الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إلّا كان عليهم تِرةً" ففيه الجمع بين ذكر الله والصلاة على رسوله.
كما جاء في الحديث العمري موقوفًا ومرفوعًا وعن علي، ولفظه:"الدعاء موقوفٌ بين السماء والأرض حتى تصلي على نبيك"
(1)
.
ولو قيل مثل ذلك في الصلاة المكتوبة لكان حسنًا، والحديث المأثور يؤيِّد ذلك.
وأصل هذا أن مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما أنه
لابُدَّ في الخطبة من ذكرِ الله وذكرِ رسوله
، ثم تكلموا في معنى ذكر الرسول بما فصَّلتُه. وكذلك يقال في ذكر الله أنه معنى الحمد لله، لما رواه أبو داود في السنن
(2)
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل كلامٍ لا يُبدأ فيه
(1)
أخرجه موقوفًا على عمر: الترمذي (486) والإسماعيلي في مسند عمر كما في الوابل الصيب (ص 69). وفي إسناده أبو قرة، وهو مجهول. والحديث ضعفه ابن خزيمة في صحيحه (4/ 95) والسخاوي في القول البديع (ص 213). وقال ابن القيم:"وقد روي حديث الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من حديث معاذ بن الحارث عن أبي قرة مرفوعًا، لكنه لا يثبت. والموقوف أشبه، والله أعلم". وقد أخرجه مرفوعًا رزين بن معاوية كما في مسند الفاروق (1/ 176).
أما حديث علي فأخرجه الطبراني في الأوسط (1/ 211) والبيهقي في شعب الإيمان (4/ 206) موقوفًا عليه، وأخرجه أبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب (2/ 1677) والهروي في ذم الكلام (4) عنه مرفوعًا. والحديث رفعه ووقفه ضعيف جدًا، ففي إسنادهما الحارث الأعور وهو متهم. ورجح ابن القيم في الوابل الصيب (ص 132) وقفه.
(2)
برقم (4840). وأخرجه أيضًا أحمد (2/ 359) والنسائي في عمل اليوم والليلة (494) وابن ماجه (1894) والدارقطني (1/ 229) والبيهقي (3/ 208، 209) من طرق عن الأوزاعي عن قرة بن عبد الرحمن عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة. وقرة ضعيف.
بحمد الله فهو أجذم". ورواه أحمد وغيره، وفي رواية: "كل أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم". وكذلك خُطَب رسول الله صلى الله عليه وسلم المنقولة عنه مفتتحةٌ بحمد الله، كما افتتح الله كتابه بذلك، وجعل ذلك فاتحة الكتاب التي هي السبع المثاني.
فصل
والشهادة المذكورة هي أول الواجبات في دين الإسلام، كما دلَّت عليه السنن المتواترة، وكما أجمع المسلمون على أن من قال ذلك صار مسلمًا، وإذا .......
(1)
بقلبه صار مؤمنًا، وأنه بدون ذلك لا يُقبَل منه عملٌ، وأنه ...... إلى ذلك، وعليه يقاتلون.
وهذا الأمر المتواتر المعـ[روف] من دين المسلمين الذي أجمعوا عليه خلفًا بعدَ سلفٍ يُبيِّن لك خطأ مَن أوجبَ قبل ذلك شيئًا غيرَه من المتكلمة، سواء سمَّوا ذلك النظر أو القصد إليه أو الشكّ أو معرفة الله، إلى غير ذلك من المقالات المبتدعة، بل الأمر هو ما عليه الفقهاء وأهل المعرفة وعلماء الحديث وعوامُّ المسلمين، وهو الذي توارثوه عن نبيِّهم الذي تُلُقِّيَ الوجوب من جهته توارثًا معلومًا بالاضطرار، وذلك
(1)
مواضع النقط كلمات مبتورة.
عندهم أظهر وأشهر من جميع الأمور الموروثة عنه.
وإنما نشأ هذا الغلطُ من المعتزلة الذين أحدثوا الكلامَ الباطلَ في الدين، وبَنَوا ذلك على أن العقل بمجرده يُوجِب، وأنه يُوجب معرفةَ اللهِ المنعم أولاً، وأنه لا طريقَ إلى ذلك إلّا النظر، فقالوا بوجوبه، وقد بسطتُ القولَ في هذه المسألة في غير هذا الموضع
(1)
، وبينتُ أن المعرفة المجملة داخلةٌ في أول الواجبات، لا أنها بنفسها وحدها وجبتْ، وأنها وحدها لا بقيدٍ.
