الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وزيارة، فإن هذه مظنة فساد دينها، كخلوة الأجنبي بها، وخلوته بها لرجحان المصلحة جائز. وأحمد في رواية المرُّوذي قد جوَّز السفر للكبيرة التي لا محرمَ لها وقد يئست من الزواج، فإنها من القواعد.
وكذلك سفرها إلى المساجد الثلاثة هو طاعة وقربة تفوتها، فإذا أمنت لم يبعد جوازه، بخلاف السفر الذي ليس بواجب ولا مستحب، فإن هذا ليس فيه مصلحة راجحة في دينها، وفيه مفسدة في دينها، فإن انفرادها عن الزوج والمحرم مظنة حصول الشر في دينها، فإذا فوّت السفر الذي هو في نفسه طاعة، والسفر غير الطاعة، واعتبر في سفر الطاعة أن تكون آمنةً، فهذا قولٌ متوجه كما قاله كثير من العلماء.
وهم متفقون على أن قوله: «لا تسافر المرأة إلا مع زوج أو ذي محرم»
(1)
ليس على عمومه، فإنه يجوز لها سفر الضرورة، كسفر الهجرة، وكسفر زينب وأم كلثوم بلا زوج ولا ذي محرم.
و
النظر إلى الأجنبية
مُنِع منه لأنه داعية للمحرَّم، يجوز للخاطب بالنصّ والإجماع للحاجة، وجُوِّز للشاهد والعامل، وجوَّزه أصحابنا وغيرهم بشرط عدم الشهوة، وجوَّزه أصحاب أبي حنيفة مع الشهوة، وإذا كان بلا شهوة يجوز عندهم مطلقًا إلى الوجه واليدين، وهو إحدى الروايتين عن أحمد وأحد قولي الشافعي.
ومن ذلك: الصلاة وقتَ الطلوع والغروب، نُهِي عنه لسدِّ الذريعة
(1)
أخرجه البخاري (1995) ومسلم (827) عن أبي سعيد الخدري.
لئلا يُشبِه عُبَّادَ الشمس، فيجوز للمصلحة الراجحة، مثل قضاء الفوائت وغيرها. والصحيح أنه يجوز في ذوات الأسباب مطلقًا، كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين.
فصل
قال النبي صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام: «لا تَبِعْ ما ليس عندك» ، لما قال له: يأتيني الرجل فيطلب مني البيعَ ليس عندي فأبيعه منه، ثم أذهب إلى السوق فأبتاعه، فقال:«لا تبع ما ليس عندك»
(1)
. وفي حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يَحِلُّ سلفٌ وبيعٌ، ولا شَرطانِ في بيع، ولا رِبْح ما لم يضمن، ولا تَبعْ ما ليس عندك»
(2)
.
وللناس في هذا الحديث أقوال:
قيل: المراد بذلك أن يبيع السلعة المعينة التي هي مال الغير، يبيعها إن ملكها، فقال:«لا تبع ما ليس عندك» ، أي لا تبع ما لا تملكه من الأعيان. ونُقِل هذا التفسير عن الشافعي أنه يجوز السَّلَم الحال، وقد لا يكون عند المستسلف ما باعه. فحملَه على الأعيان، ليكون بيعُ ما في الذمة جائزًا، سواء كان حالًّا أو مؤجلًا.
(1)
أخرجه أحمد (3/ 402، 434) وأبو داود (3503) والترمذي (1232) والنسائي (7/ 289) وابن ماجه (2187) من حديث حكيم. وقال الترمذي هذا حديث حسن.
(2)
سبق تخريجه.
وقال آخرون: هذا ضعيف جدًّا، فإن حكيم بن حزام ما كان يبيع شيئًا معينًا هو ملكٌ لغيره، ثم ينطلق فيشتريه منه، ولا كان الذين يأتونه يقولون: نطلبُ عبدَ فلانٍ أو دارَ فلانٍ، وإنما الذي يفعله الناس أن يأتيه الطالب فيقول: أريد طعامًا كذا وكذا، أو ثوبًا كذا وكذا، وغير ذلك. فيقول: نعم أُعطِيك، فيبيعه منه، ثم يذهب فيحصِّله من عند غيرِه إذا لم يكن عنده. هذا هو الذي يفعله من يفعله من الناس، ولهذا قال:«يأتيني فيطلب مني البيعَ ليس عندي» ، لم يقل: يطلب مني ما هو مملوكٌ لغيري. فالطالب طلب الجنس لم يطلب شيئًا معينًا، كما جرت عادة الطالب لما يؤكل ويُلبَس ويُركب، إنما يطلب جنس ذلك ليس له غرضٌ في ملك شخصٍ بعينه، دون ما سواه مما هو مثله أو خيرٌ منه.
