الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
في أنه ليس في القرآن لفظة زائدة لا تفيد معنى
قال الشيخ الإمام العلَّامة أوحدُ
(1)
العصر وفريدُ الدّهر أبو العبَّاس أحمدُ ابن تيمية رحمه الله تعالى آمين:
الحمدُ للّهِ ربِّ العالمين، والعاقبةُ للمتَّقين، ولا عدوان إلَّا على الظالمين، والصلاة والسلام الأتمَّانِ الأكملانِ على رسولِه محمدٍ وآلهِ وأصحابهِ والمؤمنين والتّابعين أجمعين.
أمَّا بعد، فاعلم أنَّه ليس في القرآنِ لفظة زائدة لا تفيد معنى، ولا كلمة قد فُهم معناها [مما] قبلها فأُعيدت لا لمعنى، أو لمجرّد التأكيد المحض دون فائدة جديدة، وهذا في اللفظ المستقلّ بنفسه، بخلاف الحروف التي لا تستقل كالباء واللام.
فإنْ قيل: فما تصنع في هذه الألفاظ التي وردت يُوهِمُ ظاهرها خلافَ هذا:
منها قوله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196].
ومنها قوله: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142].
ومنها قوله: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأنعام: 38].
(1)
في الأصل: «أحد» .
ومنها قوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ} [الفتح: 11].
و {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} [الكهف: 5].
ومنها قوله تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46].
ومنها قوله تعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} [الحاقة: 13، 14].
[ومنها قوله: {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 21، 22].
ومنها قوله تعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} [الزلزلة: 1].
ومنها قوله تعالى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6].
ومنها قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} [يونس: 99].
ومنها قوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30].
ومنها قوله تعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء: 81]، {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [النساء: 6]، {وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا} [الفرقان: 31]، {وَكَفَى
بِنَا حَاسِبِينَ} [الأنبياء: 47]. فإنَّ الباءَ هنا زائدة.
ومنها قوله تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 62].
وقوله تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر: 3].
وقوله تعالى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ} [الحشر: 24]، والخالق هو البارئ.
وقوله تعالى: {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ} [النحل: 51].
وقوله تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 62].
و {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود: 87].
وقوله تعالى: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ} [المؤمنون: 35].
وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا} [آل عمران: 147].
وقوله: {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} [الروم: 49].
وقوله تعالى: {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} [القيامة: 34، 35].
وقوله تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1].
وقوله تعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 13] في كل آية.
وقوله تعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 15].
وقوله تعالى: {وَلَّى مُدْبِرًا} [النمل: 10] والتولِّي لا يكون إلَّا مدبرًا.
وكذلك قوله تعالى: {ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة: 25].
فالجواب: أنَّه [ليس] بحمد الله في شيء من هذه الآيات ما يخالف ما ذكرناه، وليس فيها لفظٌ إلَّا و [هو] يفيد معنًى زائدًا، ونحنُ نُبيّنُ ذلك بعون الله تعالى وتأييده آية آية.
أمّا قوله تعالى: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} [البقرة: 196].
فقد قيل في جوابه: إنَّهُ سِيق لدفعِ توهّم احتمال التخيير، فإنَّ الواو قد تأتي بمعنى أو، فلمّا قال:{تِلْكَ عَشَرَةٌ} زال هذا الاحتمال
(1)
.
وأحسن من هذا أنْ يقال: إنَّ [عطف] السبعة على الثلاثة يحتمل معنيين:
أحدهما: أنْ تكون سبعة خارجة عن الثلاثة.
(1)
انظر: معاني القرآن للزجاج (1/ 268، 269).
والآخر: أنْ تكون سبعة بالثلاثة التي قبلها، كما قال تعالى:{قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ} [فصلت: 9 - 10]. فهذه أربعةُ أيامٍ باليومين اللذين قبلهما، ولو كان ذلك لكانت أيام الخلق ثمانية؛ لأنَّه قال بعد ذلك:{ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت: 11 - 12]. فاقتضى أنْ يكون مجموع ما تقدّم أربعة.
فلمّا قال تعالى: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} ، علمنا أنَّ السبعة مستقلة لا تدخل فيها الثلاثة المتقدّمة، وقوله:{كَامِلَةٌ} ، أي: كاملة في ثوابها [كما هي كاملة في حسابها].
وأحسن منه أنْ يُقال: لا يُعتبر
(1)
إلَّا كاملة لا نقص فيها، ولا يقوم الأكثرُ فيها مقام الجميع، بل لابدّ من كمالها. والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأمَّا قوله تعالى: {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142]، ففيه فائدة زائدة، وهو أنَّ قوله:{وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} ، المراد به دخول العشر في أيّام الموعد، فقوله:{فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} رافعٌ
(1)
في النسختين: يحتر، ولعل الصواب ما أثبتناه.
