الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} [النساء: 60 - 61].
وهؤلاء منافقون من أهل الكتاب والمشركين، وحالهم أيضًا شبيهٌ بحال الذين نبذوا {كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} [البقرة: 101 - 102]، فإن أولئك عَدَلوا عما في كتاب الله إلى اتباع الجبت والطاغوت: السحر والشيطان، وهذه حال الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب، الذين يؤمنون بالجبت والطاغوت. وحالُ الذين يتحاكمون إلى الطاغوت من المُظْهِرين للإيمان بالله ورسُلِه، فيها من حالِ هؤلاء بقدر ذلك. والطاغوت: كل معظَّم ومتعظّم بغير طاعةِ الله ورسوله من إنسانٍ أو شيطانٍ أو شيء من الأوثان.
وهذه
حال كثير ممن يُشبِه اليهودَ من المتفقهة والمتكلمة
وغيرِهم ممن فيه نوع نفاقٍ من هذه الأمة، الذين يؤمنون بما خالفَ كتابَ الله وسنةَ رسوله من أنواع الجبت والطاغوت، والذين يريدون أن يتحاكموا إلى غير كتاب الله وسنةِ رسولِه. قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ
بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا} [النساء: 61 - 62]. أي هؤلاء لم يقصدوا ما فعلوه من العدول عن طاعة الله ورسوله إلى اتباع ما اتبعوه من الطاغوت، إلا لِما ظنُّوه من جلب المنفعة لهم ودَفْعِ المضرَّة عنهم، مثل طلب علمٍ وتحقيقٍ كما يُوجَد في صنف المتكلمين، ومثل طلب أذواقٍ ومواجيدَ كما يُوجَد في صنف المتعبدين، ومثل طلب شهواتٍ ظاهرة وباطنةٍ كما يُوجَد في صنف الذين يريدون العلوَّ والذين يتبعون شهواتِ الغيِّ. قال تعالى:{وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النساء: 60]. أي ضلُّوا عن مطلوبهم الذي هو جلب المنفعة ودفع المضرة، فإن ذلك إنما هو في طاعة الله ورسوله دون اتباع الطاغوت. فإذا عاقبهم الله بنقيض مقصودهم في الدنيا، فأصابتهم مصيبةٌ بما قدَّمت أيديهم قالوا: ما أردنا بما فعلنا إلا إحسانًا وتوفيقًا. أي أردنا الإحسانَ إلى نفوسنا لا ظُلْمَها، وتوفيقًا أي جمعًا بين هذا وهذا، لنجمعَ الحقائقَ والمصالحَ. قال تعالى:{أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} [النساء: 63] من الاعتقادات الفاسدة والإرادات الفاسدة: الظنّ وما تهوى الأنفسُ {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء: 63].
فدعاهم سبحانه بعد ما فعلوه من النفاق إلى التوبة، وهذا من
رحمته بعباده، يأمرهم قبل المعصية بالطاعة وبعد المعصية بالاستغفار، وهو رحيم بهم في كلا الأمرين، وأمرُه لهم بالطاعة أولًا من رحمته، وأمرهم ثانيًا بالاستغفار من رحمته، فهو سبحانه رحيمٌ بالمؤمنين الذين أطاعوه أولًا، والذين استغفروه ثانيًا. فإذا كان رحيمًا بمَن يطيعه، والرحمةُ توجب إيصالَ ما ينفعهم إليهم ودفْعَ ما يضرُّهم عنهم، كيف يكون المأمور به مشتملًا على ضررِهم دون منفعتهم؟
وقوله: {جَاءُوكَ} المجيء إليه في حضوره معلومٌ كالدعاء إليه، وأما في مغيبه ومماتِه فالمجيء إليه كالدعاء إليه والرد إليه، قال تعالى:{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ} [النساء: 61]، وقال:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} [النساء: 59]، وهو الردُّ والمجيء إلى ما بُعِث به من الكتاب والحكمة. وكذلك المجيء إليه لمن ظلمَ نفسَه هو الرجوع إلى ما أمَره به، فإذا رجع إلى ما أمره به فإنّ الجائي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حياته ممن ظلم نفسَه يجيء إليه داخلًا في طاعته راجعًا عن معصيته، كذلك في مغيبِه ومماتِه. واستغفارُ الله موجودٌ في كل مكان وزمان، وأما استغفار الرسول فإنه أيضًا يتناول الناسَ في مغيبِه وبعدَ مماتِه، فإنه أُمِر أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، وهو مطيعٌ لله فيما أمَره به. والتائب داخلٌ في الإيمان، إذ المعصيةُ تَنقُص الإيمانَ، والتوبة من المعصية تزيد في الإيمان بقدرها، فيكون له من استغفار النبي صلى الله عليه وسلم بقدر ذلك.