ولهذا صار أحمد بن حنبل وطائفة إلى القول الثاني، فقالوا: الحديث على عمومه يقتضي النهي عن بيع ما في الذمة إذا لم يكن عنده، وهو يتناول النهي عن السلم إذا لم يكن عنده، لكن جاءت الأحاديث في جواز السَّلَم المؤجل، فبقي هذا في السَّلَم الحال.
والقول الثالث ــ وهو أظهر الأقوال ــ: إن الحديث لم يرد به النهي عن السَّلَم المؤجل ولا الحال مطلقًا، وإنما أريد به أن يبيع في الذمة ما ليس هو مملوكًا له ولا يَقدِر على تسليمه، ويَربح فيه قبلَ أن يملكه ويقدر على تسليمه وتضمنه. فهو نهيٌ عن السَّلَم الحال إذا لم يكن عند المستسلف ما باعه، فيلزم ذمته بشيء حال ويربح فيه، وليس هو قادرًا على إعطائه. وإذا ذهب يشتريه قد يحصل وقد لا يحصل، فهو من نوع
الغرور والمخاطرة، وهو إذا كان السلم حالًّا وجبَ تسليمه عليه في الحال، وليس هو بقادرٍ على ذلك، ويربح فيه على أن يملكه فيضمنه. وربما أحاله على الذي ابتاع منه، فلا يكون قد عمل شيئًا، بل أكلَ المال بالباطل. وعلى هذا فالسَّلَم الحال إذا كان المسلم إليه قادرًا على الإعطاء هو جائز، وهو كما قال الشافعي: إذا جاز المؤجل فالحال أولى بالجواز.
ومما يبيِّن أن هذا مراد النبي صلى الله عليه وسلم أن السائل إنما سأله عن بيع شيء مطلق في الذمة كما تقدم، لكن إذا لم يُجوَّزْ بيع ذلك فبيعُ المعيّن الذي لم يملكه أولى بالمنع. وإذا كان إنما سأله عن بيع شيء في الذمة، وإنما سأله عن بيعه حالًا، فإنه قال: أبيعه ثم أذهب فأبتاعه، فقال له:«لا تبع ما ليس عندك» ، فلو كان السَّلف الحال لا يجوز مطلقًا لقال ابتداءً:«لا تبع هذا» سواء كان عنده أو ليس عنده، فإن صاحب هذا القول يقول: بيعُ ما في الذمة حالًّا لا يجوز ولو كان عنده ما يُسلمه، بل إذا كان عنده فإنه لا يبيع إلا معينًا، لا يبيع شيئًا في الذمة. فلما لم ينهه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك مطلقًا، بل قال:«لا تبع ما ليس عندك» = عُلِمَ أنه فرَّق بين ما هو عنده ويملكه ويقدر على تسليمه، وما ليس كذلك، وإن كان كلاهما في الذمة.
ومن تدبَّر هذا تبيَّن له أن القول الثالث هو الصواب.
وإذا قيل: المؤخر جائز للضرورة، وهو بيع المفاليس، لأن البائع
احتاج إلى أن يبيع إلى أجل، وليس عنده ما يبيعه الآن، وأما الحال فيمكنه أن يحضر المبيع فيراه، فلا حاجة لبيع موصوف في الذمة، أو يبيع عينًا موصوفة غائبة، لا يبيع شيئًا مطلقًا، بل هذا ممنوع، فلا نسلم على خلاف الأصل، بل تأجيل المبيع كتأجيل الثمن، كلاهما من مصالح العالم.
والناس لهم في المبيع الحال والغائب ثلاثة أقوال:
منهم من يجوِّزه مطلقًا، ولا يجوِّزه معينًا موصوفًا، كالشافعي في المشهور عنه.
والأظهر جواز هذا وهذا، ويقال للشافعي مثل ما قال هو لغيره: إذا جاز بيع المطلق الموصوف فالمعين الموصوف أولى بالجواز، فإن المطلق فيه غررٌ وخطر وجهلٌ أكثر من المعيّن. فإذا باع حنطةً مطلقةً فبالصفة أولى، بل ولو بيع المعيَّن بلا صفة، وللمشتري الخيار إذا رآه، جاز أيضًا، كما نُقِل مثلُ ذلك عن الصحابة، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين.