لتوهّم أنْ تكون العشر لغير مواعدة، فلمّا أدخلها في الميقات علم أنَّ المواعدة تناولتها كما تناولت الثلاثين، والتّمام وإنْ أشعر بها فليس في الصراحة كقوله:{فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} .
وأحسن من هذا أنْ يقال: إنَّ الله سبحانه وتعالى واعده ووقَّت له للميعاد ثلاثين ليلة، ثم أخبر أنَّه أتمَّها بعشرٍ، فلا يُدْرَى انقضى أجل الميقات عند انتهاء الثلاثين، وكانت العشر تمامًا، أي زيادة بعد انقضاء أجل الميقات، [أو] إنّما كان انقضاؤه عند تمام الأربعين، وأنَّ الإتمام بعشرة هو زيادة في الأجل. فلمّا قال:{فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} علمنا أنَّ العشر دخلت في الأجل، فصارت جزءًا منه.
وهذا كما تقول: اشتريت هذه السلعة من فلانٍ بتسعين، وأتممتها له مائة، فلا يُدْرَى هل أتممت الثمن بالعشرة، أو أتممتها بعد استيفاء الثمن، فإذا قلت: فتمّ له ثمن المبيع مائة، علمنا أنَّ العشرةَ صارت جزءًا من الثمن، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأمَّا قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38]، ففيه فائدةٌ زائدةٌ، وهي أنَّ الطيران قد يستعمل في الخفَّة وشدَّة الإسراع في الشيء، منه قول الشاعر:
فَطِرْنَا إلى الهَامَاتِ بالبيضِ والقَنَا
(1)
(1)
شطر بيت لم أعرف تمامه وقائله.
ومنه بيت الحماسيّة:
طَارُوا إليْهِ زَرَافاتٍ وَوُحْدَانا
(1)
فقوله تعالى: {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} رافع لاحتمال هذا المعنى، وإرادته بلفظ الطائر ويطير.
وأحسن من هذا أنْ يقال: إنَّه لو اقتصر على ذكر الطائر فقال: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ} ، لكان ظاهر العطف يوهم «ولا طائر في الأرض» ؛ لأنَّ المعطوف عليه إذا قيّد بظرفٍ أو حال تقيّد به المعطوف، فكان ذلك يوهم اختصاصه بطير الأرض الذي لا يطير بجناحيه، كالدجاجِ والإوزِّ والبطِّ ونحوها. فلمّا قال:{يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} زال هذا التوهّم، وعُلِمَ أنَّه ليس الطائر مقيّدًا بما تقيّدت به الدّابة.
وأيضًا ففيه تحقيق معنى الطيران وأنَّ المراد به هذا الجنس الذي يرونه يطير بجناحيه على اختلاف أنواعه وأجناسه أممٌ أمثالكم.
وهذا استعمالٌ مطروقٌ للعرب، كما يقال: ما خلق الله إنسانًا يمشي على رجليه إلا وهو يعلم بأنَّ له خالقًا وفاطرًا.
ونحوُهُ قول أبي ذرٍّ رضي الله تعالى عنه: «لقد توفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1)
صدره: قوم إذا الشرُّ أبدى ناجذَيه لهم
والبيت لقُريط بن أُنَيف في الحماسة (1/ 58).
وما طائر يقلّب جناحيه في السماء إلا ذكَّرنا منه [علمًا]»
(1)
.
وبالجملة فليست اللفظة خالية عن معنى زائد.
وأمَّا قوله تعالى: {يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ} [الفتح: 11]، و {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} [الكهف: 5].
فقد قيل: إنَّهُ رافعٌ لتوهّم إرادة حديث النفس، كما في قوله تعالى:{وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ} [المجادلة: 8].
وأحسن منه أنْ يقال: حيث ذكر الله سبحانه ويقولون بألسنتهم ويقولون بأفواههم، فالمراد به أنَّه قولٌ باللسان مجرد لا معنى تحته، فإنَّه باطلٌ، والباطل لا حقيقة تحته، وإنّما غايته وقصاراه أنَّه حركةُ لسانٍ مجرَّد عن معنى، فليس وراء حركة اللسان به شيء
(2)
.
(1)
أخرجه البزار في مسنده (147) وابن حبان (65) والطبراني في الكبير (1647)، وإسناده صحيح. وأخرجه أحمد (5/ 153، 162) وفي إسناده من لم يسمَّ.
(2)
قال الفخر الرازي في تفسيره (21/ 79): كأنه يقول: هذا الذي يقولونه لا يحكم به عقلهم وفكرهم البتة، لكونه في غاية الفساد والبطلان، فكأنه شيء يجري به لسانهم على سبيل التقليد، لأنهم مع أنها قولهم عقولهم وفكرهم تأباها وتنفر عنها.