فأما مجيءُ الإنسانِ إلى عند قبرِه، وقولُه: استغفِرْ لي أو ادعُ لي، أو
قولُه في مغيبه: يا رسولَ الله ادعُ لي أو استغفِرْ لي أو سَلْ لي ربَّك كذا وكذا، فهذا لا أصلَ له، ولم يأمر الله بذلك، ولا فَعَلَه أحدٌ من الصحابة ولا سَلَفِ هذه الأمة المعروفين في القرون الثلاثة، ولا كان ذلك معروفًا بينهم، ولو كان هذا مما يُستحبّ لكان السلف يفعلون ذلك، ولكان ذلك معروفًا عنهم بل مشهورًا بينهم ومنقولًا عنهم، فإن مثل هذا ــ إذا كان طريقًا إلى غفران السيئات وقضاء الحاجات ــ ممّا تتوفَّر الهِمَمُ والدواعي على فعلِه وعلى نقلِه، لا سيما فيمن كانوا أحرصَ الناس على الخير، فإذا لم يُعرَف أنهم
(1)
كانوا يفعلون ذلك ولا نقلَه أحدٌ عنهم عُلِمَ أنه لم
(2)
يكن مما يُستحبّ ويُؤمَر به. بل المنقول الثابت عنهم ما أمرَ به النبي صلى الله عليه وسلم من نهيِه عن اتخاذ قبرِه عيدًا
(3)
ووثنًا
(4)
، وعن اتخاذ القبور مساجدَ
(5)
.
وأما ما ذكره بعضُ الفقهاء من حكاية العتبي عن الأعرابي الذي أتى قبرَ النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا خيرَ البرية! إن الله يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} الآية [النساء: 64]، وإني قد جئتُك. وأنه رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم في
(1)
في الأصل: أنه لم. والظاهر أنه مقلوبٌ عن الآتي.
(2)
في الأصل: أنهم.
(3)
أخرجه أحمد (2/ 367) وأبو داود (2042) عن أبي هريرة، وإسناده حسن.
(4)
أخرجه مالك في الموطأ (1/ 172) عن عطاء بن يسار مرسلًا. وأخرجه أحمد (7358) عن أبي هريرة موصولًا.
(5)
أخرجه البخاري (4443) ومسلم (531) عن عائشة وابن عباس. وفي الباب عن غيرهما من الصحابة.
المنام وأمرَه أن يُبشِّر الأعرابيَّ
(1)
= فهذه الحكاية ونحوها مما يُذكرَ في قبرِ النبي صلى الله عليه وسلم وقبرِ غيرِه من الصالحين، فيقع مثلُها لمن في إيمانِه ضعفٌ، وهو جاهل بقدرِ الرسول وبما أمرَ به، فإن لم يُسعَفْ مثلُ هذا بحاجتِه، وإلا اضطربَ إيمانُه وعَظُمَ نفاقُه، فيكون في ذلك بمنزلة المؤلَّفةِ قلوبُهم بالعطاءِ في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال:«إني لأَتألَّفُ رجالًا لما في قلوبهم من الهلَع والجزع، وأَكِلُ رجالًا إلى ما جعلَ الله في قلوبهم من الغنى والخير»
(2)
. مع أنّ أخذَ ذلك المال مكروهٌ لهم، فهذا أيضًا مثل هذه الحاجات.
وإنما المشروع الذي وردتْ به سنتُه فهو دعاء المسلم ربَّه متوسِّلًا به [في حياته]، لا دعاؤه في مماته ومغيبه أن يفعلَ، ولا دعاؤه في مماتِه ومغيبه أن يَسأل، كما في الحديث الذي رواه الترمذي
(3)
وصححه أن النبي صلى الله عليه وسلم علَّم رجلًا أن يقول: «اللهمَّ إني أسألك وأتوسلُ إليك بنبيك محمدٍ نبيِّ الرحمة، يا محمد! يا نبيَّ الله! إنّي أتوسل بك إلى ربي في حاجتي ليَقْضِيَها لي، اللهمَّ فشفِّعْه فيَّ» .
