الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على ظاهرها وحقيقتها في الموضعين= فالمفهوم منها في حق الله تعالى ليس هو ما يختصُّ به المخلوق.
فقيل: العلو من الأمور الإضافية بخلاف السمع والبصر ونحوهما.
فقلت: إذا كان الاشتراك في الصفة الثبوتية كالحياة أو في الصفة الثبوتية الإضافية كالسمع والبصر لا يقتضي تشبيهًا ونقصًا، فالاشتراك في الإضافة المحضة أولى أن لا يقتضي تشبيهًا ونقصًا، فإن الاشتراك في الصفات الثبوتية أولى بالمشابهة من الصفات الإضافية.
وقيل: إن ........
(1)
تعالى ذلك هل هو معلوم أو غير معلوم؟
فقلت: هو معلوم من حيث الجملة غير معلومٍ من حيث التفصيل، معلوم من وجهٍ دون وجه، كما قال مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، وهكذا سائر ما يُعلم من معاني أسماء الله وصفاته إنما يعلمه الناس من بعض الوجوه، وأما الإحاطة بحقيقته فليست إلّا لله وحده.
قلت: وكذلك ما أخبرتْ به الرسلُ مما في الجنة والنار، بل ونفس الإنسان إنما يعلم ذلك من بعض الوجوه دون الإحاطة بحقيقته.
وقيل: إن
صفة العلو هل هي صفة كمال
؟
فذكرتُ أن فيها قولين:
من الناس من يقول: ليست بصفة نقص ولا كمال، كما يقوله كثير
(1)
هنا كلمات مبتورة.
من المتكلمين من الأشعرية وغيرهم في صفات الفعل مثل الخلق والرزق، إذ لو كانت صفة كمالٍ لوجب اتصافه بها في الأزل، وهو منزه عن النقائص سبحانه وتعالى.
ومنهم من يقول: بل هي صفة كمال. ثم منهم من يقول: هي قديمة وإن تأخر أثرُها، كما يقولونه في الصفات الفعلية من الربوبية وغيرها، وصفة العلو استحقاقه للعلو عند وجود المخلوق. ومنهم من يقول: هذه من الأمور النسبية الإضافية، وتجدُّد النِّسَب والإضافات جائز باتفاق العقلاء، وهي صفة كمال لا يستحق لذلك إلّا حينَ وجود المخلوق، وقبلَ وجود المخلوق يمتنع ثبوتها، فلا يقال صفة نقصٍ ولا كمال.
وقال لي نائب السلطان ــ أيَّده الله وسدَّده ــ في ضمن الكلام: هذا الذي كتبتَه تقولُه من عندك؟
فقلتُ: ليس في هذا لفظٌ واحدٌ من عندي، وإنما هو من كتاب الله وسنةِ رسوله وألفاظِ سلفِ الأمة أو ألفاظِ مَن نقلَ مذاهب سلف الأمة وأهل السنة من الأئمة الموثوق بهم.
وقلتُ أيضًا: أنا أُمهِل من خالفني ثلاثَ سنين، فإن جاء بحرفٍ واحدٍ ثابتٍ عن القرون الثلاثة الصحابة والتابعين وتابعيهم يُناقِضُ حرفًا مما قلتُه وذكرتُه عنهم رجعتُ عن ذلك.
وقال بعضهم: هذا اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل.
فقلت: هذا اعتقاد جميع سلف الأمة وأهل الحديث ومن سلك سبيلَهم من أتباع الأئمة الأربعة ومشايخ الصوفية وعلماء المتكلمين، وإنما الإمام أحمد بلَّغ العلمَ الذي جاء به الرسولُ، واتبعَ سبيلَ من سبقه من الأئمة، ولو جاء أحد بشيء مخالف لذلك لم يقبل. وأما المتأخرون فمنهم من يوافق السلف، ومنهم من يخالف السلف.
وقلت: من أنكر من ذلك شيئًا فليكتُب خطَّه بما ينكره، ولينقلْ ذلك عن سلف الأمة، ويذكر مستنده، أو ليكتبْ عقيدةً تُناقض هذه، وتُعرَضُ الثنتانِ على سلطان المسلمين.
وقال لي بعض الحاضرين ــ وقد أحضر كتاب الأسماء والصفات للحافظ أبي بكر البيهقي ــ: هذا قد ذكر فيه عن بعض السلف تأويل صفة الوجه.