وقال ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن (ص 241): لأن الرجل قد يقول بالمجاز: كلمتُ فلانًا، وإنما كان ذلك كتابًا أو إ شارةً على لسان غيره، فأعلمنا أنهم يقولون بألسنتهم.
وهذا استعمالٌ مطَّردٌ في القرآن، فتأمَّلْه تجدْه كما ذكرت لك.
وأمَّا قوله تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46]، فإنَّه سبحانه لمّا دعاهم إلى التفكّر والتعبير وسمع أخبار مَن مضى من الأمم، وكيف أهلكهم الله تعالى بتكذيبهم رسله ومخالفتهم أمره، فقال تعالى:{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} [الحج: 46].
قال ابن قتيبة
(1)
: وهل شيء أبلغ في العظة والعبرة من هذه الآية؛ لأنَّ الله تعالى أراد أفلم يسيروا في الأرض فينظروا إلى آثار قومٍ أهلكهم الله تعالى بالكفر والعتو، فيروا بيوتًا خاوية قد سقطت على عروشها، وبئرًا يشرب أهلها منها قد عطّلت، وقصرًا بناه ملكهم بالشِّيد قد خلا من السكن وتداعى بالخراب، فيتّعظوا بذلك ويخافوا من عقوبة الله التي نزلت بهم.
ثم ذكر تعالى أنَّ أبصارهم الظاهرة لم تعمَ عن الذكر والرؤية، وإنّما عميت قلوبهم التي في صدورهم.
قيل: لمّا كانت العين قد يُعنَى بها القلب في قوله تعالى: {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي} [الكهف: 101]، جاز أنْ يُعنَى بالقلب العين، فإنَّ الشيء إذا أشبه الشيء وأطلق عليه اسمه، جاز إطلاق اسم مشبهه عليه
(1)
انظر: تأويل مشكل القرآن (ص 10).
أيضًا، لاسيما مع شدَّة اتصال العين بالقلب، فقيّد القلوب بذكر محلها دفعًا لتوّهم إرادة غيرها.
وأحسن من هذا أنْ يقال
(1)
: إنَّه ذكر محل العمى الحقيقي الذي هو أولى باسم العمى من عمى البصر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»
(2)
، أي: هذا أولى بأنْ يكون شديدًا منه.
(3)
، أي: هذا أولى باسم المسكين من الذي تسمّونه أنتم مسكينًا، ونظائر ذلك كثيرة.
أي: فعمى القلب هو العمى الحقيقي، لا عمى البصر، فأعمى القلب أولى أنْ يكون أعمى من أعمى العين، فنبّه سبحانه بقوله:{الَّتِي فِي الصُّدُورِ} ، على أنَّ العمى هو العمى الباطن في العضو الذي محلّه الصدر، لا العمى الظاهر في العضو الذي محلّه الوجه. والله تعالى أعلم بما أراد من كلامه.
(1)
بنحو هذا قال ابن عطية في المحرر الوجيز (11/ 208، 209).
(2)
أخرجه البخاري (6114) ومسلم (2609) عن أبي هريرة.
(3)
أخرجه البخاري (1479) ومسلم (1039) عن أبي هريرة.
وأمَّا قوله سبحانه وتعالى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} [الحاقة: 13، 14]، فليس على وجه التأكيد المجرد، بل [المراد] التقييد بالمرة الواحدة، ولمّا كانت النفخة قد يراد بها الواحدة من الجنس، وقد يراد بها مطلقة، كما [في] البقلة، وحبّة الحنطة، واللعنة، والهمة، ونحوها، وكان المراد التقييد بالمرة الواحدة من هذا الجنس، أتى بالواحدة ليدل على هذا المعنى، أي: أنَّ النفخ لم يكن نفختين، ولم يك [دكّ] الأرض والجبال بعد حملهما دكّتين، بل واحدة فقط، فعل المقتدر على الشيء المتمكن منه، ونظيره قوله تعالى:{إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ} [يس: 53].
ونظيره قوله تعالى: {إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} [يس: 29]، أي: لم يتابع عليهم الصيحة، بل أهلكناهم من صيحة واحدة.
وأمَّا قوله سبحانه وتعالى: {كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 21، 22]، فليس للتأكيد كما يظنّه طائفةٌ من الناس، وإنّما المراد الدك المتتابع، أي: دكًّا بعد دكٍّ.
وهذا لا يفهم من قوله سبحانه: {دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا} ، فقوله:{دَكًّا دَكًّا} فيه قدر زائد على مجرد الدكّ، وكذلك قوله تعالى:{صَفًّا صَفًّا} ، ليس للتأكيد إذ المراد صفًّا بعد صفٍّ، أي: صفًّا يتلوه صفٌّ، وهو لا يفهم من قوله تعالى:{وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا} ؛ لاحتمال أنْ يكونوا
صفًّا واحدًا، بل هذا يكون ظاهر الكلام.