وقد جوَّز القاضي وغيره من أصحاب أحمد السَّلَم الحال بلفظ البيع.
والتحقيق أنه لا فرقَ بين لفظٍ ولفظٍ، ونفسُ بيع الأعيان الحاضرة التي يتأخر قبضُها يُسمَّى سَلفًا إذا عجّل له الثمن، كما في «المسند»
(1)
(1)
(2/ 46، 51).
عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يُسلم في حائطٍ بعينه إلا أن يكون قد بدا صلاحُه. فهو إذا بدا صلاحُه وقال: أسلمتُ إليك في عشرة أوسُقٍ من تمر هذا الحائط جاز. كما يجوز أن يقول: ابتعتُ عشرةَ أوسُقٍ من هذه الصُّبرة، ولكن التمر يتأخر قبضُه إلى كمالِ صلاحِه، فإذا عجل له الثمن قيل له سلف، لأن السلف هو الذي تقدم، والسالف: المتقدم، قال الله تعالى:{فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ} [الزخرف: 56]. والعرب تُسمّي أول الرواحل: السالفة، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم:«الحقي سلفنا الخيّر عثمان بن مظعون»
(1)
، وقوله:«حتى تنفردَ سالفتي»
(2)
وهي العنق.
ولفظ «السلف» يتناول القرض والسَّلَم، لأن المقرض أيضًا سلَّف القرضَ، أي قدَّمه وعجَّله، لكن هذا تبرع بالمنفعة، وفيه حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا يحلُّ سلفٌ وبيع، وشرطانِ في بيع، ولا ربح ما لم يُضمَن، ولا بيع ما ليس عندك»
(3)
. ومنه الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم استلفَ بَكْرًا وقضَى جملًا رَبَاعيًا
(4)
.
والذي يبيع ما ليس عنده لا يقصد إلا الربح، وهو تاجر، فيسلف
(1)
أخرجه أحمد (1/ 237، 335) عن ابن عباس. وإسناده ضعيف، فيه علي بن يزيد، وهو ضعيف.
(2)
ورد ضمن حديث المسور بن مخرمةومروان بن الحكم، الذي أخرجه البخاري (2731، 2732).
(3)
سبق تخريجه.
(4)
سبق تخريجه.
بسعر، ثم يذهب فيشتري بأرخصَ منه بمثل ذلك الثمن، فإنه قد يكون أتعبَ نفسَه لغيرِه بلا فائدةٍ. وإنما يفعل هذا من يتوكل لغيره، فيقول: أعطِني فأنا أشتري لك هذه السلعة، فيكون أمينًا. أما أنه يبيعها بثمن معين يقبضه، ثم يذهب فيشتريها بمثل ذلك الثمن من غير فائدة في الحال، فهذا لا يفعله عاقل.
نعم إذا كان هناك تأخير، فقد يكون محتاجًا إلى الثمن فيستسلفه، وينتفع به مدةً إلى أن تحصل تلك السلعة، فهذا يقع في السَّلَم المؤجَّل، وهو الذي يُسمَّى بيع المفاليس، فإنه يكون محتاجًا إلى الثمن وهو مفلس، وليس عنده في الحال ما يبيعه، ولكن له مالٌ يأتي من بعدِه من تمرٍ أو مغلٍّ أو غيرِ ذلك، فيبيعه في الذمة، فهذا يفعله مع الحاجة، ولا يفعله بدون الحاجة إلا أن يقصد أن يتجر بالثمن في الحال، ويرى أنه يحصل به من الربح أكثر مما يفوت بالسَّلَم. فإن المستسلف يبيع السلعةَ في الحال بدون ما يساوي نقدًا، والمُسْلِف يَرى أنه يشتري بها إلى أجل بأرخصَ مما يكون عند حصولها، وإلّا فلو علم أنها عند الأجل كحصول الحنطة في البيدر تباع بالسَّلَم لم يسلم فيها، فيذهب نفع ماله بلا فائدة، وإذا قصد الآخر قرضه ذلك قرضًا، ولا يجعل ذلك سلَمًا إلا إذا ظنَّ أنه أرخص في الحال وقت الأجل.
