الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأما [المسلم] فله ثلاثة أحوال:
تارةً يعتقدُ حِلَّ بعضِ الأنواع باجتهادٍ أو تقليد.
وتارةً يُعامِل بجهلٍ، ولا يعلم أن ذلك ربًا محرَّم.
وتارةً يقبض مع علمه بأن ذلك محرَّم.
أما الأول والثاني ففيه قولان إذا تبيَّن له فيما بعدُ أن ذلك ربًا محرَّم، قيل: يردُّ ما قبضَ كالغاصب، وقيل: لا يردُّه، وهو الأصح؛ لأنه كان يعتقد أن ذلك حلالٌ، والكلام فيما إذا كان مختلفًا فيه مثل الحيل الربوية، فإذا كان الكافر إذا تاب يُغفَر له ما استحلَّه ويُباح له ما قبضَه، فالمسلم المتأول إذا تاب يُغفَر له ما استحلَّه ويُباحُ له ما قبضَه؛ لأن المسلم إذا تاب أَوْلى أن يُغفَر له إن كان قد أخذ بأحد قولي العلماء في حِلِّ ذلك، فهو في تأويله أعذَرُ من الكافر في تأويله.
وأما المسلم الجاهل فهو أبعد، لكن ينبغي أن يكون كذلك، فليس هو شرًّا من الكافر. وقد ذكر فيما يتركه المسلم الجاهل من الواجباتِ التي لم يعرف وجوبها هل عليه قضاء؟ قولان، أظهرهما أنه لا قضاء عليه.
وأصل ذلك أن
حكم الخطاب هل يثبت في حق المسلم قبل بلوغ الخطاب
؟ فيه قولان في مذهب أحمد وغيره. ولأحمد روايتان فيما إذا صلى في معاطن الإبل، أو صلَّى وقد أكل لحم الجزور، ثم تبين له
النصّ، هل يعيد؟ على روايتين. وقد نصرتُ في موضع أنه لا يُعيد
(1)
، وذكرتُ على ذلك أدلةً متعددة:
منها: قصة عمر وعمار لما كانا جُنُبَيْنِ، ولم يُصلِّ عمر، ولم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة
(2)
.
ومنها: أبو ذر لم يأمره أيضًا بالإعادة
(3)
.
ومنها: المستحاضة
(4)
التي قالت: مَنَعتْني الصوم والصلاة.
ومنها: الأعرابي المسيء في صلاته، الذي قال: واللهِ ما أُحْسِنُ غير هذا. فأمره أن يعيد الصلاة الحاضرة؛ لأن وقتها باقٍ وهو مأمور بها، ولم يأمره بإعادة ما صلّى قبل ذلك
(5)
.
ومنها: الذين أكلوا حتى تبيَّن لهم الخيط الأبيض والأسود، ولم يُؤمَروا بالإعادة
(6)
.
(1)
انظر: مجموع الفتاوى (22/ 41 - 46).
(2)
أخرجه البخاري (338) ومسلم (368) من حديث عبد الرحمن بن أبزى.
(3)
أخرجه أحمد (5/ 146، 155) وأبو داود (333) من حديث أبي ذر، وإسناده صحيح.
(4)
هي حمنة بنت جحش، وقد أخرج حديثها أحمد (6/ 381، 349، 439) وأبو داود (287) والترمذي (128) وابن ماجه (622). قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(5)
أخرجه البخاري (757، 793) ومسلم (397) من حديث أبي هريرة.
(6)
أخرجه البخاري (1917، 4511) ومسلم (1091) عن سهل بن سعد.
والشريعة أمرٌ ونهي، فإذا كان حكم الأمر لا يثبت إلا بعد بلوغ الخطاب وكذلك النهي، فمَنْ فعلَ شيئًا لم يعلم أنه محرم، ثم علم لم يُعاقَبْ. وإذا عامل معاملاتٍ ربويةً يعتقدها جائزةً وقبضَ منها ما قبضَ، ثم جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف، ولا يكون شرًّا من الكافر، ولو كان قد باع خمرًا أو حشيشةً أو كلبًا لم يَعلم أنها حرام وقبضَ ثمنَها. وسَمُرةُ لما باع وقبضَ ثمنها قال عمر: قاتل الله سمرةَ! ألم يَعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله إذا حَرَّمَ على قومٍ أكلَ شيء حَرَّمَ عليهم ثمنَه» ؟
(1)
.
وكانوا يقبضون الخمر جزيةً عن أهل الذمة ثم يبيعونهم إياها، فقال عمر: وَلُّوهم بيعَها ثمَّ خذوا ثمنها
(2)
. وما قبضه سمرة لم يذكر أن عمر أمر بردِّه، وكيف يردُّه وقد أخذوا الخمر، ولا نهاه عن الانتفاع به؟ وذلك أن هذا الذي قبضه قبل أن يعلم أنه محرم لا إثمَ عليه في قبضه، فإنه لم يكن يعلم أنه محرم، والكافر إذا غُفِر له قبضُه لكونه قد تابَ، فالمسلم أَولى بطريق الأَولى.