ونظير هذا الحديث في صفة جماع أهل الجنّة: «دَحْمًا دَحْمًا»
(1)
، أي: وطْأً بعد وطءٍ.
وأمَّا قوله سبحانه وتعالى: {إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا} [الزلزلة: 1]، فليس من التكرار من شيء، فإنَّ إضافة الزلزال يفيد معنًى زائدًا، وهو زلزالها المختص بها المعروف منها المتوقَّع منها، كما تقول: غضب زيدٌ غضبه، وقاتل قتاله، أي: غضبه الذي يعهد منه، وقتاله المختص به الذي يعرف منه، ومنه:
أنا أبو النجْمِ وشعرِي شعرِي
(2)
وأمَّا قوله سبحانه وتعالى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم: 6]، فهما جملتان مفيدتان معنيين:
أحدهما: أن الله سبحانه إذا أمرهم بالأمر لا يعصونه في أمره.
والثانية: أنهم لا يفعلون شيئًا من عند أنفسهم إنما فعلهم ما أمرهم به ربهم، فهم يفعلون ما يؤمرون لا ما لا يؤمرون، بل أفعالهم كلهم
(1)
أخرجه ابن حبّان في صحيحه (7402) وأبو نعيم في صفة الجنة (393) عن أبي هريرة. وإسناده حسن.
(2)
الرجز لأبي النجم العجلي في الخصائص (3/ 337) وأمالي المرتضى (1/ 350) وشرح شواهد المغني (2/ 947).
ائتمار وطاعة [لأمر] ربهم.
وأمَّا قوله سبحانه وتعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا} [يونس: 99]، فكلهم يفيد الإحاطة والعموم، ولا يلزم من قوله:{لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ} أنْ يكونوا كلهم، قال وذلك على الأكثر منهم، فكلهم رافع لهذا التوهم.
وأما قوله سبحانه: {جَمِيعًا} ، فليس بتأكيد، ولو كان تأكيدًا لقال: أجمعون، ولم يكن منصوبًا، وإنما هو حال، أي: مجتمعون على الهدى، كما قال تعالى:{وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى} [الأنعام: 35].
ومثله قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا} [الرعد: 31]، ولو كان «جميعًا» هنا تأكيدًا لقال: أجمعين.
وأما قوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30، وص: 73]، فالكلام في كلهم كما في {لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ} [يونس: 99].
وأما أجمعون فقد قالت طائفة منهم الزمخشري وغيره: أنه يفيد معنًى زائدًا غير ما يفيده كلهم، وهو أنَّ سجودهم وقع في وقتٍ واحدٍ، فاجتمعوا في السجود ولم يتخلف منهم أحد، فهما فائدتان.
قال الزمخشري
(1)
وهذه فائدة زائدة حسنة، إلا أنه يقال: لو أريد هذا المعنى لكان منصوبًا على الحال، وكان وجه الكلام أنْ يقال: مجتمعين أو أجمعين، فلما رفعهم جعلهم إتْباعًا مجردًا لكلهم يفيد فائدته، ولهذا تقول: جاء القوم أجمعون، وإن تفرقوا في مجيئهم بعد أن يجتمعوا ولا يتخلف منهم أحد، قال تعالى:{فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ} [الشعراء: 94، 95]، أي اجتمعوا كلهم في النار، ولا يدل ذلك على أنهم دخلوها وكبكبوا فيها مجتمعون
(2)
في آنٍ واحد.
وبالجملة فلفظ أجمعين وإعرابها يأبى هذا المعنى، ولا شك أنه يصدق قولك: جاء القوم أجمعون، وإنْ تفرقوا في المجيء، كما تقول: قُتل بنو فلان أو ماتوا كلهم [أجمعون]، وإنْ تباينت أوقات قتلهم وموتهم، وتأمل قوله تعالى:{فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92، 93]، هل يدل على أنه سبحانه يسألهم كلهم في آن واحد مجتمعين؟ أو يدل على أنه لا ينفك أحد عن السؤال وإن تعددت أوقات سؤالهم؟
(1)
الكشاف (3/ 334).
(2)
كذا في الأصل بالواو والنون.
وقوله سبحانه وتعالى: {قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأنعام: 149]، هل يدل على أنه كان يحصل لهم الهدى في آن واحد؟ أو يجتمعون على الهدى وإنْ تعددت أوقات هدايتهم؟
وقد يقال: أجمعون يستعمل في هذا وهذا بدليل قوله تعالى: {وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ} [الشعراء: 65]، وقوله تعالى في أصحاب الصيحة:{أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ} [النمل: 51] ولا ريب أنهم اجتمعوا في الهلاك، وأنَّ قوم موسى اجتمعوا في النجاة.
