الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وذلك لأن المقصود الذي خلق له هو عبادة الله الجامعة لمعرفته بأسمائه وصفاتِه، ومحبتِه والإنابةِ إليه، وإخلاصِ الدين له، والطريق إلى ذلك هم رُسُل الله تعالى، ف
الإيمان بالله ورسوله هما المقصود والوسيلة
، وبدون أحدهما لا يحصل ذلك، فمن أقرَّ بالخالق ولم يؤمن بالرسل لم يَعْلَم ما يحبه الله ويرضاه ويأمر به، ولا ما يكرهه ويسخطه وينهى عنه، ولم يعرف أيضًا من أسمائه وصفاته ما لا يُعرف إلا من الرسل، سواء في ذلك العلوم والأعمال التي قد يعلمها الإنسان بعقله، فإن هذا القسم ليس بيِّنًا في العقول ولا ظاهرًا للناس، ولا هو مُتَّفقٌ عليه بين أرباب العقل العام، بل مَنْ لم يهتدِ بنورِ الرسالة واكتفى فيه برأيه ورأي بني جنسه فإنه يقع في الشبهات والإشكالات والاختلاف والتفرق الذي لا يُحيط به إلا الله تعالى، كما نجده في الخارجين عن اتباع حقيقة الرسالة من المشركين والمجوس، والمبدِّلين المبتدعين من الصابئين واليهود والنصارى والمسلمين، وهم الذين تفرَّقوا على الأنبياء والرسل، كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث المُتَّفَق عليه
(1)
وقد قال سبحانه في كتابه: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ} [البقرة: 176]. وقال تعالى: {كَانَ
(1)
البخاري (7288) ومسلم (1337).
النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 213].
وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 51 - 53].
وقال بعد أن ذكر قصص الأنبياء: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ} [الأنبياء: 92 - 93].
وقال تعالى: {شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ
سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ} [الشورى: 13 - 14].
وهذا المعنى قد ثنَّاه الله في كتابه يبيِّن فيه أن دينه واحد، وهو الإسلام العام والإيمان العام، وأنه أمر رسلَه بالاجتماع فيه والائتلاف، ونهاهم عن التفرق فيه والاختلاف، وأمر جميعَ عباده بالاجتماع فيه والائتلاف، ونهاهم عن التفرق فيه والاختلاف. وهو دين الله الذي أمر به الأولين والآخرين من عباده، فمن خرج عنه فكفر بجميع الرسالة، وهو الكفر بجميع الكتب والرسل، أو آمن ببعض الرسالة دون بعض، وهو الإيمان ببعض الكتب والرسل دون بعض، كما يدعيه أهل الكتاب من اليهود والنصارى، أو ببعض ما في الكتب والرسل كما عليه الصابئة والمبتدعون من الفلاسفة الذين في المسلمين وغيرهم، ومن سلك سبيلهم من المبتدعة أهلِ التحريف والتبديل في المسلمين واليهود والنصارى، ويَدخلُ في هؤلاء السبعون فرقةً الذين في اليهود، والإحدى والسبعون الذين في النصارى، والثنتان والسبعون الذين في المسلمين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث متعددة:«افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، ثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة وهي الجماعة»
(1)
. وفي رواية: «هو من كان على مثل ما أنا عليه
(1)
أخرجه ابن ماجه (3992) وابن أبي عاصم في السنة (63) من حديث عوف بن مالك. قال الألباني في السلسلة الصحيحة (1492): إسناده جيد، ورجاله ثقات معروفون غير عباد بن يوسف وهو الكندي الحمصي، وقد ذكره ابن حبان في الثقات، ووثقه غيره، وروى عنه جمع. وللحديث شواهد كثيرة، منها حديث معاوية بن أبي سفيان الذي أخرجه أحمد (4/ 102) وأبو داود (4597) والدارمي (2/ 241) بنحوه، وإسناده حسن.