الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
كخلقِ
(1)
الصِّفاتِ أفيحسُن بالإنسان أن يقول: أسود، وأحمر، وطويل، وقصير، وذكيٌّ، وبليد، وعربيٌّ، وعجميٌّ، فيضيفُ جميعَ الصفات التي ليس للإنسان فيها إرادةٌ أصلًا إليه
(2)
؛ لقيامها به، وتأثيرها فيه، تارةً بما يلائمُه وتارةً بما ينافِرُه، ثم يستبعِد أن يضاف إليه ما خُلِق فيه من الفعل بواسطة قصدِه وإرادتِه المخلوقَين أيضًا، ثم يقول: ليس للعبد في الاثنين
(3)
شيء؟! وهل الجميعُ إلا له، ليست لأحدٍ غيره؟!؛ لكن الله سبحانه خلقها له، وإضافةُ الفعل إلى خالقه ومبدعه لا تنافي إضافته إلى صاحبه ومحلِّه الذي هو فاعله وكاسبُه، وقد بيَّنَّا الجبرَ المذموم ما هو.
ونختم الكلام بكلامٍ وجيزٍ في
سبب الفرق بين الخلق والكسب
، فنقول: الخلق يجمع معنيين:
أحدهما: الإبداع والبَرْء.
والثاني: التقدير والتصوير.
فإذا قيل: "خَلَق" فلا بدَّ من أن يكون أبدع إبداعًا مقدَّرًا، ولما كان الله سبحانه وتعالى أبدَع جميعَ الأشياء من العدَم، وجعَل لكلِّ شيءٍ قدرًا، صحَّ إضافة الخلق إليه بالقول المطلق.
والتقدير في المخلوق لازم؛ إذ هو عبارةٌ عن تحديده والإحاطة به، وهذا
(1)
مهملة في الأصل، وفي (ف):"بخلق"، والأشبه ما أثبت.
(2)
(ف): "البتة". تحريف.
(3)
لم تحرر في الأصل، وضبب عليها الناسخ. وفي (ف):"السيء". وهو تحريف.
لازمٌ لجميع الكائنات، لا كما زعم من حَسِب أن الخلق يختصُّ
(1)
ذواتِ المساحة، وهي الأجسام، مفرِّقًا بين الخلق والأمر بذلك
(2)
؛ فإنه قولٌ باطلٌ مبتدَع.
والأمرُ هو كلامُه، كما فسَّره الأوَّلون
(3)
.
والخلقُ مصنوعاتُه
(4)
، وقد
(5)
يُجْعَل الخلقُ بإزاء إبداع الصُّور الذهنية وتقديرِها، ومنه تسمية الكذب "اختلاقًا"
(6)
؛ إذ هو صورٌ ذهنيةٌ ليس لها حقيقةٌ خارجةٌ عن الذهن واللسان
(7)
.
وربما
(8)
جُعِل الخلقُ بمعنى التقدير فقط، مقطوعًا عنه النظرُ إلى الإبداع، كما قال
(9)
:
(1)
ساقطة من (ف)، وزادت "في".
(2)
وهو قول الغزالي. انظر: "إحياء علوم الدين"(3/ 382، 4/ 26)، و"كيمياء السعادة"(126)، و"الرد على المنطقيين"(197)، و"بغية المرتاد"(218، 231)، و"مجموع الفتاوى"(11/ 231).
(3)
انظر: "مجموع الفتاوى"(6/ 17).
(4)
(ف): "مفسر". تحريف.
(5)
ساقطة من (ف).
(6)
(ف): "اختلافا". وهو تحريف. وسقطت منها كلمة "الكذب".
(7)
ساقطة من (ف).
(8)
ساقطة كذلك من (ف).
(9)
زهير بن أبي سُلمى، في ديوانه (94). والبيت:
ولأنت تفري ما خلقتَ وبعْـ
…
ـضُ القوم يخلقُ ثم لا يفري
* ولأنتَ تَفْرِي
(1)
ما خلقتَ *
وكما قال عيسى
(2)
في تمثالٍ صَنَعه: "أنا خلقتُه"، ولو قيل: هو عائدٌ إلى الأول
(3)
من حيث إن تلك الصورة مُبْدَعَةٌ لكان قولًا.