ومنه قوله تعالى حكايةً عن يوسف عليه [الصلاة و] السلام: {وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ} [يوسف: 93]، فلم يرد بهذا أنْ يجتمعوا عنده وإنْ جاؤوا واحدًا بعد واحد، وإنما أراد اجتماعهم في المجيء إليه وأنْ لا يتخلف منهم أحد، وهذا يُعْلَمُ بالسياق والقرينة.
ومن القرينة الدالة على ذلك في قصة الملائكة لفظًا ومعنى أنَّ قوله تعالى: {كُلُّهُمْ} ، يفيد الشمول والإحاطة، فلابد أنْ يفيد أجمعون قدرًا زائدًا على ذلك، وهو اجتماعهم في السجود.
وأما المعنى، فلأنَّ الملائكة لا يتخلف أحدٌ منهم عن امتثال الأمر ولا يتأخر عنه، ولا سيما وقد وقّت لهم بوقتٍ وحدّ لهم بحدٍّ، وهو التسوية ونفخ الروح، فلما حصل ذلك سجدوا كلهم عن آخرهم في آنٍ واحدٍ، ولم يتخلّف منهم أحد، بل أتوا بالسجود على الفور، فلزم
اجتماعهم فيه، فعلى هذا يُخرَّج كلام هؤلاء الفضلاء، والله أعلم.
وأما قوله سبحانه وتعالى: {وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء: 81]، {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [النساء: 6] ونظائره، فهذا ليس بزائد، بل هو متضمن فائدة بديعة، وذلك أنَّ العرب تقول: كفيتُه الشيء، فعل متعد، ولم يجئْ عنهم: كفيتُ به، ويقولون: اكتفيت به، فهذا لازم، ولم يقولوا: اكتفيته.
ثم قالوا: كفى بزيدٍ رجلًا، فتضمن معنى فعلين، أي: كفى زيدًا ما يشتمل عليه ويحوطه فاكتفى به، فأتى بكفى المتعدي، وأتى بالباء الدالة على الفعل اللازم، فأفاد هذا التركيب معنى الفعلين معًا، أي: كفى واكتفى، فاكتفى به أحدهما بصريحه والآخر بالحرف الدال عليه؛ ولهذا المعنى انتصب وكيلًا، وحسيبًا، وهاديًا، ونصيرًا، على التمييز أو الحال، والتمييز أحسن، وهذا من أسرار لغتهم التي لا يهتدي [إليها] إلا كل روحاني الذهن، لطيف الفهم، سلس القياد، يفهم المسائل [على تعدد أنواعها] في قوالب ألفاظها.
ونظير هذا: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} [الإنسان: 6]، في تشبيه معنى فعلين؛ أحدهما: بصريحه، والثاني: بحرفه المقتضي له، فكأنه في معنى يشرب ويروي بها، وهذا كثيرٌ في القرآن والكلام الفصيح.
وأما قوله تعالى: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 62]، وقوله تعالى:
{هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ} [فاطر: 3]، ففيه فائدة، وهي استغراق النفي؛ لأنّ حرف «من» للجنس، فإذا سلط النفي عليه مع مجروره أفاد استغراق النفي للجنس صريحًا؛ ولهذا لا يجوز أنْ يقابله بثبوت أكثر من واحد.
فلو قلت: [ما] من درهمٍ عندي بل درهمان، كنت [مبطلًا] لاغيًا.
ولو قلت: ما عندي درهم بل دراهم، لم يكن ذلك محالًا وكان كلامًا عربيًا.
فبدخول «من» يتعين استغراق النفي صريحًا فلا يحتمل تأويلًا، وبدونها غايته أنْ يكون ظاهرًا لا يناقضه إثبات المتعدد، ولا ريب أنَّ هذه فائدةٌ جليلةٌ زائدةٌ على النفي الخالي من هذا الحرف.
وأيضًا فقد قال سيبويه
(1)
: ما من رجل في الدار، كأنه جواب لقول مَن قال: هل من رجل في الدار؟ فدخول «من» هنا يتطابق الجواب والسؤال، والله [سبحانه] وتعالى أعلم.
وأما قوله سبحانه وتعالى: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ} [الحشر: 24]، فليس بتكرار، بل هي معانٍ متغايرة بينهما قدر مشترك، وبيانه أنَّ الإيجاد يتعلق بالمادة وبالصورة وبمجموعهما، فإنْ تعلق بالمادة فهو برؤه، ولا يقال للمصور: إنَّه بارئ باعتبار تصويره، وإنما البارئ من برأ الشيءَ من العدم إلى الوجود، وإنْ تعلق بالصورة فهو تصوير، ويقال
(1)
الكتاب (3/ 205) ط. مؤسسة الرسالة.
