هذين الموضعين لما فيه من الشبهة بما ألقاه الشيطان في أمنيته وما نزل [من] المتشابهات، فكأنّ الخبر بالإيمان وأن الجميع من عند الله عن أهل العلم دليل على بطلان الشبهة والعلم بأنه لا حقيقة له، ولا مانع أن يكون إذا قال هذا من هو راسخ في العلم أن لا يقوله غيرُه. يُبيِّن ذلك أنه على الوقفين إنما أخبر بقولهم فقط مهنئًا بهم اختصوا بعلم تأويل القرآن، وأخبر بقول:{آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} عنهم وحدهم، مع أنه قول كلّ مؤمن، إذ المقصود أن العلم يوجب هذا القول، ومن لم يقله وإن كان له نصيب من العلم فليس براسخٍ فيه. فاليهود الذين أوتوا العلم فلم يؤمنوا بمحمدٍ إيمانَهم ليسوا راسخين في العلم.

وأما تلك الآية فإنما قال: {لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ} أي من أهل الكتاب {وَالْمُؤْمِنُونَ} هم المؤمنون من العرب وغيرهم الذين ليسوا أهل كتاب، فإن هؤلاء وإن كانوا بعد مبعث محمد صاروا أو بعضهم أرسخ في العلم من أولئك، فإنهم لم يكونوا قبل سماع القرآن أهل علم بالكتاب، كما كان عند أولئك علمٌ عَلِمُوه من غير القرآن.

ص: 152

وقد يقال: الوقفان كالقراءتين، وقد يقرأ في المكان الواحد بالنفي والإثبات باعتبارين، كقراءة من قرأ {لِتَزُولَ} و {لَتزولُ مِنْهُ الْجِبَالُ} ، وكالتي فيها الخبر والأمر. وعلى هذا فيكون هنا تأويلان: فتأويل يعلمه الراسخون، وتأويل لا يعلمه إلا الله، وهذا فيه جمعٌ بين أقوال الصحابة والتابعين والأئمة رضي الله عنهم.

وقد تكلمنا على هذه الآية في غير هذا الموضع

(1)

وذكرنا أن معنى لفظ التأويل الذي جاء به القرآن غير معناه في عرف المتأخرين، وذكرنا الاصطلاحات فيه والفرق بينه وبين التفسير. وللإمام أحمد كتاب "الرد على الزنادقة والجهمية مما تأولت فيه من متشابه القرآن"، تكلم على الآيات كلِّها وبيَّن معناها، فمعنى الخطاب وتفسيره يعلمه العلماء، وهذا يُسمَّى تأويلاً، وأما الحقائق الموجودة في الخارج مما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر، كما قال:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ} [الأعراف: 53]، فتلك لا تُعلَم إلا بمشاهدتها .........

(2)

وليس لها في هذا العلم ما يناظرها من كل وجه، فلا يعلم حينئذٍ إلا من بعض الوجوه، فيجوز أن يكون لا يعلمه، قال تعالى:{فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17]، وإن عُلِم أنها قرة أعين فإنها لا تُعلَم في الدنيا.

(1)

انظر: مجموع الفتاوى (13/ 272 وما بعدها). و (17/ 391 وما بعدها، 406 وما بعدها).

(2)

هنا كلمات مطموسة.

ص: 153

فنفيُ العلم من وجه وإثباته من وجهٍ حق، وعلى هذا فيصحُّ إثباتُ علم التأويل للراسخين من وجهٍ ونفيُه من وجهٍ، فيصح الوقفان

(1)

.

وقال تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ} [التوبة: 101]، ومعلوم أنه قد أعلمهم بنوعهم ووصفهم وأنهم من أهل المدينة والأعراب، لكن لا تعلم أعيانهم. وقال تعالى:{قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ} [الأنعام: 50]، نفى قوله أنه يعلم الغيب المطلق، وإن كان الله قد أعلمه مما غاب عن غيره شيئًا كثيرًا. وقال تعالى:{فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} [الجن: 26، 27]، وكذلك قوله:{قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ} [النمل: 65]، وقوله:{تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [سبأ: 14].