(1)
انظر: المغني (5/ 465، 466) والمجموع للنووي (8/ 217) وغيرهما. وذكرها ابن كثير في تفسيره (2/ 960) ولم يستحسنها، وبيَّن بطلانَها ابن عبد الهادي في الصارم المنكي (ص 212).
(2)
أخرجه البخاري (923، 3145، 7535) عن عمرو بن تغلب.
(3)
برقم (3578). وأخرجه أيضًا أحمد (4/ 138) والنسائي في الكبرى (10495) وابن ماجه (1385)، وصححه ابن خزيمة (1219) والحاكم (1/ 313، 519). وانظر: التوسل للألباني (ص 69).
وذلك أن الله تعالى يقول: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة: 255]، وقال:{مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ} [السجدة: 4]، ثم قال:{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65]. فأقسمَ بنفسه على نفي إيمانِ من لم يجمع أمرين: تحكيمه فيما شجر بينهم وأن لا يجد في نفسه حرجًا، وهذا يُوجِب أنه ليس في أمرِه ونهيِه ما يُوجب الحرجَ .....
(1)
امتثلَ ذلك ...... حكمه لا بدَّ فيه من أمرٍ ونهيٍ، وإن كان فيه ....... أيضًا. فلو كان المأمور به والمنهي عنه ....... ومفسدةً وألمًا بلا لذةٍ راجحةٍ، لم يكن العبدُ مَلُومًا على وجود الحرج فيما هو مضرَّةٌ له ومفسدة.
ولهذا لم يتنازع العلماء أن الرِّضا بما أمرَ الله ورسولُه واجبٌ، بحيث لا يحبون كراهةَ ذلك ولا سخطَه، وأن محبة ذلك واجبةٌ، بحيث يُبغِضُ ما أبغضه الله، ويسخط ما سخطه الله من المحظور، ويُحِبُّ ما أحبَّه الله، ويَرضَى ما رَضِيَه الله من المأمور. وإن تنازعوا في الرضا بما قدَّره الحقُّ من الألم كالمرض والفقر، فقيل: هو واجب، وقيل: مستحب، وهو أرجح. والقولان في أصحاب أحمد وغيرهم. وأما الصبر على ذلك فلا نزاعَ أنه واجب.
وقد قال في الأول: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ
(1)
الكلمات في مواضع النقط غير واضحة في الأصل.
اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ} [التوبة: 58 - 59]. فجعل من المنافقين مَن سَخِطَ فيما منعَه اللهُ إياه ورسولُه، وحضَّهم بأن يَرضَوا بما آتاهم الله ورسوله. والذي آتاه الله ورسولُه يتناولُ ما أباحه دونَ ما حظَره، ويدخل في المباح العامّ ما أوجبَه وما أحبَّه.
وإذا كان الصبر على الضرَّاء ونحوِ ذلك مما أوجبه الله وأحبَّه، كما أوجب الشكر على النعماء وأحبَّه، كان كلٌّ من الصبر والشكر مما تجبُ محبتُه وعملُه، فيكون ما قُدِّر للمؤمنين من سَرَّاءَ معها شكرٌ وضرَّاءَ معها صبرٌ خيرًا له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:«لا يَقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابتْه سرَّاءُ فشكَرَ كان خيرًا له، وإن أصابتْه ضرَّاءُ فصبرَ كان خيرًا له»
(1)
.
وإذا كان ذلك خيرًا فالخير هو المنفعةُ والمصلحةُ، الذي فيه النعيم واللذة كما تقدمَّ، فيكون كلُّ مقدورٍ قُدِّر للعبد إذا عمل فيه بطاعة الله ورسولِه خيرًا له، وإنما يكون شرًّا لمن عمل بمعصية الله ورسوله، وقبلَ ذلك فهو محنةٌ وفتنةٌ وبلاءٌ، قد يَعملُ فيه بطاعة الله، وقد يعمل فيه بمعصية الله، فلا يُوصف بواحدٍ من الأمرين.
آخره، والحمد لله
(2)
.
(1)
أخرجه مسلم (2999) عن صهيب.
(2)
في الهامش: بلغ مقابلةً بأصلها المنقول عنه قدرَ الاستطاعة، والحمد لله.