لفاعله: المصور، والخالق ينظمهما معًا، فالبارئ للمادة، والمصوّر للصور، والخالق لهما جميعًا، فأين التكرار؟
وأما قوله سبحانه وتعالى: {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ} [النحل: 51]، فليس للتكرار والتأكيد المحض، وليس الموضع موضع تأكيد، بل لما كان النهي واقعًا على التعديد والاثنينية دون الواحد أتى بلفظ الاثنين.
لأنَّ قولك: لا تتخذ ثوبين، يحتمل النهي عنهما جميعًا، ويحتمل النهي عن الاقتصار عليهما. فإذا قلت: ثوبين اثنين، عَلِمَ المخاطب أنك نهيته عن التعدد والاثنينية دون الواحد، وأنك إنما أردت منه الاقتصار على ثوب واحدٍ.
فتوجه النهي إلى نفس التعدد والعدد، فأتى باللفظ الموضوع له الدال عليه، فكأنه قال: لا تُعدِّد الآلهة ولا تتخذ عددًا تعبد، إنما هو إلهٌ واحدٌ فلا تضُمَّ إليه غيره وتجعلهما اثنين فلا تكرار إذن.
وفيه معنى آخر، وهو أنْ تكون «اتخذ» هذه هي التي تتعدى إلى مفعولين، ويكون اثنين مفعولها الأول، وإلهين مفعولها الثاني، وأصل الكلام: لا تتخذوا [اثنين] إلهين، ثم قدم المفعول الثاني على الأول، ويدل على التقديم والتأخير أنَّ إلهين أخص من اثنين، واتخاذ اثنين يقع على ما يجوز وما لا يجوز، وأما اتخاذ اثنين إلهين فلا يقع إلا على ما لا يجوز، وقدم إلهين على اثنين إذ المقصود بالنهي اتخاذهما إلهين،
فالنهي وقع على نفس الإلهية المتخذة، وعلى هذا فلابد من ذكر الاثنين والإلهين إذ هما مفعولا الاتخاذ، والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأما قوله سبحانه وتعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [آل عمران: 62]، و {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود: 87]، فهذه فائدة ظاهرة، وله فائدتان لفظية ومعنوية:
أما اللفظية: فصيانة الخبر عن التباسه بالتابع الصفة وعطف البيان، هذا عند جمهور النحاة، ونازعهم في ذلك بعض المتأخرين.
وأما المعنوية: فهي إفادةُ انحصار الخبر في المبتدأ، فإذا قلت: زيدٌ هو القائم، كان في قولك: هو القائم، وحده لا غيره؛ ولهذا يقع في جواب مَن يقول: زيد وعمرو فاضلان، فتقول: زيد هو الفاضل.
وتأمّل قول قوم شعيب له عليه الصلاة والسلام: {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} ، تجده مُفهِمًا إنك لأنت الحليم الرشيد وحدك دوننا، ولسنا نحن بحلماء ولا راشدين.
وكذا قوله تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} ، وقوله تعالى:{وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118].
وفيه فائدة ثالثة: وهي تحقيق نسبة الخبر إلى ذلك المبتدأ بعينه، كقول إخوة يوسف عليه الصلاة والسلام له لما عرّفهم نفسه:{أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ} حقًّا؟ فذاك الذي فعلنا به ما فعلنا أنت هو يقينًا؟ {قَالَ أَنَا
يُوسُفُ} [يوسف: 90].
ونظير هذا: إنك أنت فلان؟ فيقول: نعم أنا فلانٌ.
وهذه فوائد لم تكن تحصل بدون إدخال هذا الفصل، والله سبحانه وتبارك وتعالى أعلم.
وأما قوله تبارك وتعالى: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ} [المؤمنون: 35]، فأعاد أنكم.
فقد قيل: أصلُ الكلامِ: أيعدكم أنكم مخرجون إذا متم وكنتم ترابًا وعظامًا.
فإنه لو قال: أيعدكم أنكم إذا كنتم ترابًا وعظامًا، لطال الفصل بين أنَّ واسمها وخبرها، فأعاد أنَّ لتقع على الخبر.
ونظير هذا قوله سبحانه وتعالى: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا} [التوبة: 63]، لما طال الكلام أعاد أنَّ، هذا قول الزجاج وطائفة
(1)
.
وأحسن من هذا أن يقال: إن كلَّ واحدٍ من هاتين الجملتين جملةٌ شرطيةٌ مركبةٌ من جملتين خبريتين
(2)
، فأكدت الجملة الشرطية بأنَّ،
(1)
انظر: كلام الزجاج في كتابه معاني القرآن (4/ 11).