فقلت: لعلك تعني قوله: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115].
فقال: نعم، قد ذكر عن مجاهد والشافعي أنها قبلة الله
(1)
.
فقلت: هذا صحيح، وليست هذه من آيات الصفات، بل سياقُ الكلام يدلُّ على المقصود حيث قال:{وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} ، أي فثمَّ جهةُ الله، فإن الوجه والجهة والوِجهة في مثل
(1)
انظر: الأسماء والصفات (ص 309).
هذا بمعنى واحد، كما قال:{وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} [البقرة: 148] أي يستقبلها. ويقال: أيَّ وجهٍ تريد؟ أي أيَّ ناحيةٍ تُريد. فقوله: أينما تولوا، أي أينما تتولَّوا أي تتوجَّهوا وتستقبلوا فثمَّ جهةُ الله أي قبلةُ الله. وهذا ظاهر الكلام الذي يدلُّ عليه سياقُه، وقد يَغلَط بعضُ الناس فيُدخِل في الصفات ما ليس منها، كما يَغلَط بعضُ الناس فيجعلُ من التأويل المخالف للظاهر ما هو ظاهر اللفظ، كما في هذه الآية ونحوها. ومثل ذلك قوله:«الحجر الأسود يمينُ الله في الأرض، فمن صافحه واستلمه فكأنما صافحَ الله وقبَّل يمينَه»
(1)
.
فقال لي بعض الحاضرين: فقد روي عن مالك أنه قال في حديث النزول: ينزل أمره
(2)
.
فقلت: هذا رواه حبيب كاتبه، وهو كذاب
(3)
.
(1)
أخرجه ابن عدي في الكامل (1/ 342) والخطيب في تاريخ بغداد (6/ 328) ومن طريقهما ابن الجوزي في العلل المتناهية (2/ 85) عن جابر بن عبد الله مرفوعًا. وفي إسناده إسحاق بن بشر الكاهلي، كذَّبه أبو بكر بن أبي شيبة وغيره، وقال الدارقطني: هو في عداد من يضع الحديث. وروي موقوفًا على ابن عباس، أخرجه الأزرقي في تاريخ مكة (1/ 228) والجندي كما عزاه إليه السيوطي في الدر المنثور (1/ 694). وتكلم عليه المؤلف في مجموع الفتاوى (6/ 397، 398).
(2)
انظر: ترتيب المدارك (2/ 44).
(3)
انظر: ميزان الاعتدال (1/ 452) وتهذيب التهذيب (2/ 181).
فقال: قد رُوي من غير طريق حبيب، من طريق مطرف.
وجواب هذه الرواية المنقولة عن مالك كجواب الرواية المنقولة عن الإمام أحمد في مثل ذلك، فإنه نُقِل عنه يومَ مناظرته للجهمية أمامَ الخليفة أنه قال في قوله:{هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ} [البقرة: 210] أنه أمره. فقيل: الراوي غلط عليه، وقيل: إنه قاله على سبيل الإلزام لهم لما احتجُّوا بمجيء القرآن على [أنه] مخلوق، فقال لهم: إنما مجيء ثوابه كما قلتم في قوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ} [الفجر: 22]: إنه أمره.
وقيل: بل هذه رواية عنه أنه يتأول صفات المجيء والإتيان والنزول ونحو ذلك بمعنى القصد، ولا يتأوَّل غيرها. وبعضهم [جعلها] رواية مخرجة عنه في بعض أحاديث الصفات التي يجب تأويلها عند هذا القائل، وهو ابن ......
(1)
، فالكلام في المنقول عن مالك وأحمد سواء.
وهذا إذا كان قولاً صحيحًا ثابتًا عن السلف لم يضرَّني، لأني لم أذكر في العقيدة لفظ التأويل نفيًا ولا إثباتًا، وإنما قلت:«من غير تحريف» ، والتفسير الصحيح المأثور عن السلف الذي تقوم عليه الحجة الموجبة لقبوله ليس بتحريف، بل هو مثل ما يُنقل عنهم من تفسير القرآن والحديث. فهذا إذا ثبت ليس مخالفًا لما ذكرتُه.
وقلتُ للسادة الحاضرين: هل في شيء من هذه الأقوال والكلام
(1)
كلمة مطموسة.