فلما كان هذا المعنى
(4)
لا يكونُ إلا لله صحَّ وصفُه سبحانه بأنه خالق كل شيء.
وأما الكسب، فقد ذكرنا أنه إنما يُنْظَر فيه إلى تأثيره في محلِّه، ولو لم يكن له عليه قدرةٌ أصلًا، فكيف بما له عليه قدرة
(5)
؟!
حتى يقال: الثوبُ قد اكتَسبَ مِن ريح المسك، والمسجدُ قد اكتسبَ الحُرمة من أفعال العابدين، والجلدُ اكتسبَ الحُرمة بمجاورة المصحف، والثمرةُ قد اكتسبت لونًا وريحًا وطعمًا؛ فكلُّ محلٍّ تأثَّر عن شيءٍ تأثرًا ملائمًا أو منافِرًا
(6)
صحَّ وصفُه بالاكتساب، بناءً على تأثُّره وتغيُّره وتحوُّله من حالٍ إلى حال.
(1)
(ف): "بما قال سدى". سقط وتحريف.
(2)
رسمت في الأصل و (ف): "علي". وأحسبها محرفة عما أثبت، يشير إلى قول عيسى عليه السلام:{أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ} . وانظر: "الانتصار" للباقلاني (2/ 728)، و"الجواب الصحيح"(4/ 46). ولا يمكن أن يصنع عليٌّ رضي الله عنه تمثالًا وقد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم بطمس التماثيل.
(3)
أي: معنى إبداع الصور. والعبارة في (ف): "والفرق الأولى". سقط وتحريف.
(4)
وهو الإبداع والبَرْء. والجملة ساقطة من (ف).
(5)
من قوله: "أصلا" إلى هنا ساقط من (ف)، لانتقال النظر.
(6)
(ف): "مؤثرا وملائما ومنافرا". تحريف.
والإنسانُ يتأثَّر عن الأفعال الاختيارية ولا يتأثَّر عن الأفعال الاضطرارية، وتُورِثه أخلاقًا وأحوالًا على أيِّ حالٍ كان، حتى على رأي من يطلق اسم "الجبر" على مجموع أفعاله؛ فإنه يستيقنُ تأثير الأفعال الاختيارية في نفسه، بخلاف الاضطرارية، [اللهم إلا من حيث قد توجبُ الأفعالُ الاضطرارية]
(1)
أمرًا في نفسه، فيكون ذلك اختيارًا.
ثم اعلم أن الاضطرار إنما يكون في بدنه بدون قلبه، إمَّا بفعل الله، كالأمراض والأسقام، وإمَّا بفعل العباد، كالقَيد والحَبس.
وأما أفعالُ روحه المنفوخة فيه إذا حرَّكت بدنَه
(2)
فهي كلُّها اختيارية، ومن وجهٍ ــ قد بيَّنَّاه ــ كلُّها اضطرارية؛ فاضطرارُها هو عينُ الاختيار
(3)
، واختيارُها إنما هو بالاضطرار.
وحقيقة الاضطرار
(4)
هو أن يخلُق فيها الاختيار
(5)
، وربما أحبَّت من وجهٍ وكرهت من وجه، لكن هذا كلَّه لا يمنعُ ورودَ التكليف واقتضاءَ الثواب والعقاب، كما قد أومأنا إليه
(6)
.
هذا الذي تيسَّر كتابتُه
(7)
في هذه الحال، والله يقول الحقَّ وهو يهدي إلى
(1)
سقط من الأصل، واستدركته من (ف).
(2)
(ف): "يديه". تحريف.
(3)
الأصل: "الاختيارية". وهي ساقطة من (ف).
(4)
الأصل: "الاضطرارية". والمثبت من (ف) أشبه.
(5)
(ف): "هو أن اضطرار". سقط وتحريف.
(6)
"كما قد أومأنا إليه" ساقط من (ف).
(7)
الأصل: "كتابه". والمثبت من (ف).