وقد قال يعقوب ليوسف: {وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} [يوسف: 6]، وقال:{لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي} [يوسف: 37] أي قبل أن يأتي التأويل، وقال أولئك:{وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ} [يوسف: 44]، ومعلوم التأويل قبل مجيئه، وإنما علمه بالوصف

(1)

بعدها كلمات مطموسة.

ص: 154

كما يعلم بالوصف تأويل القرآن المذكور في قوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ} ، ألا ترى أن كيفية الحدث المدركة بالعيان لم تكن معلومة بمجرد الخبر، فإن المُخْبَر ليس .....

(1)

.

والتأويل في خبر ابن عباس المراد به تأويل الأمر والنهي، كما قال ابن عباس: السنة تأويل الأمر والنهي. فإن الخطاب نوعان: إخبار وإنشاء، فالإنشاء كالأمر والنهي والتحليل والتحريم يعلم العلماء تأويله وتفسيره، إذ لابد من فعل المأمور به وترك المنهي عنه، وذلك لا يكون إلّا بعد علمه، بل لابدّ من علم المأمور به مفصَّلاً.

ومن هذا قول عائشة: كان يقول في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم وبحمدك" يتأول القرآن

(2)

. فقد يقال: اللام في التأويل للتأويل المعهود، وهو تأويل الأمر، وعلى هذا أيضًا قد يحمل قول جابر في حديث صفة الحج الذي في مسلم

(3)

، قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله، وما عملَ به من شيء عَمِلْنا به، فأهلَّ بالتوحيد:"لبَّيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك له"، وأهلَّ الناس بهذا الذي يُهِلُّون به، فلم يَرُدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم شيئًا منه، ولَزِمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم تلبيته.

(1)

هنا كلمة مطموسة. ولعلها "كالمعاين"، كما في مجموع الفتاوى (16/ 518) في سياق آخر.

(2)

أخرجه البخاري (817) ومسلم (484).

(3)

رقم (1218).

ص: 155

فقوله: "وهو يعرف تأويله" يُشبه قوله: "وعلِّمْه التأويلَ"

(1)

، إذ قد يقال: ظاهرهما العموم وقد يدَّعى الاختصاص بالأمر والنهي وقد خالفه التأويل. وهو مثل حديث سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا} الآية [الأنعام: 65]، قال:"إنها كائنةٌ، ولم يأتِ تأويلُها بعدُ"

(2)

. لكن ليس فيه أنه كان يعلم هذا التأويل.

لكن يقال: الخبر عما كان في الدنيا مثل قصص الأنبياء ومن آمن بهم ممن لديهم عَلِمَ تأويلَها العلماءُ، إذ لم يبق لها مخبر آخر يجيء فينتظر، وإن لم يعلم معاينةً فله نظير علم منتظر، وكذلك ما سيكون في الدنيا من حوادث فإن علم تأويلها قبل كونه مثل علم تأويل تلك بعد كونه .....

(3)

الأمور الحاضرة، والخبر عن الملائكة والجن والنار، فهذا من الخبر عما سيكون.

ومما ينبغي أن يُعرف أن نفس علم التأويل ليس عامًّا في الدنيا والآخرة، فإنه ما من شيء أخبرنا به في القرآن إلّا ولا بدَّ [أن] نعلمه. فقوله:{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} إذا وقف هنا لا يراد به: لا نعلمه مطلقًا؛ لأن الناس لابدّ أن يعلموه في الآخرة، حتى أن ي

(1)

أخرجه أحمد في المسند (1/ 266) عن ابن عباس. وإسناده صحيح.

(2)

أخرجه أحمد (1/ 170) والترمذي (3066). وإسناده ضعيف.

(3)

هنا كلمة مطموسة. ولعلها "يعاين".

ص: 156

روا ربهم في الدار الآخرة، وهذا أكمل طرق العلم.