والقرآن يدل على هذا بقوله: {فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} [البقرة: 275]، وهذا عام في كل من جاءه موعظة من ربه، فقد
(1)
أخرجه البخاري (2223، 3460) ومسلم (1582) عن ابن عباس، ولم يسمِّ البخاري الرجل.
(2)
أخرجه عبد الرزاق في المصنف (8/ 195).
جعل الله له ما سلف. ويدل على أن ذلك ثابت في حق المسلم ما بعد هذا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} ، فأمرهم بترك ما بقي، ولم يأمرهم بردِّ ما قبضوه، فدلَّ على أنه لهم مع قوله:{فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} ، والله يقبل التوبة عن عباده.
فإذا قيل: هذا مختص بالكافرين.
قيل: ليس في القرآن ما يدلُّ على ذلك، إنما قال:{فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} ، وهذا يتناول المسلم بطريق الأولى. وعائشة قد أدخلت فيه المسلمَ في قصة زيد بن أرقم لما قالت لأم ولده: بئسَ ما شريتِ، وبئسَ ما اشتريتِ، أخبري زيدًا أنه قد حَبِطَ جهادُه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب. فقالت: يا أم المؤمنين، أرأيتِ إن لم آخذ إلا رأسَ مالي؟ فقالت عائشة:{فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ}
(1)
.
بل قد يقال: إن هذا يتناول مَن كان يعلم التحريم إذا جاءته موعظة من ربه فانتهى، فإن الله يغفر لمن تاب بتوبته، فيكون ما مضى من الفعل وجوده كعدمه، والآية تتناوله:{فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} ، ويدل على ذلك قوله بعد هذا: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ
(1)
أخرجه الدارقطني (3/ 52)، والبيهقي في السنن الكبرى (5/ 330). قال ابن كثير في تفسيره (2/ 651): هذا الأثر مشهور.
كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} إلى قوله: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ} . والتوبة تتناول المسلم العاصي كما تتناول الكافر، ولا خلاف أنه لو عامله بربا يحرم بالإجماع لم يقبض منه شيئًا، ثم تاب، أن له رأس ماله، فالآية تناولته، وقد قال فيها:{اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} ، ولم يأمر بردّ المقبوض، بل قال قبل ذلك:{فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} .
وهذا وإن كان ملعونًا على ما أكله وأوكله، فإذا تاب غُفِر له. ثم المقبوض قد يكون اتّجر فيه وتقلب، وقد يكون أَكَلَه ولم يبقَ منه شيء، وقد يكون باقيًا، فإن كان قد ذهب وجعل دينًا عليه كان في ذلك ضرر عظيم، وكان هذا منفِّرًا عن التوبة، وهذا الغريم يكفيه إحسانًا إليه إسقاطُه ما بقي في ذمته وهو برضاه أعطاه، وكلاهما ملعون.
ولو فُرِض أن رجلًا أمر رجلًا بإتلافِ مالِه وأتلفَه لم يَضمنْه وإن كانا ظالمين، وكذلك إذا قال: اقتل عبدي. هذا هو الصحيح، وهو المنصوص عن أحمد وغيره. فكذلك هذا هو سلط ذاك على أكل هذا المال برضاه، فلا وجهَ لتضمينه وإن كانا آثمين، كما لو أتلفه بفعله، إذ لا فرقَ بين أن يتلفه بأكله أو بإحراقه، بل أكلُه خير من إحراقه، فإن لم يضمنه في هذا بطريق الأولى.
وأيضًا فكثير من العلماء يقولون: إن السارق لا يغرم؛ لئلا يجتمع عليه عقوبتان من أن الحد حقٌّ لله والمال حقٌّ لآدمي. وهذا أولى، لئلا
يجتمع على المُرْبِي عقوبتان: إسقاط ما بقي، والمطالبة بما أكل. وإن كان عين المال باقيًا فهو لم يقبضه بغير اختيار صاحبه كالسارق الغاصب، بل قبضه باتفاقهما ورضاهما بعقدٍ من العقود، وهو لو كان كافرًا ثم أسلم لم يردّه، وقد قال تعالى:{فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ} .
وقد يقال: لا يكون لواحدٍ منهما، كما لو كان ثمنَ خمرٍ أو مهرَ بَغيٍّ أو حُلوانَ كاهنٍ، فإن هذا إذا تاب لا يعيده إلى صاحبه، بل يتصدَّق به في أظهر قولي العلماء.