(2)
في مجموع الفتاوى (15/ 276): جزائيتين.
على حد تأكيدها في قول الشاعر:
إنَّ مَن يدخلِ الكنيسةَ يومًا
…
يَلْقَ فيها جآذرًا وظِباءَا
(1)
ثم أكدت الجملة الخبرية
(2)
بأنَّ إذ هي المقصودة، على حدِّ تأكيدها في قوله سبحانه وتعالى:{وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ} [الأعراف: 170].
ونظير الجمع بين تأكيد الجملة الكبرى المركبة من الشرط والجزاء قوله تبارك وتعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 90]، ولا يقال في هذا:«إنَّ» أعيدت لطول الكلام.
ونظيره قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى} [طه: 74].
ونظيره قوله تبارك وتعالى: {أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام: 54]، فهما تأكيدان
(1)
البيت ينسب للأخطل في خزانة الأدب (1/ 457)، وشرح شواهد المغني (2/ 918)، وليس في ديوانه. وهو بلا نسبة في أمالي ابن الحاجب (1/ 158) وشرح المفصل (3/ 115) ومغني اللبيب (1/ 37).
(2)
في مجموع الفتاوى: الجزائية.
مقصودان لمعنيين مختلفين، ألا ترى أنَّ تأكيد قوله تعالى:{غَفُورٌ رَحِيمٌ} بأنَّ، غير تأكيد «من عمل سوء بجهالة فأنه غفور رحيم» له بأن، وهذا ظاهرٌ لا خفاء به، وهو كثيرٌ في القرآن وكلام العرب.
وأما قوله سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 147].
فهذا ليس من التكرار في شيء، فإنَّ «قولهم» خبر كان قدم على اسمها، و «أنْ قالوا» في تأويل المصدر، وهو الاسم، فهما اسم كان وخبرها، والمعنى: وما كان لهم قول إلا قول: ربنا اغفر لنا ذنوبنا.
ونظير هذا قوله سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا} [الأعراف: 82]، والجواب قول، وتقول: ما لفلانٍ قولٌ إلا قول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فلا تكرار أصلًا.
وأما قوله سبحانه وتعالى: {وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ} [الروم: 49]، فهي من أشكل ما أورد، ومما أعضل على الناس فهمها.
فقال كثير من أهل الإعراب والتفسير: إنه على التكرير المحض والتأكيد.
قال الزمخشري
(1)
: «{مِنْ قَبْلِهِ} من باب التكرير والتأكيد، كقوله تعالى:{فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ} [الحشر: 17]، ومعنى التوكيد فيه الدلالة على أنَّ عهدهم بالمطر قد تطاول وبعد، فاستحكم يأسهم وتمادى إبلاسهم، فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم
(2)
بذلك».
هذا كلامه، وقد اشتمل على دعويين باطلتين:
إحداهما: قوله: إنه من باب التكرير.
والثانية: تمثيله ذلك بقوله سبحانه وتعالى: {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا} .
فإنَّ «في» الأولى هي على حد قولك: أزيد
(3)
في الدار؟ أي: حاصل أو كائن.
وأما «في» [الثانية] فمعمولةٌ للخلود، وهو معنى آخر غير معنى مجرد الكون، فلما اختلف العاملان ذُكِرَ الحرفان، فلو اقتصر على أحدهما كان من باب الحذف لدلالة الآخر عليه، ومثل هذا لا يقال له تكرار.
ونظير هذا أنْ تقول: زيد في الدار نائم فيها، أو ساكن فيها، ونحوه مما هو جملتان مفيدتان لمعنيين.
(1)
الكشاف (3/ 207).
(2)
في الأصل: «اهتمامهم» . والتصويب من الكشاف.
(3)
في مجموع الفتاوى بدون همزة الاستفهام.
وأما قوله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ} ، فليس من التكرار، بل تحته معنى دقيق، والمعنى فيه: وإنْ كانوا من قبل أنْ ينزل عليهم الودق من قبل هذا النزول لمبلسين، فهاهنا قبليتان: قبلية لنزوله مطلقًا، وقبلية لذلك النزول المعين أنْ لا يكون متقدمًا على ذلك الوقت، فيئسوا قبل نزوله يأسين: يأسًا لعدمه، ويأسًا لتأخره عن وقته، فقبل الأولى ظرف لليأس، وقبل الثانية ظرف للمجيء والإنزال.
ففي هذه الآية ظرفان معمولان وفعلان مختلفان عاملان فيهما، وهما الإنزال والإبلاس، فأحد الظرفين متعلق بالإبلاس، والثاني متعلق بالنزول.
وتمثيل هذا أنْ تقول إذا كنت مؤملًا للعطاء من شخص في وقتٍ، فتأخر عن ذلك الوقت، ثم أتاك به: قد كنتُ يائسًا من قبل أنْ تجيئني بهذا من قبل، أي: أيستُ من قبل مجيئك بهذا قبل هذا الوقت.