فالسَّلَم المؤجل في الغالب لا يكون إلا مع حاجة المستسلف إلى الثمن. وأما الحال إن كان عنده فقد يكون محتاجًا إلى الثمن، فيبيع ما عنده معينًا تارةً وموصوفًا أخرى، وأما إذا لم يكن عنده فإنه لا يفعله إلا
إذا قصد التجارة والربح، فيبيعه بسعرٍ ويشتري بأرخص منه، ثم يذهب. هذا الذي قدَّره قد يحصل كما قدَّره، وقد لا يحصل، بل قد لا تحصل له تلك السِّلعة التي تسلَّف فيها، وقد لا تحصل إلا بثمنٍ أعلى مما تَسلَّفه، فيندم. وإن حَصَلَ بسعرٍ أرخصَ من ذلك ندم المُسلِف إذا كان يمكنه أن يشتريه هو بذلك الرخص. فصار هذا من نوع الميسر والقمار والمخاطرة، كبيع العبد الآبق والبعير الشارد يباع بدون ثمنه، فإن حصل ندم البائع، وإن لم يحصل ندم المشتري. وكذلك بيع حبل الحبلة، وبيع الملاقيح والمضامين، ونحو ذلك مما هو قد يحصل وقد لا يحصل، وهو من جنس صاحب القمار والميسر.
والخطر خطران:
خطر التجارة: وهو أن يشتري السلعة يَقصِد أن يبيعها بربحٍ، ويتوكل على الله في ذلك، فهذا لا بد منه للتجَّار، والتاجر يتوكل على الله يطلب منه أن يأتي من يشتري السلعة، وأن يبيعها بربح، وإن كان قد يخسر أحيانًا، فالتجارة لا تكون إلا كذلك.
والخطر الثاني: الميسر الذي يتضمن أكلَ المال بالباطل، فهذا الذي حرَّمه الله ورسوله، مثل بيع الملامسة، والمنابذة، وحبل الحبلة، والملاقيح، والمضامين، وبيع الثمار قبل بُدوّ صلاحِها. وفي هذا يكون أحد الرجلين قد قمرَ الآخر وظلمَه، وفي هذا يذم المظلوم للظالم، بخلاف التاجر الذي اشترى السلعة، ثم بعد هذا نقصَ سعرُها، فهذا من
الله ليس لأحدٍ فيه حيلةٌ، ولا يتظلم مثل هذا من البائع، وبيع ما ليس عنده. والمشتري لا يعلم أنه يبيعه ثم يشتري من غيره، وأكثر الناس لو علموا لم يشتروا منه، بل يذهبون هم فيشترون من حيث اشترى هو، وإن قُدِّر أن منهم من يعلم ويشتري كما لو كانت عنده، لكونه يشتريها من مكانٍ بعيد، أو يشتري جملةً، ونحو ذلك مما قد يتعسَّر على المشتري منه، وإنما يفعل ذلك من ظنَّ أن هذا الربح هو الربح لو كانت عنده. فلو قُدِّر أن السلعة رخيصة أرخص من العادة، وأن هذا قد أربحه ما لا يصلح في مثلها ندمٌ، فهو يشتمل كثيرًا على ندم هذا وهذا، كما يشتمل على مثل ذلك سائرُ أنواع بيع الغرر.
وليس هذه المخاطرة مخاطرة التجارة، بل مخاطرة المستعجل بالبيع قبل القدرة على التسليم، كبيع الثمار قبل بدوِّ صلاحها، وبيع حبل الحبلة، وبيع الملاقيح، وبيع المضامين، وبيع العبد الآبق والبعير الشارد، ونحو ذلك. فإذا اشترى التاجر السلعةَ وصارتْ عنده ملكًا وقبضًا، فحينئذٍ دخلَ في خطر التجارة، وباعَ بيعَ التجارة كما أحلَّها الله تعالى بقوله:{لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29].
وقوله صلى الله عليه وسلم: «ولا شرطانِ في بيعٍ»
(1)
هو كنية
(2)
عن بيعتين في بيعة،
(1)
سبق تخريجه.
(2)
أي كناية.
مثل أن يتفقا على أن يبيعه بمئةٍ نسيئةً ويبتاعه بثمانين نقدًا، وهو بيع العِيْنة. وأما من فسَّره بأنهما شرطانِ في العقد الواحد أكثر من شرطٍ واحدٍ، ثم منهم من نهى عن هذا مطلقًا، كما نُقِل عن أحمد، ومنهم من قال: هذا في نوعٍ من الشروط، وهو ما ليس من مصلحة العقد= فهي أقوال مرجوحة، وليس في ذلك ما يقتضي النهي. والله سبحانه وتعالى أعلم.