وكذلك لو استأجر رجلًا لحمْلِ خمرٍ، نصَّ أحمد على أنه يُقضَى له بالكراء ولا يأكلُه، لأن الحمل عملٌ مباح فيستحقُّ أجرتَه، ولكن لقصد المستأجر لا يأكله. وكذلك لو باع عنبًا أو عصيرًا ممن يتخذه خمرًا، فإنه يُقضَى له بالثمن بلا ريب إذا تعذَّر ردُّ العنب والعصير، ولا يقول عاقل: إن الذي أخذ العنب وعَصَرَه خمرًا يُعطَى مع ذلك الثمن، لكن غاية ما يقال: إن هذا يتصدق بالثمن.
فإن قيل مثل هذا في الربا قياسًا على هذا، فقد يقال: هنا التحريمُ لحقِّ الله، لأن نَفْسَ عِوَضِ الخمر محرَّم، وهناك التحريم لما فيه من ظلم الآدمي، وإن كان لو رضي به لم يجز؛ لأنه سفيهٌ في ذلك.
وأيضًا ففي ردِّه عليه تسليطٌ لمَنْ يحتال على الناس بأن يأخذها بعقود ربوية فينتفع بها، ثم يطالبهم بما قبضوه، وقد انتفع برأس مالِه مدةً
بغير رضاهم، فإنهم لم يُعطُوه قرضًا.
وهذه المسألة تحتاج إلى نظر وتحقيق، وأما الذي لا ريبَ فيه عندي فهو ما قبضَه بتأويلٍ أو جهلٍ فهنا له ما سلف بلا ريب، كما دلَّ عليه الكتاب والسنة والاعتبار، وأما مع العلم بالتحريم فيحتاج إلى نظر، فإنه قد يقال: طَرْدُ هذا أن من اكتسب مالًا من ثمنِ خمرٍ مع علمه بالتحريم فله ما سلف. وكذلك كلّ مَنْ كسب مالًا محرمًا ثم تاب، إذا كان برضا الدافع، ويلزم مثل ذلك في مهر البغيِّ وحُلوانِ الكاهن.
وهذا ليس ببعيد عن أصول الشريعة، فإنها تُفرّق بين التائب وغير التائب، كما في قوله:{فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} ، وقال تعالى:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38]. وهذا في الكفار ظاهر متواتر عن الرسول صلى الله عليه وسلم، متفق عليه بين المسلمين، فإن الكافر إذا أسلم لم يجب عليه قضاء ما تركه من صيام وصلاة وزكاة، ولا يحرم ما اكتسبه من الأموال التي كان يعتقدها حلالًا، ولاضمانَ عليه فيما أتلفَه، لأنه كان يعتقد حِلَّ ذلك.
وأما المسلم إذا تاب ففي قضاء الصلاة والصيام نزاع، ومما يُقوّي هذا أن هذا المال لا يتلف بلا نزاع، بل إما أن يتصدق به، وإما أن يدفع إلى الزاني والشارب الذي أخذ منه مع كونه مُصِرًّا، وإما أن يُجْعَل لهذا القابض التائب.
فإذا دفعه إلى الزاني والشارب فلا يقوله مَن يتصوَّر ما يقول، وإن
كان من الفقهاء مَن يقوله، فإنّ في هذا فسادًا مضاعفًا، فإن ذلك كان ممنوعًا من الشرب والزنا ولو بذل العِوَض، فإذا كان قد فعله بعِوَض وأُعِيد إليه العِوَض كان ذلك زيادةَ إعانةٍ له وإغراء له بالسيئات.
وأما الصدقة فهي أوجَهُ، لكنْ يقال: هذا الباب أحقُّ به من غيره، ولا ريب إن كان صاحب هذا الباب فقيرًا فهو أحقُّ به من غيره من الفقراء، وبهذا أفتيتُ غير مرةٍ، وإذا كان التائب فقيرًا يأخذ منه حاجته، فإنه أحقُّ به من غيره، وهو إعانة له على التوبة، وإن كُلِّف إخراجَه تضرَّر غايةَ التضرُّر ولم يتُبْ. وأيضًا فلا مفسدةَ في أَخْذِه، فإنّ المال قد أخذه وخرج عن حكم صاحِبه، وعينُه ليست محرمة، وإنما حرم لكونه استُعِين به على محرم، وهذا قد غُفِر بالتوبة فيحلُّ له مع الفقر بلا ريب، وأخذُ ذلك له مع الغنى وجهٌ، وفيه تيسيرُ التوبة على من كسب مثل هذه الأموال.
وأما الربا فإنه قبض برضا صاحبه، والله سبحانه يقول:{فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} ، ولم يقل: فمن أسلم، ولا من تبيَّنَ له التحريم، بل قال:{فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى} ، والموعظة تكون لمن علم التحريم أعظم مما تكون لمن لم يعلمه، قال الله تعالى:{يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [النور: 17]، وقال:{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء: 63].