والشهادة وإن كانت هي أول الواجبات فهي أفضل العبادات، وأرفعُ العلوم والمعارف، وأجلّ القُرَبِ والطاعات، وهي قُوْتُ المؤمن في كل وقتٍ وحال، وهي للإيمان كالنية للعبادات، وإن اكتُفِي باستصحاب حكمها فاستصحابُ ذكرها هو الأصل، ويجب أن يُستصحبَ ذكرُه في المواطن التي يستزلُّ الشيطانُ الناسَ عن حقيقتها، إما بتألُّهِ غيرِ الله أو إخراج الرسولِ عن حقيقة الرسالة، ومزاحمة غيره له، من ملكٍ أو أمير أو عالم أو شيخ أو إمام أو صاحب، فإن هذا يقع فيه خلائق لا يُحصَون ممن مضى ومن غبَر، وهو يخرج عن حقيقة الإيمان وإن كان قد لا يَخرج عن أصلِه.
فصل
وخصائصُ الشهادتين وعلوُّ قدرِها وفضلها كثير جدًّا، وكذلك فضل التوحيد والتهليل كثير جدًّا في الكتاب والسنة وإجماع الأمة،
(1)
انظر: درء التعارض (3/ 51، 4/ 52، 107) وبيان تلبيس الجهمية (1/ 249).
كقوله: {مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ} [إبراهيم: 24]، وقوله:{لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92، 93]، وقوله:{مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ} [الأنعام: 160]، وقوله:{وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى} [الفتح: 26]، وقوله:{وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا} [التوبة: 40] إلى غير ذلك مما هو مذكور في كتب التفسير وكتب الحديث والفقه والرقاق والأذكار والأدعية، كالدعاء للطبراني وغير ذلك.
والمقصود هنا أن هذه الكلمة الطيبة العليا هي لا إله إلا الله، ففيها نفي الإلهية عما سواه وإثباتُها له. والإله مَن يُولَهُ رجاءً وخشيةً وإجلالاً وإكرامًا وعبادةً واستعانةً وغير ذلك من معاني الإلهية، وإن كان طائفة من المتكلمين يعتقدون أن الإله هو الخالق، أو هو الرب، أو هو القديم، وأن الإلهية هي القدرة على الاختراع أو صنع العالم أو نحو ذلك، فهذه كلها صفاتٌ لله سبحانه، بها وجب أن يكون الإله.
والإله هو المعبود الصمد المقصود الذي إليه المنتهى، والشركُ الذي حرَّمه الله على ألسُنِ رُسلِه، وحكمَ بكُفْرِ أصحابه عبادةُ إلهٍ سواه، وإن كان العابد له يعتقد ذلك خلقًا من مخلوقاته، فإن هذا قول جميع المشركين من جميع الأمم، لم يكن من المشركين من يقول: إنّ مع الله إلهًا مساويًا له في صفاتِه أو أفعاله، أو أنه شاركه في خلق جميع المخلوقات، بل جمهور من أشرك به يُقِرُّ بأن شريكَه مملوكُه، سواء أشركوا به الملائكة أو الكواكبَ أو الأنبياء أو الصالحين أو الجنّ أو
الأوثان أو الأصنام أو غير ذلك. ومما كانوا يقولون في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك، إلّا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك"
(1)
. ولهذا قال تعالى: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ} [الروم: 28]. ومن لم يُقرَّ بأن شريكَه مملوكُه ــ كطائفةٍ من المجوس ــ يزعم أن الظلمة قديمة مع النور، فهم يقولون إنها ليست مثله ولا تَفعلُ كفعلِه، بل يجعلون ذلك قديمًا شريرًا ملعونًا.
وكذلك الصابئة والمتفلسفة الذين يقولون بتولُّد الأرواح التي هي العقول والنفوس، والعرب الذين كانوا يقولون: الملائكةُ بناتُ الله، والنصارى واليهود الذين يجعلون المسيحَ وعزيرًا ابنَ الله، كلُّ هؤلاء يُقرّون بأنه هو الربُّ الأعلى الفاعل المدبِّر لما جعلوه ولدَه وابنَه.
والقرآن قد اشتمل على ذمّ المشركين به والذين جعلوا له ولدًا كقوله: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 100]، وقوله:{وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ} [الإسراء: 111]، وقوله:{الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} [الفرقان: 2]، وقوله:{لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ}
(1)
كما في حديث ابن عباس الذي أخرجه مسلم (1185).