الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وحافظين لمرتبة العموم.
و
عمدتهم إما شبه قياسية أو ذوقية
، وربما قد يتأولون قياس بعض الظواهر، و
حجتهم تقليد كبيرٍ في أنفسهم
ذِي فضلِ علمٍ أو ذي حالٍ أو ذي سلطان. وقد صنَّف الغزالي في مخاطرهم كتابًا
(1)
، لكن أمرهم أكبر من أن يُكتفى فيه بمثل ذلك الكتاب، فإن الرسل إنما بُعثت إلى الخلق بعد حال هؤلاء، إذ هم أعداء الرسل، فإن الرسل بعثت بخبر وطلب، فالخبر له التصديق، والأمر له الطاعة، وهؤلاء انحلُّوا عن طاعة الرسل، وانحلّوا أيضًا عن تصديقهم في كثير مما أخبروا به أو أكثره، فهم الكفار المعادون للرسل، وأولهم إبليس، ومنهم قوم نوح وعاد وثمود وسائر أعداء الرسل، لكن كفر أكثرهم كفر المنافقين، إذ أقاموا في دولة المسلمين فيبطنون خلاف ما يظهرون. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله.
(1)
هو كتاب تهافت الفلاسفة.
فصل
(1)
تقول طائفة من أهل الكلام: إن الحركة وأنواعها كالمجيء والإتيان، وكالنزول والهبوط، وكالصعود والعروج، لا تصحُّ إلّا على الأجسام دون الأعراض، فإن العرض لا يقوم بنفسه، فلو انتقل لفارقَ محلَّه وقام بنفسِه.
قلت: ليس الأمر كذلك، بل حركة كل شيء بحسبه، وكذلك إتيانه ونزوله. فكما أن الطعم واللون والريح والقدرة والصحة وغير ذلك إنما وجودها بغيرها، وذاتها لا تكون إلّا متعلقة بغيرها، فكذلك ما يَعرِض لها من الأحوال والحركات هو مشروط بمحلِّها، فإذا قيل:«جاءته العافية والصحة» فهو مجيء الأجزاء البدنية الحاملة للصحة، وتلك الأجزاء هي الحاملة للصحة، ومجيئها فيه حركة وانتقال. وكذلك «جاء النصرُ والظفرُ» هو مجيء الأعيان الحاملة للقوة والظهور التي بها اندفع العدو وضررُه. فلا بدَّ من حركةٍ فيها زوالُ أحد الضدَّين حتى يجيء الآخر.
ثم هذه الحركة والمجيء متضمنة للظهور والوضوح والتجلّي، لا كما قال بعضهم: إنها مجرد الظهور.
وكذلك إذا قيل: «جاء الشتاء» و «جاء الصيف» و «جاء الليل
(1)
كتب المؤلف بجواره: «تمامه ما كتبتُ بعد هذا» .
والنهار» فهي مجيء أعراض وصفات هي الحرارة والبرودة والضياء والظلمة، وهي حركتها وانتقالها. لكن قد يكون ذلك بانتقالها من موضع آخر، وقد يكون بحدوثها وبكونها في موضعها، وهذان النوعان في الأجسام. كما يقال: جاءني الولدُ وجاءت الثمار وقد أتت الفاكهة، لا يُعنَى بذلك أنها كانت موجودة في مكانٍ آخر فانتقلت عنه، وإنما يُعنَى حدوثُها ووجودها، وهو بحركةٍ، لكنها حركة ابتدائية.
فالمقصود أن كلَّ ما يقال في مجيء الأعيان والأجسام من الأنواع يُقال في مجيء الصفات والأعراض، لكن لما كان لابدَّ لهذه من محلٍّ في ذاتها، فكذلك في أحوالها، بخلاف الأجسام، نعم الحيِّزُ للجسم كالمحلِّ للعرض، فالجسم لا يجيء إلا بحيِّز، والعرض لا يجيء إلا بمحلٍّ. والله أعلم.
فصل
(1)
قال الله تعالى: {أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون: 68]، كما قال تعالى:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، وقال:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]. وقال تعالى: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 17 - 18]، كما قال:{وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204]، وقال:{وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ} [الأحقاف: 29]، وقال:{قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ} [الجن: 1 - 2].
فحضَّ سبحانَه على تدبُّر القول كما حضَّ على استماع القول، فإن قوله:{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا} استفهام، وأدَاة الاستفهام إذا دخلت على حرف النفي كان للتقرير، كقوله:{أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ} [الشرح: 1]، وقوله:{أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى} [الضحى: 6]. لكن هذا في الجمل الخبرية. فقوله:
(1)
كتب المؤلف بجواره: «كتبتُ نظائره في مواضع» .
{أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ} ، إن أُجرِيَ على هذا كان المعنى أنهم قد تدبروا القول فوجدوه حقًّا، وإلا كان هذا استفهام إنكار بمعنى الأمر والتحضيض، كقوله:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} ، وهذا أشبه بالمعنى. لكن
(1)
ثم القول الذي أمر بتدبره وأمر باستماعه هو القرآن، فانحرف قوم من المتكلمة فيما يتدبرونه إلى أقوال محدثة، وانحرف قومٌ من المتعبدة فيما يستمعونه متبعين له إلى سماع أقوال محدثة، وجعل بعضهم قوله تعالى:{يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ} عامًّا لكل قول من الآيات والأبيات، فاستمعوا هذين، وربما رجَّحوا سماع الأبيات ترجيحًا حاليًّا أو اعتقاديًا أيضًا، كما أن الأولين يتدبرون وينظرون نظر انتفاع في الأقوال المشروعة والأقوال غير المشروعة، وربما رجحوا أقوال المتكلمين على قول الله ورسوله اعتقادًا أو حالًا.
والقرآن مملوءٌ من الأمر بتدبر القرآن والتفكر فيه والتذكر له وعقله، ومن الأمر باستماعه وتلاوته والبكاء والوجل واقشعرار الجلد منه. وقد وصف سماع الأنبياء وأهل العلم وأهل المعرفة وعموم المؤمنين أنه سماع آيات الله، فقال تعالى لما ذكر الأنبياء عيسى ويحيى وإبراهيم وبنيه وموسى وهارون وإسماعيل وإدريس فقال: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ
(1)
بعده في الأصل بياض سطرين.
عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا} [مريم: 58]. فتلاوة آيات الرحمن عليهم يعمُّ التوراة والإنجيل والقرآن والزبور، فإن آيات الله نزلت بالعربي وغير العربي مع تنوع المعاني فيها.
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 107 - 109]. فهذا إخبار عن الذين أوتوا العلم قبل القرآن إذا تُلي عليهم القرآن سجدوا وبكوا وسبحوه على إنجاز وعدِه الذي تقدم أنه يبعثُ هذا الرسولَ ويُنزِل هذا الكتاب. فهذا سماع الذين أوتوا العلم، وكان سبب ذلك من آمن من علماء اليهود.
وقال في أهل المعرفة: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة: 82 - 83]. فهذا سماع أهل المعرفة ممن آمن من النصارى، أخبر أنهم سمعوا وبكوا وطلبوا أن يكونوا مع الشاهدين. والشاهدون كما قال ابن عباس
(1)
: محمد وأمته، فإن لهم وصف
(1)
أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 660).
الشهادة، كما قال تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [البقرة: 143]، وقال:{هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج: 78]. ولهذا كان رأس دينهم شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدًا رسولُ الله. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لهم: «أنتم شهداء الله في الأرض، هذه الجنازة أثنيتُم عليها خيرًا فقلتُ: وجبَتْ لها الجنة، وهذه الجنازة أثنيتم عليها شرًّا فقلتُ: وجبَتْ لها النار»
(1)
.
وهذا تأييد لما اصطلح عليه الناس من تسمية العلماء الناظرين في الكتب المنزلة «أهل العلم» ، وتسمية المشايخ العابدين المتألهين السامعين هنا «أهل المعرفة» ، لما في الأولين من الموسوية المشروعة وفي الآخرين من العيسوية المشروعة، فمدح كلا الفريقين بالانقياد للمحمدية الجامعة للأمرين. ولهذا وصف الأولين بالتسبيح المتضمن تصديقهم بما جاء به الرسول لما كانوا يعلمونه، ووصف الآخرين بالدعاء والطلب لأن يكونوا مع محمد وأمته. فظهر في الأولين نعتُ العلم النافع، وهو الخبر الصادق والتصديق بالحق، وفي الآخرين نعتُ العمل الصالح، وهو الدعاء المشروع والعبادة المأمور بها، فإن العُبَّاد يُطلَب منهم الدعاءُ، والعلماء يطلب منهم الثناء، فظهر في الأولين الثناء وفي الآخرين الدعاء.
(1)
أخرجه البخاري (1367) ومسلم (949) عن أنس بن مالك.