وأيضًا فالملائكة تعلم من أحوال أنفسها وما وُكِّلتْ من أمر الجنة والنار وغير ذلك ما هو من الأمور المخبر بها مما هو من تأويله كذلك، فصار علم تأويله حاصلاً لبعض الأصناف وفي بعض الأزمنة .......

(1)

لا يعلم به، وهذا يقوي أن للمخلوق شيئًا من علم تأويله في الجملة، وإن عُدِم علم بعضهم أو العلم في بعض الأوقات فلا ينفيه مطلقًا.

وأيضًا فإن الله ذمَّ متَّبعي المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، فالذم حصل بهذين الوصفين، ولو كان علم التأويل مما قد أيس منه الخلق كلهم لكان طالبه مذمومًا وإن لم يبتغ الفتنة، وكان في قلبه زيغٌ أو لم يكن. والذم إذًا وقع على من يتبعه يبتغي هذا ويبتغي هذا، ولا ريب أن هذا مذمومٌ، وذمه في ابتغاء تأويله لكونه متعذرًا من غير جهة الراسخين في العلم، وقد لا يجد الراسخين أو لا يكون منهم فلا يرى علمه.

وأيضًا فهم يتبعون المتشابه أي يتحرَّونه، كما في الحديث المتفق عليه

(2)

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: "إذا رأيتِ الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى الله فاحذرِيْهم". وهذا صَبِيغ بن عِسْل الذي ضربه عمر ونفاه وأمر بهَجْرِه حتى مات بعد حول

(3)

. وقد رُوي أنه سأل عن

(1)

هنا كلمات مطموسة.

(2)

البخاري (4547) ومسلم (2665).

(3)

أخرجه الدارمي في سننه (1/ 54، 55). وانظر: الإصابة (5/ 306 ــ 308) طبعة التركي.

ص: 157

الذاريات ونحوها

(1)

. وهذا قوي إذا جعل المتشابه من الأمور النسبية، أو قد يتشابه على هذا ما لا يتشابه على غيره. وكلام الإمام أحمد في الرد على من تأوَّل المتشابه على غير تأويله يوافق هذا، فإن الآيات المذكورة إنما تشابهت على بعض الناس، ولما تبيَّن وجهها زالَ التشابه، ومن فسر فقوله لآية بأنه من المتشابه قوبل هذا بأن القرآن كله محكم، كما قال:{أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} [هود: 1]، وهنا قد وُصِف بالإحكام بعضُه، كما أنه قد وُصِف كلُّه بأنه متشابه، وهنا وُصِف بالمتشابه بعضُه، فعُلِم أن لفظ المتشابه فيه نوع اشتراك وإجمال، وكذلك لفظ الإحكام، وقد قال في الآية الأخرى:{فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ} .

(1)

أخرجه البزار كما في كشف الأستار (2259) وابن عساكر في تاريخ دمشق (23/ 410). وانظر: الدر المنثور (13/ 664).

ص: 158

[فصل]

في المثل والكفو في الكتاب والسنة ولغة العرب

قال تعالى: {يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ} [محمد: 38]، وقال:{أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ} [يس: 81]، وقال تعالى:{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} [المائدة: 95]، وقال:{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]، وقال:{وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126]، وقال:{فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلًا بمثلٍ، ولا تبيعوا الفضة بالفضة إلّا مثلًا بمثلٍ"

(1)

وذكر الحديث.

وقال عمر بن الخطاب: لأمنعنَّ فروجَ ذواتِ الأحساب إلّا في الأكفاء

(2)

.

وذكر الفقهاء المكافأة في النكاح وفي القصاص وفي محلل الرمي، فهناك يعتبر كون الزوج كفؤا، وفي القصاص أن يكون المقتول كفؤا،

(1)

أخرجه البخاري (2177) ومسلم (1584) عن أبي سعيد الخدري.

(2)

أخرجه عبد الرزاق في المصنف (6/ 152) وابن أبي شيبة في المصنف (4/ 418) والدارقطني في سننه (3/ 298) والبيهقي في السنن الكبرى (7/ 133).

ص: 159