كفرٌ أو فسقٌ؟ فصرَّح أكثرهم بأنه ليس فيه كفرٌ ولا فسقٌ، حتى من كان يُكِثر النزاعَ قبلَ ذلك المجلس ويدَّعي الكفر اعترفَ بأنه ليس فيه كفرٌ ولا فسقٌ.
وقال بعضهم: هذا بدعة. فأنكر جمهور الحاضرين عليه هذا القول، وطلب ...... الجمع بدعة أو أنه من البدع المستحسنة، وغلَّظ بعضهم الإنكار لهذا القول.
فقلت: الكتاب والسنة لا يكون بدعة، إنما البدعة مثل اعتقاد ابن التومرت
(1)
ونحوه، والسلف إنما كرهوا الكلام المخالف للكتاب والسنة، كما قال الشافعي رضي الله عنه: حكمي في أهل الكلام أن يُضرَبوا بالجريد ويُطافَ بهم في القبائل والعشائر، ويقالَ هذا جزاءُ من تركَ الكتابَ والسنةَ وأقبلَ على الكلام
(2)
. فإنما عابوا على من ترك الكتاب والسنة.
فقال بعضهم: قد كره مالكٌ رواية مثل هذا.
قلت: المنقول عن مالك أنه كره لمحمد بن عجلان رواية حديث الصورة
(3)
، وقد تكون كراهته مخصوصةً خشيةَ ضلالِ بعض الناس به،
(1)
تكلم المؤلف على عقيدته «المرشدة» في مجموع الفتاوى (11/ 476 ــ 491).
(2)
انظر: مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 462).
(3)
انظر: ترتيب المدارك (2/ 44) وسير أعلام النبلاء (6/ 320) وميزان الاعتدال (3/ 644، 645).
كما قال [عبد الله بن مسعود]: ما من رجلٍ يُحدِّثُ قومًا حديثًا لا تبلُغُه عقولهم إلّا كان فتنةً لبعضهم
(1)
. وإلّا فقد حدَّثَ به سائر الأئمة، وهو في الصحاح
(2)
. وهذا الحديث ليس في هذا الاعتقاد، وقد روى مالك في [الموطأ] حديث النزول والضحك
(3)
.
قلت: وأنا لم أخاطبْ عامّةً ولا دعوتُ أحدًا إلى اعتقاد، وإنما كتبت لبعض القضاة.
وبلغني أنه بعد المجلس أخرج بعضهم حديث عائشة وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمَّى الله فاحذروهم»
(4)
.
وجوابه أن الله ذمَّ من اتبع المتشابه ابتغاءَ الفتنةِ وابتغاءَ تأويله، لم يَذُمَّ أهلَ العلم الذين يقولون: آمنّا به كلٌّ من عند ربنا، فالذمُّ يقع [على] المنازع الذي يسأل عن الكيفية، ويطلب التأويل كما يُعلِّمه المتأولون المخالفون للنص والإجماع، ويطلب الفتنة بالتشكيك.
(1)
أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه (1/ 11) بنحوه.
(2)
حديث «خلق الله آدم على صورته» أخرجه البخاري (6227) ومسلم (2612، 2841) عن أبي هريرة. وانظر الكلام عليه في: جواب الاعتراضات المصرية (ص 157 ــ 177).
(3)
انظر حديث النزول في: الموطأ (1/ 214) وحديث الضحك فيه (1/ 460).
(4)
أخرجه البخاري (4547) ومسلم (2665).
قال لي بعضهم: أتُؤمن أن الله ينادي يومَ القيامة بصوتٍ؟
فقلتُ: هذا قاله نبيُّك إن كنتَ مؤمنًا به
(1)
، وهكذا قال الرسول الذي أُرسِلَ إليك إن كنتَ مصدِّقًا بأنه رسولُ الله.
فقال آخر: الحديث «يُنادَى» .
فقلت: أما غالبُ الرواة فإنهم قالوا: «يُنادي» ، وقد رواه بعضهم «يُنادَى» كما حكاه القاضي عياض
(2)
، ولا منافاة، فإن الروايتين الصحيحتين في الحديث كالقراءتين الصحيحتين في القراءات، فذلك مثل قوله:{وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ} [الكهف: 47]، وتُسَيَّرُ الجبالُ
(3)
.
(1)
سبق تخريجه.
(2)
انظر: مشارق الأنوار (2/ 8) وفتح الباري (13/ 460).
(3)