فقبل الأولى ظرف لليأس، و قبل الثانية ظرف للوقت، كما أنك لو وضعت موضع قبل الثانية غيرها وجدتها غير متكرر، فإذا قلت: قد كنت آيسًا قبل أن تأتيني بهذا أمس، أكان تكرارًا؟ فمن قبله كان كأمس. ولو قلت: وإنْ كانوا من قبل أنْ ينزل عليهم قبل وقت نزوله لمبلسين، لما كان تكرارًا؛ لاختلاف الآية. والله سبحانه وتعالى أعلم.
وأما قوله سبحانه وتعالى: {أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى} [القيامة: 34، 35]، فهذا ليس من باب التكرار، بل هو وعيدٌ ودعاءٌ، يعني: قرب
منك ما يهلك قربًا بعد قرب، كما تقول: غفر الله ثم غفر الله لك، أي: غفر لك مغفرة بعد مغفرة، فليس هذا بتكرار محض، ولا من باب التأكيد اللفظي، بل هو تعدد الطلب لتعدد المطلوب، ونظيره: اضربه ثم اضربه.
وأما قوله سبحانه وتعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ} [المسد: 1]، [فليس] من التكرار؛ لاختلاف مقصود الفعلين، فإنَّ الأول منهما دعاء يراد به الإنشاء، والثاني خبر، أي: تبت يدا أبي لهب وقد تبّ.
قال الفراء
(1)
: «كما تقول: أهلكه الله وقد هلك» .
وقال مقاتل
(2)
: «خسرت يداه بترك الإيمان وخسر هو» .
وأما قوله سبحانه وتعالى: {فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ} [الرحمن: 13]، فتعديد ذلك في مقابلة تعديد الآلاء
(3)
.
وكذلك قوله سبحانه وتعالى: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [المرسلات: 15]، فهي مع كل آية كأنها مع سورة مفردة، فلا تكرار، والله تعالى أعلم.
وأما قوله تعالى: {وَلَّى مُدْبِرًا} [النمل: 10]، وقوله تعالى: {ثُمَّ وَلَّيْتُمْ
(1)
في معاني القرآن له (3/ 398).
(2)
رُوي نحوه عن قتادة، انظر: تفسير عبد الرزاق (2/ 406) والطبري (14/ 715).
(3)
انظر: تأويل مشكل القرآن (ص 239) والصناعتين (ص 144) وأمالي المرتضى (1/ 86).
مُدْبِرِينَ} [التوبة: 25]، فكثير من النحاة يعتقدون أنَّ هذه حال مؤكدة، ويقسم الحال إلى ثلاثة أقسام: مؤكدة، ومثنية، ومقدرة، ويجعل «ولَّى مدبرًا» من الحال المؤكدة.
وهذا غلط، فإنَّ الحال المؤكدة مفهومها مفهوم عاملها، وليس كذلك التولية والإدبار، فإنَّهما بمعنيين مختلفين، فالتولية أن يولِّي الشيءَ ظهرَه، والإدبار أنْ يهرب منه، فما كل مولٍّ مدبرًا، وكل مدبر مولٍّ، ألا ترى أنك إذا قلت: ولَّى ظهره وأدبر، لم يكن من باب قوله:«كذِبًا ومَيْنًا»
(1)
.
ونظيره قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} [النمل: 80]، فلو كان أصمَّ مقبلًا لم يسمع، فإذا ولَّى ظهره كان أبعد من السماع، فإذا أدبر مع ذلك كان أشد لبعده عن السماع.
وقوله تعالى: {وَلَمْ يُعَقِّبْ} [النمل: 10]، إشارة إلى استقراره في الهرب وعدم رجوعه يقال: عقَّب فلان، إذا رجع، وكل راجع معقّب، وأهل التفسير يقولون: لم يقف ولم يلتفت، وعلى كل حال فليس هنا
(1)
هذا جزء من بيت شعر، تمامه:
وقدَّدَتِ الأديمَ لراهِشَيْهِ
…
فألفى قولَها كذبًا ومَيْنَا
وهو لعدي بن زيد العبادي في الشعر والشعراء (1/ 233) وجمهرة اللغة (ص 993)، ولسان العرب (مين) وشرح شواهد المغني (2/ 776).
تكرار أصلًا، بل لكل لفظ فائدة. والله سبحانه وتبارك وتعالى أعلم، وصلّى الله تعالى على سيدنا محمد وآله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا كثيرًا.
(آخر الفائدة الجليلة رحم الله مصنفها وكاتبها ومالكها، والحمد لله رب العالمين، تم بحول الله وإحسانه).